trial

موسوعة الأخلاق

نماذج مِن تواضع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم


كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جمَّ التَّواضُع، لا يعتريه كِبرٌ ولا بَطَرٌ على رِفْعَة قَدْرِه وعلوِّ منزلته، يخفض جناحه للمؤمنين ولا يتعاظم عليهم، ويجلس بينهم كواحد منهم، ولا يُعْرَف مجلسه مِن مجلس أصحابه؛ لأنَّه كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويجلس بين ظهرانيهم فيجيء الغريب فلا يدري أيُّهم هو حتى يسأل عنه، روى أبو داود في سننه عن أبي ذرٍّ وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهري أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيُّهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه...)) [803] رواه أبو داود (4698)، والنَّسائي (4991). وسكت عنه أبو داود، وصحَّحه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (4698). .
وقال له رجل: يا محمَّد، أيا سيِّدنا وابن سيِّدنا، وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أيُّها النَّاس، عليكم بتقواكم، ولا يستهوينَّكم الشَّيطان، أنا محمَّد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، ما أحبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله )) [804] رواه أحمد (3/153) (12573)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (9/103) مِن حديث أنس رضي الله عنه. وجوَّد إسناده الشَّوكاني كما في ((الفتح الرباني)) (1/336)، وصحَّح إسناده أحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/611). .
- وكان صلى الله عليه وسلم مِن تواضعه، يتفقَّد أحوال أصحابه ويقوم بزيارتهم، فقد روى البخاريُّ في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: ((إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُكِر له صومي، فدخل علي فألقيت له وسادة مِن أَدَم [805] أَدَم: الجلد المدبوغ. انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (10/313). حشوها ليف فجلس على الأرض، وصارت الوسادة بيني وبينه، فقال أما يكفيك مِن كلِّ شهرٍ ثلاثة أيَّام. قال: قلت: يا رسول الله! قال: خمسًا. قلت: يا رسول الله! قال: سبعًا. قلت: يا رسول الله! قال: تسعًا. قلت: يا رسول الله! قال: إحدى عشرة. ثمَّ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: لا صوم فوق صوم داود -عليه السَّلام - شطر الدَّهر: صم يومًا وأفطر يومًا )) [806] رواه البخاري (1980)، ومسلم (1159). .
وكان يتفقَّدهم حتى في الغزوات والمعارك، ومِن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه مِن حديث أبي برزة: ((أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان في مغزى له، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: هل تفقدون مِن أحدٍ. قالوا: نعم فلانًا وفلانًا وفلانًا. ثمَّ قال: هل تفقدون مِن أحدٍ. قالوا: نعم فلانًا وفلانًا وفلانًا. ثمَّ قال: هل تفقدون مِن أحدٍ؟ قالوا: لا. قال: لكنِّي أفقد جليبيبًا، فاطلبوه. فطُلِب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثمَّ قتلوه، فأتى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فوقف عليه، فقال: قتل سبعة ثمَّ قتلوه، هذا منِّي وأنا منه، هذا منِّي وأنا منه. قال: فوضعه على ساعديه ليس له إلَّا ساعدا النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: فحفر له ووضع في قبره )) [807] رواه مسلم (2472). .
- وكان مِن تواضعه صلى الله عليه وسلم، القيام بخدمة أصحابه، روى مسلم في صحيحه مِن حديث أبي قتادة، وفيه -في قصَّة نومهم عن صلاة الفجر-: ((...قال ودعا بالميضأة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبُّ وأبو قتادة يسقيهم -أي أصحابه- فلم يَعْدُ أن رأى النَّاس ماءً في الميضأة تكابُّوا عليها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنوا الْمَلَأَ [808] الملأ: الخلق والعشرة. انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (5/188). كلُّكم سيَرْوى. قال: ففعلوا. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبُّ وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ثمَّ صبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لي اشرب. فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله. قال: إنَّ ساقي القوم آخرهم شربًا. قال: فشربت، وشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأتى النَّاس الماء جامِّين رِوَاء [809] جامِّين رِوَاء: مستريحين قد رووا من الماء. انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (12/106). ) [810] رواه مسلم (681). .
- ومِن تواضعه صلى الله عليه وسلم، أنَّه إذا مرَّ على الصِّبيان، سلَّم عليهم، فقد روى البخاريُّ ومسلم عن أنس رضي الله عنه: ((أنَّه مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم، وقال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يفعله )) [811] رواه البخاري (6247)، ومسلم (2168). .
((وكان صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار، ويسلِّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم)) [812] رواه ابن حبان (2/205)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (6/291)، والبغوي في ((شرح السنة)) (12/264) مِن حديث أنس رضي الله عنه. وقال البغوي: حسن صحيح. وقال الألباني في ((السِّلسلة الصَّحيحة)) (5/149): إسناده صحيح على شرط مسلم. .
وعن أنس رضي الله عنه قال: ((إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخٍ لي صغير: يا أبا عُمَيْر، ما فعل النُّغَير؟ )) [813] رواه البخاري (6129)، ومسلم (2150). .
- ومِن تواضعه صلى الله عليه وسلم، أنَّه كان يشارك في خدمة أهله في البيت، فقد روى البخاريُّ عن الأسود، قال: ((سألت عائشة: ما كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مِهْنَةِ أهله - تعني خدمة أهله -، فإذا حضرت الصَّلاة خرج إلى الصَّلاة )) [814] رواه البخاري (676) مِن حديث عائشة رضي الله عنها. .
- وكان مِن تواضعه صلى الله عليه وسلم، أنه يركب الحمار ويستردف فيه، يحكي لنا أنس رضي الله عنه عن حال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيقول: ((كان صلى الله عليه وسلم يُرْدِف خلفه، ويضع طعامه على الأرض، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار)) [815] رواه الحاكم (4/132) (7128). وصحَّحه الألباني في ((صحيح الجامع)) (4945). .
وعن عبيد بن حنين أنَّه سمع ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- يحدِّث أنَّه قال: ((مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطَّاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجًّا فخرجت معه...)) [816] رواه البخاري (4913). . الحديث. وفيه: ((وإنَّه – أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم - لَعَلَى حصيرٍ ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة مِنَ أَدَم حشوها ليف، وإنَّ عند رجليه قَرَظًا [817] القرظ: شجر يدبغ به، وقيل: هو ورق السلم يدبغ به الأدم. انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (7/454). مصبوبًا، وعند رأسه أَهَبٌ معلَّقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيتُ، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله، إنَّ كِسْرَى وقيصر فيما هُمَا فيه وأنت رسول الله! فقال: أَمَا ترضى أن تكون لهم الدُّنْيا ولنا الآخرة )) [818] رواه البخاري (4913). .
- ومِن تواضعه صلى الله عليه وسلم: استجابته للدَّعوة، وقبوله الهديَّة مهما قلَّت قيمتها، روى البخاريُّ مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لو دُعِيت إلى ذراع أو كُرَاع لأجبت، ولو أُهْدِي إليَّ ذراع أو كراع لقَبِلت )) [819] رواه البخاري (2568). .
قال الشَّاعر:


يا جاعلًا سنن النَّبيِّ





شعاره ودثاره



متمسِّكًا بحديثه





متتبِّعًا أخباره



سنن الشَّريعة خذ بها





متوسِّمًا آثاره



وكذا الطَّريقة فاقتبس





في سبلها أنواره



قد كان يقري ضيفه





كرمًا ويحفظ جاره



ويجالس المسكين يؤ





ثر قربه وجواره



الفقر كان رداءه





والجوع كان شعاره



يلقى بغرَّة ضاحك





مـــــســــــتـــــــبـــــــشــــــــــــرًا زوَّاره



بسط الرِّداء كرامةً





لكريم قوم زاره



ما كان مختالًا ولا





مرحًا يجرُّ إزاره



قد كان يركب بالرَّديـ





ـف مِن الخضوع حماره



مِن مِهْنَة هو أو صلا





ةٍ ليله ونهاره



فتراه يحلب شاة مَنْـ





ـزِلِه ويوقد ناره



ما زال كهف مهاجريـ





ـه ومكرمًا أنصاره



برًّا بمحسنهم مقيـ





ـلًا للمسيء عثاره



يهب الذي تحوي يدا





ه لطالبٍ إيثاره



زكَّى عن الدُّنْيا الدنـ





ـيَّة ربُّه مقداره



جعل الإله صلاته





أبدًا عليه نثاره



فاختر مِن الأخلاق ما





كان الرَّسول اختاره



لتعد سنيًّا وتو





شك أن تبوَّأ داره [820] ((نهاية الأرب في فنون الأدب)) للنُّويري (18/176).



انظر أيضا: