موسوعة الأخلاق

المعاني التي ترمز إليها الأمانة


الأمَانَة في نظر الشَّارع واسعة الدِّلالة، وهي ترمز إلى معان شتَّى، مناطها جميعًا شعور المرء بتبعته في كلِّ أمر يُوكل إليه، وإدراكه الجازم بأنَّه مسؤول عنه أمام ربِّه... والعوام يقصرون الأمَانَة في أضيق معانيها وآخرها ترتيبًا، وهو حفظ الودائع، مع أنَّ حقيقتها في دين الله أضخم وأثقل.
وإنَّها الفريضة التي يتواصى المسلمون برعايتها ويستعينون بالله على حفظها، حتى إنَّه عندما يكون أحدهم على أُهْبة السَّفر يقول له أخوه: ((أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك )) [299] رواه أبو داود (2600)، والترمذي (3443)، وابن ماجه (2726) مِن حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-. قال الترمذي: حسن صحيح غريب مِن هذا الوجه. وحسَّنه ابن حجر في ((الفتوحات الرباَّنيَّة)) (5/116)، وصحَّح إسناده أحمد شاكر في ((تخريج المسند)) (9/70).
وعن أنس قال: ((قلَّما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)) [300] رواه أحمد (3/154) (12589)، وابن حبان (1/422) (194)، والطبراني في ((الأوسط)) (3/98). وحسَّنه البغوي في ((شرح السنة)) (1/100)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح الجامع)) (7179).
ولـمَّا كانت السَّعادة القصوى أن يُوقَى الإنسان شقاء العيش في الدُّنْيا، وسوء المنقلب في الأخرى، فإنَّ رسول الله جمع في استعاذته بين الحالين معًا، إذ قال: ((اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك مِن الجوع فإنَّه بئس الضَّجيع، وأعوذ بك مِن الخيانة فإنَّها بئس البطانة )) [301] رواه أبو داود (1547)، والنسائي (5468)، وابن ماجه (3354) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وصحَّح إسناده النَّووي في ((الأذكار)) (484)، وحسَّنه ابن حجر في ((الفتوحات الربانية)) (3/169)، وحسَّنه الألباني في ((صحيح الجامع)) (1283). ، فالجوع ضياع الدُّنْيا والخيانة ضياع الدِّين [302] ((خلق المسلم)) لمحمد الغَزَالي (40-41).
العمل بالحيل يفتح باب الخيانة:
قال ابن تيمية: (أخبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((أنَّ أوَّل ما يُفْقَد مِن الدِّين الأمَانَة، وآخر ما يُفْقد منه الصَّلاة)) [303] رواه الطبراني في ((المعجم الصَّغير)) (1/238)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (4/174) والبيهقي في ((الشُّعب)) (7/215) مِن حديث عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه. قال البيهقي في ((شعب الإيمان)) (4/1858): تفرَّد به حكيم بن نافع، ورُوِي من وجه آخر. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (7/324): فيه حكيم بن نافع، وثَّقه ابن معين وضعَّفَه أبو زرعة، وبقيَّة رجاله ثقات. وحسنه لألباني في ((صحيح الجامع)) (2575) مِن حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه. ، وحدَّث عن رفع الأمَانَة مِن القلوب، الحديث المشهور وقال: ((خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم)) فذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثة، ثمَّ ذكر أنَّ بعدهم قومًا ((يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السِّمن )) [304] رواه الترمذي (2222)، وأحمد (4/426) (19836) واللَّفظ له، وابن حبان (15/123) مِن حديث عمران بن حصين رضي الله عنه. قال الترمذي: حسن صحيح. وصحَّحه أبو نعيم في ((الحلية)) (2/294)، والألباني في ((صحيح الترمذي)) (2222). ، وهذه أحاديث صحيحة مشهورة. ومعلوم أنَّ العمل بالحيل يفتح باب الخيانة والكذب، فإنَّ كثيرًا مِن الحيل لا يتم إلَّا أن يتفق الرَّجلان على عقد يظهرانه ومقصودهما أمر آخر، كما ذكرنا في التَّمليك للوقف، وكما في الحيل الرِّبويَّة، وحيل المناكح، وذلك الذي اتفقا عليه إن لزم الوفاء به كان العقد فاسدًا. وإن لم يلزم فقد جُوِّزت الخيانة والكذب في المعاملات، ولهذا لا يطمئن القلب إلى مَن يستحل الحيل خوفًا مِن مكره، وإظهاره ما يبطن خلافه، وفي الصحيحين عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((المؤمن مَن أَمِنَه النَّاس على دمائهم وأموالهم )) [305] رواه الترمذي (2627)، والنسائي (4995)، وأحمد (2/379) (8918) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال الترمذي: حسن صحيح. وصحَّحه الألباني في ((صحيح الجامع)) (6710). والمحتال غير مأمون، وفي حديث ابن عمر أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمر: ((كيف بك يا عبد الله إذا بقيت في حثالة مِن النَّاس قد مَرَجَت عهودهم وأمانتهم، واختلفوا فصاروا هكذا. وشبَّك بين أصابعه، قال: فكيف أفعل يا رسول الله؟ قال: تأخذ ما تعرف، وتدع ما تنكر، وتقبل على خاصَّتك، وتدعهم وعوامهم )) [306] رواه أبو يعلى (9/442) (5593) مِن حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وقال البوصيري في ((إتحاف الخيرة المهرة)) (8/57): [فيه] سفيان بن وكيع وهو ضعيف. وروى البخاري = = شطره الأوَّل (480)، ورواه بتمامه: أبو داود (4342)، وأحمد (2/162) (6508) مِن حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وحسَّن إسناده العراقي في ((تخريج الإحياء)) (2/291)، وصحَّح إسناده أحمد شاكر في ((تخريج المسند)) (10/10). وهو حديث صحيح، وهو في بعض نسخ البخاري، والحيل توجب مرج العهود والأمانات وهو قلقها واضطرابها، فإنَّ الرَّجل إذا سوغ له مَن يعاهد عهدًا، ثمَّ لا يفي به، أو أن يُؤْمَن على شيء، فيأخذ بعضه بنوع تأويل، ارتفعت الثِّقة به وأمثاله، ولم يُؤْمَن في كثير مِن الأشياء أن يكون كذلك، ومَن تأمَّل حيل أهل الدِّيوان وولاة الأمور التي استحلُّوا بها المحارم، ودخلوا بها في الغلول والخيانة، ولم يبق لهم معها عهدٌ ولا أمانة، عَلِم يقينًا أنَّ الاحتيال والتَّأويلات أوجب عِظَم ذلك، وعَلِم خروج أهل الحيل مِن قوله: وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون: 8]، وقوله: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7] ، ومخالفتهم لقوله تعالى: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النِّساء: 58]، وقوله تعالى: أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ [المائدة:1] ) [307] ((إقامة الدليل على إبطال التَّحليل)) لابن تيمية (303-306).

انظر أيضا: