trial

موسوعة الأخلاق

ثانيًا: ذم الغدر والنهي عنه في السنة النبوية


- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان )) [6354] رواه مسلم (1736)، بهذا اللفظ، ورواه البخاري ومسلم بألفاظ مختلفة، من حديث أبي سعيد، وابن عمر، وأنس رضي الله عنهم. .
قال ابن بطال: (وهذه مبالغة في العقوبة وشدة الشهرة والفضيحة) [6355] ((شرح صحيح البخاري)) (5/357). .
وقال النووي: (لكل غادر لواء. أي: علامة يشتهر بها في الناس؛ لأن موضوع اللواء الشهرة مكان الرئيس علامة له، وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر؛ لتشهيره بذلك) [6356] ((المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج)) (12/43). .
(وفي هذا الحديث دليل على أن الغدر من كبائر الذنوب، لأن فيه هذا الوعيد الشديد) [6357] ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (6/273). .
- وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر )) [6358] رواه البخاري (2227). .
قال المناوي: (وإذا عاهد غدر) أي: نقض العهد [6359] ((فيض القدير)) (1/463). .
وقال العظيم آبادي: (وإذا عاهد غدر) أي: نقض العهد وترك الوفاء بما عاهد عليه [6360] ((عون المعبود)) (12/289). .
وقال ابن عثيمين: (... ((وإذا عاهد غدر)) يعني: إذا أعطى عهدًا على أي شيء من الأشياء غدر به، ونقض العهد، وهذا يشمل المعاهدة مع الكفار، والمعاهدة مع المسلم في بعض الأشياء ثم يغدر بذلك [6361] ((شرح رياض الصالحين)) (6/166). .
- وفي حديث هرقل الطويل مع أبي سفيان عندما سأله عن النبي: ((فهل يغدر؟ قال: لا، ثم قال هرقل: وسألتك هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون )) [6362] رواه البخاري (2941)، ومسلم (1773). .
قال ابن بطال: (قد جاء فضل الوفاء بالعهد، وذم الختر [6363] الختر: الغدر. انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (4/229). في غير موضع في الكتاب والسنة، وإنما أشار البخاري في هذا الحديث إلى سؤال هرقل لأبي سفيان، هل يغدر؟ إذ كان الغدر عند كلِّ أمة مذمومًا قبيحًا، وليس هو من صفات رسل الله، فأراد أن يمتحن بذلك صدق النبي؛ لأن من غدر ولم يفِ بعهد لا يجوز أن يكون نبيًّا؛ لأنَّ الأنبياء والرسل عليهم السلام أخبرت عن الله بفضل من وفى بعهد، وذم من غدر وختر) [6364] ((شرح صحيح البخاري)) (5/356). .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعط أجره )) [6365] رواه البخاري (2227). .
قال المهلب: قوله: ((أعطى بي ثم غدر)) يريد: نقض عهدًا عاهده عليه [6366] ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال (6/345). .
وقال المناوي: (... ((ثم غدر)). أي: نقض العهد الذي عاهد عليه؛ لأنَّه جعل الله كفيلًا له فيما لزمه من وفاء ما أعطى، والكفيل خصم المكفول به للمكفول له) [6367] ((فيض القدير)) (3/315). .
وقال الصنعاني: (فيه دلالة على شدة جرم من ذكر، وأنه تعالى يخصمهم يوم القيامة نيابة عمن ظلموه، وقوله أعطى بي، أي: حلف باسمي وعاهد، أو أعطى الأمان باسمي وبما شرعته من ديني، وتحريم الغدر والنكث مجمع عليه) [6368] ((سبل السلام)) (2/116). .
- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به)) [6369] رواه مسلم  (1737). .
قال ابن بطال: (دلَّ أنَّ الغدر حرام لجميع الناس، برهم، وفاجرهم؛ لأن الغدر ظلم، وظلم الفاجر حرام كظلم البرِّ التقي. فإن قال قائل: فما وجه موافقة حديث ابن عباس للترجمة؟ قيل: وجه ذلك- والله أعلم- أنَّ محارم الله عهود إلى عباده، فمن انتهك منها شيئًا لم يف بما عاهد الله عليه، ومن لم يفِ فهو من الغادرين، وأيضًا فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة مَنَّ على أهلها كلِّهم، مؤمنهم، ومنافقهم، ومعلوم أنه كان فيهم منافقون، ثم أخبر صلى الله عليه وسلم، أنَّ مكة حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنَّه لا يحلُّ قتال أحد فيها، وإذا كان هذا، فلا يجوز الغدر ببرٍّ منهم ولا فاجر؛ إذ شمل جميعهم أمان النبي وعفوه عنهم) [6370] ((شرح صحيح البخاري)) (5/351). .
- وعن أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة)) [6371] رواه مسلم (1738) (15). والحديث روي بألفاظ مختلفة من حديث عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وأنس رضي الله عنهم. . وفي رواية: ((لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة)) [6372] رواه مسلم (1738) (16). والحديث روي بألفاظ مختلفة من حديث عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وأنس رضي الله عنهم. .
قال النووي: (وفي هذه الأحاديث بيان غلظ تحريم الغدر، لاسيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثيرين) [6373] ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (12/44). .

انظر أيضا: