موسوعة الفرق

المبحث الأول: الموازنة بين الماتريدية والأشاعرة


لقد بحثت كثيرا من المظان لهذا المطلوب فوجدت عددا كبيرا من الباحثين قد تعرضوا للموازنة بين الماتريدية والأشعرية، فمن مجمل مخل، ومن مفصل ممل، ومنهم من أفرد لذلك تأليفا ولم أعرف من بينهم من ذكر المسائل الخلافية بين الفريقين على طريقة النقد، وبين ما هو الحق في ذلك على طريقة السلف الصالح، فقد يكون الفريقان على باطل في مسألة ويكون الحق قولا ثالثا، ولعل الله يوفق باحثا يستوفي هذا المطلوب بإحقاق الحق وإبطال الباطل في كل مسألة تنازع فيها الفريقان، هذا يحتاج إلى مجلد ضخم.
ومهمتى هنا دراسة متوسطة، وموازنة في عدة جوانب دون الخوض في التفصيل؛ فمن هؤلاء الذين تعرضوا للموازنة بينهما:
1- أبو اليسر محمد بن محمد البزدوي الحنفي  (493هـ).
2- الإمام ابن عساكر  (571هـ).
3- تاج الدين السبكي  (771هـ) عدو شيخ الإسلام.
4- التفتازاني الحنفي  (792هـ) الجهمي فيلسوف الماتريدية.
5- المقريزي (845هـ).
6- عبد الرحيم المعروف بشيخ زاده الحنفي (944هـ) فقد أفرد له كتابا (نظم الفرائد وجمع الفوائد).
7- عبد الوهاب الشعراني الصوفي  (973هـ) الخرافي القبوري.
8- كمال الدين أحمد بن حسن بن سنان البياضي الحنفي  (1098هـ).
9- العلامة الملا على القاري الحنفي الماتريدي  (1014هـ).
10- صالح بن مهدي المقبلي  (1108هـ).
11- عبد الله بن عثمان المعروف بمستحيي زاده الحنفي (1150هـ) فقد أفرد لذلك (رسالة في الخلافيات بين الماتريدية والأشعرية).
12- الحسن بن عبد المحسن المعروف بأبي عذبة (كان حيا سنة 1173هـ). فقد صنف كتابا سماه:  (الروضة البهية فيما بين الأشاعرة و الماتريدية ) مطبوع.
13- محمد بن محمد الشهير بمرتضى الزبيدي  (1205هـ).
14- الكوثري (1371هـ) محيي دولتي الجهمية والقبورية.
15- أحمد أمين المصري  (1373هـ) أحد جواسيس المستشرقين.
16- أبو زهرة (محمد بن أحمد المصري)  (1393هـ) الكوثري.
17- محمد يوسف البنوري الديوبندي  (1397هـ) الكوثري.
18- الدكتور فؤاد سزكين.
19-  الدكتور محمود قاسم.
20- الدكتور جلال موسى.
21- الدكتور فتح الله خليف الماتريدي.
22-  الدكتور أبو الخير محمد أيوب  على البنغلاديشي الماتريدي.
23-  الدكتور  علي عبد الفتاح المغربي الماتريدي.
24- الشيخ أحمد عصام الكاتب.
ومن المستشرقين:
25-    جولد تسيهر  (1340هـ) الكافر اليهودي.
26- ماكدونالد  (1362هـ) الكافر النصراني.
27- كارل بروكلمان (1375هـ) الكافر الألماني.
2-الفائدة الثانية:
 في نتائج بحوث هؤلاء الباحثين:
حاصل بحوث هؤلاء الباحثين حول موازنتهم بين الفريقين ما يلي من الفقرات:
1- اتفاق الفريقين في المنهج وأصول المذهب.
2- كلاهما أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية (أهل الكلام).
3- كلاهما أهل التوسط بين طرفي إفراط المعتزلة العقلية المحضة، وبين تفريط الحشوية النقلية البحتة (يعنون أهل السنة أصحاب  الحديث ). بزعمهم الفاسد الكاسد. 
4- الفريقان  -  مع اتفاقهما فيما بينهما في المنهج والأصول  -  مخالفان في الأصول لسائر الفرق مخالفة كبيرة.
5- الخلاف في المسائل بين الفريقين لفظي في أكثرها إن لم يكن لفظيا  في كلها.
6- ومع ذلك الخلاف بين الفريقين غير جوهري، بل في التفاريع دون الأصول.
7- هذا النوع من الخلاف لا يستدعي التبديع ولا التفسيق عندهم.
8- عدد هذه المسائل قليل كما سيأتي إيضاحه.
9- كان بسببها أول الأمر تباين وتنافر وقدح كل منهم في عقيدة الآخر إلا أن الأمر آل آخرا إلى الإغضاء.
10- الماتريدي والأشعري إماما أهل السنة والجماعة -  على زعمهم.
11- إنهما لم يبدعا مذهبا من عندهما وإنما هما مقرران لمذاهب السلف، مناضلان عما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -  على زعمهم  -  وأنى لهم ذلك؟
12- عقائدهما هي أصول الأئمة، فالأشعري قام بنصرة نصوص مالك والشافعي، والماتريدي قام بنصرة أبي حنيفة  -  رحمهم الله جميعا  -  ولم يبدعا مقالة، ولا مذهبا جديدا، وليس لهما أكثر من بسط مذهب السلف، وشرحه، والتأليف في نصرته - على زعمهم الكاذب.
13- إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد الأشعرية و الماتريدية - على زعمهم -؛ سبحان الله! ! !
14- إذا أطلق الأشاعرة يراد بها الأشعرية و الماتريدية تغليبا.
15- الفريقان كلاهما من الفرقة الناجية.
هذه آراء جمهرة من تصدى للموازنة بين الفريقين، وهناك آراء أخرى نذكر منها ما يلي:
16- يرى الكوثري وتبعه أبو زهرة ترجيح الماتريدية على الأشعرية بأن الماتريدية هم الوسط بين الأشعرية، وبين المعتزلة؛ لأن الماتريدية أعطوا النقل حقه والعقل حكمة؛ بخلاف الأشعرية بسبب ابتعادهم عن العقل مرة وعن النقل أخرى، فالأشعرية عدل وسط بين المعتزلة، وبين الحشوية  -  يعنيان أهل السنة أصحاب  الحديث عدوانا منهما وظلما -.
قلت: اعترف الكوثري ومن تبعه بأن الماتريدية أقرب من الأشعرية إلى المعتزلة فهذه  في الحقيقة مثلبة لا منقبة؛ وأما زعمه أن الأشعرية ابتعدوا عن النقل مرة وعن العقل أخرى دون الماتريدية فادعاء محض، بل الماتريدية مع الأشعرية كأسنان المشط في هذا لا فرق بين هؤلاء وهؤلاء فهم كلهم خالفوا العقل والنقل في آن واحد؛ وكلهم ينفون علو الله ويعطلون كثيرا من الصفات ويقولون: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ويقولون ببدعة الكلام النفسي.
17- يرى الدكتور محمود قاسم: أن الماتريدي أكثر تسامحا مع المعتزلة، وأقرب إليهم منه إلى الأشاعرة. وهكذا المستشرق إجناس جولد تسيهر يقول:  (وعلى العموم فإن آراء الماتريدية أكثر حرية وعقلية من آراء زملائهم الأشاعرة فأولئك أدنى إلى المعتزلة من هؤلاء)   ((العقيدة والشريعة في الإسلام)) (ص 99). هذا كرأي الكوثري.
وهذا يحتمل المدح والذم؛ ومع ذلك لا حقيقة لهذا الرأي؛ بل الماتريدية والأشعرية سواء، اللهم إلا أن يراد الأشعرية القدامى كالباقلاني، ونحوه فهم أقرب إلى أهل السنة.
18- ويرى العلامة المقبلي  (1108هـ) أن الفرقتين الرئيسيتين هما المعتزلة والأشعرية، أما الماتريدية فلا وجود لها استقلالا فهم معتزلة في مهمات الدين؛ بل في محمود مسائلهم إلا مسألة الكسب وهم أشعرية في مسألة الرؤية، وخلق الأفعال.
قلت: هذا حكم قاس على الماتريدية بل الحق أن الماتريدية والأشعرية  -  ولا سيما المتأخرين منهم  -  واسطة بين أهل السنة وبين الجهمية الأولى والمعتزلة، كما يتبين للقارئ من خلال هذه الرسالة فالماتريدية والأشعرية من فرق المعطلة على اختلاف دركاتهم في التعطيل ولا يرى فضل واضح لإحدى هاتين الطائفتين على الأخرى غير أن الأشعرية القدامى أقرب إلى أهل السنة.
19-   ويرى الأستاذ أحمد أمين : أن الاعتزال أظهر في الأشعرية بالنسبة إلى الماتريدية ، ولكن الماتريدية لم يبلغوا مبلغ أتباع الأشعري فرجح مذهب الأشعري وزاد انتشاره، وكثر أتباعه.
قلت : هذا الرأي عكس الآراء السابقة من أن الماتريدية أقرب إلى المعتزلة، وأكثر حرية، والحقيقة أنهما سواء في مخالفة العقل والنقل.
20- وقد رجح عبد العزيز الفريهاري الماتريدي الأشعرية على الماتريدية باعتبار أن الأشعرية أرسخ علوما، ولهم يد طولى في التدقيق، أما الماتريدية فأكثر أدلتهم من قبيل الإقناعات ولذلك يسمى مجموع الفريقين (الأشاعرة) تغليبا لاسم الأشعري لأنه أشهر، وأكثر علما بالدقائق والدلائل   انظر ((النبراس)) (183، 229)، وإليه يرمي كلام الشعراني في ((اليواقيت)) (1/3).
21- يرى الشيخ أحمد عصام الكاتب: أن موقف أبي منصور الماتريدي وموقف أبي الحسن الأشعري وموقف أصحاب  الحديث من الصفات وآياتها وأحاديثها موقف واحد وهو إثباتها بلا كيف   ((عقيدة التوحيد في فتح الباري)) (106، 100).
قلت: أما قوله: (إن موقف الأشعري، وموقف السلف من الصفات واحد) فحق كما يظهر من (إبانته)، و(مقالاته)؛ وإن الأشعرية ولاسيما المتأخرة  -  خالفوا إمامهم، وانتسبوا إليه زورا وهو بريء منهم.
وأما قوله:  (إن موقف الماتريدي من الصفات، وموقف السلف واحد)  -  فخلاف الواقع؛ فأبو منصور الماتريدي ينكر علو الله تعالى، ويقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، وهذا مخالف لبداهة العقل وشرائع الأنبياء، وهذا قول بأن الله تعالى غير موجود أصلا؛ ويؤول صفة العلو والفوقية إلى فوقية القهر والاستيلاء وتعاليه عن الأمكنة وعلو القهر؛ ويؤول صفة الاستواء إلى الاستيلاء؛ ويؤول صفة العين إلى الحفظ والرعاية والإعلام والأمر والوحي والنظر؛ ويؤول صفة اليد إلى النعمة أو القدرة، ويزعم: أن موسى عليه السلام لم يسمع كلام الله وإنما أسمعه بلسان موسى وبحروف خلقها، وصوت أنشاه؛ ويقول في مسألة رؤية المؤمنين لربهم:  (بل يرى بلا وصف.. اتصال وانفصال ومقابلة ومدابرة، وساكن ومتحرك، ومماس ومبائن، وخارج وداخل).
فأنت ترى كلام أبي منصور الماتريدي هذا في الرؤية ينفي حقيقة الرؤية، ويجعلها مستحيلة، كما يتضمن كلامه هذا نفي علو الله تعالى، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولذلك ذكره شيخ الإسلام  فيمن سلكوا أصول الجهمية.
فهذه نماذج من عقيدته وتعطيله وتحريفه للنصوص؛ فهل يجوز لأحد بعد هذا أن يقول: إن موقفه من الصفات مثل موقف السلف وهو إثباتها بلا كيف؟ فالشيخ أحمد عصام الكاتب  -  حفظه الله  -  قد أبعد النجعة إذ خبره على نقيض المخبر سامحه الله.
والحاصل: أن الماتريدية والأشعرية فرقة واحدة من ناحية المعتقد أو كادتا أن تكونا فرقة واحدة على أقل تقدير، وما بينهما من الخلاف فهو يسير وغالبه لفظي، وهما واسطة بين أهل السنة والجهمية الأولى والمعتزلة، كما أنهما من المعطلة، وهذا الذي قلناه، نبرهن عليه الآن في الفائدة الثالثة إن شاء الله تعالى.
الفائدة الثالثة:
 في أن الفريقين في الحقيقة فرقة واحدة في المنهج والأصول.
لقد تبين للقراء من الفقرات التي مرت بأرقام  (1-15) آنفا في نتائج بحوث الذين قاموا بالموازنة بين الماتريدية والأِشعرية  -  وهؤلاء من الفريقين أنفسهما  -  أن الماتريدية والأشعرية في الحقيقة فرقة واحدة متفقة في المنهج وأصول المذهب، وأنهما مخالفتان لسائر الفرق في الأصول مخالفة كبيرة، وأنه يعبر عن الفريقين بالأشاعرة تغليبا للأشعرية على الماتريدية ، وأنهما هم أهل السنة والجماعة بل المراد من أهل السنة والجماعة هم الماتريدية والأشعرية، وأنهما الفرقة الناجية - على زعمهم  -  ولا شك أن أهل السنة والجماعة طائفة واحدة، كما أن الناجية ليست إلا واحدة لا اثنتين فصاعدا.
أما اختلاف النسبة  -  من أن الماتريدية تنتسب إلى الماتريدي، وأن الأشعرية تنتسب إلى الأشعري  -  فلا يؤثر على كونهما فرقة واحدة، لأن هذا الاختلاف ليس اختلافا جوهريا.
وأما اختلاف الفريقين في بعض المسائل فهو ليس حاجزا دون اتحادهما لوجوه:
1- الأول: أن الخلاف بين الفريقين ليس جوهريا بل في التفريعات دون الأصول.
2- الثاني: أن ذلك لا يستلزم التفسيق والتضليل والتبديع عندهم.
3- الثالث: أن الخلاف لفظي في جل تلك المسائل إن لم يكن  في كلها.
وكل ذلك باعتراف الفريقين كما مر في الفقرات السابقة قريبا. فليس مثل هذا الخلاف مما يجعل فرقة واحدة فرقتين مستقلتين.
4- الرابع: أنه لو عد مثل هذا الخلاف حاجزا دون كونه فرقة ما فرقة واحدة لما صح أن تعد أية فرقة واحدة قط، لأنه لابد من الاختلاف اليسير فيما بين المنتسبين إلى أية فرقة كالحنفية فيما بينهم، والشافعية فيما بينهم، وكالماتريدية فيما بينهم، وكالأشعرية فيما بينهم، فمثل هذا الخلاف لا يجعل الفرقة فرقتين فما فوق.
قال التاج السبكي  (771هـ) :  (وما مثل هذه المسائل  -  يعني مسائل الخلاف بين الماتريدية والأشعرية  -  إلا مثل مسائل كثيرة اختلف الأشاعرة  فيها.. ).
وقال كمال الدين البياضي الحنفي الماتريدي  (1098هـ): (الخامسة: أنهم  -  يعني الماتريدية والأشعرية  -  متحدوا الأفراد في أصول الاعتقاد وإن وقع الاختلاف في التفاريع بينهما، إذ لا يعد كل من خالف غيره في مسألة ما صاحب مقالة عرفا، وما من مذهب من المذاهب إلا ولأصحابه اختلاف في التفاريع، فلو اعتبر مانعا عن اتحاد الفرقة لم تعد واحدة منها فرقة كما في النحل وغيرها.. )   ((إشارات المرام)) (ص 52).
5- الخامس: ما قاله عصام الدين الحنفي الماتريدي (951هـ): (ولك أن تجعل الماتريدية داخلة فيمن تبعه  -  أي الأشعري -).
6- والسادس: أنه اصطلح المتأخرون على تسمية الفريقين الأشاعرة تغليبا للأشعرية على الماتريدية ، وهذا مما يدل على أن الخلاف بين الفريقين لا يمنع أن يكونا فرقة واحدة.
7- السابع: أنه قد صرح الحنفية الماتريدية الديوبندية أنهم أشعرية وماتريدية  في آن واحد.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الفريقين في الحقيقة فرقة واحدة في المنهج وأصول المعتقد ولا عبرة بالخلافيات، ولذلك قال الحسن بن عبد المحسن أبو عذبة  (كان حيا سنة 1173هـ) :  (إن طعن بعضهم  في بعض لأجل هذه المسائل الخلافية إنما صدر من المقصرين المتعصبين الذين لا اعتداد بأقوالهم، ولم يصدر عن أساطينهم وعظمائهم).
الحاصل: أن الماتريدية والأشعرية فرقة واحدة في المنهج وأصول العقائد مخالفة لسائر الفرق مخالفة جوهرية، وما بينهما من الخلاف لا يمنع من اتحادهما؛ وأنهم زملاء في التتلمذ على مشايخهم الجهمية الأولى والمعتزلة، وأخذهم عنهم تعطيل كثير من الصفات وتحريف نصوصها تحت ستار التنزيه، بل إنهم أشقاء رضعوا من ثدي أم واحدة، ولنعم ما قيل:


رضيعا لبان ثدي أم تحالفا





بأسحم داج عوض لا نتفرق

وأما ادعاء أن الماتريدية والأشعرية هم أهل السنة، بل إذا أطلق أهل السنة فلا يراد بهم إلا الماتريدية والأشعرية، وأنهما الفرقة الناجية، وأن الماتريدي والأشعري إماما أهل السنة والجماعة وأنهما قاما بنصرة مذهب السلف، فأبو منصور الماتريدي قام بنصرة مذهب أبي حنيفة وبسطه، والأشعري قام بنصرة مذهب مالك والشافعي، ولم يبدعا مقالة ولا مذهبا جديدا إلى آخر ما تقدم في الفقرات رقم  (10- 15) آنفا- فهذا ما نناقشه ونكشف الستار عن حقيقته  -  إن شاء الله تعالى -  في المبحث الآتي.
 في بيان أن الماتريدية وزملاءهم الأشعرية فرقة مبتدعة كلامية من أهل القبلة، وليسوا من أهل السنة المحضة.
لقد تقدم في الفقرات رقم  (10-15)  في الفائدة الأولى من المبحث الأول: أن الماتريدية والأشعرية يدعون أنهم يمثلون أهل السنة، وأنهم  على مذهب السلف الصالح، وأنهم  فرقة ناجية إلى آخر ما يزعمون.
ولما كانت هذه الدعوى كاذبة خلاف الواقع، وأنه لا صلة لهم بالسلف الصالح في منهجهم وأصولهم في كثير من أبواب العقيدة، وأن الأشعرية لا تصح نسبتهم إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، كما أن الماتريدية لا صلة لهم بعقيدة الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
رأينا من الواجب أن نعلق في هذا المبحث تعليقا على دعواهم هذه ليتبين للقراء حقيقة دعواهم، ولئلا يغتر بهم من خفي عليهم حقيقة أمرهم بعد هذا، فأقول وبالله التوفيق:
أما الأشعرية  -  فلا تصح نسبتهم إلى الإمام الأشعري؛ وذلك لوجوه:
الأول: أن للأشعري أدوارا ثلاثة:
دور اعتزالي.
ودور كلابي.
ودور سلفي.
قال ابن كثير (774هـ) وأقره الزبيدي الحنفي الماتريدي  (1205هـ) والشيخ أحمد عصام الكاتب:  (ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال:
أولها حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة.
الحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبعة وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع والبصر، والكلام، وتأويل الخيرية كالوجه واليدين، والقدم، والساق، ونحو ذلك.
الحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جريا على منوال السلف وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرا وشرحها الباقلاني، ونقلها ابن عساكر، وهي التي مال إليها الباقلاني، وإمام الحرمين وغيرهما من أئمة الأصحاب المتقدين في أواخر أقوالهم).
قلت: هذا الذي قاله الحافظ ابن كثير، وأقره الزبيدي الحنفي، وأحمد عصام الكاتب هو القول الفصل في تقلبات الأشعري واستقراره على مذهب السلف أخيرا وهذا حجة على بطلان نسبة الأشعرية إليه.
الثاني: أن كتاب (الإبانة) للأشعري آخر كتبه، وهو الحق الذي لا مرية فيه كما صرح به جمع غفير من أهل العلم حتى بعض الماتريدية.
وهذا من الحجج القاطعة والبراهين الساطعة أن الأشعري استقر مذهبه على ما في كتاب (الإبانة)، وهو على طريقة السلف في الإثبات دون التفويض والتأويل، وهذا مما يبطل زعم الكوثري وغيره من المغرضين الممرضين: أن (الإبانة) أول ما صنفه الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال.
وكيف لا يكون زعم الكوثري هذا باطلا وقد صرح كثير من أهل العلم أن الأشعري إنما ألف كتاب (الإبانة) بعد ما دخل بغداد بل الكوثري نفسه قد صرح بهذا فوقع في تناقض واضح فاضح، وهو لا يشعر.
وللكوثري دجل آخر حول كتاب (الإبانة) يدل على أنه آية في التمويه والتشويه.
بل الحق  -  والحق يقال  -  أن الذي صنفه الأشعري بعد رجوعه من الاعتزال هو كتاب (اللمع) وما  على شاكلته الذي يوافق طريقة الكلابية؛ وأما (الإبانة ) - فلا، وألف لا؛ فقد صرح ابن عساكر بأن الأشعري لما صعد المنبر، وأعلن رجوعه عن الاعتزال دفع الكتب إلى الناس، ومنها كتاب (اللمع).
وذكر ابن فورك عدة كتب للأشعري ثم قال:  (هذه أسامي كتبه التي ألفها إلى سنة عشرين وثلاثمائة). وذكر فيها كتاب (اللمع) ولم يذكر فيها كتاب (الإبانة)؛ فدل هذا على أن (الإبانة) صنفها بعد هذه المدة.
الثالث: أن كل من ذب عن الأشعري  -  إنما اعتمد في الذب عنه على نصوص كتاب (الإبانة)، فقد احتج بهذه الحجة شيخ الإسلام وغيره.
وهذا هو الواقع، فقد ذب الإمام ابن عساكر عن الأشعري، واعتمد في الذب عنه على (الإبانة)؛ فذكر منها نصا طويلا يستغرق (25)  صفحة، وسكت عليه الكوثري؛ وهذا النص موجود بحرفه ونصه وفصه - في كتاب (الإبانة) للأشعري وهكذا فعل أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس (659هـ) ؛ فقد ألف كتابا في الذب عن الأشعري، وجل اعتماده  في الذب عنه على كتاب (الإبانة) وحقق نسبته إليه.
الرابع: أن الإمام الأشعري ذكر عقيدة أهل  الحديث والسنة المحضة ثم قال:  (وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول: وإليه نذهب). ثم بعد ذلك ذكر عقيدة الكلابية. فهذا برهان قاطع على أنه رجع عن دوره الكلابي إلى عقيدة أهل السنة المحضة.
والحاصل: أن الأشعرية ولاسيما المتأخرين منهم أمثال أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني (438هـ) والرازي (606هـ) والآمدي  (631هـ) ليسوا من أهل السنة المحضة، ولا تصح نسبتهم لا إلى السلف عامة، ولا إلى الأشعرية خاصة.
بل هي فرقة كلامية مبتدعة تحمل أمشاجا من أفكار مختلفة أخذوها من الجهمية الأولى، والمعتزلة، والجبرية، والمرجئة، مع ما عندهم من الحق الذي أخذوه من الكتاب والسنة؛ فهم واسطة بين أهل السنة وبين تلك الفرق المبتدعة؛ فهم كبقية الفرق المبتدعة من أهل القبلة، وليسوا بأهل السنة المحضة وإن صح بإطلاق أهل السنة عليهم بالمعنى العام في مقابلة الروافض والخوارج ونحوهم ولابد من معرفة الفرق بين هذين الاصطلاحين.
ولذلك ترى شيخ الإسلام يذكر الأشعرية في عداد من يلحد أسماء الله تعالى وآياته ويطلق عليهم اسم " الجهمية " ويحكم عليهم بأنهم أقرب فرق الجهمية إلى أهل السنة؛ بل يقرر فيهم: أن المعتزلة مخانيث الجهمية، والفلاسفة؛ والأشعرية مخانيث المعتزلة، وأن المعتزلة والجهمية الذكور، وأن الأشعرية الجهمية الإناث  -  يعني الأشعرية المتأخرة الذين ينفون الصفات الخبرية.
ثم يقول شيخ الإسلام:  (وأما من قال منهم بكتاب (الإبانة) الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعرية بدعة لاسيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة، وينفتح بذلك أبواب الشر)   انظر عن الأشعرية: ((جامع بيان العلم)): (417)، ((طبقات الحنابلة)) (2/209) ((درء تعارض العقل والنقل)): (2/96)، ((المدنية)): (124 – 125)، و((ضمن مجموع الفتاوى)): (6/359 – 360)، و((القصيدة النونية)): (162)، و((شرحها)) للدكتور محمد خليل هراس (2/141)، و((ثبات العقيدة الإسلامية أمام التحديات)): (32)، و((شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري)): (1/24)، كلاهما لشيخنا عبد الله الغنيمان حفظه الله، و((منهج الأشاعرة)) للدكتور سفر الحوالي: (13-22)، بل الكتاب كله.
ويقول فيهم في بعض المناسبات: (إنهم لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا) : وإنهم يسفسطون في المعقولات، ويقرمطون في السمعيات)   فكيف يصح زعم الفنجفيري في تنشيطه (350).
فأنى لهؤلاء أن يكونوا من أهل السنة، ومن أراد معرفة حقيقة هؤلاء بالتفصيل فعليه بكتب شيخ الإسلام وابن القيم  -  رحمهما الله  -  ومن الكتب الحديثة رسالة (منهج الأشاعرة في العقيدة). للدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي  -  حفظه الله  -  وبالله التوفيق.
وأما الماتريدية فربما تخفى على كثير من الناس حقيقة أمرهم وتروج عليهم سلعتهم، حيث لم نطلع على كتاب يكشف الستار عن أسرارهم ويخرج للناس خباياهم من زواياهم، والذي يهمني ههنا أن أذكر بعض الأمثلة لتكون نماذج لخروج الماتريدية على معتقد أهل السنة، وتكون شواهد لما قلنا: إنها كزميلتها (الأشعرية) كلتاهما من تلامذة الجهمية الأولى منشقة عن المعتزلة، تحمل أفكار المرجئة، وإنها فرقة كلامية مبتدعة من فرق أهل القبلة، وليست لها صلة بالإمام أبي حنيفة  -  رحمه الله  -  خاصة وبأهل السنة المحضة عامة؛ وذلك لما يأتي من الأمثلة والنماذج والشواهد.
1- لقد تقدم في الفائدة الثالثة: أن الماتريدية والأشعرية فرقة واحدة، متفقة في المنهج وأصول العقائد، وانهما مخالفتان لبقية الفرق في الأصول مخالفة كبيرة، وعرفت - أيضا  -  حقيقة الأشعرية، وأنهم  من فرق المعطلة الكلامية المبتدعة من أهل القبلة وليست من أهل السنة المحضة بالمعنى الأخص، فهذا  -  أيضا  -  حكم على الماتريدية دون شك.
2- الماتريدية يثبتون أربعا من الصفات بالاتفاق وهي الحياة والعلم، والقدرة، والإرادة، ولهم خلاف في إثبات السمع والبصر، ويزيدون صفة أخرى يسمونها التكوين وهو مرجع جميع صفات الأفعال المتعدية، وهم لا يعدون الصفات الفعلية صفات حقيقة، وهذا المذهب يتضمن التعطيل لكثير من الصفات.
أما صفة الكلام، فلا يؤمنون بها بل عطلوها وحرفوا نصوصها، وهم والأشعرية والمعتزلة والجهمية الأولى متفقون على خلق القرآن الكريم. لا نزاع بينهم فيه قط، غير أن الماتريدية والأشعرية زادوا بدعة أخرى وهي القول بالكلام النفسي الذي ليس بحرف ولا صوت، والذي لا يقره عقل ولا نقل.
أما بقية الصفات من العلو واليدين والعين والوجه والساق والاستواء والنزول والغضب والرضى والحياء وغيرها فيعطلونها، ويحرفون نصوصها فهذه العقائد ليست لها أية صلة بالسلف عامة وبالإمام أبي حنيفة خاصة. 
3- من المعلوم عند الموافق والمخالف أن السلف لم يسلكوا بدعة التأويل في الصفات وهذا باعتراف الماتريدية  -  أيضا  -  ولذلك يقولون قولا زورا على السلف: إنهم كانوا مفوضة.
أما الماتريدية فهم مؤولة، وهم يثنون على طريقة التأويل، ويقولون: إن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم. فهم بإقرارهم واعترافهم مخالفون لمنهج السلف الصالح فكيف يدعون أنهم أهل السنة؟
4- سبحان الله! كيف تكون الماتريدية أهل السنة أتباع الإمام أبي حنيفة؟ ، وأبو حنيفة  -  رحمه الله  -  يثبت العلو لله تعالى بل يكفرمن أنكر ذلك، بل من شك في ذلك ويستدل على ذلك بدليل الفطرة، والنقل وهو حديث الجارية -، والعقل؛ أما الماتريدي و الماتريدية فينكرون علو الله تعالى؛ وينابذون العقل والنقل والفطرة والإجماع في آن واحد فيقولون: إن الله لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا متصل به، ولا منفصل عنه، ولا فوق، ولا تحت. ويقولون في دليل الفطرة الذي استدل به الإمام أبو حنيفة:  (إن هذا الدليل دليل غلاة الروافض واليهود والكرامية وجميع المشبهة). فجعلوا الإمام أبا حنيفة من الروافض، واليهود والمشبهة من حيث لا يشعرون.
5- الإمام أبو حنيفة  -  رحمه الله  -  يثبت لله الوجه، واليد والنفس وغيرها من الصفات، ويصرح بأن تأويلها تعطيل لها، وهو مذهب أهل القدر والاعتزال؛ لكن الماتريدي والماتريدية خالفوا إمامهم واختاروا مذهب أهل القدر والاعتزال فعطلوا تلك الصفات، وحرفوا نصوصها.
6- الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - يثبت لله تعالى صفتي الغضب والرضى، ولكن الماتريدية يعطلون ذلك، ويحرفون نصوصهما.
7- الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - صرح بأن موسى عليه السلام سمع كلام الله تعالى؛ أما الماتريدي والماتريدية فينفون ذلك، ويقولون إنما سمع صوتا مخلوقا بحروف مخلوقة.
8- الماتريدي والماتريدية من المرجئة، لأن الإيمان عندهم هو التصديق فقط، والإقرار والأعمال خارجان عن الإيمان، ولا يزيد الإيمان ولا ينقص عندهم، غير أن الإقرار باللسان شرط لإجراء الأحكام في الدنيا فقط، فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن ناج عند الله.
فأنت ترى أن هؤلاء من غلاة المرجئة، وليسوا في شيء من عقيدة السلف في هذا، وبعد هذا كله كيف تصح دعوى الماتريدية والأشعرية أنهم يمثلون أهل السنة؟ ! وكيف يصح زعم الشيخ الفنجفيري.
9- كيف لا؟ وهم يعدون العقيدة السلفية السنية عقيدة وثنية وتشبيه وتجسيم وشرك وكفر، وأهلها وثنية مشبهة، مجسمة. وحشوية.
نعم، هم يلتقون بأهل السنة في باب الخلافة وذكر الصحابة  -  رضي الله عنهم  -  بخير، وما يسمونه السمعيات، وما يثبتونه من بعض الصفات، والقدر، وغير ذلك. فهم أهل السنة في مقابلة الروافض والخوارج، أما أهل السنة المحضة فلا.
لأن لفظ  (أهل السنة) يطلق اصطلاحا على معنيين: معنى عام، ومعنى خاص. فبالنسبة إلى معناه العام  -  يدخل فيه كثير من الفرق المبتدعة، وأما المعنى الخاص  -  فلا يدخل فيه إلا أهل السنة المحضة، وهم السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال شيخ الإسلام :  (فلفظ أهل السنة يراد بن من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك  -  معنى أهل السنة  -  جميع الطوائف إلا الرافضة؛ وقد يراد به أهل  الحديث والسنة المحضة فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول: إن القرآن غير مخلوق وأن الله يرى في الآخرة، وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل  الحديث والسنة)   ((منهاج السنة)): (1/204)، الطبعة القديمة و : (2/221)، الطبعة المحققة.
فبالنظر إلى المعنى العام يدخل في (أهل السنة) الكرامية المشهبة أيضا ، لأنهم ممن يقول بخلافة الخلفاء الثلاثة   ((منهاج السنة)): (1/203)، الطبعة القديمة و : (2/221)، الطبعة المحققة .
بل أقول: إنه يصح إطلاق (الجهمية) على الماتريدية أيضا بمعنى أنهم معطلة؛ لأن الجهمية تطلق ويراد بها المعطلة سواء كانت الجهمية الأولى، أو المعتزلة، أو الأشعرية، أو الماتريدية، أو غيرهم ويشهد لذلك تصريح كثير من الأئمة الأعلام:
1- قال الإمام يزيد بن هارون: (من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة  -  يعني أنكر الاستواء أو أوله  -  فهو جهمي)   رواه أبو داود في ((مسائل الإمام أحمد)): (268 – 269) ، و عبد الله بن أحمد في ((السنة)): (1/123)، وذكره البخاري تعليقا بالجزم في ((خلق أفعال العباد)): (24).
2- وقال شيخ الإسلام :  (فإن السلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات، وقال: إن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة  -  جهميا)   ((مجموعة الرسائل والمسائل)) (3/427).
3- لذلك نرى شيخ الإسلام يطلق كلمة  (الجهمية)  على الأشعرية.
وقد ذكر شيخ الإسلام للجهمية ثلاث درجات فعد الكلابية والأشعرية ولاسيما المتأخرين منهم من الثالثة.
4- والحافظ ابن حجر قال: (الجهمية من ينفي صفات الله تعالى التي أثبتها الكتاب والسنة، ويقول: إن القرآن مخلوق)   ((هدي الساري)): (459)، ونقله محمد عوامة في تعليقاته على ((تقريب التهذيب)): (74)، وأقره.
5- قلت: بناء على عقيدة الماتريدية  في الصفات وأقوال هؤلاء الأعلام يجوز أن يطلق عليهم كلمة (الجهمية) كما يجوز أن نطلق عليهم كلمة  (المعطلة) ، و على كل حال هم ليسوا بأهل السنة المحضة.
فواعجبا من الفنجفيرية كيف تجعل الماتريدية والأشعرية من أهل السنة حيث قال أحد أئمتها الشيخ الرستمي في (تنشيطه): 350 " فهذا الفريق (يعني الخلف) لا يخرج عن أهل السنة " ! ؟
وهذا من قلب الحقائق وتسمية الزاهق بالفائق   
إن البغاث بأرضنا يستنسر والطين في أيامنا ليستحجر
 
 في بيان الفروق، والمسائل الخلافية بين الماتريدية والأشعرية:
أولا: من الناحية المذهبية الفقهية:
لقد بذلت كثيرا من جهدي فوصلت إلى أن الماتريدية كلهم حنفية المذهب بل المراد من الحنفية على الإطلاق في علم الكلام هم الماتريدية فحسب. ولا أعرف أحدا من المالكية والشافعية والحنابلة أن يكون ماتريديا، كما لا أعرف أحدا من الحنفية أن يكون أشعريا إلا أبا جعفر محمد بن أحمد السمناني (444هـ) فقد كان عراقي المذهب أشعري الاعتقاد. وكان تلميذا للباقلاني (403هـ)  في علم الكلام، فكان الباقلاني يمازحه ويقول: (إنه مؤمن آل فرعون) يعني: أنه الأشعري الوحيد بين الحنفية. وأما ما صرح به الحنفية الديوبندية من أنهم ماتريدية وأشعرية فيعنون به اتفاق الفريقين في أصول العقيدة، وإلا فهم حنفية أصلاب، ماتريدية أجلاد.
أما الأشعرية فكثير منهم شافعية لأسباب، منها: أن الإمام أبا الحسن الأشعري كان شافعيا  -  كما هو الحق الذي لا مرية فيه  -  ولم يكن حنفيا  -  كما زعمه الكوثري وغيره من الحنفية  -  كما لم يكن مالكيا أيضا  -  كما زعمه بعض المالكية.
أما المالكية، فلم يعرف أحد منهم أشعريا قبل فتنة ابن تومرت  (524هـ) الذي فعل الأفاعيل وارتكب الأباطيل، وهتك الأعراض، وسفك الدماء، ونشر العقيدة الجهمية بسلطان السيف والسنان لا بسلطان الحجة والبرهان، والذي أسس دولة الموحدين على طريقة الجهمية والاتحادية والمتفلسفة من نفاة الصفات.
وأما الحنابلة، فلم يعرف فيهم أحد أشعريا؛ مع وقوع بعض الحنابلة في التفويض والتأويل؛ فهذا ابن الجوزي  -  مع انحرافه عن العقيدة السلفية في باب الصفات  -  عدو لدود للأشعري والأشعرية.
وقد ظهر بما تقدم بطلان زعم الكوثري:  (فالمالكية كافة وثلاثة أرباع الشافعية، وثلث الحنفية، وقسم من الحنابلة، على هذه الطريقة من الكلام من عهد الباقلاني، والثلثان من الحنفية على الطريقة الماتريدية. ). كما بطل زعم التاج السبكي:  (أن الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة أشعريون..).
ويدل على إبطال هذه المزاعم  -  أن في الحنفية فرقا أخرى كالحنفية الكاملة، والحنفية الجهمية الأولى، والحنفية المعتزلة، والحنفية المرجئة، والحنفية الكرامية، والحنفية الشيعية، والحنفية الزيدية حتى باعتراف الحنفية الماتريدية ؛ فالحنفية الماتريدية نزر قليل بالنسبة إلى باقية فرق الحنفية، وهكذا حال الأشعرية؛ لأن العقيدة الأشعرية لم تكن معروفة حتى في العراق قبل سنة  (380هـ) ثم انتقلت من العراق إلى الشام ومصر بقوة السلطان لا بقوة البرهان، فقد أجبر ملوك بني أيوب أيام دولتهم كافة الناس على العقيدة الأشعرية، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام دولتهم ثم أيام مواليهم الملوك من الأتراك.
ثانيا: من الناحية الجغرافية:
لقد تقدم أن ذكرنا أن الماتريدية انتشرت في بلاد الهند وما جاورها من البلاد الشرقية كالصين وبنغلاديش وباكستان وأفغانستان. كما انتشرت في بلاد تركيا والروم وفارس وبلاد ما وراء النهر وتونس حسب انتشار الحنفية وسلطانهم.
أما الأشعرية فانتشرت في العراق والشام ومصر والمغرب وغيرها من البلاد بسبب انتشار متأخري الشافعية والمالكية وقوة سلطانهم وسيفهم وسنانهم. فقد ذكرنا أن ابن تومرت أجبر الناس في المغرب وحملهم على العقيدة الجهمية التي نسبها إلى الأشعري زورا بسفك الدماء وهتك الأعراض، وفعل ما فعل من الأباطيل والأفاعيل الشنيعة الفظيعة.
أما في العراق والشام ومصر، فلم تكن العقيدة الأشعرية معروفة إلا في آخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس، فظهرت في العراق في نحو سنة  (380هـ) وانتقلت إلى الشام فمصر بسبب الدولة الأيوبية حيث حملوا كافة الناس عليها، فتمادى الحال على ذلك في أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام الأتراك من مواليهم.
ثالثا: من الناحية الفكرية:
وفيها وقفات ثلاث:
الوقفة الأولى:  في نوعية هذا الخلاف:
اختلفت أفكار الماتريدية وأنظار الأشعرية في مسائل، وقد تقدم أن هذا الخلاف غير جوهري بل في التفاريع دون الأصول، وأن هذا الخلاف جله لفظي إن لم نقل كله، وأنه لا يستدعي التبديع والتفسيق فيما بينهم، وكان بينهم في أول الأمر تباين وتنافر ثم آل الأمر في الأخير إلى الإغضاء.
الوقفة الثانية: في عدد تلك المسائل الخلافية:
ذكر تاج الدين السبكي (771هـ) عن والده تقي الدين السبكي (756هـ) أن تلك المسائل ثلاث، ثم ذكر أنها ثلاث عشرة مسألة: ست فيها خلاف معنوي، وأما السبع الباقية ففيها خلاف لفظي. ومشى على ذلك أبو عذبة وأقره الزبيدي، وهذا يوافق ما ذكره المقريزي.
ويرى عبد الرحيم شيخ زاده: أنها أربعون مسألة ثم ساقها.
وأوصلها كمال الدين البياضي إلى خمسين مسألة ثم ذكرها، وساق الزبيدي نصه أيضا.
والذي يبدو لي، أنه لا منافاة بين ما ذكره التاج السبكي وأبو عذبة وغيرهما وبين ما ذكره الباقون فالأولون أجملوا والآخرون فصلوا. وها أنا أسوق تلك المسائل حسب ما ذكره السبكي وأبو عذبة إن شاء الله تعالى.
الوقفة الثالثة:  في بيان المسائل الخلافية بين الفريقين:
ذكرت آنفا خلاف العلماء في عدد المسائل الخلافية بين الماتريدية وبين الأشعرية واخترت ما ذكره السبكي وأبو عذبة من أن هذه المسائل ثلاث عشرة مسألة؛ لأنه قول وسط وأشهر، فأعرض هذه المسائل عرضا أمام القراء كالفهرس مع تعليقات مختصرة لبيان الحق دون مناقشة الفريقين تفصيلا، لأن المقصود ها هنا تعريف الماتريدية بما بينهم وبين الأشعرية من الخلاف فقط، أما  الحديث عن هذه المسائل تفصيلا وبيان الحق فيها بالأدلة، ومناقشة الفريقين فيحتاج إلى بحث خاص ولعل الله تعالى يوفق من شاء من عباده فيقوم بهذا العمل؛ فأقول  -  وبالله التوفيق -.
المسائل الخلافية بين الفريقين  -  كما ذكره السبكي وأبو عذبة  -  ثلاث عشرة مسألة، وهي على نوعين: نوع فيه خلاف معنوي، ونوع فيه خلاف لفظي.
أما النوع الأول فست مسائل:
المسألة الأولى:
هل يجوز عقلا أن يعذب الله تعالى المطيع أم لا؟  فالأشعرية يجوزون ذلك، و الماتريدية لا يجوزونه.
قلت: قول الأشعرية باطل محض عقلا ونقلا، والحق أن الله تعالى لا يعذب المطيع.
أما عقلا؛ فلأنه يستلزم وصفه تعالى بالجور كما أنه مناف لحكمته تعالى؛ لأنه سفه محض.
وأما نقلا: فلقوله تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [ القلم:35-36]
وهذا الدليل النقلي عقلي أيضا ؛ لأنه لا يجوز عقلا التسوية بين المختلفين كما لا يجوز التفريق بين المتماثلين.
قال ابن القيم:  " هو تعالى المحسن البر الرحيم الملك العدل الحكيم فلا تناقض حكمته رحمته بل يضع رحمته وبره وإحسانه موضعه ويضع عقوبته وعدله وانتقامه وبأسه موضعه، فلا يليق بحكمته أن يضع رضاه ورحمته موضع العقوبة والغضب، ولا العكس، ولا يلتفت إلى قول من غلظ حجابه عن الله: إن الأمرين إليه تعالى سواء، وإنما هو محض المشيئة بلا سبب ولا حكمة والقرآن كفيل بالرد على هذه المقالة"   ((بدائع الفوائد)) (2/437).  
المسألة الثانية: هل معرفة الله واجبة بالشرع أم بالعقل؟ 
قلت: ها هنا مسألتان:
1- الأولى: حصول معرفة الله بالعقل.
2- الثانية: وجوب معرفة الله بالعقل شرعا ينوط به التكليف ويترتب عليه الثواب والعقاب.
فالمسألة الأولى: لم يختلف فيها الماتريدية والأشعرية، لأن معرفة الله تعالى أمر فطري وعقلي في الجملة، وشرعي في التفصيل كما سيأتي قريبا  -  إن شاء الله -.
وأما المسألة الثانية: فاختلف فيها الأشعرية و الماتريدية.
فقالت الأشعرية: معرفة الله واجبة بالشرع لا بالعقل.
وقالت الماتريدية: معرفة الله واجبة بالعقل ولو لم يكن الشرع.
وهو مذهب جمهور المعتزلة، حتى صرح أبو منصور الماتريدي، وكثير من مشايخ العراق من الحنفية بأنه يجب على صبي عاقل معرفة الله وإن لم يبلغ الحنث.
واختار أئمة بخارى من الحنفية مذهب الأشعرية فقالوا: لا يجب إيمان ولا يحرم كفر قبل البعثة.
وصورة الخلاف وثمرته تظهران فيمن نشأ على شاهق جبل ولم تبلغه الدعوة، ولم يؤمن بالله ومات فهو غير معذب عند الأشعرية ومعذب عند الماتريدية.
قلت: قول الأشعرية - ها هنا - صواب ولكنهم ناقضوا أنفسهم في جعل العقول الفاسدة مصدرا لتلقي العقيدة وتقديمها على النصوص الشرعية في كثير من أبواب الصفات وغيرها.
وأما قول الماتريدية  -  فباطل، وسلفهم  في ذلك المعتزلة، فأي عقل رشحوه حتى قدسوه إلى هذا الحد.
والحق : أن الوجوب الشرعي لمعرفة الله تعالى بالشرع لا بالعقل. فالعقل وحده  -  وإن كان مدركا لمعرفة الله  -  غير كاف في الوجوب: لأنه لا تتم الحجة على العبد بمجرد عقله ما لم يبلغه الشرع؛ وهذا من كمال رحمة الله، ووافر فضله، ونهاية عدله، ومقتضى حكمته سبحانه وتعالى.
غير أن العقل شرط في صحة التكليف؛ لا موجب له، فالعقل لا يطرح بالكلية، ولا يستقل بالكلية. والشرع هو الذي يعتمد عليه في أصول الدين والعقل عاضد له ومعاون. بل نفس معرفة الله تعالى أمر فطري جبلي فطر الله الناس عليه، لا ينحرف عنه إلا من فسدت فطرته، غير أن الذي يدرك بالعقل ومركوز في الفطرة هو معرفة الله الإجمالية؛ أما معرفة الله التفصيلية بأسمائه وصفاته فلا تحصل إلا بالشرع.
فالفطرة لها وظيفة، والعقل له وظيفة، وللشرع وظيفة، فالفطرة قابلة للحق والعقل مزك، والشرع مبصر مفصل لما هو مركوز  في الفطرة.
قلت: ومن وظيفة الشرع أن الله تعالى أوجب به معرفته  على العبد، وبه مناط التكليف، وعليه يترتب العقاب والثواب، وبذلك تتم حجة الله على عباده. وهذا الذي ذكرته هو مذهب أهل السنة والجماعة، وعليه كبار أئمة السنة فما ذكره الإمام ابن القيم من وجوبها بهما ففيه نظر.
ومن الأدلة الواضحة الناصعة القاطعة الساطعة على ذلك..
قوله تعالى: رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [ النساء : 165]
وقوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [ الإسراء:15]
وقوله تعالى: لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى [طـه:134]
فهذه الآيات صريحة في عدم تعذيب من لم تبلغه دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ ودلت هذه الآيات على أن وجوب المعرفة والتكليف والثواب والعقاب بالشرع لا بالعقل.
وبوب الإمام اللالكائي (418هـ) فقال: (سياق ما يدل من كتاب الله عز وجل، وما روي عن النبي  على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل).
ثم قال:  (هذا مذهب أهل السنة والجماعة)   ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) (2/193).  
وقال الإمام أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني  (489هـ)  على ما ذكره الحافظ ابن حجر ملخصه وأقره:  (إن العقل لا يوجب شيئا، ولا يحرم شيئا، ولا حظ له في شيء من ذلك، ولو لم يرد الشرع بحكم ما وجب على أحد شيء).
ثم استدل بآيتين من كتاب الله، ثم قال:  (ونحن لا ننكر أن العقل يرشد إلى التوحيد، وإنما ننكر أنه يستقل بإيجاب ذلك.. )   ((فتح الباري)) (13/353)، وانظر أيضا : ((رسالة في الكلام على الفطرة ضمن مجموعة الرسائل الكبرى)) (2/344)، و((لوامع الأنوار البهية)) للسفاريني: (1/113)، و((مختصر لوامع الأنوار البهية)) لابن سلوم: (92) وراجع ((النبوات)) (239 – 240).
المسألة الثالثة: التكوين
وهو مبدأ الإخراج من العدم إلى الوجود، وصفات الأفعال راجعة إليه ، وهو عبارة عن الإيجاد، والتخليق والترزيق، والإحياء والإماتة.
فالتكوين عند الماتريدية صفة أزلية، وأن الصفات الفعلية كلها من متعلقات التكوين وليست صفات حقيقية، وإلا لزم قيام الحوادث بالله تعالى، أو لزم تكثير القدماء جدا.
أما الأشعرية فلا يعترفون بصفة التكوين، فصفات الأفعال عندهم كلها حوادث، وهي ليست من صفات الله تعالى؛ بل هي إضافات واعتبارات، وليس التكوين. صفة أخرى غير القدرة والإرادة، فمرجع صفات الأفعال عندهم مجموع القدرة والإرادة.
وقد صرح الإمام ابن الهمام بأن القول بأن الصفات الفعلية قديمة راجعة إلى التكوين، وأنها زائدة على الصفات السبع ليس في كلام أبي حنيفة، ولا في كلام أصحابه المتقدمين، وإنما حدث هذا القول من زمن أبي منصور الماتريدي، فادعى متأخرو الحنفية ذلك.
وقد جعل ابن الهمام (861هـ) والملا علي القاري (1014هـ) من الماتريدية؛ وابن أبي شريف  (906هـ) من الأشعرية هذا الخلاف لفظيا.
ولذلك قال الرازي  (606هـ)  في مناظرته مع نور الدين الصابوني  (580هـ) الماتريدي:  " هذه الصفة التي سميتها التكوين إن كانت عبارة عن هذه الصفات السبع فنحن نعترف بها إلا أن البحث يصير لفظيا، وإن كانت صفة أخرى فلابد من بيانها وشرح حقيقتها حتى يمكننا نفيها أو إثباتها "   ((مناظرات الرازي)): (19)، وانظر ((المحصل)) له: (269).    
واختار الغزالي  (505هـ) لرفع هذا الخلاف طريقة القوة والفعل فقال:  (إن كون الله خالقا قبل الخلق بالقوة، وكونه خالقا بعد الخلق بالفعل، كالسيف يسمى صارما بالقوة في الغمد كما يسمى صارما بالفعل عند حصول القطع به، والماء في الكوز يسمى مرويا بالقوة، وعند الشرب يسمى مرويا بالفعل.
قلت: ولعل الباقلاني يشير إلى هذا، فيقول في تعريف صفات الأفعال: كل صفة كان موجودا قبل فعله لها غير أن وصفه لنفسه بجميع ذلك قديم).
قلت: الفريقان على باطل محض، سواء جعل الخلاف معنويا أم لفظيا؛ لأن الدافع لهم جميعا على ما قالوه  -  الفرار عن القول بقيام الصفات الاختيارية به تعالى، وهو ما يسمونه بحلول الحوادث، فلذا قالت الماتريدية : إن صفة التكوين أزلية، وإن الصفات الفعلية ليست - في الحقيقة  -  صفات لله تعالى، بل هي من متعلقات صفة التكوين لئلا يلزم حلول الحوادث به تعالى وليست قديمة حتى لا يلزم كثرة القدماء جدا.
وأما الأشعرية، فقالوا بنفي التكوين صفة لله تعالى زائدا على الصفات السبع؛ وقالوا: إن صفات الأفعال ليست صفات لله تعالى، بل هي إضافات واعتبارات، لئلا يقوم بذاته تعالى حادث هذا حاصل مذهب الفريقين.
مع أن القول بحلول الحوادث به تعالى لازم لهم شعروا أم لا حتى باعتراف الرازي فيلسوف الأشعرية.
والقول بحلول الحوادث به تعالى كما هو لازم لجميع الطوائف حتى الفلاسفة، كذلك هو قول أساطين الفلاسفة الأولين وفضلائهم المتأخرين غير واحد، وهو قول طوائف من الشيعة، والمرجئة، والكرامية، وغيرهم.
وأما جمهور أهل السنة والحديث فإنهم يقولون بها، أو بمعناها.
قلت: بهذا القول  -  أعني نفي قيام الصفات الاختيارية به تعالى - بشبهة أن ذلك يستلزم حلول الحوادث به تعالى - قد عطلت الماتريدية والأشعرية كثيرا من صفات الله تعالى، وناقضوا الكتاب والسنة وسلف هذه الأمة، وارتكبوا مخالفة العقل الصريح، وأتوا بمفاسد وظلمات، والحق ما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية من أن أفعاله تعالى صفات قائمة به تعالى تتعلق بها مشيئته تعالى وقدرته، وتتجدد آحادها، غير أن نوعها قديم.
فإن قيل: يلزم من حدوث الآحاد حدوث النوع، لأن النوع لا يتحقق إلا في ضمن أفراده.
قلنا: لا يلزم من حدوث الأفراد حدوث النوع، ألا ترى أن نعيم الجنة وأكلها وظلها دائم باق لا ينفد؛ مع أن آحادها لا يتحقق فيها هذا الحكم. وهكذا أجزاء البيت و الإنسان والشجر لا يطلق عليها حكم البيت و الإنسان والشجر، وهكذا أجزاء الطويل والعريض لا يستلزم أن تكون طويلة وعريضة ودائمة فالنوع له أحكام وصفات، والأجزاء والأفراد لها أحكام وصفات. إلا إذا ثبت أن هذه الجملة موصوفة بصفة هذه الأفراد فالنوع وأفراده، والكل وأجزاؤه قد تتفق حكما وقد تختلف، وضابط ذلك: أنه إذا كان بانضمام هذا الفرد إلى هذا الفرد يتغير ذلك الحكم الذي للفرد لم يكن حكم المجموع حكم الأفراد، كما تبين لك في الأمثلة السابقة، من أن حكم الإنسان والبيت والطويل ليس حكم أجزائها، وحكم نعيم الجنة ليس حكم أفراده.
وإن لم يتغير ذلك الحكم الذي لذلك الفرد كان حكم المجموع حكم أفراده ككون الأفراد معدومة، أو موجودة، أو ممكنة مثلا يستلزم كون المجموع كذلك.
وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام ينجينا من كثير من الإشكالات الكلامية، كما هو متناسق منسجم مع نصوص الكتاب والسنة ومنهج السلف.
ثم إن تهويل هؤلاء المعطلة بشبهة قيام الحوادث بالله تعالى من جملة تهويلهم بالكلمات المستحدثة الكلامية المجملة التي تحتمل معنى حقا وباطلا، وقاعدة السلف في مثل هذه الحكم عليها نفيا أو إثباتا حتى يعلم مراد قائلها.
 الحاصل: أن نوع صفات الله الفعلية قديمة وتتجدد آحادها، دلت عليه نصوص كثيرة، استخرج بعضها الإمام أحمد لإثبات أن الصفات الاختيارية صفات له تعالى قائمة به تحت مشيئته واختياره.
وأذكر مثالا واحدا لذلك من الأمثلة التي استخرجها الإمام أحمد من القرآن للصفات الاختيارية المتجددة، وهو قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [ المجادلة: 1]
فقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ دليل على ثبوت السمع والبصر المطلقين القديمين له تعالى، وكل واحد منهما نوع لأفراده؛ وقوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ، وقوله: وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [ المجادلة:1]  دليل على تجدد أفراد ذلك النوع، وأن هذا السمع الخاص فرد من ذلك السمع المطلق، وإلا فهل يعقل أن الله تعالى سمع قول تلك المرأة، وسمع محاورتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  في الأزل قبل أن يخلقهما، وقبل أن يخلق كلامهما وأصواتهما؟ ؟ ؟. ومن قال: إن الله تعالى سمع صوتهما ومحاورتهما بصفة التكوين القديم، وإن هذا السماع الخاص ليس من صفات الله تعالى بل هو من متعلقات التكوين  -  كما هو زعم الماتريدية  -  أو من قال: إن هذا السماع الخاص من الإضافات والاعتبارات وليس من صفات الله تعالى  -  فقد ناقض العقل الصريح والنقل الصحيح وارتكب التعطيل، وكابر وقد ثبت بهذا أن أفعال الله تعالى صفات له قائمة به تعالى تحت مشيئته واختياره، وأن نوعها قديم ,وآحادها تتجدد وأنها لا تستلزم حلول الحوادث به تعالى بالمعنى الذي تريده الجهمية، فلا تغرنك تسمية الجهمية لها بحلول الحوادث بالله تعالى ونحوه من الأسماء المدهشات.
المسألة الرابعة: هل يجوز أن يسمع كلام الله تعالى، أم لا؟
الأشعرية على الجواز، و الماتريدية  على عدم الجواز. 
ويفسر الماتريدي سماع كلام الله بمعنى إعلام الله إيانا للكلام كما أعلمنا قدرته وربوبيته. ومعلوم أن قدرة الله تعالى وربوبيته من المعلومات، لا من المسموعات.
قلت: أما قول الماتريدية  -  فباطل؛ غير أنه أوفق لمذهبهم في الكلام النفسي  -  الذي ليس بحرف ولا صوت -؛ لأنه إذا لم يكن بحرف ولا صوت  -  لا يتصور سماع كلام الله تعالى. فالماتريدية قولهم بدعة مبنية على بدعة وهو القول بالكلام النفسي؛ لأن أول من ابتدع الكلام النفسي  -  هو ابن كلاب  (240هـ) ، فالأنبياء والمرسلون والصحابة والتابعون والأئمة المتقدمون  -  لم يعرفوا الكلام النفسي، فقول الماتريدية مخالف لمذهب السلف كافة ولاسيما الإمام أبو حنيفة  -  رحمه الله تعالى  -  واكتفى بنص الإمام أبي حنيفة  -  رحمه الله  -  ليكون فيه عبرة للماتريدية.
قال الإمام أبو حنيفة:  (وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى كما قال الله تعالى :  وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [ النساء: 164]   انظر ((الفقه الأكبر))، بشرح القاري: (46).
يا سبحان الله! الإمام أبو حنيفة يصرح بوقوع سماع كلام الله تعالى وأن موسى عليه السلام سمع كلام الله فعلا فضلا عن الجواز، ويستدل على ذلك بكتاب الله تعالى لكن الماتريدي و الماتريدية لا يجوزون سماع كلام الله فضلا عن الوقوع.
بل يصرحون بأن موسى عليه السلام لم يسمع كلام الله تعالى.
فيقول أبو المعين النسفي:  (إن الله أسمع القرآن جبرائيل بالصوت والحرف المخلوقين فحفظه جبرائيل ونقله إلى النبي صلى الله عليه وسلم )   ((بحر الكلام)) (ص 29).
وقال أبو منصور الماتريدي:  " إن الله أسمع موسى عليه السلام كلامه بحروف خلقها وصوت أنشأه "   ((كتاب التوحيد)): (ص59) وهذا أيضا يبطل ما في ((روح الألوسي)): (1/17).
وقال أبو الليث السمرقندي:  (إن الله ألقى في مسامعه صوتا مخلوقا  على ما يشاء)   ((شرح تأويلات أهل السنة سورة الشورى الآية رقم 51))، ونقله البياضي في ((إشارات المرام)): (ص 182).
وقال البياضي:  (إن التكليم لا يتوقف على السماع من الله بالذات، وليس في النظم الجليل  -  يعني قوله تعالى وكلم الله موسى تكليما  -  أن الله تعالى أسمع موسى عليه السلام كلامه بحروف وأصوات خلقها في الشجرة).
ويقولون في معنى كون موسى كليم الله:  (إنه سمع صوتا دالا على كلام الله تعالى بدون واسطة الكتاب والملك).
 وبهذا العرض يتبين أن الماتريدية ينفون جواز سماع كلام الله تعالى مطلقا، فبطل ظن ابن أبي شريف، وشيخ زاده، من أن الخلاف في سماع موسى عليه السلام لكلام الله تعالى فقط.
كما تبين للقراء أن الماتريدية مخالفون للسلف مخالفة صريحة، ولاسيما الإمام أبي حنيفة  -  رحمه الله تعالى  -  فهل يستطيع بعد هذا أحد أن يدعي أن الماتريدية من أهل السنة، أو هم أتباع الإمام أبي حنيفة في مثل هذه المخالفات؟
بل ظهر أنهم أهل بدعة، وأنهم  يصرحون بالقول بخلق القرآن ، وأنهم في هذا موافقون للجهمية الأولى والمعتزلة مع قولهم ببدعة أخرى وهي القول بالكلام النفسي، و في هذا القدر كفاية لمن يطلب الحق ويعتبر.
وأما قول الأشعرية  -  مع أنه بظاهره موافق لقول السلف  -  أبعد  في بداهة العقل، وأشد فسادا، لأنهم  -  أيضا  -  قائلون بالكلام النفسي الذي ليس بحرف ولا صوت، فكيف يقولون مع هذا بسماع كلام الله تعالى؟ !.
وانتبه لهذا بعض الأشعرية؛ فالرازي فيلسوف الأشعرية صرح بعدم سماع كلام الله لأن علة صحة المسموعية هي الصوتية فقط. وإمام الحرمين أبو المعالي، فسر سماع كلام الله بكونه مفهوما معلوما.
قلت: فعل هذا يكون الخلاف بين الأشعرية والماتريدية لفظيا كما صرح به بعض الماتريدية.
فكلا الفريقين -  في الحقيقة - على عدم جواز سماع كلام الله سبحانه عما يقولون علوا كبيرا.
المسألة الخامسة: هل يجوز من الله التكليف بما لا يطاق؟
فالأشعرية على الجواز، والماتريدية  على المنع.
ثم ما لا يطاق أنواع ثلاثة:
الأول : مستحيل عقلا كالجمع بين النقيضين، أو الضدين، أو قلب الحقائق فهذا لا يجوز التكليف به إجماعا.
والثاني: مستحيل عادة لانتفاء شرط، أو وجود مانع كطيران الإنسان، فهذا هو محل النزاع.
والثالث: المستحيل وقوعا لعلم الله تعالى بعدم وقوعه كإيمان أبي جهل مثلا، فإنه ليس مستحيلا لا عقلا ولا عادة بل استحال وقوعا لعلم الله تعالى بعدم وقوعه، فهذا النوع قد وقع به التكليف إجماعا بلا خلاف، فأبو جهل كان مكلفا بالإيمان. و في مثله لا يقال: إنه تكليف بما لا يطاق لأن أبا جهل كان مقتدرا على الإيمان ، لأنه لم يسلب عنه القدرة على الإيمان وإنما اختار الكفر باختياره.
قلت : مذهب الأشعرية في غاية الفساد، والحق عدم جواز التكليف بما لا يطاق عقلا ونقلا: أما عقلا فلأنه سفه يخالف حكمة الله تعالى، وقسوة تخالف رحمة الله، وظلم يخالف عدله وإحسانه.
وأما نقلا فلقوله تعالى:   لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [ البقرة: 286]
وهذا هو مذهب أهل السنة. وقدر الله تعالى وسبق علمه سبحانه لا يجعلان العبد مجبورا ولا يقال لذلك تكليف بما لا يطاق.
وقول الأشعرية يدل على أنهم جبرية كما يأتي جبرهم الصريح في  كسبهم.
المسألة السادسة: هل يجوز صدور الصغائر عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أم لا؟
ذكر التاج السبكي وأبو عذبة أن الأول مذهب أبي الحسن الأشعري، وبعض الأشعرية، والثاني مذهب الحنفية  -  أي الماتريدية   ((طبقات الشافعية)) (3/387) ((الروضة البهية)) (58).
قلت: نسبة القول بعدم جواز صدور الصغائر عن الأنبياء عليهم السلام إلى الحنفية هكذا على الإطلاق غير صحيح؛ لأن أقوال الأشعرية، والماتريدية  في هذه المسألة مضطربة، حتى في جواز صدور الكبائر سهوا فضلا عن الصغائر وبيان ذلك ما يلي:
1- طائفة من الماتريدية والأشعرية تصرح بأن الأكثرين على جواز صدور الكبائر سهوا عن الأنبياء عليهم السلام.
بينما نرى كثيرا من الماتريدية والأشعرية لا يجوزون صدور الكبائر عنهم سهوا.
فهذا اضطراب الفريقين في جواز صدور الكبائر سهوا عن الأنبياء عليهم السلام، وعدم جوازها.
2- وأما اضطرابهم في جواز صدور الصغائر عنهم عليهم السلام عمدا فطائفة من الماتريدية والأشعرية تصرح بأن جوازها مذهب الجمهور، ونجد كثيرا من الماتريدية والأشعرية لا يجوزون ذلك.
3- اضطرابهم في جواز صدور الصغائر عن الأنبياء عليهم السلام سهوا هو أننا نرى جماعة من الماتريدية والأشعرية يذكرون الاتفاق على ذلك، ولكن يشترطون شرطين:
الأول: أن لا تكون تلك الصغائر مما يدل على الخسة أو يوجب التنفير كسرقة لقمة أو التطفيف بحبة.
الثاني: أن ينبهوا على ذلك من الله تعالى فينتبهوا حتى لا يقروا على ذلك.
بينما كلام بعض الماتريدية والأشعرية صريح، أو ظاهر في نفي جواز صدور الصغائر عنهم عليهم السلام سهوا والفنجفيرية على هذا.
4- اضطرابهم في جواز صدور الزلة والخطأ والسهو والنسيان عنهم عليهم السلام، فجمهور الماتريدية والأشعرية يصرحون بجواز ذلك كله. فالذين جوزوا صدور الكبائر سهوا. والصغائر عمدا، أو سهوا عن الأنبياء عليهم السلام جوزوا صدور الخطأ والسهو والنسيان عنهم بالطريق الأولى.
وقد صرح الإمام أبو حنيفة بذلك فقال:  (وقد كانت منهم زلات وخطيئات)   ((الفقه الأكبر بشرح القاري)) (90) ، و((بشرح أبي المنتهى المغيساوي)) (22).  
وشذ من بين الحنفية مشايخ سمرقند فأفرطوا ومنعوا إطلاق اسم الزلة على ما صدر من الأنبياء عليهم السلام وقالوا:  (إنما يقال فعلوا الفاضل وتركوا الأفضل فعوتبوا عليه) وارتكبت الفنجفيرية هذا الإفراط.
كما شذ من بين الأشعرية بعضهم فأفرط ونفى صدور الخطأ والنسيان عنهم عليهم السلام.
قلت: هذه كانت أقوال الماتريدية والأشعرية في عصمة الأنبياء عن الكبائر والصغائر والخطأ والسهو والنسيان، وقد عرفت ما فيها من التناقض والتضارب.
وهذه الأقوال منها حق، ومنها باطل محض.
فأما الباطل منها: فقول من نفى جواز صدور الصغائر عنهم عليهم السلام، وأشنع، وأبشع منه قول من غالى فأفرط، فنفى جواز الخطأ والنسيان والزلة على الأنبياء عليهم السلام؛ فإن هؤلاء قد رفعوهم عن منزلة البشرية والعبودية إلى مرتبة الألوهية مضاهئين به إفراط النصارى.
ثم لهؤلاء الغالين موقف ذميم من نصوص الكتاب والسنة الصحيحة المحكمة الصريحة التي تنص على وقوع بعض الذنوب عنهم عليهم السلام فضلا عن النصوص التي تدل على وقوع السهو والنسيان عنهم فيردون ما كان منها أخبار الآحاد ويحرفون ما كان منها متواترا بحجة تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن الذنوب وتوقيرهم كما يصنعون مثل ذلك في باب الصفات فيعطلون كثيرا منها ويحرفون نصوصها بحجة تنزيه الله تعالى عن مشابهة الخلق ولهذا قالوا ( إذا تقعر هذا فما نقل عن الأنبياء عليهم السلام مما يشعر بكذب أو معصية فما كان منقولا بطريق الآحاد فمردود وما كان بطريق التواتر فمصروف عن ظاهره إن أمكن وإلا فمحمول على ترك الأولى أو كونه قبل البعثة)   انظر من كتب الماتريدية: ((شرح العقائد))  (ص: 140) ((شرح المواقف)) (8/ 268) ((شرح الشفاء))  (2/ 200) ((شرح الفقه الأكبر)) (ص: 93) كلاهما للقاري، وحاشية الكستلي على ((شرح العقائد)) (ص: 171 – 172) و((النبراس)) (ص: 455- 457).
فأنت ترى أيها المسلم أن هذا الموقف من النصوص الشرعية ليس موقف من يؤمن بها ولذا قال شيخ الإسلام فيهم ( والمنكرون لذلك " أي لجواز صدور الصغائر عن الأنبياء" يقولون في تحريف القرآن ما هو من جنس قول أهل البهتان ويحرفون الكلم عن مواضعه...)   ((منهاج السنة)) (1/227) و((مجموع الفتاوى)) (10/ 313- 314).
وقال ( والرادون لذلك تأولوا ذلك بمثل تأويلات الجهمية والقدرية والدهرية لنصوص الأسماء والصفات ونصوص القدر ونصوص المعاد وهي من جنس تأويلات الباطنية التي يعلم بالاضطرار أنها باطلة وأنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه وهؤلاء يقصد أحدهم تعظيم الأنبياء فيقع في تكذيبهم ويرد الإيمان بهم فيقع في الكفر بهم)   ((مجموع الفتاوى)) (10/ 295- 313- 314).
قلت:  هذا يكفي لبيان فساد أقوال الغالين،  ومن أراد البسط والاطلاع على إبطال شبهاتهم فليرجع إلى الكتب المبسوطة لأئمة السنة   انظر على سبيل المثال ((منهاج السنة)) (1/ 226- 228) ((مجموع الفتاوى)) (4/ 319- 320 – 289- 313 - ، 15/ 147 -150).
بيان القول الحق الوسط في باب العصمة:
إذا ظهر للقارئ بطلان الأقوال الفاسدة في باب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فليعلم أن القول الحق الوسط بين إفراط أهل البدع الذين يضاهئون بإفراطهم النصارى وبين تفريطهم الذي يضاهئون به اليهود في حق الأنبياء عليه السلام - هو القول بجواز الصغائر والخطأ والنسيان على الأنبياء عليهم السلام مع تنبيه الله لهم وعدم إقرارهم عليها.
قال شيخ الإسلام: ( واعلم أن المنحرفين في مسألة العصمة على طرفي النقيض كلاهما مخالف لكتاب الله من بعض الوجوه قوم أفرطوا في دعوى امتناع الذنوب حتى حرفوا نصوص القرآن المخبرة بما وقع منهم من التوبة من الذنوب ومغفرة الله لهم ورفع درجاتهم بذلك وقوم فرطوا في أن نزههم الله عنها وهؤلاء مخالفون للقرآن وهؤلاء مخالفون للقرآن ومن اتبع القرآن على ما هو عليه من غير تحريفه كان في الأمة الوسط مهتديا إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين)   ((مجموع الفتاوى)) (15/ 150) ((دقائق التفسير))  (ص: 280).
وقال: (والجمهور الذين يقولون بجواز الصغائر عليهم يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها وحينئذ فما وصفوهم إلا بما فيه كمالهم فإن الأعمال بالخواتيم مع أن القرآن والحديث وإجماع السلف معهم...)   ((منهاج السنة)) (1/227).
وقال:  (وأما قوله - أي ابن المطهر الرافضي (776هـ) صاحب (منهاج الكرامة) -  إن هذا ينفي الوثوق ويوجب التنفير فليس هذا بصحيح فيما قبل النبوة ولا فيما يقع خطأ...)   ((مجموع الفتاوى)) (4/ 319).
وقال :  (فإن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف حتى إنه قول قول أكثر أهل الكلام كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول)   ((مجموع الفتاوى)) (10/ 292 -293).
وقال (وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها والقول الذي عليه جمهور الناس وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف - إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا والرد على من يقول إنه يجوز إقرارهم عليها..)   ((مجموع الفتاوى)) (10/ 292 -293).
هذه المسائل الست التي كان الخلاف فيها معنويا عند السبكي وأبي عذبة لكنك عرفت أن الخلاف في المسألتين الثالثة والرابعة لفظي.
أما المسائل التي فيها خلاف لفظي فهي سبع مسائل:
المسألة الأولى:
الاستثناء في الإيمان وهو قول الرجل : أنا مؤمن إن شاء الله.
فجوزه الأشعرية ومنعه الماتريدية.
ثم جعل السبكي وأبو عذبة هذا الخلاف لفظيا بمعنى أن هذا القائل إن أراد حسن الخاتمة والتفاؤل والتبرك فيجوز له الاستثناء وإن كان للشك فلا يجوز   ((طبقات الشافعية))  للسبكي (3/ 383) ((الروضة البهية)) (6-8).
قلت: ما ذهب إليه السبكي وأبو عذبة من أن هذا الخلاف لفظي غير صواب لأن الاستثناء في الإيمان لأجل الشك غير جائز بالاتفاق فهذا ليس محلا للخلاف وإنما بين الفريقين هو في الاستثناء لإحالة الأمور إلى مشيئة الله تعالى أو لقصد حسن الخاتمة أو للتأدب أو للتبرك أو للتبرئ عن التزكية   ((شرح العقائد النسفية)) (ص: 130) و((النبراس))  (ص: 419- 420) وانظر ((إشارات المرام)) (2-5). وقد صرح ابن الهمام بأنه لا خلاف في عدم جواز الاستثناء في الإيمان لأجل الشك في ثبوته فإنه كفر وأما إذا  لم يكن للشك فمنعه الأكثرون منهم أبو حنيفة وأصحابه وإنما يقال أنا مؤمن حقا لأن ترك الاستثناء أبعد عن التهمة فكان تركه واجبا وأجازه كثير منهم الشافعي وأصحابه   انظر ((المسامرة)) (381- 385) و((البحر الرائق)) (2/46) ((السواد الأعظم)) (2-5).
قلت: كان الواجب أن تذكر هذه المسألة فيما فيه خلاف معنوي ولذلك نرى أبا منصور الماتريدي والماتريدية بعده يمنعون الاستثناء في الإيمان ويتشبثون بشبهات منها أن الاستثناء يفسخ العقود ويمنع مضيه   ((انظر ((كتاب التوحيد))  للماتريدي (388- 392) و ((تأويلات أهل السنة)) (1/ 310) و((البداية))  للصابوني (ص: 155) ((شرح الفقه الأكبر))  للقاري (208 – 212) و((نظم الفرائد)) (48 – 49) و((التمهيد)) (28/أ) لأبي المعين النسفي، والمراجع السابقة أيضا. فما قاله التقي السبكي من أن أبا منصور الماتريدي مع الأشاعرة في جواز الاستثناء في الإيمان   ((طبقات الشافعية)) (3/384).   -  غير صحيح لأن نصوص الماتريدي والماتريدية صريحة في المنع.
وقد تهور الشيخ أبو بكر محمد بن محمد الفضل الفضلي الكماري البخاري (381) فقال ( من قال أنا مؤمن إن شاء الله  -  فهو كافر لا تجوز المناكحة معه)
ومثله في الغلو قول الشيخ أبي حفص السفكردري وبعض أئمة خوارزم من الحنفية ( لا ينبغي للحنفي أن يزوج بنته من رجل شافعي المذهب ولكن يتزوج من الشافعية تنزيلا لهم منزلة أهل الكتاب بحجة أن الشافعية يرون جواز الاستثناء في الإيمان وهو كفر   راجع ((الفتاوى البزازية)) على هامش ((الفتاوى الهندية)) (4/112) و((البحر الرائق)) (2/46 ، 3/103).
قلت لي أربع وقفات حول مسألة الاستثناء في الإيمان
الأولى :  تهور بعض الحنفية في التكفير وعدم جواز المناكحة لأجل الاستثناء فقد كفانا شرها كثير من الحنفية أنفسهم.
فقد قال الفريهاري (وقد بالغ بعض الحنفية في المنع حتى قال الفضلي: لا يجوز نكاح المرأة الشافعية لأنهم كفروا بالاستثناء وهذه جرأة عظيمة وتعصب لا يرضاه الحق سبحانه)   ((الفتاوى البزازية على هامش الفتاوى الهندية)) (4/112) و((البحر الرائق)) (2/46) (3/103).
الثانية:  ادعاء الحنفية ومنهم ابن الهمام أن الأكثر لا يرون الاستثناء فقد رد هذه الدعوى ابن أبي شريف وعارض شيخه ابن الهمام فقال (إن القول بالاستثناء قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم والشافعية والمالكية والحنابلة والكلابية والأشعرية)   ((النبراس))  (ص: 420).
قلت:  هذا هو الحق المتواتر عن السلف   ((المسامرة)) (ص: 382).
الثالثة: أنه تبين مما سبق أن الماتريدية لا يرون الاستثناء في الإيمان والأشعرية يرونه لكن مذهب الماتريدية أوفق بأصلهم وهو أن الإيمان هو التصديق وأنه لا يزيد ولا ينقص وإن كان أصلهم وفرعهم كلاهما باطلا خلاف مذهب السلف.
أما الأشعرية فقد وقعوا في تناقض واضح حيث نصروا مذهب السلف في الاستثناء مع مناصرتهم لمذهب الجهمية في الإيمان كما صرح شيخ الإسلام بتناقضهم   انظر((كتاب الإيمان))  (ص: 419) وضمن ((مجموع الفتاوى)) (7/ 438- 439).
الرابعة:  بيان الحق في مسألة الاستثناء:
الحق في هذا الباب الاستثناء في الإيمان لأجل أن الإيمان يتضمن فعل الواجبات فلا يشهد الرجل لنفسه بذلك كما لا يشهد لها بالبر والتقوى فإن ذلك لا يعلمه بل هو تزكية للنفس بلا علم.
وهذا هو مذهب السلف أصحاب الحديث كابن مسعود وأصحابه والثوري وابن عيينة وأكثر علماء الكوفة ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء البصرة وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة فكانوا يستثنون  في الإيمان وهذا متواتر عنهم   انظر ((كتاب الإيمان))  (115، 416) وضمن ((مجموع الفتاوى)) (7/120، 435)
وهذا هو المذهب الوسط العدل وأصح من بين قول من يوجبه وبين قول من يحرمه   انظر ((الفرقان بين الحق والباطل))  (ص: 27) وضمن ((مجموع الفتاوى)) (13/ 40 – 41) و((كتاب الإيمان)) (ص: 410) وضمن ((مجموع الفتاوى)) (7/ 429) وراجع مجرد مقالات الأشعري لابن فورك (ص: 162).. وللعلامة المعلمي كلام في غاية من الأهمية فراجعه.
المسألة الثانية: السعيد هل يشقى؟ والشقي هل يسعد أم لا؟
فالأول مذهب الماتريدية،  والثاني مذهب الأشعرية.
والخلاف في الحقيقة لفظي لأنه إن كان المراد من السعادة ما كتب في أم الكتاب فلا تغير فيه وإن كان المراد منها ما ينوط بعمل ابن آدم فالشقي قد يسعد والسعيد قد يشقى والكافر قد يسلم والمسلم قد يرتد والعياذ بالله   ((الروضة البهية)) (8- 11) و((نظم الفريد)) (47- 48).
ولكن ذكر شيخ زاده أن الأشاعرة قالوا: إن أبا بكر وعمر وسحرة فرعون كانوا مؤمنين قبل إسلامهم   ((التنكيل)) (2/ 373- 378).
قلت: إن صح هذا النقل عن الأشعرية فالخلاف حقيقي ويكون ذلك من حماقات الأشعرية.
وذكر ابن فورك عن الأشعري والأشعرية أن الله تعالى لم يزل راضيا عمن يعلم أنه يموت على الإيمان وساخطا على من يعلم أنه يموت على الكفر   انظر ((نظم الفريد)) (ص: 47)
المسألة الثالثة:
هل الكافر ينعم عليه أم لا؟
هذه المسألة ذكرها أبو عذبة في عداد المسائل التي فيها خلاف لفظي بين الفريقين وقال :( قال الأشعري:  الكافر لا ينعم عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة وإن ما أعطاهم الله من الملاذ فهو على سبيل الاستدراج.
وقال القاضي أبو بكر ينعم عليه نعمة دنيوية.
وقالت القدرية :  ينعم عليه نعمة دنيوية ودينية   ((الروضة البهية))  (11- 13) وراجع ((طبقات الشافعية))  للسبكي (3/ 384).
ثم قال أبو عذبة: ( وعند التحقيق يرجع الخلاف إلى نزاع لفظي )   ((الروضة البهية))  (ص: 12) وصرح به الملا علي القاري في ((شرح الفقه الأكبر)) (ص: 110).
قلت:  لم يذكر أبو عذبة في هذه المسألة شيئا عن الماتريدية نفيا أو إثباتا لكن مذهب الماتريدية أن الكافر منعم عليه في الدنيا   ((المسايرة مع المسامرة)) (165 – 167) ((إشارات المرام)) (ص: 56) ((شرح الفقه الأكبر))  للقاري (ص: 190) ((شرح الإحياء))  للزبيدي (2/13).
بيان الحق في هذه المسألة:
الحق هو قول الماتريدية إن لم يجعل الخلاف لفظيا.
قال الإمام ابن القيم:
( وفصل الخطاب في المسألة أن النعمة المطلقة مختصة بأهل الإيمان لا يشركهم فيها سواهم ومطلق النعمة عام للخليقة كلهم برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم   (بدائع الفوائد))  (2/ 22) ((اجتماع الجيوش الإسلامية))  (ص: 36- 37) و((مدارج السالكين)) (1/ 19) وانظر ((المسايرة)) مع المسامرة)) (ص: 165 – 167) .
المسألة الرابعة:  هل الرسل والأنبياء عليهم السلام رسل وأنبياء حقيقة بعد موتهم أم لا؟
هذا الخلاف مبني على أصل المتكلمين من أن العرض لا يبقى زمانين فهؤلاء لما أصلوا هذا الأصل الفاسد وقعوا في مضيق وهو أن النبوة والرسالة من صفات الحي وصفات الحي أعراض فهل يكون النبي صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا بعد موته؟
1ـ فقالت الكرامية:  إنه ليس برسول الآن.
وقالت الأشعرية وهو في حكم الرسول وحكم الشيء يقوم مقام أصل الشيء   انظر ((بحر الكلام)) (60 – 61) و((نظم الفرائد)) (ص: 49) و((الروضة البهية)) (ص: 13).
قال أبو عذبة ( هذا مذهب بعض العراقيين من الشافعية كالماوردي ونقل ابن حزم عن الأشعرية كلهم أنهم قالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو رسول الله اليوم ولكنه كان رسول الله   ((الفصل)) (5/84- 85).
ونقل أبو الوليد الباجي (474هـ) وابن حزم (456هـ) أن السلطان محمود بن سبكتكين (421هـ) سأل ابن فورك ( 406هـ) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( كان رسول الله وأما اليوم فلا) فأمر بقتله   انظر ((الفصل))  (5/ 84) و (سير أعلام النبلاء)) (17/ 216) عن الباجي وأقره.
وأنكر ذلك بعض الأشعرية فقالوا: إن هذا كذب وبهتان   انظر ((طبقات الشافعية))  للسبكي (3/ 406) (4/ 130) و((الروضة البهية))  (14 – 15) وتبديد الظلام للكوثري (154).
3ـ قلت: في المسألة قول آخر للأشعرية وهو ما ذكره الإمام ابن القيم  -  رحمه الله  -  وسكت عليه تقي الدين السبكي (756) ونسبه ابنه التاج السبكي (771هـ) وأبو عذبة إلى ابن فورك وهو أنهم لما سلموا تلك القاعدة الفاسدة من أن العرض لا يبقى زمانين وأن الروح وصفات الحي من الأعراض القائمة بالحي مشروطة بالحياة فإذا انتفت الحياة لزمهم القول بزوال رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته ففرارا من هذا المحذور رقعوا قولهم ببدعة أخرى وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة دنيوية فلا يلزم زوال رسالته صلى الله عليه وسلم   ((القصيدة النونية))  (129 – 130) ((السيف الصقيل)) (154 – 155) ((طبقات الشافعية)) للسبكي (4/ 130 – 133) ((توضيح المقاصد)) (2/ 150 – 155) ((توضيح الكافية الشافية)) (103- 105) ((شرح النونية))  للدكتور هراس (2/ 5-7) و((الروضة البهية))  (ص: 5).
فبنوا فرعا فاسدا على أصل فاسد وهكذا حال كثير من أصول المتكلمين وفروعهم لأن فساد الأصل مستلزم لفساد الفرع لأن الأصل الفاسد كالأساس على شفا جرف هار فالبنيان عليه ينهار ولا بد.
ولا يخفى فساد هذا الأصل الفاسد قال ابن حزم ( إنما حملهم على هذا الكفر الفاحش قول لهم آخر في نهاية الضلال والانسلاخ من الإسلام وهو قولهم إن الأرواح أعراض تفنى ولا تبقى زمانين.. وإن كل واحد منا يبدل أزيد من ألف ألف روح في كل ساعة زمانية.. وإنه ليس لمحمد ولا لأحد من الأنبياء  -  صلى الله عليه وسلم  -  عند الله روح ثابتة تنعم ولا نفس قائمة تكرم وهذا خروج عن إجماع أهل الإسلام فما قال أحد ممن ينتمي إلى الإسلام قبل أبي الهذيل العلاف ثم تلاه هؤلاء وهذا خلاف مجرد للقرآن وتكذيب لله عز وجل) ثم أطال في الرد عليهم على طريقته الخاصة في الإغارة والبطش   ((الفصل))  (5/ 85) وانظر أيضا لإبطال قولهم : العرض لا يبقي زمانين ((درء تعارض العقل والنقل))  (8/51).
4ـ أما الماتريدية فصرحوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحال كما كان رسولا   ((بحر الكلام)) (ص: 61) ((نظم الفرائد)) (ص: 49) ((الروضة البهية)) (ص: 13). وقالوا: إن المتصف بالرسالة والنبوة هو الروح والروح باق فهو رسول حقيقة.
قلت:  هذا قول مخالف للصواب لأنه لم يقل أحد من أهل الإسلام أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم فحسب.
تنبيه:
ذكر أبو عذبة أن الخلاف في هذه المسألة على تقدير صحتها عن الأشعري خلاف لفظي   ((الروضة البهية)) (ص: 13).
قلت:  هذا باطل لأن هذا الخلاف خلاف في النفي والإثبات فهو خلاف حقيقي لا يمكن التوفيق بين قولي الأشعرية و الماتريدية في نظري والله أعلم.
غير أن القول بنفي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ونفي نبوته يلزم الماتريدية أيضا وإن لم يلتزموه لأن من أصول الماتريدية أيضا أن العرض لا يبقى زمانين قال أبو المعين النسفي : (بخلاف قوة المخلوقين لأن صفاتنا أعراض والعرض لا يبقى زمانين وقوة الله تعالى وقدرته ليست بعرض لا تنقطع ولا تنقضي..)   ((بحر الكلام))  (ص: 20) ((العمدة))  لحافظ الدين النسفي (14/ب)، ((شرح العقائد النسفية))  للتفتازاني  (ص: 86) ((النبراس)) (ص: 281).
غير أننا نقول إن لازم المذهب ليس بمذهب إلا إذا  عرفه صاحب المذهب والتزمه   ((القصيدة النونية)) (ص: 193 -194) ((توضيح المقاصد)) (2/ 394 – 401) ((توضيح الكافية)) (ص: 15 – 157) ((شرح النونية))  للدكتور محمد خليل هراس (2/ 234- 239) وراجع ((طبقات الشافعية)) للسبكي (3/413). فنحن لا تتهم الماتريدية بهذا اللازم لأن هذا خلاف العدل والعلم كما يفعله المعطلة في اتهامهم لأهل السنة باللوازم ظلما وجهلا مع أن تلك اللوازم ليست لوازم لمذهب أهل السنة في الحقيقة كاتهامهم لأهل السنة بأنهم مشبهة قائلون بالجهة لمجرد إثباتهم للصفات   ((القصيدة النونية))  (ص: 193 -194) ((توضيح المقاصد)) (2/ 394 – 401) ((توضيح الكافية)) (ص: 15 – 157) ((شرح النونية))  للدكتور محمد خليل هراس (2/ 234- 239) وراجع ((طبقات الشافعية)) للسبكي (3/413).
تنبيه آخر:
القول ببدعة حياة الأنبياء عليهم السلام حياة دنيوية هو مذهب الأشعرية كما سبق آنفا وأما قدماء الماتريدية فلم أجد لهم كلاما في ذلك لا نفيا ولا إثباتا ولكن المتأخرين منهم كالديوبندية والكوثرية والبريلوية فهم يقولون ببدعة القول بحياة الأنبياء عليهم السلام حياة دنيوية عنصرية.
1ـ يقول الشيخ خليل أحمد السهارنفوري (1346هـ) أحد كبار أئمة الديوبندية في جواب سؤال (الجواب عندنا وعند مشايخنا حضرة الرسالة صلى الله عليه وسلم حي في قبره الشريف وحياته دنيوية من غير تكليف وهي حاصلة لسائر المؤمنين بل لجميع الناس كما نص عليه العلامة السيوطي في رسالته (إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء) حيث قال:  قال الشيخ تقي الدين السبكي :  حياة الأنبياء والشهداء في القبر كحياتهم في الدنيا ولشيخنا شمس الإسلام والدين محمد قاسم العلوم على المستفيدين قدس الله سره العزيز في هذا المبحث رسالة مستقلة دقيقة المأخذ بديعة المسلك لم ير مثلها قد طبعت وشاعت في الناس واسمها (آب حيات) أي ماء الحياة   ((المهند على المفند)) (38 – 39) وانظر ((خرافات المدني في نقشه)) (ص: 103).
2ـ وصرح الشيخان أنور شاه الكشميري (1352هـ) وشبير أحمد العثماني (1369هـ) بأن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في قبره بأذان وإقامة   ((فيض الباري))  (1/ 83) ((فتح الملهم))  (3/ 419) ((عقائد أهل السنة)) (ص: 161).
3ـ واحتج الشيخ محمد قاسم النانوتوي (1297هـ) إمام الديوبندية والشيخ رشيد أحمد الجنوجوهي (1323هـ) إمامهم الثاني والشيخ أشرف على التهانوي (1323هـ) الذي لقبوه بـ (حكيم الأمة) لإثبات هذه البدعة بأن تركه النبي صلى الله عليه وسلم لا تورث وأن أزواجه لا يحللن لأحد بعده فهذا دليل علي أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة عنصرية لكنه انعزل عن الناس كما ينعزل المعتكف أربعين يوما مثلا إلى آخر تلك الشبهات الواهيات   انظر ((عقائد أهل السنة والجماعة الديوبندية))  (162 -165) للمفتي عبد الشكور الديوبندي نقلا عن آب حيات 2 ((الكوكب الدري))  (1/ 423) ((الطهور)) (ص: 49).
4ـ وقد استدل الكوثري لإثبات التوسل بالذات  -  التوسل البدعي  -  ببدعة القول بحياة الأنبياء عليهم السلام وهكذا الداجوي بل عامة القبورية   انظر ((مقالات الكوثري)) (ص: 387) ((بصائر الداجوي الديوبندي))  (ص: 36 -105).
قلت: عقيدة الأشعرية والديوبندية والكوثرية من الماتريدية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة دنيوية  -  عقيدة باطلة خرافية مخالفة لصريح القرآن وعقيدة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم الصديق رفيق رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفته الأول رضي الله عنهم فقد قال (بأبي أنت وأمي يا نبي الله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة الأولى التي كتب عليك فقد متها) وفي رواية (طبت حيا وميتا والذي نفسي بيده! لا يذيقك الله الموتتين أبدا) ثم خطب وقال ( أما بعد ألا من كان يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإن محمد قد مات ومن كان يعبد الله  -  فإن الله حي لا يموت) ثم استدل بقوله تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [ الزمر: 30] وقوله وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ[ آل عمران: 144]   رواه البخاري (3667)
قلت:  هذه كانت عقيدة أبي بكر الصديق  -  رضي الله عنه  - التي أرشد إليها صريح القرآن وأجمع عليها بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين والذين اتبعوهم بإحسان من التابعين وأتباعهم وأئمة الدين من أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات موتا حقيقيا وفارق الحياة في الدنيا غير أن له حياة في القبر حياة برزخية لا دنيوية ولم يقل أحد من الصحابة أو التابعين أو أتباع التابعين أو أحد من أئمة هذا الدين إن حياته صلى الله عليه وسلم في قبره حياة دنيوية عنصرية أو إنه صلى الله عليه وسلم انعزل عن الناس انعزال المعتكف.
بل إن هذه العقيدة خرافية وليدة فلسفة كلامية وخيالات صوفية وبدع قبورية فتبين أن الديوبندية والكوثرية على باطل.
فأما شبهتهم: من أن تركة النبي صلى الله عليه وسلم لا تورث فالجواب أن هذا ليس لأجل أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة دنيوية بل لأجل قول النبي صلى الله عليه وسلم ((لا نورث ما تركنا صدقة))   رواه البخاري (3093 )، ومسلم (1757).
وأما شبهتهم:  من أن أزواجه  -  صلى الله عليه وسلم  -  لا يحللن لأحد بعده فهذا أيضا ليس لأجل أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة دنيوية بل لأجل كرامته صلى الله عليه وسلم وتوقيره لأنه صلى الله عليه وسلم أب لأمته وأزواجه أمهاتهم في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام فهن أزواجه صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة   انظر ((القصيدة النونية))  (132-133 ) ، و ((تفسير ابن كثير))  (3/469 ).
قال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]
في قراءة ابن مسعود وابن عباس ومصحف أبي بن كعب  - رضي الله عنهم- (وهو أب لهم)   راجع ((جامع البيان))  (21/122 ) ، ((معالم التنزيل))  (3/507 ) ، ((تفسير ابن كثير))  (3/469 ) ، ((مدارك التنزيل))  (3/51 ) ، ((إرشاد العقل السليم))  (7/91 ) ، ((روح المعاني))  (21/152 ).
هذا، وللإمام ابن القيم مبحث قيم حقق فيه الحق وأبطل الباطل، وفند شبهات أهل البدع فليرجع القارئ إليه   ((القصيدة النونية))  (130-135 ) ، ((توضيح المقاصد))  (2/154-180 ) ، ((توضيح الكافية))  (104-108 ) ، ((شرح النونية))  للدكتور محمد خليل هراس (2/6-23 ) ، وانظر أيضاً ((الصارم المنكي))  (61-62 ).
[ المسألة الخامسة:]
هل المشيئة والإرادة   المشيئة والإرادة شيء واحد، وهي صفة في الحي توجب تخصيص أحد المقدورين في أحد الأوقات بالوقوع مع استواء نسبة القدرة إلى الكل، وذهبت الكرامية إلى أن مشيئة الله أزلية وإرادته حادثة متعددة. راجع ((المسايرة مع المسامرة)) وشرحها لقاسم ابن قطلوبغا (129-132) ، ((شرح العقائد النسفية)) (52-53، 78 ) , ونُقِلَ عن أبي حنيفة: أن الإرادة من جنس الرضا والمحبة دون المشيئة. انظر ((المسايرة على المسامرة))  (139). وللحامي الحنفي الصوفي الخرافي تفلسفٌ آخر في الفرق بين المشيئة والإرادة. انظر ((كشاف اصطلاحات الفنون))  ، للتهانوي الحنفي الديوبندي: (4/86 ) ، عن شرح الجامي لـ((فصوص الحكم)) الكفرية لابن عربي الاتحادي. تستلزمان الرضى والمحبة،.... أم لا   المحبة: إرادة خاصة؛ وهي: مالا يتبعها تبعة؛ والرضا: ترك الاعتراض. ((المواقف)) (322)، و((شرحه)) (8/178)، أو الرضا: قبول الشيء والإنابة عليه. ((تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد))  (167 ) أو الرضا: سرور القلب بمرور القضاء. ((تعريفات الجرجاني))  (148 ).
ذهبت الماتريدية إلى الثاني   انظر ((الوصية))  لأبي حنيفة مع شرحها ((الجوهرة المنيفة))  (7-8 ) و((الفقه الأكبر مع شرحه)) للملا علي القاري (83-84 ) ، وكتاب ((التوحيد))  اللماتريدي (286-287 ) ، أصول الدين للبزدوي 245، ((شرح العقائد النسفية)) (85)، ((المسايرة)) (136-137)، ((إشارات المرام))  (55 ) ، ((نظم الفرائد))  (9-10 ). ، واختلف النقل عن الإمام أبي حنيفة، فالمنصوص في كتبه التي نسبت إليه: أن (الإرادة) تستلزم (الرضى) فالمعاصي، والكفر مراد الله تعالى مع عدم رضا الله تعالى بذلك   انظر ((الفقه الأبسط))  (53 ) ، و ((الوصية بشرح الملا حسين))  (7-8 ) ، و ((الفقه الأكبر))  ، بشرح على القاري (83-84 ).
ولكن نسب إليه القول بخلافه أيضاً، من أن الإرادة والرضا متحدان   ((المسايرة مع المسامرة)) (139 ) ، ((طبقات الشافعية))  للسبكي (3/384-385 ). ؛ وقيل: إن هذا القول مكذوب عليه   ((طبقات الشافعية))  للسبكي (3/384-385 ) ، و ((الروضة البهية))  (17 ).
وصرح ابن الهمام وابن أبي شريف بأن قول أبي حنيفة هذا خلاف ما عليه أكثر أهل السنة   ((المسايرة مع المسامرة)) (139 ).
وذهب جمهور الأشعرية إلى إن الإرادة والرضا متحدان؛ فالله تعالى كما يريد الكفر كذلك يحبه   راجع ((طبقات الشافعية))  للسبكي (3/384-385 ) ، و ((المسايرة مع المسامرة)) (138 ) ، و ((نظم الفرائد))  (9 ) ، انظر ((الإرشاد))  (212 ) ، و ((الروضة البهية))  (18 ). ؛ واختار كثير من الأشعرية مذهب الماتريدية في هذه المسألة   ((طبقات الشافعية))  للسبكي (3 /385 ) ، ((المسامرة))  (138 ) ، ((جوهرة التوحيد وشرحها تحفة المريد))  (63، 67 ) ، و ((إشارات المرام))  (55 ).
أما مذهب أبي الحسن الأشعري فاختلف الناس عليه في النقل عنه:
فينقل عنه بعض الأشعرية: أنه يفرق بين الإرادة والرضا   ((طبقات الشافعية))  للسبكي (3/385 ) ، ((الروضة البهية))  (17 ) .
ونسب إليه بعض الماتريدية: أنه قال: إن الله تعالى يرضى الكفر والمعاصي ويحبهما، فذهب إلى أن المحبة بمعنى الإرادة   ((أصول الدين))  لأبي اليسر البزدوي (345 ) ، و ((نظم الفرائد)) (9 ) ، وانظر ((مجرد مقالات الأشعرى)) لابن فورك (45، 73).
ولم أجد تصريح الأشعري نفياً وإثباتاً فيما عندي من كتبه؛ غير أنه قال: الإرادة سائر المحدثات   أنظر ((لمع الأدلة)): (47-59) ، غير أن شيخ الإسلام صرح بأن أشهر قولي الأشعري، وقول أكثر أصحابه: هو أن الإرادة والمحبة واحد. انظر ((منهاج السنة))  : (1/266 ) ، الطبعة القديمة و ((المنتقى)) للذهبي: (121 ).
قلت: مذهب الأشعرية ظاهر البطلان: فالأشعرية سلفهم في هذا القول المنكر هم المعتزلة حتى باعترافهم أنفسهم   انظر ((طوالع الأنوار مع شرحها مطالع الأنظار)) (193 ) ، ((المسايرة))  (134 ، 136 ).
وأما قول الماتريدية فهو الحق الموافق لقول السلف، في التفريق بين (الإرادة)، وبين (الرضا): وحاصله: أن الإرادة نوعان: إرادة كونية خلقية، وإرادة أمرية شرعية، فالإرادة الشرعية: هي المتضمنة للمحبة والرضى، والإرادة الكونية هي الشاملة لجميع الموجودات   راجع ((منهج السنة)): (1/266-267 ) ، و ((المنتقى للذهبي)): (121 ) ، انظر ((التفصيل في شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (116-117، 505-506).
فالنسبة بين الإرادة الكونية وبين الرضى  - على مذهب أهل السنة- نسبة عموم وخصوص من وجه، يقتضي مادة للاجتماع، ومادتين للافتراق.
1-  فمادة الاجتماع: إسلام أبي بكر - رضي الله عنه - فهو مراد كوناً؛ لأنه قد وقع، ومرضي عند الله لأنه من الشرع.
2-  أما مادة وجود الإرادة الكونية دون الرضى: ككفر أبي جهل؛ فهو مراد الله كوناً، وبمشيئته الكونية سبحانه. دون رضائه تعالى: فالله لا يرضى لعباده الكفر.
3-  وأما مادة وجود الرضى دون الإرادة الكونية: كإسلام أبي جهل فهو مراد شرعاً، وهو مما يرضى الله تعالى به لو أسلم، ولكنه غير مراد كوناً؛ لأنه لم يقع.
والنسبة بين الإرادة الشرعية، وبين الرضا نسبة المساواة؛ فكل مراد شرعاً، مرضي عند الله تعالى، وبالعكس   راجع ((شرح الواسطية)) للدكتور هراس (ص 46-47).
الحاصل: أن المراد كوناً لابد من وقوعه، وأما المراد شرعاً والمرضي لله قد يقع كإسلام أبي بكر  - رضي الله عنه- وقد لا يقع كإسلام أبي جهل وغيره من الكفار.
ومن أوضح الحجج القاطعة الساطعة على الفرق بين الإرادة الكونية وبين الرضي والمحبة قوله تعالى: إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ  [الزمر: 7]
وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ [الأعراف: 28-29]
فهذا وأمثاله في الرضا والإرادة الشرعية والأمر.
وأما في الإرادة الكونية فكقوله تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ [الإنسان :30]
وقول المسلمين في جميع الأعصار، والأمصار قبل ظهور البدع وأهله: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن).
حتى باعتراف الأشعرية   انظر ((الإرشاد)) (ص: 214)، و ((المواقف)) (ص 321). ، لكن الأشعرية يحرفون جميع تلك النصوص الدالة على أن الله تعالى لا يرضى الكفر والمعاصي   انظر ((التمهيد للبلاقي)) (284)، ((الإرشاد)) (ص 220)
وبهذا العرض يتبين أن الخلاف بين الماتريدية والأشعرية في هذه المسألة خلاف معنوى لا كما زعم التاج السبكي وتبعه أبو عذبة حيث ذكرا هذه المسألة في عداد المسائل التي فيها خلاف لفظي   ((طبقات الشافعي للسبكي)) (3/384، 385)، ((الروضة البهية)) (17 ) .
ومما يبطل مذهب الأشعرية من القول باتحاد الإرادة والرضا أنه يلزمهم تخلف المرام من إرادة الله تعالى؛ إذ كثير مما يحبه الله تعالى ويرضاه لم يقع   راجع ((شرح الواسطية)) للدكتور هراس (ص 46).
المسألة السادسة: هل يصح إيمان المقلد أم لا؟
ذهب جمهور مشايخ الحنفية إلى أن إيمان المقلد صحيح إلا أنه عاص بترك الاستدلال.
وذهب الأشعري وجمهور الأشاعرة إلى عدم الاكتفاء بالتقليد في العقائد   ((نظم الفرائد)) (ص 40)، وانظر ((أصول الدين)) لأبي اليسر البزدوي (ص 152)، و ((البداية)) للصابوني (ص 154)، و ((بدء الأمالي مع شرحه ضوء المعالي))  (89 ) – و ((شرح الفقه الأكبر)) (ص 216)، كلاهما للقاري.
وصرح أبو عذبة، بأن بعض الأشعرية يقولون بكفر المقلد   ((الروضة البهية)) (ص 22). ، ونقل عن الأشعري، أنه قال: إن المقلد خرج من الكفر ولم يستحق اسم المؤمن   ((أصول الدين)) للبغدادي (ص 255).
وذكر بعض الأشعرية والماتريدية: أن نسبة القول بعدم صحة إيمان المقلد إلى الأشعري كذب وزور   انظر ((طبقات الشافعية للسبكي)) (3/385، 418، 420 ) ، و ((ضوء المعالي))  (89 ).
وأما القول بوجوب النظر والاستدلال فيصرح به كل من الماتريدية والأشعرية   انظر من كتب الماتريدية كتاب ((التوحيد)) للماتريدي (ص 3)، ((بحر الكلام)) (ص 13)، ((البداية)) للصابوني (ص 154)، ((شرح الفقه الأكبر)) للقاري (ص 216)، ومن كتب الأشعرية ((الإنصاف)) للباقلاني (ص 26)، ((الإرشاد)) (ص 31)، ((أصول الدين للبغدادي)) (254)، ((المحصل)) (ص 65)، ((المواقف)) (ص 320)، وانظر أيضاً ((فتح الباري)) (13/349-354) وفيه رد على مزاعم المتكلمين. ، وأفرط بعض الأشعرية كالقاضي أبي بكر ابن العربي (543هـ) وإمام الحرمين فقالا: يلزم المصلى عند الإحرام أن يذكر حدوث العالم وأدلته، وإثبات الأعراض، واستحالة قدم الجواهر، وأدلة العلم بالصانع، وما يجب لله، وما يستحيل   ((الذخيرة للقرافي)) (1/510).
قلت: يتبين من هذا العرض أنه لا خلاف بين الفريقين في وجوب النظر والاستدلال، أما خلافُ في صحةِ إيمان المقلدِ وعدمها فخلافٌ معنويٌ؛ فلا معنى لزعم التاج السبكي، وأبي عذية: من أن هذا الخلاف لفظي   ((طبقات الشافعية)) (3/385)، ((الروضة البهية)) (21-22).
والحق أن القول بعدم صحة إيمان المقلد كما زعمه الأشعرية باطلٌ، كما أن الماتريدية والأشعرية في قولهم بوجوب النظر والاستدلال على باطلٍ أيضاً.
وقد اعترف الغزالي بذلك قائلاً: (وكيف ينكر ذلك، وجميع عقائد العوام مبادئها التلقين المجرد والتقليد المحض).
وقال: (إذ لم يكلف الشرع أجلاف العرب أكثر من التصديق الجازم بظاهر هذه العقائد)   انظر ((قواعد العقائد)) (ص 75-76، 79)، و ((إحياء علوم الدين)) (1/94)، و ((شرح الإحياء)) للزبيدي (2/43، 45)، وراجع ((ضوء المعالي)) للقاري (ص 89)، و ((الروضة البهية)) (22).
قلت: والحق صحة إيمان المقلد، وأن أول الواجب في الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله وهو توحيد العبادة، وما خالف ذلك فهو من حماقاتِ المتكلمين وبدعهم ومخالفتهم الكتابَ والسنة والسلفَ الصالح؛ بل يلزمهم تكفير الصدر الأول من الصحابة والتابعين؛ وللحافظ ابن حجر مبحث طيب ذكر فيه نصوص كبار العلماء في الرد على المتكلمين في هذا الصدد   ((فتح الباري)) (13/349 – 354). ، ولذلك قال أبو جعفر محمدُ بنُ أحمدَ السمناني الحنفيُّ أحدُ كبار الأشعرية (444هـ): (إيجاب الأشعري  النظرَ في المعرفة بقيةٌ بقيتْ عليه من الاعتزال)   ((رسالة في الكلام على الفطرة ضمن مجموعة الرسائل الكبرى)) (2/346)، و ((فتح الباري)) (13/349).
وأود أن أذكر حاصل كلام شيخ الإسلام في مسالة (أول واجب) ليكون ختامها مسكاً قال رحمه الله:
"والنبي صلى الله عليه وسلم لم يدع أحداً إلى النظر ابتداءً، ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه  -  الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه".
ثم ذكر عدة أحاديث في هذا المضمون، ثم قال.
"وهذا مما اتفق عليه أئمة الدين".
وقال: "والقرآن ليس فيه أن النظر أول الواجبات، ولا فيه إيجاب النظر على أحد، وإنما فيه الأمر بالنظر لمن لم يحصل له الإيمان إلا به، وهذا أصح الأقوال، فقول هؤلاء كأبي المعالي وغيره: أول ما يجب على العاقل البالغ القصد إلى النظر هو في الأصل من كلام المعتزلة، ومخالف لما أجمع عليه أئمة الدين، ولما تواتر عن سيد المرسلين، وعلم بالاضطراب من دينه"   انظر ((درء تعارض العقل والنقل) (8/6-10).
المسألة السابعة: في كسب العبد:
الكسب: عند الأشعري وجمهور أصحابه: كما قال أبو عذبة: (تحقيقه عند الأشعري صعب دقيق) ثم قال: (لأن أصحاب الأشعري فسروا الكسب بأن العبد إذا صمم عزمه فالله تعالى يخلق الفعل عنده، والعزم أيضاً فعل يكون واقعاً بقدرة الله تعالى فلا يكون للعبد في الفعل مدخل على سبيل التأثير وإن كان له مدخل على سبيل الكسب، فالحق: أن الكسب عند الأشاعرة: هو تعلق القدرة الحادثة في المقدور في محلها من غير تأثير وهو الذي يعول عليه في تفسيره، ولا يصح غيره) انظر ((درء تعارض العقل والنقل)) (ص8/6-10).
قلت: هذا الكلام صريح في نفي تأثير قدرة العبد فيكون مجبوراً. والكسب عند الماتريدية ما يلي:
قال حافظ الدين النسفي: (هو صرف القدرة إلى أحد المقدورين) ((الروضة البهية)) (ص26)، وانظر ((المواقف)) للإيجي (ص 311)، وراجع لإيضاحه ((شرح المواقف)) (8/145-146). يعني الطاعة أو المعصية.
قلت: هذا التعريف على اختصاره صريح في إثبات القدرة للعبد على الفعل.
وتوضيحه فيما ذكره التفتازاني من: (أن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب، وإيجاد الله تعالى الفعل عقب ذلك خلق، والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين لكن بجهتين مختلفتين فالفعل مقدور الله تعالى بجهة الإيجاد ومقدور العبد بجهة الكسب) ((شرح العقائد النسفية)) (ص 83)، و ((النبراس)) للفريهاري (ص 276).
ولابن الهمام تعبير آخر حاصله: أن الكسب عند الحنفية عزم المكلف عزماً مصمماً وتوجهه توجهاً صادقاً للفعل طالباً إياه، وهذا العزم هو محل قدرة العبد فإذا فعل ذلك خلق الله له الفعل عقبه، فيكون الفعلُ منسوباً إليه تعالى من حيث هو حركةٌ ومخلوقٌ لله، ومنسوباً إلى العبد من حيث كونه طاعةً أو معصيةً ((المسايرة مع المسامرة)) (ص 119-122). وهذا التعريف كما ترى فيه شيء من كسب الأشعري غير أنه لم ينف تأثير قدرة العبد وهذا موافق المذهب الباقلاني انظر ((المواقف)) (ص 312)، و ((المسامرة)) (ص 122). ، لكن قالت الماتريدية: إن الباقلاني اختار مذهب الحنفية انظر ((إشارات المرام)) (ص 55)، و ((نظم الفرائد)) (ص 53).
ويصرح الماتريدية بأن للعبد فعلاً حقيقةً لا مجازاً ((شرح الفقه الأبسط)) لأبي الليث السمرقندي (ص 12).
ويقولون: إن أفعال العبد نوعان: نوع لا قصد، ولا اختيار له فيه، كحركة المرتعش،، ونوع له فيه قصد، واختيار، وقدرة، فهذا النوع أفعال للعبد على سبيل الحقيقة وهي باختياره ((شرح العقائد النسفية)) (ص 81-82/ 85، 88 – 89).
ويقولون أيضاً: إن الاستطاعة نوعان: نوع هو حقيقة القدرة التي يكون بها الفعل فهو مع الفعل، ونوع بمعنى سلامة الأسباب والآلات والجوارح وهذا مناط التكليف في الأمر والنهي وهو قبل الفعل ((شرح العقائد النسفية)) (81-82، 85-89).
الحاصل: أن مذهب الماتريدية أن للعبد اختياراً وقدرةً مؤثرةً لكن تؤثر قدرته في كون الفعل طاعةً، أو معصيةً، فقدرته مؤثرةٌ في وصف الفعل، أما قدرة الله تعالى فهي مؤثرة في أصل الفعل وهو خلقه وإيجاده ((إشارات المرام)) (ص 55)، ((نظم الفوائد)) (ص53)، وانظر ((العمدة)) للنسفي (15/1).
قلت: أما مذهب الأشعري ومن اختاره من الأشعرية  -  فباطل قطعاً؛ لأن حقيقة كسبه جبر محض حتى باعتراف كبار أئمة الأشعرية انظر ((الملل والنحل)) (1/96-97)، و ((المحصل)) (ص 280، 293)، و ((المواقف)) (ص 311)، ((المنتقى في منهاج الاعتدال)) للإمام الذهبي (ص 120). ولكون كسب الأشعري باطلاً عقلاً ونقلاً عُدَّ من محلات علم الكلام وحماقات المتكلمين كما ذكر شيخ الإسلام:


ومما يقال ولا حقيقة تحته





معقولة تدنو إلى الأفهام


الكسب عند الأشعري والحال عنـ




ـد الهاشمي وطفرة النظام ((منهاج السنة)) (1/127)، ((درء التعارض)) (3/444، 8/320)، و ((شرح النونية)) للدكتور هراس (2/29)، وراجع ((المنتقى)) للذهبي (ص 48).

قلت: يظهر من هذا العرض أن الخلاف بين الماتريدية والأشعرية في هذه المسألة معنويٌّ جوهريٌّ، لا لفظٌّ كما زعم التاج السبكي وأبو عذبة ((طبقات الشافعي)) للسبكي (3/386)، ((الروضة البهية)) (ص 28).
أما مذهب الماتريدية هو موافق لمذهب السلف. قال الإمامان أبو جعفر الطحاوي وابن أبي العز الحنفي رحمهما الله:
"والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف به المخلوق تكون مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل، وهي قدرة للعبد هي مناط الأمر والنهي وبها يتعلق الخطاب، وهذا قول عامة أهل السنة ((العقيدة الطحاوية وشرحها)) (ص 488-489)، وانظر ((بدائع الفوائد)) (4/175). وأفعال العباد الاختيارية هي خلق الله، وكسب من العباد، وأفعالٌ لهم حقيقةً وهي باختيارهم. وأنهم يستوجبون عليها المدح والذم كما أنها واقعة بمشيئة الله تعالى وقدرته ((العقيدة الطحاوية وشرحها)) (ص 493-494).
وأفعال العبد نوعان: نوع يكون منه من غير اقتران قدرته وإرادته واختياره كحركة المرتعش، ونوع يكون بقدرته واختياره كالحركات الاختيارية، فهذا النوع صفة للعبد وفعل له، وكسب له، والله تعالى هو الذي جعل العبد فاعلاً مختاراً، وهو الذي يقدر العبد على ذلك وحده لا شريك له.
والحاصل: أن فعل العبد فعل له حقيقة ولكنه مخلوق لله تعالى والكسب: هو الفعل الذي يعود على فاعله منه نفع أو ضرر وانظر ((التفصيل في تبصرة الأدلة)) (228/أ – 230/ب)، و ((التمهيد لقواعد التوحيد)) (14/ب – 20أ)، كلاهما لأبي المعين النسفي، و ((عمدة الاعتقاد)) (14/ب – 15/ب)، لعبد الله النسفي، يتبين لك أن الماتريدية في هذا الباب على مذهب أهل السنة، وأن الأشعرية جبرية تحت ستار كسبهم.
قلت: هذه كانت المسائل الخلافية بين الماتريدية وبين زملائهم الأشعرية على ما ذكره التاج السبكي وأبو عذبة، فقد ذكرتها مع تعليقات مختصرة لنقد الفريقين وبيان الحق، مع أن الحاجة ماسة إلى مزيد من التحقيق والتفصيل والتمحيص والمناقشة التفصيلية، وإحقاق الحق على وجه أدق وأعمق وأبسط وفيما ذكرت كفاية للتعريف بالفريقين وبما بينهما من خلاف وبالله التوفيق. الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات لشمس السلفي الأفغاني 1/452

انظر أيضا: