trial

موسوعة الفرق

المطلب الأول: نقضهم أركان الإِسلام، وفرضهم بدلها سبع دعائم تكليفية


إن أول ما بدأه دعاة الدروز بعد إعلان ألوهية الحاكم، هو نقض الشريعة الإِسلامية وأركانها حتى يتسنى لهم أن يأتوا بشريعة تخالف وتنسخ شريعة الإِسلام، ففي رسالة (الجزء الأول من السبعة أجزاء) توضيح لذلك إذ تقول:
اعلموا معاشر الموحدين لمولانا الحاكم، المقرين بإمامة عبده القائم، أنه لما غابت صورة المعبود وامتنع قائم الزمان عن الوجود، أيست كثير من النفوس عند غياب العيان المحسوس وتشاجروا في الحلال والحرام، وقالوا: هل فرض الباري سبحانه على لسان الإِمام فرائض يتمسك بها الأنام، وقال بعضهم: لابد للأمة من فرائض تضبطها عن الأهواء المحلومة من خوف أن تربطها، ولو لم يكن ذلك لزال الحفاظ.
فلما رأيت ذلك وما قد وقع في نفوسهم من اليأس... فتأملت كتابا وصلني من حضرة مولاي قائم الزمان عليه من معبوده أفضل التحية والسلام، يرسم لي فيه وضع الكتب وقراءتها على أهل البصائر... ويأمرني بإيضاح ما أشكل على الطائفة من العلوم، واشتهار ما علمته من الفرائض والرسوم، فوضعت هذا الكتاب وهو الجزء الأول من السبعة أجزاء تشتمل على فرائض فرضها مولانا سبحانه ذو المنة والإِحسان، ونطق بها عبده قائم الزمان، تتلوا بعضها بعضا) الجزء الأول من السبعة أجزاء. .
(فمسلك التوحيد في اعتقادهم تجاوز الدعائم الإِسلامية من حيث معناها المادي الظاهر، ليسموا بها إلى معانيها ومقاصدها الحقيقية) د. سامي مكارم : ((أضواء على مسلك التوحيد))، (ص 112). .
ولهذا فقد اتخذ له فرائض توحيدية وردت في (رسالة ميثاق النساء) حيث تقول: (ويجب على سائر الموحدات أن يعلمن أن أول المفترضات عليهن معرفة مولانا جل ذكره وتنزيهه عن جميع المخلوقات ثم معرفة قائم الزمان وتمييزه عن سائر الحدود الروحانيين، ثم معرفة الحدود الروحانيين بأسمائهم ومراتبهم وألقابهم...
فإذا علمن ذلك وجب أن يعلمن أن مولانا جل ذكره قد أسقط عنهن السبع دعائم التكليفية الناموسية، وفرض عليهن سبع خصال توحيدية دينية، أولها وأعظمها: سدق اللسان، وثانيها: حفظ الإِخوان، وترك ما كنتم عليه وتعتقدوه من عبادة العدم والبهتان، ثم البراءة من الأبالسة والطغيان، ثم التوحيد لمولانا جل ذكره في كل عصر وزمان ودهر وأوان، ثم الرضى بفعله كيف ما كان، ثم التسليم لأمره في السر والحدثان. فيجب على سائر الموحدين والموحدات حفظ هذه السبع خصال والعمل بها وسترها عمن لم يكن من أهلها) رسالة ((ميثاق النساء)). .
ونفهم من هذه الرسالة أن المولى قد أسقط عنهم سبع دعائم تكليفية ناموسية، وفرض عليهم سبع خصال توحيدية هي:
1 – أولها وأعظمها: سدق اللسان – ونلاحظ دائمًا أن الدروز لا ينطقون كلمة الصدق بالصاد، إنما ينطقونها ويكتبونها بالسين، وسبب ذلك هو حساب الجمل، فالسين تساوي ستين، والدال تساوي أربعة، والقاف مائة، فيكون المجموع مائة وأربعة وستين هم عدد حدود الدروز، ذلك أن حد الإِمامة تسعة وتسعون (أي أسماء الله الحسنى)، أي أن للإِمام تسعة وتسعين داعيًا، ولكل من الجناح الأيمن والجناح الأيسر ثلاثون داعيًا مجموعهم ستون داعيًا. يضاف إلى ذلك أربعة حدود علوية، فالمجموع الكلي مائة وثلاثة وستون حدا، يبقى بعد ذلك حد، وهو قائم الزمان حمزة بن علي، ومن هنا نطقوا كلمة صدق ومشتقاتها وكتبوها بالسين حتى تتفق مع حروف الجمل على هذا النحو.
2 – حفظ الأخوان: هذا لا يعني الأخوة الإِنسانية بل تعني بالأخ من شاطرها هذه الخصال.
3 – ترك ما كان عليه الموحدون وما اعتقدوه من عبادة العدم والبهتان: أي أن كل عبادة تقدم لسوى الحاكم لا تصادف إلا عدما.
4 – البراءة من الأبالسة والطغيان – والمقصود الأنبياء -.
5 – التوحيد للمولى في كل عصر وزمان.
6 – الرضا بفعله كيفما كان.
7 – التسليم لأمره في السر والحدثان.
ولا عجب في تفاني حمزة بالحث على الرضا والتسليم إذ يعلم أن القوم سوف يقرأون ما كتبه عن أفعال الحاكم مما يثير الاعتراض وسوء الظن ولذا شدد على ذلك وقال في رسالة الرضا والتسليم: (إياكم أن تكرهوا شيئا من أفعال مولانا فيكم، أو تظنوا به ظن السوء).
وهذه السبع فرائض التوحيدية هي عوض السبع دعائم التكليفية:
فصدق اللسان عوض الصلاة.
وحفظ الإخوان عوض الزكاة.
وترك عبادة العدم والبهتان عوض الصوم.
والبراءة من الأبالسة والطغيان عوض الحج.
والتوحيد لمولانا عوض الشهادتين.
والرضا بفعله كيفما كان عوض الجهاد.
والتسليم لأمره في السر والحدثان عوض الولاية)      مخطوط (ذكر ما يجب أن يعرفه الموحد) : مكتبة القديس بولس، الجامعة الأمريكية في بيروت (رقم 206) – ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 715. .
وفي كتاب النقط والدوائر حديث عن هذه الفرائض، ومركز كل منها في معتقد الدروز، حيث يقول كاتب هذا الكتاب:
والتوحيد هو المركز الأوسط، لأنه بمحل الهيولي الساري في الطبائع، فهكذا التوحيد ساري في الفرائض الأربعة المذكورة فما تقوى إلا به، وكذلك التوحيد لا يقوى ولا يكمل في نفس الموحد إلا بعلمه بهذه الفرائض، كما قال: إن سدق اللسان هو الإِيمان والتوحيد بكماله.
وقال عن حفظ الإِخوان: وأن بحفظهم يكمل إيمانكم أي توحيدكم. وقال عن ترك العدم: إن العدم مضاد للوجود وسبيل يستدرج إلى الإِنكار والتعطيل والجحود. وقال عن البراءة: فمن اعترف منكم منهم بولد أو والد أو أخ أو ذكر أو أنثى، فهو ناكث للدين بريء من عظام الحجج والآيات.
ثم إنك إذا نظرت إلى دائرة هذه الفرائض، فترى كل فريضة مقابلة ضدها وهي في ذاتها دائرة، فترى سدق اللسان مقابلة ترك العدم، وترى حفظ الإخوان قبالة البراءة من الأبالسة، وفي ذلك أيضا فائدة، وهي لما كانت هذه الفرائض قسمان: أمر ونهي، فكان في هذه الدائرة اثنتان أمر وهما: سدق اللسان وحفظ الإخوان واثنتان نهي وهما: ترك العدم والبراءة من الأبالسة.
وأما المركز الذي هو التوحيد، فهو الوجود والتنزيه الذي هو قاعدة العبادات والفرائض كلها لكونه في عدد الفرائض خامسًا، لأنه غاية ونهاية، وكذلك لكون مجتمع القوة في الخامس من كل شيء، والحجج أربعة والإِمام خامسهم وهو أفضلهم، وكذلك اجتمعت القوة في الناطق الخامس والأساس الخامس والإِمام الخامس، وكذلك المقامات الخمسة التي ظهرت بالمُلك خامسهم الحاكم وهو الذي كشف التوحيد.
وأما الرضى والتسليم فهما فروع، كما أن أصول الدعائم خمسة، والجهاد والولاية فروع أيضًا.
ولما كان لا وصول إلى توحيد الباري سبحانه إلا بعد معرفته، فلذلك جعلت المعرفة أول الفرائض كما قال: ويجب على سائر الموحدين أن يعلموا أن أول المفترضات عليهم معرفة مولانا جل ذكره عن جميع المخلوقات.
وهذه الفريضة التي هي المعرفة تفرعت عن الفريضة الخامسة التي هي التوحيد.
وأما السدق فيلزم العبد في عشرة أحوال، وهي أصول لفروع كثيرة:
التسديق بألوهية الباري سبحانه ووجوده في الصورة الناسوتية، وتنزيهه عن الصفات البشرية.
ثم التسديق بإمامة قائم الزمان صلوات الله عليه، وأنه الإِمام السادق فيما بينه وشرعه وحلله وحرمه وأمره ونهاه.
ثم التسديق بفضيلة الحدود صلوات الله عليهم أعني الأربعة وشرفهم وكمالهم.
ثم التسديق ببقية حروف السدق سلام الله عليهم.
والتسديق بفريق الهدى أنهم الأمة الناجية من جميع الأمم.
ثم التسديق بالحكمة الشريفة أنها الدين الناجي.
ثم التسديق بانتقال النفوس الناطقة في الأجسام البشرية.
ثم التسديق بالقضاء والقدر وأنه عدل جاري من الله.
ثم التسديق بالقيامة أنها آتية بغتة لا ريب فيها ولابد منها.
 ثم التسديق للإخوان الثقات فيما يقولوه.
أما البراءة من الأبالسة والطغيان، فالأبالسة والطغيان مجتمع كل فريق الضلال أولهم إبليس اللعين، فكلهم أبالسة وكلهم طغيان والإبلاس هو الإياس من الرحمة والبعد عن الغير كتاب ((النقط والدوائر)) ، (ص 65، 66، 67، 68، 69، 71، 77). .
وقد خصصت إحدى رسائل الدروز الكبرى، والتي ألفها حمزة لنقض وإسقاط فرائض الإِسلام وعنوانها (الكتاب المعروف بالنقض الخفي) نورد هنا مقتطفات منها لأهميتها البالغة في معرفة نظرة الدروز إلى فرائض الإِسلام، يقول حمزة في هذه الرسالة: (أما بعد، فقد سمعتم قبل هذه الرسالة نسخ الشريعة بإسقاط الزكاة عنكم، وأن الزكاة هي الشريعة بكاملها. وقد بينت لكم في هذه الرسالة نقضها دعامة دعامة، ظاهرها وباطنها، وأن المراد في النجاة من غير هذين جميعًا، وقد سمعتم بأن يصير هذا الباطن المكنون الذي في أيديكم ظاهرًا والظاهر يتلاشى ويظهر معنى حقيقة الباطن المحض، وهذا وقته وأوانه وتصريح بيانه للموحدين، لا للمشركين، إلى أن يظهر السيف فيكون ظاهرًا مكشوفًا، طوعًا وكرها، وتؤخذ الجزية من المسلمين والمشركين كما تؤخذ من أهل الذمة، وقد قرب إن شاء مولانا وبه التوفيق.
فأول البناء وقبة النهاء شهادة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، التي حقن بها الدماء، وصين بها الفروج والأموال، وهي كلمتان: دليل على السابق والتالي، وهي أربعة فصول: دليل على الأصلين والأساسين، وهي سبع قطع: دليل على النطقاء السبعة، وعلى الأوصياء السبعة، وسبعة أيام، وسبع ليالي، وسبع أرضين، وسبعة جبال، وسبعة أفلاك، وأمثال هذا أسابيع كثيرة، وهي اثنا عشر حرفا، دليل على اثني عشر حجة الأساسية، وثانية بالمعرفة محمد رسول الله، ثلاث كلمات دليل على ثلاثة حدود: الناطق والثاني فوقه، والسابق فوق الكل.
وهي ست قطع دليل على ستة نطقاء، وهي اثنا عشر حرفا دليل على اثنتي عشرة حجة له بإزاء الأساسية.
إلى أن يقول...: وكذلك اللام راجع إلى الألف، والألف الذي في (اللام) دليل على الإِمام، والألف الثاني دليل على التالي، واللام دليل على الناطق، إذ كان الناطق من التالي انبعث، ومنه كانت مادته، فالألف الثالث من (إلا) بمنزلة السابق، إذ هو بمنزلة رابع الحدود، دليل على الحجة والداعي والمؤذن، والألف الذي في اللام ليس له حد واحد تاليه، وكذلك الداعي يرجع إلى الإِمام لا غير، والناطق إلى التالي، والسابق بالحدود كلها. كذلك الألف الذي في (الله) واللامان المتصلان به بحد الناطق والتالي، والهاء التي هي ختامهم رتبت بمنزلة أسامة، فقال: (لا إله إلا الله) ألفا عن الكل المعنوية، وأشار إلى أسامة وألزمهم بأن يقولوا (محمد رسول الله) وهي ثلاث كلمات لأنه ثالث السابق، وهي ست قطع دليل على أنه سادس النطقاء.
ثم أقام بعد الشهادتين، وبأساسه الصلاة في خمسة أوقات، وقد روى كثير من المسلمين عن الناطق المقصود النبي صلى الله عليه وسلم. بأنه قال: ((من ترك صلاته ثلاثًا متعمدًا فقد كفر) ) بهذا التحديد لم يرد، وورد بلفظ (من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر جهارا) رواه الطبراني في الأوسط (3348) قال عنه الهيثمي في المجمع (1/295) رجاله موثقون إلا محمد بن أبي داود فاني لم أجد من ترجمه وقد ذكر ابن حبان في الثقات محمد بن أبي داود البغدادي فلا أدري هو هذا أم لا، وأورده الألباني في الضعيفة (2508) وقال: ((من ترك الصلاة ثلاثًا متعمدًا، فليمت على أي دين يشاء) ) لم يرد حديث بهذا اللفظ .
وقد رأينا كثيرًا من المسلمين يتركون الصلاة، ومنهم من لم يصل قط، ولم يقع عليه اسم الكفر، فعلمنا أنه بخلاف ما جاء في الخبر، وقد اجتمع كافة المسلمين بأن المصلي بالناس صلاته صلاة الجماعة فعله فعلهم وقراءته قراءتهم هذا تحريف وخلط، بل تكون قراءة الإِمام للقرآن بدلا منهم. ، حتى أنه لو سها في الفرض الذي لا تجوز الصلاة إلا به، كان عليه الإِعادة مثل ما عليهم.
فإذا كان رجل مصل بالناس يقوم مقام أمته، وتكون صلاته مقام صلواتهم، فكيف مولانا سبحانه الذي لا يدخل في عدد التشبيه ؟ وله سنين بكثرة ما صلى بناس ولا صلى على جنازة، ولا نحر في العيد الذي هو مقرون بالصلاة بقوله:   فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [ الكوثر:2-3]  فصار فرضًا لازمًا، فلما تركه مولانا جل ذكره، علمنا بأنه قد نقض الحالتين جميعًا الصلاة والنحر، وأنه يهلك عدوه بغير هاتين الخصلتين، وأن لعبيده رخصة في تركهما، إذ كان إليه المنتهى ومنه الابتداء في جميع الأمور، فبان له نقضه، وقد بطل صلاة العيد وصلاة يوم الجمعة بالجامع الأزهر، وهو أول جامع بني في القاهرة يقصد بالقاهرة القطعة التي بناها جوهر الصقلي عند فتحه لمصر، وأما أول جامع فهو مسجد عمرو بن العاص رضي الله عنه في الفسطاط. ، وكذلك أول ما بطل هو، فهذا ظاهر الصلاة ونقضها.
وأما الباطن فقد سمعتم في المجالس بأن الصلاة هي العهد المألوف، وسمي (صلاة) لأنه صلة بين المستجيبين وبين الإِمام، يعني علي بن أبي طالب، واستدلوا بقوله:   إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ [ العنكبوت :45] فمن اتصل بعهد علي بن أبي طالب انتهى من محبة أبي بكر وعمر، وقد رأينا كثيرًا من الناس اتصلوا بعهد علي بن أبي طالب وكانوا محبين لأبي بكر وعمر، وكانوا يمضون إلى معاوية ويتركون علي بن أبي طالب، وقالوا: إن العهد في وقتنا هذا هو الصلاة، لأنه صلة بينهم وبين مولانا جل ذكره، والفحشاء والمنكر: أبو بكر وعمر، وقد اتصل بعهد مولانا جل ذكره في عصرنا هذا خلق كثير لا يحصيهم غير الذي أخذ عليهم، ولم يرجعوا عن محبة أبي بكر وعمر، ولا عن خلاف مولانا جل ذكره وعصيان أوامره.
فقد صح عندنا أنه بخلاف ما سمعنا في المجالس، ورأينا مولانا جل ذكره قد نقض الباطن الذي سمعناه، لأنه أباح لسائر النواصب إظهار محبة أبي بكر وعمر، وقرئ بذلك سجل على رؤوس الأشهاد... فعلمنا بأنه علينا سلامه ورحمته قد أسقط الباطن مثلما أسقط الظاهر، فنظرنا إلى ما ينجينا من العذابين جميعًا، ويخلصنا من الشريعتين سريعًا، ويدخلنا جنة النعيم التي وعدنا بها، فعلمنا بأن الصلاة هي لازمة في خمسة أوقات فإن تركها أحد من سائر الناس كافة ثلاثًا فقد كفر، هي صلة قلوبكم بتوحيد مولانا جل ذكره لا شريك له على يد خمسة حدود: السابق، والتالي، والجد، والفتح، والخيال، وهم موجودون في وقتنا هذا، وهذه هي الصلاة الحقيقية، لأن الصلاتين: الظاهر والباطن، ومن مات ولم يعرف إمام زمانه وهو حي، مات موتة جاهلية، وهو معرفة توحيد مولانا جل ذكره، وقوله: (حي) يعني دائمًا أبدًا في كل عصر وزمان، والفحشاء والمنكر هما الشريعتان الظاهر والباطن.
فمن وحد مولانا جل ذكره، ينهاه توحيد مولانا جل ذكره عن التفاته إلى ورائه وانتظاره العدم المفقود، وقال: (من ترك الصلاة ثلاثًا متعمدًا فقد كفر) يعني توحيد مولانا جل ذكره على يد ثلاثة حدود وهم: ذو معة، وذو مصة، والجناح، الحاضرون في وقتنا هذا، وهم موجودون ظاهرون للموحدين، لا للمشركين، وأنا أبين لكم أشخاصهم مع أشخاص حدودهم، وأشخاص (لا إله إلا الله) وأشخاص (الحمد لله رب العالمين) في غير هذا الكتاب بتوفيق مولانا جل ذكره.
تتلوه الزكاة، وقد أسقطها مولانا جل ذكره عنكم بالكلية، وقد سمعتم في مجالس الحكمة الباطنية بأن الزكاة ولاية علي بن أبي طالب والأئمة من ذريته، والتبري من أعوانه أبي بكر وعمر وعثمان، وقد منع مولانا جل ذكره عن أذية أحد من النواصب... فبان لنا بأن مولانا جل ذكره بطل باطن الزكاة الذي في علي بن أبي طالب، كما بطل ظاهرها، وأن الزكاة غير ما أشاروا إليه في المجلس جميعا، وأنه في الحقيقة توحيد مولانا جل ذكره، وتزكية قلوبكم وتطهيرها من الحالتين جميعًا، وترك ما كنتم عليه قديمًا، وذلك قوله لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92]، والبر هو توحيد مولانا جل ذكره ونفقة ما تحبون، الظاهر والباطن، ومعنى نفقة الشيء تركه، لأن النفقة لا ترجع إلى صاحبها أبدًا.
الصوم عند أهل الظاهر وكافة المسلمين يعتقدون بأن الناطق قال لهم: ((صوموا لرؤيته)) رواه البخاري (1909) ومسلم (1081) ويرون في اعتقاداتهم أن من أفطر يومًا واحدًا من شهر رمضان، وهو يعتقد أنه قد أخطأ، وجب عليه صوم شهرين وعشرة أيام كفارة ذلك اليوم، وإن اعتقد أن إفطاره ذلك اليوم حلال له، فقد هدم الصوم كله، ومولانا جل ذكره هدم الصوم بكامله مدة سنين كثيرة بتكذيب هذا الخبر ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) وأمرنا بالإِفطار في ذلك اليوم الذي يعتقد المسلمون كلهم بأنه خاتم الصوم، ولا يكون في نقض الصوم أعظم من هذا ولا أبين منه لمن نظر وتفكر وتدبر.
وباطن الصوم فقد قال فيه الشيوخ: بأن الصوم هو الصمت بقوله لمريم. وهي حجة صاحب زمانه (كلي واشربي وقري عينا) الصحيح في الآية فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا *مريم : 26*. يعني بالأكل علم الظاهر، وبالشرب علم الباطن، (وقري عينا) لمزيده، (فإما ترين من البشر أحدا) يعني أهل الظاهر (فقولي إني نذرت للرحمن) بالأكل على الظاهر، وبالشرب على الباطن، (وقري عينا) لمزيده، (فإما) يعني الإِمام (صوما) أي السكوت... فبان لنا نقض ما كان في المجلس، وما وصفه الشيوخ من باطن الصوم وسكوته، وأن مولانا جل ذكره فطر الناس في ظاهر الصوم، وفطرهم في باطنه، وهو بالحقيقة غير الصومين المعروفين من الشريعتين، وهو صيانة قلوبكم بتوحيد مولانا جل ذكره، ولا يصل أحد إلى توحيده إلا بتمييز ثلاثين حدا ومعرفتهم روحاني وجسماني وهي: الكلمة، والسابق، والتالي، والجد، والفتح، والخيال، والناطق والأساس، والمتم، والحجة، والداعي، والأئمة السبعة، والحجج الاثنا عشرية، فصار الجميع ثلاثين حدًا.
قال يلاحظ دائما في رسائل الدروز حينما ترد آية قرآنية، يكتفي بأن يقال (وقوله وقال) ولا يقال : قال تعالى أو قوله تعالى. : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: 97]، قال أهل الظاهر عن الناطق: إن الحج هو المجيء إلى مكة والوقوف بعرفات وإقامة شروطه، ورأيت بخلاف قوله: (من دخله كان آمنا)، قالوا: الحرم بمكة، والحرم اثنا عشر مهلا من كل جانب، وقد شاهدنا في هذا الحرم قتل الأنفس، ونهب الأموال، وداخل الكعبة أيضًا السرقة، وهذا من الخلاف والمحال، وجميع ما يعملون به من شروط الحج فهو ضرب من ضروب الجنون، من كشف الرؤوس وتعرية الأبدان، ورمي الجمار، والتلبية من غير أن يدعوهم أحد، وهذا من الجنون.
ومولانا جل ذكره قد قطع الحج سنين كثيرة، وقطع عن الكعبة كسوتها، وقطع كسوة الشيء كشفه وهتكه، ليبين للعالم بأن المراد في غيرها، وليس فيها منفعة.
وقال الشيوخ في الباطن: بأن الحرم هي الدعوة، وهو اثنا عشر ميلاً من كل جانب، وكذلك للدعوة اثنا عشر حجة، والبيت دليل على الناطق، والحجر دليل على الأساس، والطواف به سبعة هو الإِقرار به في سبعة أدوار، والوقوف بعرفات معرفتهم بعلم الناطق، ومنى ما كان يتمنى الراغب من الوصول إلى الناطق والأساس وحدودهما: وقد رأينا مولانا جل ذكره بطل الحج بإظهار محبة أبي بكر وعمر، وخمود ذكر علي بن أبي طالب، فعلمنا بأن الحج غير هذا الذي كانوا يعتقدون ظاهرًا وباطنًا، كما قال مولانا المنصور:
هلم أريك توقن أنه
هو البيت بيت الله لا ما توهمت
أبيت من الأحجار أعظم حرمة
أم المصطفى الهادي الذي نصب البيت
والبيت هو توحيد مولانا جل ذكره، موضع السكن والمأوى الذي يطلب المعبود فيه، كذلك الموحدون أولياء مولانا جل سكنت أرواحهم فيه، ورب البيت هو مولانا جل ذكره في كل عصر وزمان كما قال: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ [ قريش: 3] يعني مولانا جل ذكره.
أما الجهاد وبه قام محمد وأظهر الإسلام، وجعله فرضًا على سائر المسلمين كافة، وقد رفعه مولانا جل ذكره عن سائر الذمة، إذ كانت الذمة لا تطلب إلا جبرًا، والمسلمون الجاحدون، والمؤمنون المشركون يقاتلونك في بيتك، وهم أذية لأهل التوحيد، وكل جهاد لا يجاهد فيه إمام الزمان فهو مسقوط عن الناس، وما قرئ في المجلس وألفه الشيوخ في كتبهم بأن الجهاد الباطن هو الجهاد للنواصب الحشوية الغاوية لهم، وقد منع مولانا جل ذكره عداوتهم والكلام معهم، فعلمنا بأنه قد نقض باطن الجهاد وظاهره، وأن الجهاد الحقيقي هو الطلبة والجهد في توحيد مولانا جل ذكره ومعرفته، ولا يشرك به أحد من سائر الحدود، والتبري من العدم المفقود.
قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [ النساء: 59]، قال أهل الظاهر وسائر المسلمين كافة بأن الولاية لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وكانت في بني أمية، ثم إنها رجعت إلى بني العباس، وكل واحد منهم إذا جلس في الخلافة كانت ولايته واجبة على المسلمين كافة، وقد نقضها مولانا جل ذكره، وكتب لعنة الأولين والآخرين على كل باب، ونبشهم من قبورهم.
وأما باطن الولاية ومعرفة حقيقتها بإظهار محبة علي بن أبي طالب والبراءة من أعدائه، واستدلوا بقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [ المائدة: 3] يعني علم الباطن وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [ المائدة: 3] يعني تسليم الأمر إلى علي بن أبي طالب وقد نقضها مولانا جل ذكره بقراءة السجل على رؤوس الأشهاد، فبان لنا بأن جل ذكره نقض باطن الولاية التي في علي بن أبي طالب وظاهرها.
وأما الرتب الظاهرة والباطنة التي كانت للناطق والأساس، فقد جعلها مولانا جل ذكره لعبيده ومماليكه... وكل ما يقال فيه من الأسماء مثل الإِمام وصاحب الزمان وأمير المؤمنين، ومولانا، كلها لعبيده وهو أعلى وأجل مما يقاس ويحد أو يوصف لكن بالمجاز لا بالحقيقة ضرورة لا إثباتًا، نقول: أمير المؤمنين جل ذكره من حيث جرت الرسوم والتراتيب على ألسنة الخاص والعام، ولو قلنا غير هذا لم يعرفوا لمن المعنى المراد، وتعمى قلوبهم عنه، وهو سبحانه ليس كمثله شيء وهو العلي هنا خلط بين آيتين كريمتين الأولى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ * الشورى : 11*، والثانية قوله تعالى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * الشورى : 4 *. العظيم رسالة (الكتاب المعروف بالنقض الخفي). .
وفي هذه الرسالة نجد ما يلي:
أن الشهادتين في نظر الدروز تدلان على عبادة الحاكم وعلى أئمة دعوة الدروز، ولا يقصد بهما ما يقصده أهل السنة، ولا الإِسماعيلية.
وأن الصلاة هي صلة قلوب الدروز بعبادة الحاكم على يد خمسة حدود، وهذه هي الصلاة الحقيقية في نظرهم.
وأما الزكاة فهو عبادة الحاكم، وتزكية قلوبهم وتطهيرها وترك ما كانوا عليه.
وفيما يتعلق بالصوم، فهو صيانة قلوبهم.
وكذلك الحج صار له معنى مختلف، هو توحيد الحاكم.
أما الجهاد فقد أسقطوه عن الناس، لأن الجهاد الحقيقي – كما يزعمون – هو السعي والاجتهاد في توحيد الحاكم ومعرفته وعدم الإِشراك به. وهكذا فإن هدم الشريعة الإِسلامية هو الهدف الأول والأخير من جميع الحركات الباطنية وفي مقدمتهم الدروز وإذا صنفنا الهدامين جاء حمزة في طليعتهم، ولذا لا نعجب إذا مهد لهذا بهذه الرسالة.
ولهذا فإنه يعتبر نفسه مبيد الشريعة وناسخها، يقول في رسالة (التحذير والتنبيه) : (أنا ناسخ الشرائع ومهلك أهل الشرك والبدائع، أنا مهدم القبلتين، ومبيد الشريعتين ومدحض الشهادتين) رسالة ((التحذير والتنبيه)). .
وفي مصحف الدروز حديث استهزائي عن فرائض الإِسلام إذ يقول: (يا أيها الموحدون، خذوا حذركم، ود الذين ظلوا على أصنامهم عاكفين لو يرجعونكم إلى دينهم وعقائدهم الباطلة، فتستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير وحق. إن صلواتهم ذات الركوع الجسدي والسجود الظاهري، واتخاذهم كلام الكتاب رثاء ووسيلة، يخادعون بها الله الحاكم البر والموحدين، وما يخدعون إلا أنفسهم وهم يعلمون.
لقد ضل قوم اتجهوا بأجسادهم إلى بيت حجارة قلوبهم، وغلوا في كفرهم، فألبس عليهم كل يوم خمس صلوات في نهج صاحب البيت، جل ذكره، وهو معهم، وتجلى لهم في مشرق شمس الناسوتية، ذات المشرقين والمغربين، تعالى الله مولى الموالي عن نقص المنقصين، وبهتان المتكبرين، وفي أنفسهم وما يبصرون، وغرتهم الأماني أصنام كعبتهم وأربابها) ((مصحف الدروز عرف صلوات الشرائع))، (ص 128 – 129). .
ويضيف في مكان آخر من هذا المصحف استهزاء بالمسجد الحرام فيقول: (قل، ليس الإِيمان أن تولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام، مثل بيت الأوثان، أو شطر المشرق والمغرب، أو التصعيد في جبل الذنوب والأصنام، أو اتباع سنة الجاهلية الأولى، ولكن الإِيمان والتوحيد هو فيمن آمن بمولانا الحاكم ربًا إلهًا لا معبود سواه) ((مصحف الدروز عرف حقيقة الصلاة والإيمان)) ، (ص 182 – 183). .
ويعتبر بهاء الدين في (الرسالة الموسومة برسالة السفر إلى السادة) أن جميع اعتقادات الأمم الأخرى تمويهات ويقول: (وهذه الفرق من الأمم فهم النصرانية والمسلمين واليهودية والمجوسية أعني الإِبراهيمية الحشوية، ومن المذاهب كالنصيرية والقطيعة وأصحاب إسحق الأحمر وهم الحمراوية، وجميع من لم نسميه فقد بطلت دعاويهم لأنها تمويهات على الأمم وغير جائزة إلا على أشباه البقر والغنم، والعقل يقطع، والحق يدفع ويمنع صحة قول كل أحد من جميع من ادعته هذه الفرق) الرسالة الموسومة بـ ((رسالة السفر إلى السادة)). .
ويحذر التميمي في رسالة (الشمعة) الموحدين من التمسك بشيء من الشرع فيقول: (وكل من ذكر عن نفسه أنه موحد وهو متمسك بشيء من الشرع فقد أبطل وكذب في قوله، بل هو ملحد كافر) ((رسالة الشمعة)). .
ولهذا نجد في مصحف الدروز أيضًا، إنكارًا للقرآن الكريم، بل يعتبرونه فرية، ويقول: (لقد ضل الذين جحدوا الحكمة واتبعوا فرية صحف اكتتبوها، فهي قبلة آبائهم، يتلونها بكرة وعشيا، وقالوا هذا من عند الله المعبود، ونسخوا ما يتلون) ((مصحف الدروز : عرف عاقبة المكذبين))، (ص 241 – 242) . .
بل وينكر هذا المصحف التقرب إلى الله بالعبادة ويقول: (مولانا نستعيذ بك من أن نكون من الذين يتقربون إليك بالعبادة، أو الذين يعملون للصالحات لتقربهم إليك زلفى، أف لتلك الأنفس وويل لها، لقد منيت بهوى شديد أضلها عن السبيل) ((مصحف الدروز : عرف الأعراف أو تسبيح مؤذني نواقيس الأختام))، (ص 257) .
ويظهر لي من خلال رسائل الدروز ومصحفهم هذا، أن نقض الشريعة الإِسلامية والاستهزاء بأركانها ورسولها صلوات الله عليه، هما الشغل الشاغل لدعاة الدروز، باعتبار أن الإِسلام هو عدوهم الأول، وتقويض أركانه يمهد لهم الطريق لما يريدون وما يبتغون.
ويؤكد هذا القول ما جاء في رسالة (الغاية والنصيحة) التي كتبها حمزة، والتي ينفي فيها نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ويثبتها لنفسه فيقول: (وأنتم تعلمون أن لمحمد أربعمائة سنة وعشر سنين لم يظهر دينه على الأديان كلها، واليهود والنصارى أكثر من المسلمين، والهند والسند والزنج والحبشة أكثر منهم، والنوبة والزغاوة وأشكالهم من السودان أكثر من المسلمين، والأتراك والسقالبة نسبة إلى جزيرة صقلية، والأصل الصقالية. أكثر منهم، فلو كان الرسول محمد له أديان هؤلاء النطقاء لكان يجب أن يكون المسلمين أكثر العالمين أغلبهم في الأولين والآخرين، فلما لم يصح للمسلمين ذلك علمنا بأن الرسول الحقيقي هو عبد مولانا جل ذكره وهاديًا إليه وإمامًا على أمره لعبيده) ((رسالة الغاية والنصيحة)). .
حتى أنهم يزعمون: أن الرسول عليه الصلاة والسلام طمس الرسالة ولم يبلغها وهذا ما ورد في (الرسالة الموسومة بالإِسرائيلية) إذ تقول: (كقول من نصب أحداهم كذا في الأصل. (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) يقصد الآية 67 في سورة المائدة. فما بلغها كما أمر الله تعالى، بل طمس معالمها بالظلم والإِبلاس، وجميع أصحاب الشرع فعلى هذا السنن يجرون) ((الرسالة الموسومة بالإسرائيلية)). .
ويصف كتاب النقط والدوائر الرسول صلى الله عليه وسلم بقول: (وكان محمد كثير العتو والظلم والفساد) كتاب ((النقط والدوائر)) (ص 95). .
وهم أيضًا يعتبرون النبي صلى الله عليه وسلم إبليس اللعين، يقول شارح الميثاق: (ويعرف تكملة حروف الكذب الستة وعشرين معرفة عددا، لا معرفة فلان ابن فلان، بل يعرف أن محمد بن عبد الله هو إبليس اللعين، وأن علي بن أبي طالب هو زوجته، اثنا عشر حجة ظاهرة، ولعلي بن أبي طالب اثنا عشرة حجة باطنة كملت الستة وعشرين حروف الكذب... ويعلم أن كل ما في الخلق من المعاصي والعقائد الفاسدة والفواحش الظاهرة والباطنة هي منهم وهم ينابيعها وأصلها ومركزها) ((شرح الميثاق)) : محمد حسين : مخطوط في جامعة شيكاغو رقم 3737 – ويوجد شريط عنه في الجامعة الأردنية رقم 29. .
وفي (رسالة من دون قائم الزمان) كذلك حديث استهزائي عن فريضة الحج إذ تقول: (ولعمري إنه ما تعجب إلا من قوم قطعوا المفاوز ولقوا في سفرهم الهزاهز إلى بلد لم يكونوا بالغية إلا بشق الأنفس يقصد الآية الكريمة وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ * النحل: 7*. ، قصدًا إلى حجر أسود وبيت جلمد ليس فيه حياة ولا نطق، فأي عجب أعجب من قوم هذا فعلهم ثم إنهم أنكروا على هذه الطائفة النورانية المضيئة، أعني أهل التوحيد عبادة الواحد المجيد الحاكم على كل الأشياء شهيد، فياليت شعري ما نفعهم من تقبيل الحجر الأسود وما اكتسابهم من الفوائد العقلية والعلوم الحقيقية الإِلهية، هل فعلهم إلا كفعل النصارى في الصليب، بل هم أشد عتوا، لأن الصليب موجود في كل البلاد، والحجر الأسود يسافر إليه أهل الضلالة من جميع العباد، وقبل وبعد، فإنما عظموا إكرامًا بزعمهم لنبيهم، أليس من قام مقام نبيهم في كل عصر وزمان أحق بالتفضيل والإِكرام والتبجيل ؟ أليس هذا في العقول مستحيل ؟ بأن قوما طلبوا إلههم طول أعمارهم لم يصح لهم منهم إلا اسما إذا كشف عنها لم يجد لها حقائق إلا بوجود صورة حية ناطقة مميزة، فلما ظهر المعبود وصح ما أشارت إليه الحدود أبوا واستكبروا وقالوا: إن هذا إلا بشر مثلنا وغرهم المولى جل ذكره الغرور) رسالة من دون قائم الزمان. .
وتعظيمهم للصدق، لا يعني ذلك على غير الموحدين، فالصدق لا يكون من الموحد إلا لأخيه الموحد، ولا يجوز أن يصدق أهل الطوائف والأديان الأخرى حتى ولو كان ذلك في جريمة قتل، بل يجب عليه الكذب، تقول رسالة (الجزء الأول من السبعة أجزاء) : (وليس يلزمكم أيها الأخوان أن تسدقوا لسائر الأمة أهل الجهل والغمة والعمى والظلمة، وأن لا يلزمكم فيه شيئًا لهم. وليس لأحد من الموحدين فسحة من الكذب لإِخوانه إلا أن يكون هناك ضد حاضر لا يمكن كشف الأمور إليه، ولا شرحها بين يديه، وإن أمكن الصمت فهو أحسن، وإن لم يكن فلا بأس أن يحرف القول بحضرته أعني الضد، ويجب عليه أن يرجع بسدق الحديث لإِخوانه بعد خلوهم من الشيطان.
ولا بأس بالسدق فيما لا يضر عند الأضداد لأنه يرفع، وهو ضرب من ضروب الجمال، ومثل أن يكون أحدكم قد قتل رجلاً من عالم السواد، فإذا سألوه عن ذلك جاز أن لا يسدقهم وألا يحققوا عليه القتل بإقراره، وأقاموا عليه الشهادة بقلة إنكاره، وما أشبه ذلك مثل أن يكون قد أخذ لأحدهم شيئًا أو غصبه على ريع أو مال، أو كان للضد عنده دين بغير وثيقة أو وديعة بغير بينة، وكان معسرًا عن وفائه غير واصل إلى رضائه، يجوز له الإِنكار وقلة السدق عند الإِعسار، وخيفة من ثبوت البينة عليه) رسالة الجزء الأول من السبعة أجزاء. .
وجاء في مصحفهم حديث عن المحرمات المحرمة عليهم فيقول: (ولقد حرم مولاكم عليكم الخمرة، ومن يتخذها سكرا، فقد خلف خلفا أضاعوا الرشد واتبعوا الشهوات) يلاحظ هنا كيفية تحريف الآية الكريمة فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ * مريم : 59 *. ، فاذكروا يا أولي الألباب.
ولا تقرضوا أموالكم لتأخذوا الربا أضعافًا مضاعفة، إن ذلك كان على الموحدين محذورا، ولقد عفا مولاكم عن الذين يأخذونه من غير الموحدين، مضطرين غير عادين.
وإن أحد من الموحدين استجاركم، فأجروه، ثم أبلغوه مأمنه، أو أصابته مصيبة، فكلكم يكفله، إنما الموحدون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، وكان مولاكم بما تعملون خبيرا.
ولا تركنوا للذين رفضوا الدعوة واستكبروا إنهم إن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاَّ ولا ذمة، يقولون بأفواههم الحق وتأبى قلوبهم كذلك يلاحظ كيفية تحريف هذه الآية كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ *التوبة: 8*. ، وأكثرهم فاسقون، فاعتبروا يا أولي الألباب.
والذي أكره منكم على الكفر أو الفحشاء، وهو مؤمن موحد، أو عمل سوءا لجهالة، أو غم عليه فنسي، فلا يؤاخذ مولانا إلا الذين اقترفوا الإِثم وهم يعلمون، فأولئك لهم عذاب موقوت.
وقال الذين كفروا منكم، إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وعليه وجدنا آبائنا، قل لو كنتم على الهدى لآمنتم به، ولكنكم لا تعلمون غير ما تهواه أنفسكم، وأنتم تجهلون، نحن أعلم بما في أيديكم ونحن المنزلون.
لقد ضل هؤلاء الذين يريدون أن يحكموا بالقرآن، ويتخذوه سبيلا، ثم به يكفرون بعد أن تبين لهم الحق، قل أليس الحق أحق أن يتبع) ((مصحف الدروز : عرف الحرمات)) ، (ص 150 – 155). .
ومع أن الدروز لا يجيزون صوم شهر رمضان، لكونه من فرائض الإسلام، إلا أنهم يصومون في أيام خاصة، وهي التسعة أيام الأولى من شهر ذي الحجة، وصيامهم هو نفس الصيام الإسلامي من امتناع عن الأكل والشرب، (ويبيحون أيضًا الصوم في أي شهر غير شهر رمضان) كريم ثابت : ((الدروز والثورة السورية)) ، (ص 46) – ومحمد كامل حسين : ((طائفة الدروز))، (ص 123). . (وعيدهم الأكبر والوحيد هو عيد الأضحى) محمد كامل حسين : ((طائفة الدروز))، (ص 123). .
وقد بنى الدروز المساجد في قراهم ومدنهم تسترا من المسلمين الذين كانوا يعيشون بين ظهرانيهم وتقربا منهم وتمويها عليهم، وذلك حتى يأمنوا منهم على أنفسهم وينفوا عنهم تهمة الردة وحدها، ولكنهم بدأوا يبتعدون عن هذه السرية، ويعلنون حقيقة أمرهم. (ولما قامت فتنة سنة 1860 م في لبنان، بدأت آخر دلالة شعائرية بالانقراض، ونعني بها شعائر الصلاة في المساجد الكثيرة التي كانت منتشرة في القرى الدرزية، ولجأ الدروز إلى الخلوات وتركوا المساجد نهائيًا) د. مصطفى الشكعة : ((إسلام بلا مذاهب))، (ص 308). .
حتى وصل بهم الأمر في الوقت الحاضر أن يمنعوا قيام المساجد للمسلمين الموجودين في قراهم، وقد حدثني أحدهم ممن كان يقيم في جبل الدروز بسورية، أن المسلمين المقيمين هناك حاولوا بناء مسجد في مدينة السويداء عاصمة جبل الدروز، وعندما حضروا في اليوم التالي وجدوا ما بنوه مهدومًا، ولم يقم هذا المسجد إلا بعد الاستعانة بقوة عسكرية لحمايته وقد حدثني الأستاذ زهير الشاويش : بأن هذا الجبل كان عامرا بالمساجد منذ دخل الإسلام حتى ما قبل مئة سنة. .
ونظرة الدروز إلى العبادات تتوافق مع عقليتهم التي ترى في هذه الطقوس والشعائر أمرًا لا فائدة منه بل يعتبر عملاً مهجورًا كما صرح بذلك جنبلاط كمال جنبلاط ((هذه وصيتي)) (ص 53). .
فالدروز يعتبرون أنفسهم ملة الوحدة الأساسية بين الأشياء والكائنات والله كمال جنبلاط ((هذه وصيتي)) (ص 51). ، ولذلك فقد سقطت عنهم العبادات بكل مظاهرها وشعائرها لأن الدرزي اتحد مع الوجود ومع الله – جل وعلا -.
لهذا فالشخصية الدرزية لا تبالي بالحياة الخارجية تحفل بها، فالمظاهر هي المظاهر، والحقيقة يمكن أن يجدها أينما كانت وفي كل الديانات، حتى أن جنبلاط يرى أن الدرزي هو كل توحيدي، أي كل من يعتقد بوحدة أديان العالم كافة، وكائنًا ما كان طقوسها وشعائرها، فهم اسم ينصرف إلى مسيحيين وبوذيين ومسلمين وهندوكيين، أي كما يشبهه جنبلاط جماعة (وردة الصليب) كمال جنبلاط ((هذه وصيتي)) (ص 54) ومما يذكر أن هذه الجماعة هي التي انبثقت عنها الماسونية في بريطانيا. .
ويورد جنبلاط مثالاً حيًا على عقلية الدروز هذه فيقول: أن الأميرين فخر الدين الأول والثاني وُلدا درزيين وعاشا مسيحيين وماتا مسلمين. عقيدة الدروز عرض ونقد لمحمد أحمد الخطيب – ص 215


انظر أيضا: