trial

موسوعة الأخلاق

ثانيًا: نماذج من الجدال المحمود في السنة النبوية


والأمثلة من السنة على الجدال المحمود كثيرة، ونذكر منها على سبيل المثال:
1- المجادلة التي دارت بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم، وبينه وبين أبي بكر رضي الله عنه، في صلح الحديبية: فعن شقيق بن سلمة قال: ((قام سهلُ بنُ حنيفٍ يومَ صفِّينَ فقال: أيها الناسُ! اتهموا أنفسكم. لقد كنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومَ الحديبيةِ. ولو نرى قتالًا لقاتلنا. وذلك في الصلحِ الذي كان بين رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وبين المشركين. فجاء عمرُ بنُ الخطابِ. فأتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ! ألسنا على حقٍّ وهم على باطلٍ؟ قالا (بلى) قال: أليس قتلانا في الجنةِ وقتلاهم في النارِ؟ قال (بلى) قال: ففيمَ نُعطي الدنيَّةَ في ديننا ، ونرجعُ ولما يحكم اللهُ بيننا وبينهم؟ فقال (يا ابنَ الخطابِ! إني رسولُ اللهِ. ولن يُضيِّعني اللهُ أبدًا) قال: فانطلق عمرُ فلم يصبر متغيِّظًا. فأتى أبا بكرٍ فقال: يا أبا بكرٍ! ألسنا على حقٍّ وهم على باطلٍ؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنةِ وقتلاهم في النارِ؟ قال: بلى. قال: فعلام نُعطي الدنيَّةَ في ديننا ، ونرجعُ ولما يحكمُ اللهُ بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابنَ الخطابِ! إنَّهُ رسولُ اللهِ ولن يُضيِّعَه اللهُ أبدًا. قال: فنزل القرآنُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالفتحِ. فأرسل إلى عمرَ فأقرأَه إياهُ. فقال: يا رسولَ اللهِ! أو فتحٌ هوَ؟ قال (نعم) فطابت نفسُه ورجع .)) [5006] رواه مسلم ( 1785). .
2- الجدال الذي دار بين سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وبين النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب. قال ابن كثير: قال ابن إسحاق: ((فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مرابطًا، وأقام المشركون يحاصرونه بضعًا وعشرين ليلة قريبًا من شهر، ولم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل. فلما اشتدَّ على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم... إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المري، وهما قائدا غطفان، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح، حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة [5007] المراوضة: المداراة انظر ((القاموس المحيط)) للفيروزآبادي (ص 644). . فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك بعث إلى السعدين فذكر لهما ذلك، واستشارهما فيه. فقالا: يا رسول الله، أمرًا تحبه فنصنعه، أم شيئًا أمرك الله به لا بدَّ لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؟ فقال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم [5008] كالبوكم: تواثبوا عليكم، وأظهروا عداوتكم، وناصبوكم وجاهروكم بها. ((المصباح المنير)) للفيومي (2/537). من كلِّ جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما. فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنَّا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرًى [5009] القرى: الإحسان إلى الضيف. ((العين)) للخليل بن أحمد الفراهيدي (5/204). أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزَّنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا)) [5010] انظر: ((السيرة النبوية)) لابن كثير (3/201-202)، و((سيرة ابن هشام)) (2/223). .
3- مجادلة ابن عباس للخوارج، فعن عبد الله بن عباس، قال: (لما خرجت الحرورية اعتزلوا في دار، وكانوا ستة آلاف فقلت لعلي: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة، لعلي أكلم هؤلاء القوم. قال: إني أخافهم عليك قلت: كلا، فلبست، وترجلت، ودخلت عليهم في دار نصف النهار، وهم يأكلون فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس، فما جاء بك؟ قلت لهم: أتيتكم من عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين، والأنصار، ومن عند ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصهره، وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، لأبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون، فانتحى لي نفر منهم قلت: هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه قالوا: ثلاث قلت: ما هن؟ قال: أما إحداهن، فإنه حكم الرجال في أمر الله وقال الله: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ [الأنعام: 57] ما شأن الرجال والحكم؟ قلت: هذه واحدة. قالوا: وأما الثانية، فإنه قاتل، ولم يسب، ولم يغنم، إن كانوا كفارًا لقد حل سباهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حل سباهم ولا قتالهم، قلت: هذه ثنتان، فما الثالثة؟ وذكر كلمة معناها قالوا: محى نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين. قلت: هل عندكم شيء غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا. قلت: لهم أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه، وسنة نبيه ما يرد قولكم أترجعون؟ قالوا: نعم قلت: أما قولكم: حكم الرجال في أمر الله، فإني أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صير الله حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم، فأمر الله تبارك وتعالى أن يحكموا فيه أرأيت قول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ [المائدة: 95] وكان من حكم الله أنه صيره إلى الرجال يحكمون فيه، ولو شاء لحكم فيه، فجاز من حكم الرجال، أنشدكم بالله أحكم الرجال في صلاح ذات البين، وحقن دمائهم أفضل أو في أرنب؟ قالوا: بلى، هذا أفضل وفي المرأة وزوجها: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا [النساء: 35] فنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات بينهم، وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة؟ خرجت من هذه؟ قالوا: نعم. قلت: وأما قولكم: قاتل ولم يَسْبِ، ولم يغنم. أفتسبون أمكم عائشة، تستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم؟ فإن قلتم: إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمنا فقد كفرتم: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب: 6] فأنتم بين ضلالتين، فأتوا منها بمخرج، أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، وأما محي نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون. إن نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية صالح المشركين فقال لعلي: اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: امح يا علي اللهم إنك تعلم أني رسول الله، امح يا علي، واكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله والله لرسول الله صلى الله عليه وسلم خير من علي، وقد محى نفسه، ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من النبوة، أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم، فقُتِلوا على ضلالتهم، فقتلهم المهاجرون والأنصار) [5011] رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (5/165) (8575)، والطبراني (10/257) (10598)، والحاكم (2/164) واللفظ له، والبيهقي (8/179) (17186).      وصحح إسناده ابن تيمية في ((منهاج السنة)) (8/530)، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (6/242): رجاله رجال الصحيح، وحسنه الوادعي في ((الصحيح المسند)) (711). .

انظر أيضا: