موسوعة الفرق

2- عذاب القبر


وأما عذاب القبر فأكثر الخوارج تنكره، وتزعم أنه غير صحيح ولم يلتفتوا إلى ما جاء فيه من الأحاديث الصحيحة التي تؤكد ثبوته.
يقول الأشعري: " والخوارج لا يقولون بعذاب القبر ولا ترى أحداً يعذب في قبره" ((المقالات)) ( 1 / 206 ).
ويقول ابن حزم كذلك: " قال أبو محمد: ذهب ضرار بن عمرة الغطفاني أحد شيوخ المعتزلة إلى إنكار عذاب القبر وهو قول من لقينا من الخوارج " ((الفصل)) ( 4 / 66 ).
وأما الإباضية فإنهم غير متفقين على نفي عذاب القبر أو ثبوته، بل انقسموا إلى فريقين؛ فريق يقول بثبوته وآخر ينفيه، وهذا ما يذكره النفوسي بقوله:


وأما عذاب القبر ثبت جابر





 وضعفه بعض الأئمة بالوهن


 وأما ورود الناس للنار إنه


 


 ورود يقين العلم واللمح بالعين ((متن النونية )) (ص 27 ).

وأما مذهب السلف في عذاب القبر فهو الاعتقاد بأن ذلك كائن لا محالة، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، وأن الشخص يعذب فيه أو ينعم على هيئة لا يعلمها إلا الله تعالى وحده، وهذا العذاب هو جزء يسير من عذاب يوم القيامة كما قال تعالى في ثبوت ذلك عن آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب [غافر: 46]
يقول الطبري عن تعذيب آل فرعون: " إنهم لما هلكوا وأغرقهم الله جعلت أرواحهم في أجواف طير سود فهي تعرض على النار كل يوم مرتين غدواً وعشياً إلى أن تقوم الساعة" ((تفسير الطبري)) ( 24 / 71 ).
وقد جاءت الأحاديث بصحة القول بوجود عذاب القبر أو نعيمه بروايات عديدة توجب الاعتقاد الجازم بصحة وقوعه ومنها:
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال))  رواه البخاري (1377)، ومسلم (588).
2- ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من أنه دعا لجنازة بدعاء قال فيه: ((وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر- أو: من عذاب النار)) رواه مسلم (963)
3- عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال: "استعيذوا من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا)) رواه أبو داود (4753)، وأحمد (287) (18557)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (1/300). وقال: إسناده صحيح. وصححه أحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (2/22) - كما أشار لذلك في مقدمته - والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)). وقال شعيب الأرناؤوط محقق ((المسند)): إسناده صحيح رجاله رجال الصحيح.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً كلها تدل دلالة واضحة لا لبس فيها ولا غموض على حقيقة عذاب القبر، فلا يكذب به بعد ورود هذه الأحاديث إلا من هلك، فالإيمان بذلك عند السلف من الضروريات المسلمة، يقول ابن أبي العز عن حديث البراء الآنف الذكر: " وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث، وله شواهد من الصحيح".
ثم أورد عدة شواهد للبخاري وأبي حاتم ثم قال: "وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا يتكلم في كيفيته إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته لكونه لا عهد له به في هذه الدار" ((شرح الطحاوية)) (ص 347 ).
وأما إنكار من ينكر عذاب القبر بحجة أن الميت يفنى فيه ويصبح تراباً، أو بحجة أن من أحرق أو أكلته السباع لا يمكن تعذيبه، فإنه أمر لا ينبغي اعتباره في مقابلة النصوص الثابتة، إذ أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يعذب الميت ويحاسبه في أي صورة كان؛ فإن التعذيب ليس على الجسد المعهود فقط فإذا ذهب انتهى عذابه، وإنما الروح هو الذي يعذب أو ينعم في القبر قبل يوم القيامة، ولا مانع في قدرة الله أن يصل العذاب إلى الجسد بأي طريقة وعلى أي نحو كان؛ لأن " عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به" ((شرح الطحاوية)) (ص 348 ). ، وليس على الله شيء مستحيل.الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص300

انظر أيضا: