موسوعة الفرق

المطلب الرابع: الإيمان والإسلام


ومن المسائل التي وقع فيها نزاع وخلاف بين طوائف المسلمين مسألة الفرق بين مسمى الإيمان والإسلام وذلك "لكثرة ذكرهما وكثرة كلام الناس فيهما والاسم كلما كثر الكلام فيه فتكلم به مطلقا ومقيدا بقيد آخر في موضع كان هذا سببا لاشتباه بعض معناه ثم كلما كثر سماعه كثر من يشتبه عليه ذلك ومن أسباب ذلك أن يسمع بعض الناس بعض موارده ولا يسمع بعضه ويكون ما سمعه مقيدا أوجبه اختصاصه بمعنى فيظن معناه في سائر موارده كذلك فمن اتبع علمه حتى عرف مواقع الاستعمال عامة وعلم مأخذ الشبهة أعطى كل ذي حق حقه وعلم أن خير الكلام كلام الله وأنه لا بيان أتم من بيانه" ((الإيمان)) (304).
وللناس في المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أن الإسلام والإيمان اسمان لمسمى واحد.
الثاني أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل.
الثالث التفصيل وذلك بأن حالة اقترانهما غير حالة إفرادهما فإذا اقترنا كان المقصود بالإسلام الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة وإذا أفردا كان معناهما واحدا ودخل أحدهما في الآخر ويكون المقصود جميع أمور الدين الظاهرة والباطنة.
والماتريدية في هذه المسألة ذهبت إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد وأنه لا تغاير بينهما ولا ينفك أحدهما عن الآخر وإذا زال أحدهما زال الآخر واستدلوا على قولهم هذا بعدة أدلة ذكرها الماتريدي وتابعه عليها عامة الماتريدية قال الماتريدي:
" وأما القول عندنا في الإيمان والإسلام أنه واحد في أمر الدين في التحقيق بالمراد وإن كانا قد يختلفان في المعنى باللسان....
ثم من جهة التحقيق بالمراد في الدين إن الإيمان هو اسم لشهادة العقول والآثار بالتصديق على وحدانية الله تعالى وأن له الخلق والأمر في الخلق لا شريك له في ذلك والإسلام هو إسلام المرء نفسه بكليتها وكذا كل شيء لله تعالى بالعبودية لله لا شريك فيه فحصلا من المراد فيهما على واحد...
ثم الأصل أنه من البعيد عن العقول أن يأتي المرء بجميع شرائط الإيمان ثم لا يكون مسلما أو يأتي بجميع شرائط الإسلام ثم لا يكون مؤمنا  ثبت أنهما في الحقيقة واحد ومعلوم أن الذي يسع له التسمي بأحدهما يسع بالآخر وأن الذي به تختلف الأديان إنما هو الاعتقاد لا بأفعال سواه وبالوجود يستحق كل الاسم المعروف لذلك وجب ما قلنا.
وقد قال الله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ [ آل عمران:19]   وقال: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ [ آل عمران:85] فالمؤمن بالصفة التي يصير بها مؤمنا لا يخلو من أن يكون أتى بالإسلام الذي هو الدين عند الله أو أتى ببعضه لا كله أو ابتغى غير دين الله فإن قال بالأول أذعن للحق وإن قال بالثاني فهو إذا لم يبتغ به دينا إنما ابتغى بعضه وذلك بعيد بل شهد الله على مثله بأنه كافر حقا وإن قال بالثالث صير دار المؤمنين النار وأبطل جميع ما جاء به الرسل من الأمر بالإيمان بهم.
ثم قد ثبت أنهما واحد في التحقيق على ما جرت به أحكام القرآن قال الله تعالى : قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ [ البقرة:136]   إلى قوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
فألزمهم اسم الإسلام بالذي صاروا به مؤمنين ومثله في يونس وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ[يونس:84]   فصيرهم بالذي آمنوا مسلمين وقال عز وجل يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [ الحجرات:17] صير ذلك منهم إسلاما لو صدقوا في إيمانهم وكذلك به يكونون مؤمنين وقالت الملائكة : فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ [ الذاريات:35-36]  فصير الذين كانوا مسلمين مؤمنين" ((التوحيد)) (394- 397)، وانظر ((أصول الدين)) للبزدوي (154، 221)، ((تبصرة الأدلة)) للنسفي (ل 482)، ((النور اللامع)) للناصري (ل74)، حاشية ابن قطلوبغا على ((المسايرة)) (296- 298)، ((جامع المتون)) (23).
وقول الماتريدية بأن مسمى الإسلام والإيمان واحد ضعيف مخالف لمجموع أدلة الكتاب والسنة.
فالله تعالى " قد فسر الإيمان بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبين أيضا أن العمل بما أمر يدخل في الإيمان ولم يسم الله الإيمان بملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت إسلاما بل إنما سمى الإسلام الاستسلام له بقلبه وقصده وإخلاص الدين والعمل بما أمر به كالصلاة والزكاة خالصا لوجهه فهذا هو الذي سماه الله إسلاما وجعله دينا وقال:   وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ [ آل عمران:85]   وهذا يقتضي أن كل من دان بغير دين الإسلام فعلمه مردود وهو خاسر في الآخرة فيقتضي وجوب دين الإسلام وبطلان ما سواه لا يقتضي أن مسمى الدين هو مسمى الإيمان بل أمرنا أن نقول آمنا بالله وأمرنا أن نقول وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فأمرنا باثنين فكيف نجعلهما واحدا ((الإيمان)) لابن تيمية (350، 351). وقولهم بأن الإسلام والإيمان شيء واحد يلزمهم فيه أحد أمرين إما أن يقولوا إن الإسلام هو التصديق وهذا ما لم يقله أحد من أهل اللغة وإما أن يقولوا إن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان وهذا خلاف قولهم.
والقول بأن كل مؤمن مسلم هذا حق لا مرية فيه ولكن إطلاق القول بأن كل مسلم مؤمن أو من أتى بشرائط الإسلام فهو مؤمن غير صحيح بدليل أن " الإسلام يتناول من أظهر الإسلام مع التصديق المجمل في الباطن ولكن لم يفعل الواجب كله لا من هذا ولا هذا وهم الفساق يكون في أحدهم شعبة نفاق ويتناول من أتى بالإسلام الواجب وما يلزمه من الإيمان ولم يأت بتمام الإيمان الواجب " ((الإيمان)) (365).
فقد يكون مسلما يعبد الله كما أمره ولا يعبد غيره ويخافه ويرجوه ولكن لم يخلص إلى قلبه أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ولا أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من جميع أهله وماله وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه وأن يخاف الله لا يخاف غيره وأن لا يتوكل إلا على الله وهذه كلها من الإيمان الواجب وليست من لوازم الإسلام فإن الإسلام هو الاستسلام وهو يتضمن الخضوع لله وحده والانقياد له والعبودية لله وحده وهذا قد يتضمن خوفه ورجاءه وأما طمأنينة القلب بمحبته وحده وأن يكون أحب إليه مما سواهما وبالتوكل عليه وحده وبأن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه فهذه من حقائق الإيمان التي تختص به فمن لم يتصف بها لم يكن من المؤمنين حقا وإن كان مسلما وكذلك وجل قلبه إذا ذكر الله وكذلك زيادة الإيمان إذا تليت عليه آياته" ((الإيمان)) (364).
وما استدلوا به من الأدلة السمعية هو دليل على نقض قولهم فإن الله تعالى قال: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ [ آل عمران:19]   وقال :وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ [ آل عمران:85] وقال: وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [ المائدة:3] ولم يقل قط إن الدين عند الله الإيمان ولا قال ومن يبتغ غير الإيمان دينا فدل ذلك على عدم صحة القول بترادف الإسلام والإيمان.
ويوضح هذا " أن الإيمان أصله معرفة القلب وتصديقه وقوله والعمل تابع لهذا العلم والتصديق ملازم له ولا يكون العبد مؤمنا إلا بهما وأما الإسلام فهو عمل محض مع قول والعلم والتصديق ليس جزء مسماه لكن يلزمه جنس التصديق فلا يكون عمل إلا بعلم لكن لا يستلزم الإيمان المفصل الذي بينه الله ورسوله كما قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15]  فإن كثيرا من المسلمين مسلم باطنا وظاهرا معه تصديق مجمل ولم يتصف بهذا الإيمان" ((الإيمان)) (322).
ولهذا أمرنا الله تعالى أن نقول: آمَنَّا بِاللّهِ وأمرنا أن نقول: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وكذلك قول موسى عليه السلام: وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ [ يونس:84] فلو كان مسماهما واحدا- كما قالت الماتريدية  -  لكن هذا تكرير وكذلك قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:35] وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا قام من الليل: (( اللهم لك أسلمت وبك آمنت..))
وكذا استدلالهم بآية الحجرات دل على نقيض قولهم فإن "القوم لم يقولوا أسلمنا بل قالوا آمنا والله أمرهم أن يقولوا أسلمنا ثم ذكر تسميتهم بالإسلام فقال: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [ الحجرات:17]  (أي) في قولكم آمنا ولو كان الإسلام هو الإيمان لم يحتج أن يقول إن كنتم صادقين فإنهم صادقون في قولهم أسلمنا مع أنهم لم يقولوا.... " ((الإيمان)) (320).
وأما احتجاجهم بقوله تعالى فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ [ الذاريات:35-36] " فلا حجة فيه لأن البيت المخرج كانوا متصفين بالإيمان والإسلام ولا يلزم من الاتصاف بهما ترادفهما" ((شرح الطحاوية)) (387).
إذا فقول الماتريدية بأن الإيمان والإسلام مترادفان ولا فرق بينهما قول غير صحيح.
والقول الحق الذي دلت عليه الأدلة هو القول بالتلازم بين الإيمان والإسلام فإنهما إذا اجتمعا في الذكر كان المقصود بالإيمان الأمور الباطنة وبالإسلام الأعمال الظاهرة وإذا افترقا كان المقصود بهما واحد وهو الأمور الظاهرة والباطنة. الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي  -  ص472- 477

انظر أيضا: