الموسوعة الفقهية

الفرع الثاني: حكمُ الأخذِ مِن اللحيةِ


يجوزُ الأخذُ مِن اللحيةِ [599] وقد اتفقت المذاهبُ الفقهيةُ الأربعةُ على مشروعيةِ توفيرِ اللحيةِ وإعفائِها، وإن اختلفوا هل تُتركُ على حالِها أو يُؤخذُ منها، ومتى يُؤخذُ منها؟ هل إذا طالتْ جدًّا؟ أو إذا جاوزتِ القبضةَ؟ أو إذا لم يحصلْ بالأخذِ منها مثلةٌ؟ أما المبالغةُ في الأخذِ مِن اللحيةِ وتخفيفِها، وقصِّها كما يفعلُه البعضُ، ظنًّا منهم أنَّهم بذلك قد امتثلوا للأمرِ بالإعفاءِ والتوفيرِ والإرخاءِ، طالما لم يتعرَّضوا لها بالحلقِ، فلا شك أنَّ فعلَهم هذا خلافُ ما أمَر به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن توفيرِها وإعفائِها. قال ابنُ العربي: (فأمَّا قَصُّ الشَّاربِ وإعفاءُ اللِّحيةِ فمخالفةٌ للأعاجِمِ فإنَّهم يَقُصُّونَ لِحَاهم، ويُوَفِّرونَ شواربَهم، أو يُوفِّرونَهما معًا). ((أحكام القرآن)) (1/56). وقال الحَصْكَفي: (وأمَّا الأخذُ منها وهي دونَ ذلك [أي: دونَ القَبضةِ] كما يفعَلُه بعضُ المغاربة، ومُخَنَّثةُ الرِّجالِ، فلم يُبِحْه أحَدٌ). ((الدر المختار)) (2/418). وقال العدوي : (وإعفاء اللِّحَى وهو للوجوبِ إذا كان يحصلُ بالقصِّ مُثْلَةٌ، وَلِلنَّدبِ إذا لم يحصُلْ به مُثْلَةٌ ولم تَطُلْ كثيرًا فيما يظهرُ). ((حاشية العدوي)) (2/580). وقال أيضًا: (والظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ الحرمةِ... إذَا كان يحصلُ بالقصِّ مُثْلَةٌ وهو ظاهِرٌ عندَ عَدَمِ الطُّولِ أو الطُّولِ القليلِ وتجاوَزَ في القصِّ وأمَّا إذا طالَتْ قليلًا وكان القصُّ لا يحصلُ به مُثْلَةٌ فالظَّاهِرُ أنَّه خلافُ الأولَى). ((حاشية العدوي)) (2/581). وقال القرطبي: (وأمَّا إعفاءُ اللحيةِ: فهو توفيرُها وتكثيرُها... فلا يجوزُ حلقُها، ولا نتفُها، ولا قصُّ الكثيرِ منها). ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) للقرطبي (1/512). وقال الغزالي: (وقد اختَلفوا فيما طال منها؛ فقيل: إن قبَض الرجلُ على لحيتِه، وأخَذ ما فضَل عن القبضةِ فلا بأسَ، فقد فعَله ابنُ عمرَ وجماعةٌ مِن التابعين، واستحسنه الشعبيُّ وابنُ سيرينَ، وكرِهه الحسنُ وقتادةُ، وقالا: تركُها عافيةً أحبُّ؛ لقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «أعفوا اللِّحَى» والأمرُ فِي هذا قَريبٌ إنْ لم يَنْتَهِ إلى تقصيصِ اللحيةِ وتدويرِها مِن الجوانبِ). ((إحياء علوم الدين)) (1/143). وقال ابنُ حجرٍ: (قولُه: «خالفُوا المشركينَ» في حديثِ أبي هريرةَ، عند مسلمٍ: «خالفوا المجوسَ» وهو المرادُ في حديثِ ابنِ عمرَ، فإنَّهم كانوا يقصُّون لحاهم، ومنهم مَن كان يحلقُها). ((فتح الباري)) (10/352). وقال الألبانيُّ معلقًا على كلامِ ابنِ حجرٍ: (قلتُ: وفيه إشارةٌ قويةٌ إلى أنَّ قصَّ اللحيةِ- كما تفعلُ بعضُ الجماعاتِ- هو كحلقِها مِن حيثُ التشبهُ، وأنَّ ذلك لا يجوزُ). ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (5/125). ما زاد عن القبضةِ [600] عند الحنفيةِ يؤخذُ الفاضلُ عن القبضةِ ندبًا. يُنظر: ((البناية شرح الهداية)) للعيني (4/73)، ((الفتاوى الهندية)) (5/358)، ((الدر المختار للحصكفي وحاشية ابن عابدين)) (2/418). وعِندَ المالكيَّةِ: إذا طالَت اللِّحْيةُ كَثيرًا بحيثُ خَرَجَت عن المُعتادِ لغالِبِ النَّاسِ، فيُندَبُ قَصُّ الزَّائِدِ بما تَحسُنُ به الهَيئةُ؛ لأنَّ بقاءَه يَقبُحُ به المَنظَرُ، ويجوزُ أيضًا القَصُّ منها إن طالت قَليلًا ولم يَحصُل بالقَصِّ مُثْلةٌ. ينظر: ((حاشية العدوي على كفاية الطالب الربَّاني)) (2/581)،  ((الفواكه الدواني)) للنفراوي (2/ 307). وأمَّا الشافعيةُ فيُكرهُ عندَهم الأخذُ مِن اللحيةِ في غيرِ النسكِ. يُنظر: ((المجموع)) للنووي (1/290)، ((تحفة المحتاج)) لابن حَجَر الهيتمي (9/375). ، وهذا مذهبُ الحنابلةِ [601] ((الإنصاف)) للمرداوي (1/96)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/75)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (1/85). ، واختاره الباجي مِن المالكيةِ [602] قال النفراوي: (قال الباجي: يقصُّ ما زاد على القبضةِ). ((الفواكه الدواني)) (2/307). ، وابنُ تيميةَ [603] قال ابن تيمية: (وأمَّا إعفاءُ اللحيةِ: فإنَّه يتركُ، ولو أخَذ ما زاد على القبضةِ لم يُكرهْ، نصَّ عليه، كما تقدَّم عن ابنِ عمرَ وكذا أخذ ما تطاير منها). ((شرح العمدة)) (1/226). ، وهو قولُ طائفةٍ مِن السلفِ [604] ممن قال به مِن السلفِ أبو هريرةَ، وابنُ عمرَ، والحسنُ، يُنظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) (5/225)، ((الاستذكار)) لابن عبد البر (4/318).
الأدلةُ مِن الآثارِ:
1- عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((خالِفوا المُشرِكينَ: وفِّرُوا اللِّحى، وأحْفُوا الشَّوارِبَ)) وكان ابنُ عمرَ: إذا حجَّ أو اعتمَرَ قبَضَ على لحيتِه، فما فضَلَ أخذَه [605] رواه البخاري (5892). قال ابن حَجَر: (قلتُ: الذي يظهَرُ أنَّ ابنَ عُمَرَ كان لا يخُصُّ هذا التَّخصيصَ بالنُّسُكِ، بل كان يحمِلُ الأمرَ بالإعفاءِ على غير الحالةِ التي تتشَوَّه فيها الصورةُ بإفراطِ طُولِ شَعرِ اللِّحيةِ أو عَرضِه). ((فتح الباري)) (10/350).
2- عن أبي زرعةَ بنِ جريرٍ، قال: (كان أبو هريرةَ يَقبِضُ على لِحيتِه، فما كان أسفَلَ مِن قبضتِه جَزَّه) [606] أخرجه الخلال في كتاب ((الترجل من كتاب الجامع لعلوم الإمام أحمد بن حنبل)) (130). قال الألباني: (أخرجه عنهما [يعني عن ابنِ عمرَ وأبي هريرةَ] الخَلَّال في «الترجل» بإسنادينِ صحيحينِ). ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (5/379).
وفي روايةٍ: (يقبضُ على لحيتِه، ثم يأخذُ ما فضَل عن القبضةِ) [607] أخرجه ابن أبي شيبة (25992). قال الألباني: (إسنادُه صحيحٌ على شرط مسلم). ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (13/440).
أوجهُ الدَّلالةِ من الأثرين:
أولًا: أنَّ في أخذِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما ما زاد على القَبضةِ مِن لِحيتِه في الحَجِّ دليلًا على جوازِ ذلك في غيرِ الحَجِّ؛ لأنَّه لو كان غيرَ جائزٍ لَمَا جاز في الحَجِّ [608] ((الاستذكار)) لابن عبد البر (4/317)، وينظر أيضًا: ((فتح الباري)) لابن حَجَر (10/350).
ثانيًا: أنَّ الأخذَ فيما زاد على القبضةِ لا يُنافي الإعفاءَ ولا التَّوفيرَ؛ فهذا ابنُ عمَرَ روى حديثَ: ((وفِّروا اللِّحى)) وفَهِمَ المعنى، ومع ذلك فقد كان يأخُذُ ما زاد على القبضةِ [609] قال ابن عبد البر: (هذا ابنُ عُمَرَ روى «أعْفُوا اللِّحى» وفَهِمَ المعنى، فكان يفعل ما وصَفْنا). ((التمهيد)) (24/146). وقال الخلَّال: (أخبرني حربٌ، قال: سُئِلَ أحمد عن الأخذِ مِن اللحية، قال: إنَّ ابنَ عمر يأخذُ منها ما زاد على القبضةِ، وكأنه ذهب إليه، قلت له: ما الإعفاءُ؟ قال: يُروى عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: كأنَّ هذا عنده الإعفاءُ). ((كتاب الترجل)) (ص: 113). وكذلك أبو هريرة، وراوي الحديثِ أعرَفُ بالمرادِ منه من الذينَ لم يَسمَعوه من النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأحرَصُ على اتِّباعِه منهم [610] يُنظر: ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) للألباني (5/378).

انظر أيضا: