trial

مقالات وبحوث مميزة


 

 

هل مِن الـمُمكِنِ أن نتحرَّر مِن هذا الرِّقِّ الثقافي؟

معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين

الأحد 22 من جمادى الآخرة 1433هـ

 

الفصل الأول:

مِنَ العَدلِ أنْ نعتَرِفَ بأنَّ ما نُسمِّيه الآنَ (الثقافة العالَمية الـمُعاصِرة) هو في الحقيقةِ "الثقافة الغربية"، أو بعبارةٍ أُخرى "الثقافة الأوروأمريكية".

لقد ظلَّت هذه الثقافةُ طُوالَ القُرونِ الماضيةِ تُرسِلُ أشِعَّتَها إلى العالَـمِ الخارجيِّ في الكُرةِ الأرضيةِ حتى غَطَّتْ ما تُغطِّيه الشَّمسُ، بل أبلَغُ مِن ذلك دخلَتِ الأكواخَ في الغاباتِ والـمَغاراتِ في الجِبالِ.

كانت هذه الثقافةُ قاهرةً غَلَّابةً، طردَتِ الثقافاتِ المحليةَ، أو أضعفَتْها أو عدَّلَت فيها، لقد غيَّرتْ مَظاهرَ الحياةِ، وطريقةَ العَيْشِ، وكانت في ذلك شاملةً وعامةً، فالتوسُّعُ في اقتِناءِ الآلاتِ والـمُعِدَّاتِ واستِخدامِها، وتطبيقِ التِّقنِياتِ الحَديثةِ في التنظيمِ والإنتاجِ، وطُقوسُ الاحتفالاتِ، وإجراءاتُ البروتوكولاتِ الدبلوماسيةِ، وقواعدُ "الإتيكيت" الاجتماعيِّ كُلُّها أمثلةٌ لهذه الـمَظاهِرِ.

واضحٌ أنَّ بَعضَ هذه الـمَظاهِرِ يقتَضيها الاختيارُ العَقلانيُّ، والفائدةُ العمليةُ، ولكنَّ بعضَها كان مُجرَّدَ تَقليدٍ لِلثقافةِ الغربيةِ الـمُستجيبةِ لِلذَّوقِ الغَربيِّ أو الـ Culture المَحضِ، على سَبيلِ الـمِثالِ سيادةُ مَوْضاتِ الشبابِ والنساءِ، وطِرازِ الـمَلابِسِ، ومَظاهِرِ تَزيينِ الجِسمِ، وقد تَرى الرَّجُلَ العربيَّ يحرِصُ على الاحتِفاظِ بهُويَّتِه العربيةِ والاعتزازِ بها؛ فيحتفِظُ بغِطاءِ الرَّأْسِ (الغترة والعقال)، ولكنَّه في الوَقتِ نَفْسِه يحتفظُ باللِّباسِ الغربيِّ بما فيه رَبطةُ العُنُقِ التي لا يبدو لها وظيفةٌ عمليةٌ في حياةِ العربيِّ، أو على الأقَلِّ لا يبدو لها وظيفةٌ تُقابِلُ ما يُنفِقُه العربيُّ عليها مِن عملٍ ووَقتٍ ومالٍ.

هذه الـمَظاهِرُ المادِّيةُ مِنَ السَّهلِ إدراكُها، ولكنَّ لِلثقافةِ الغربيةِ تأثيرًا أكثَرَ عُمقًا وأبلَغَ أثرًا على الحياةِ، وأعني به التأثيرَ على اللُّغاتِ المحلِّيةِ، ومنها لُغاتُ شُعوبِ العالَـمِ الإسلاميِّ، ولا يحتاجُ الإنسانُ إلى أكثَرَ مِن ذكاءِ الرَّجُلِ العاديِّ، وقَليلٍ مِنَ التأمُّلِ؛ لِيُدرِكَ العددَ الـمَهولَ مِنَ العِباراتِ والـمُصطلحاتِ والألفاظِ التي اقتبسَتْها اللُّغاتُ الأُخرى عن طريقِ التَّرجمةِ الحرفيةِ مِنَ اللُّغاتِ الأُوربية.

وبما أنَّ اللُّغةَ -كما يُقالُ- تفكيرٌ ناطِقٌ، والتفكيرُ لُغةٌ صامِتةٌ، فإنَّ مِنَ الطبيعيِّ أنْ يقعَ تأثيرُ هذه الظاهرةِ على تصوُّراتِ الإنسانِ عن الطبيعةِ والحياةِ؛ لِذا ليس غَريبًا أنْ نَرى تصوُّراتِ الناسِ مِنَ الثقافاتِ الأُخرى، بمن فيهم الـمُسلِمون، مُنسجِمةً ومُتطابقةً مع تصوُّراتِ الثقافةِ الغربيةِ، وكأنَّما ينظُرون مِن خِلالِ عَدَساتِ الثقافةِ الأوروأمريكية السائدةِ، مهما كانت لا تنسجمُ أو تتناقضُ مع رُوحِ الثقافةِ الـمَحليةِ (الدين، التقاليد، أو الـمَوروثات الثقافية).
 

 وقد مكَّن لهذا التأثيرِ الشاملِ والعميقِ لِلثقافةِ الغربيةِ أمران:

1) القوةُ الماديةُ والـمَعنويةُ لِلغَرْبِ التي تعاظَمتْ على مَرِّ القُرونِ الأخيرةِ، فالثروةُ الـمَعرفيةُ، والتقدُّمُ التِّكنولوجيُّ، والاختراعاتُ، ورفْعُ شعاراتِ الأُسُسِ الأخلاقيةِ -مِثلَ (حُقوق الإنسانِ، وكرامة الإنسانِ، والـمُساواة أمامَ القانونِ، والبَذلُ التطوعيُّ، والعملُ الإنسانيُّ)- والقوةُ العسكريةُ والاقتصاديةُ والسياسيةُ والإعلاميةُ، كُلُّها مِن مكوِّناتِ تلك القوَّةِ المادِّيةِ والـمعنويةِ.

2) ورُبَّما يكونُ أهمَّ مِن ذلك هَشاشةُ الثقافاتِ الـمَحليةِ بالـمُقارنةِ مع الثقافةِ الغربيةِ، في نُـمُوِّها واستِعلائِها، بما في ذلك الثقافةُ السائدةُ في العالَـمِ الإسلاميِّ باستِثناءِ ما هو منها مُستمَدٌّ مِنَ الثقافةِ الأصيلةِ، أيِ: الإسلامِ.
 

لِلتَّوضيحِ، أعرِضُ بعضَ الأمثلةِ التي تُعبِّرُ عن عُمقِ وقُوَّةِ تأثيرِ الثقافةِ الغربيةِ على التفكيرِ والتصورِ في العالَـمِ الإسلاميِّ:

أ - الـمِثالُ الأوَّلُ: لقد كَشَف الاقتصادُ الكبيرُ الـمُعاصِرُ عن نتائجَ مُدمِّرةٍ لِلنظامِ الـمصرِفيِّ الرِّبَويِّ، لم تَكُنْ مَعروفةً مِن قَبلُ، وبما أنَّ هذا النظامَ مِنَ الآليَّاتِ الرئيسةِ لِلاقتصادِ الغَربيِّ، فقدِ استَحوذَ دائمًا على نَقْدِ الاقتصاديِّين الغربيِّ، ولَعَلَّ أوضحَ ما يُعبِّرُ عن ذلك ما تضمَّنَه مَقالانِ لِعالِـمِ الاقتصادِ الحائِزِ على جائزةِ نُوبِل الأستاذِ "موريس آلية" نَشرَها في صحيفةِ لوموند الفَرنسيةِ في يونيو عام 1989م، مِن أنَّ النظامَ البنكيَّ الغربيَّ سبَّبَ أضرارًا فادحةً لِلاقتصادِ العالَميِّ، تتلَخَّصُ في وُجودِ مَرَضٍ مُتجذِّرٍ في الاقتصادِ العالَـميِّ يُهدِّدُه بالانهيارِ، أو مواجهةِ أزَماتٍ حادَّةٍ؛ إذْ أصبح هذا الاقتصادُ عبارةً عن أهراماتٍ مِنَ الدُّيونِ، يرتَكِزُ بَعضُها على بَعضٍ بتَوازُنٍ هَشٍّ، وفي استِعمالِ المالِ في غَيرِ وظيفَتِه الطبيعيةِ بتيسيرِ النظامِ البنكيِّ الغربيِّ عملياتِ الـ Speculation.

وأصبح العالَـمُ أشبَهَ بمائدةِ قِمارٍ واسعةٍ، وأصبح "الإسبكيوليشن" يستأثِرُ -كما يُقرِّرُ موريس آلية- بـ 97% مِن تدفُّقِ النُّقودِ بيْنَ بُلدانِ العالَـمِ ويَبقى لِلتجارةِ الحقيقيةِ 3% فقط، وذلك كُلُّه كان سببًا لِمَا يُعانيه العالَـمُ مِن ضَنكٍ وبَطالةٍ وانخِفاضٍ في مُستوى العدالةِ الاجتماعية.

كما أوضحَ نُقَّادٌ اقتصاديُّون آخَرون التأثيرَ السلبيَّ لِلنظامِ البنكيِّ الرِّبويِّ على التَّخصيصِ الأمثلِ لِلمَواردِ بتحيُّزِه لِقُوَّةِ الائْتمانِ في مُقابلِ جَدْوى الإنتاجِ، وتشجيعِه الاستِهلاكَ الطائشَ، وخَلق حاجاتٍ غَيرِ حقيقيةٍ لِلرَّجُلِ العاديِّ لتتحوَّلَ إلى ما يعتبِرُه حاجاتٍ لا يَستَغني عنها، وتأثيره السلبي على الاستقرارِ الاقتصاديِّ، وأثره في تعويقِ وُجودِ ونُـمُوِّ الـمُناخِ الاستثماريِّ الذي يُشجِّعُ على الادِّخارِ والتكوينِ الاستثماريِّ، وأخيرًا أثره السلبي على النُّمُوِّ الاقتصاديِّ، وبالرَّغْمِ مِن ذلك كُلِّه فالتَّصوُّرُ السائدُ في الثقافةِ الغربيةِ أنَّ النظامَ الـمَصرفيَّ الرِّبويَّ لا بديلَ له.
 

وفي خِلالِ المِئةِ سنةٍ الماضيةِ وَجَد عُلماءٌ أجِلَّاءُ في العالَـمِ الإسلاميِّ يُسلِّمون بالتصوُّرِ نَفْسِه، ويَرَوْنَ أنْ لا بديلَ لِلنظامِ البنكيِّ الرِّبويِّ آليةً رئيسةً يَقومُ عليها اقتصادٌ قويٌّ مُزدَهرٌ غَلَّابٌ.

وبما أنَّ هذا التصوُّرَ يُناقِضُ حُكْمًا شرعيًّا مَعروفًا مِنَ الدِّينِ بالضرورةِ، وهو تحريمُ الرِّبا، الذي عَدَّ القُرآنُ ارتكابَه مُؤْذِنًا بحَربٍ مِنَ اللهِ ورَسولِه، فلم يَكُنْ أمامَهم -تَحتَ التأثيرِ السحريِّ القاهِرِ لِلثقافةِ الغربيةِ- إلَّا أنْ يقتَحِموا عَقَبةَ التَّعامي عنِ البَديهيةِ العقليةِ، فيُنكِروا أنْ يكونَ ما تُسمِّيه البُنوكُ الرِّبويةُ قَرْضًا بفائدةٍ هو الرِّبا الـمُحرَّمَ، غافلين عن أنَّ رَجُلَ الشارِعِ في لندن أو باريس أو روما يُسمِّيه (الرِّبا)، بل إنَّ البُنوكَ الرِّبويةَ العربيةَ حينما تتحدَّثُ بغَيرِ العربيةِ تُسمِّيه (رِبا)، بل إذا أُنكِرَ كَونُه (الرِّبا) فمعنى ذلك أنَّه لم يوجَدْ قَطُّ، ولا يوجَدُ في الدُّنيا (رِبا)، إنَّ ما تُسمِّيه البُنوكُ الرِّبويةُ العربيةُ قَرْضًا بفائدةٍ هو الصورةُ الأساسيةُ لِلرِّبا، التي عُرِفتْ على مَرِّ التاريخِ، وسمَّتْها (رِبا) كُلُّ الشُّعوب.

ومِن ناحيةٍ أُخرى لم يتنَبَّه هؤلاء العُلماءُ إلى أنَّ الواقعَ العَمليَّ، والتجارِبَ الناجحةَ التي طُبِّقتْ خلالَ العُقودِ الثلاثةِ الماضيةِ أثبَتتْ إمكانيةَ التحوُّلِ في الوساطةِ الماليةِ بيْنَ الـمُدَّخِرين والـمُستَثمِرين مِنَ النظامِ الرِّبويِّ إلى نظامٍ يَبرَأُ مِنَ الرِّبا شَكلًا وجَوْهرًا.
 

إنَّ قُوَّةَ الأسْرِ الثقافيِّ -الذي أجبَرَ هؤلاء العُلماءِ على أنْ يَعْموا عن بَديهةٍ عقليةٍ، وأنْ يتَعامَوْا عنِ الحقائقِ الواقعيةِ- لا يُمثِّلُ في حقيقةِ الأمرِ شُذوذًا مِن أفرادٍ في مَجالِ الأسْرِ الثقافيِّ، بل هو في الحقيقةِ ظاهرةٌ عامةٌ، واتجاهٌ سائدٌ، فقد أظهَرتِ العُقودُ الثلاثةُ الماضيةُ -التي وُجِدتْ فيها مُؤسَّساتٌ ماليةٌ سُمِّيت "الـمَصارف الإسلامية"، أو "النوافذ الإسلامية"، في البُنوكِ الرِّبويةِ- أنَّ عَملَ الـمَصرِفيِّين الإسلاميِّين يُعاوِنُهم -بحُسْنِ نيَّةٍ- أعضاءُ الهيئاتِ الشرعيةِ في الـمَصارِفِ مِنَ العُلماءِ على بَذْلِ جُهودٍ نَشِطةٍ لِاكتشافِ وابتكار مُناوراتٍ فِقهيةٍ تُمكِّنُهم مِن مُتابعةِ آلياتِ النظامِ البَنكيِّ الرِّبويةِ، وتبَنِّيها، بعْدَ إلباسِها ثَوبًا لا يَستُرُ العَورةَ في الأغلبِ باسمِ "الـمُعاملات الشرعية"، لقد تمَكَّنوا مِن تبَنِّي التعاملِ الـمَصرِفيِّ بالفائدةِ البسيطةِ، ثم بالـمُعدَّلِ العائمِ لِلفائدةِ، وحتى عملياتُ التَّحوَّطِ والـمُشتقاتُ الـماليةُ في صورٍ يستَحيلُ إيجادُ الفَرقِ بيْنَها وبيْنَ أُصولِها مِن آلياتِ التعامُلِ الرِّبويِّ، سواءٌ مِن ناحيةِ الجَوهرِ والحقيقةِ أو مِن ناحيةِ الآثارِ السلبية.
 

وفي الـمَملكةِ العربيةِ السُّعوديةِ هانَ على الإداراتِ الحُكوميةِ، بما فيها التي لها علاقةٌ بالدِّينِ والتَّقوى، هانَ عليها أنْ تُعِينَ مُوَظَّفيها على الاقتِراضِ بالرِّبا، لِأغراضِ الاستِهلاكِ الطائِشِ، ولم يكُنْ ذلك مِنَ الـمَسؤولين في هذه الدَّوائرِ عن بَلاهةٍ أو غَبـــاءٍ أو عدمِ إدراكٍ لِلواقِعِ، ولم يَكُنْ عن ضَعفٍ في الدِّينِ والتَّقوى، وإنَّما كان لِلعَجزِ والتَّبَلُّدِ أمامَ ضَغطِ الواقعِ الـمُتمثِّلِ في الرِّقِّ الثقافيِّ الذي ظلَّتِ الثقافةُ الأوروبيةُ تُمارسُه ضِدَّ الثقافاتِ الأخرى.

لم تكُنِ الخَسارةُ الثقافيةُ التي فرَضَها الرِّقُّ الثقافيُّ الذي مارسَتْه وتُمارسُه الثقافةُ الغربيةُ على العالَـمِ الإسلاميِّ خَسارةً فِكريةً، بل كانت خَسارةً عَمليةً كُبرى، تمثَّلَتْ في شَلَلِ العالَـمِ الإسلاميِّ وعَجزِه عن إنقاذِ نَفْسِه، وإنقاذِ البشريةِ مِنَ البَلاءِ العَظيمِ (الرِّبا)، وعَجزِه عن إيجادِ بَديلٍ يُحقِّقُ الـمَبادئَ الثلاثةَ الكُبرى لِلاقتِصادِ الإسلاميِّ:

1- أنْ يكونَ المالُ قيامًا لِلناسِ.

2- وألَّا يكونَ دُولةً بيْنَ الأغنياءِ.

3- وأنْ يُحقِّقَ العَدلَ في التعامُلِ.
 

ب) المِثالُ الثاني: مِن وُجودِ بَعضِ صورِ الإرثِ التي يكونُ لِلأُنثى منها نِصفُ نَصيبِ الذَّكَرِ، بَنى بَعضُ الـمُثقَّفين الغربيِّين تصوُّرًا بأنَّ القاعدةَ العامةَ في الـميراثِ في النظامِ الإسلاميِّ أنَّ الذَّكرَ والأُنثى حينما يكونان في درجةٍ واحِدةٍ مِنَ القَرابةِ لِلمُوَرِّثِ، فإنَّ نَصيبَ الأُنثى يكونُ دائمًا نِصْفَ نَصيبِ الذَّكرِ، بَنَوْا على ذلك أنَّ هذا الوضعَ يمثِّلُ انتِهاكًا لِلمُساواةِ بيْنَ الرَّجُلِ والمرأةِ، واستَنتَجوا مِن هذا التصوُّرِ أنَّ الدافعَ إليه تمييزُ الإسلامِ ضِدَّ المرأةِ، ونظرَتُه الدُّونيةُ لها، وصادَقَ كثيرٌ مِنَ الـمُثقَّفين الـمُسلِمين على هذا التصوُّرِ، وشَغَلوا أنْفُسَهم بعِراكٍ فِكريٍّ لِتبريرِ هذا الوضعِ، وإثباتِ أنَّه لا يُنتِجُ فَرَضيةَ التمييزِ ضِدَّ المرأةِ، وعَمُوا عن أنَّ نُصوصَ القُرآنِ التي يَقرؤونها أو يَسمَعونها بتَكرارٍ كافٍ تَنطِقُ بأنَّ ذلك التصوُّرَ زائفٌ، وغَيرُ صحيحٍ؛ إذْ تتضمَّنُ النُّصوصُ في أوَّلِ سورةِ النساءِ وآخِرِها تَفصيلًا لِلوضعِ الإرثيِّ حينما يكونُ الذَّكرُ والأُنثى في درجةٍ واحِدةٍ مِنَ القَرابةِ لِلمُوَرِّثِ (كِلاهما إخوة مَثلًا)، وحينما تكونُ درجَتُهما مُتساويةً مِن ناحيةِ القُوَّةِ (كِلاهما إخوة أشقاء، أو لِأبٍ أو لِأُمٍّ).

فالنُّصوصُ تتضمَّنُ سَبعَ حالاتٍ: ثلاثٌ منها يكونُ لِلأُنثى نِصفُ نَصيبِ الذَّكرِ، وثلاثٌ يكونُ لِلأُنثى فيها مِثلُ نصيبِ الذَّكرِ، والسابعةُ تتضمَّنُ صورتَيْنِ يختَلفُ فيهما اجتهادُ الـمُفسِّرين، فيرى بَعضُهم أنَّ لِلأُنثى ضِعفَ نَصيبِ الذَّكرِ في إحدى الصورتَيْنِ؛ إعمالًا لِظاهِرِ النَّصِّ، ويَرى آخرونَ أنَّ لِلذَّكرِ ضِعفَ نَصيبِ الأُنثى؛ إعمالًا لِلرَّأيِ والقياسِ، هذا يعني أنَّ الاطِّرادَ في تَنصيفِ نَصيبِ الأُنثى في الـمِيراثِ لو انخَرَمَ بواحِدةٍ مِنَ السَّبعِ حالات لَمَا صَحَّ اعتِبارُه قاعدةً عامةً، فكيف إذا انخَرمَ بثلاثِ حالاتٍ، أو أربَعٍ مِنَ السَّبعِ، هذا يَعني أنَّ النظامَ في تسويَتِه في بَعضِ حالاتِ الإرثِ بيْنَ الذَّكرِ والأُنثى وعدمِ تسويَتِه في حالاتٍ أُخرى لا علاقةَ له البتَّةَ بقضيةِ الـمُساواةِ بيْنَ الرَّجُلِ والمرأةِ.

ومِن ناحيةٍ أُخرى فإنَّ الـمُثقَّفين الغربيِّين والـمُسلِمين لم ينتَبِهوا إلى البَديلِ عنِ النظامِ الإسلاميِّ في مِيراثِ الأُنثى والذَّكرِ الـمَوجودِ الآنَ في العالَـمِ، خارجَ العالَـمِ الإسلاميِّ؛ فهي حقيقةٌ لا يُمكنُ الـمُنازعةُ فيها، إنَّ النظامَ الشائعَ خارجَ العالَـمِ الإسلاميِّ يُعطي الـمُوَرِّثَ الحقَّ في توزيعِ تَرِكتِه بيْنَ مَن يَخلُفُه مِن أولادِه وغَيرِهم وَفْقَ رَأْيِه ورَغبَتِه، وفي الأغلبِ -والأحكامُ تُبْنى على الأغلبِ، لا على النادِرِ- أنَّ الـمُوَرِّثَ يُفضِّلُ إيثارَ الذُّكورِ مِن أولادِه بالـمِيراثِ، إمَّا بقَصدِ عدمِ خُروجِ المالِ عنِ العائلةِ، وإمَّا بقَصدٍ آخَرَ، وهذا أمرٌ يُظهِرُه الواقع.

فالنظامُ الإسلاميُّ يَحمي الـمُساواةَ بيْنَ الذَّكرِ والأُنثى بأنْ يَكونَ لِكُلٍّ منهما نَصيبٌ مِنَ الإرْثِ -يُقدِّرُه العَليمُ الحَكيمُ؛ لِعواملَ مُختلفةٍ، ويُحَصِّنُها مِن أهواء أو رغبات الـمُوَرِّثين، ويستجيبُ بذلك لِمُقتضياتِ الـمَنطِقِ والعَدلِ، فالنظامُ الإسلاميُّ -كما هو ظاهِرٌ- يحمي الـمُساواةَ بيْنَ الذَّكرِ والأُنثى، ولا ينتَهِكُها، وإذَنْ فما بُنيَ على الفَرَضيةِ الزائفةِ عنِ انتِهاكِ النظامِ الإسلاميِّ لِلمُساواةِ بيْنَ الذَّكرِ والأُنثى هو بالتالي زائفٌ وغَيرُ صحيح.

وفي هذا المِثالِ، كالـمِثالِ السابقِ، نرى كيف أنَّ الرِّقَّ الثقافيَّ حَمَل الـمُثقَّفَ الـمُسلِمَ على العَمى، حتى عن نُصوصِ القُرآنِ، وعن ظواهرِ الواقعِ، إنَّ تصوُّرَ أنَّ القاعدةَ العامةَ في الـمِيراثِ في الإسلامِ أنْ يكونَ لِلمرأةِ نِصفُ نَصيبِ الرَّجُلِ عندَما يتساويان في درجةِ القَرابةِ وقُوَّتِها، وأنَّ هذا الحُكْمَ يَنتَهكُ مبدأَ الـمُساواةِ بيْنَ الرَّجُلِ والمرأةِ، وأنَّ هذا الانتهاكَ نتيجةُ التسليمِ بنَقْصِ قيمةِ المرأةِ في الـمُجتمعِ عن قيمةِ الرَّجُلِ؛ هذا التصوُّرُ فَرْعٌ عنِ التصوُّرِ العامِّ لِلثَّقافةِ الغربيةِ عنِ الـمُساواةِ بيْنَ الرَّجُلِ والمرأةِ، وهو أنَّها مُساواةٌ تَماثُلٍ، لا مُساواةُ تَكامُلٍ.

وهذا التصوُّرُ لا يلتَفِتُ إلى أنَّ الكَونَ في وُجودِه ومَسيرَتِه يعتمدُ مبدأَ الزَّوجيةِ، قال اللهُ تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} [يس: 36]، وقال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49]، هذا يَعني أنَّ الـمُساواةَ تقومُ بيْنَ كِلا الزَّوجَيْنِ في الكَونِ، ولكنَّها ليست مُساواةَ التَّماثُلِ، وإنَّما مُساواةُ التَّكامُلِ، التي تختلفُ فيها الوظيفةُ دُونَ أنْ تختلفَ القيمةُ، فليست قيمةُ الإلكترونِ الـمُوجَبِ أقَلَّ ولا أكثَرَ مِن قيمةِ الإلكترون السَّالِبِ.

وبيْنَ الذَّكرِ والأُنثى مِنَ البَشرِ تقومُ مُساواةُ التَّكامُلِ، وليس التَّماثُلُ فسيولوجيًّا، وبيولوجيًّا، وسيكولوجيًّا، فلماذا يمتَنعُ عقلًا أنْ تقومَ بينَهما في بَعضِ الأحيانِ مُساواةُ التكامُلِ سوسيولوجيًّا.

هل يوجدُ مُبرِّرٌ مِنَ الوضعِ العمليِّ لِلإصرارِ على أنَّ مُساواةَ التماثُلِ بيْنَ الرَّجُلِ والمرأةِ اجتماعيًّا هي التصوُّرَ السليمَ؟ هل يُظهِرُ الواقعُ العمليُّ أنَّ المرأةَ والرَّجُلَ كَسَبا بهذا التصوُّرِ أم خَسِرا؟ هل صارتِ المرأةُ بتطبيقِ هذا التصوُّرِ على أرضِ الواقعِ أقربَ إلى الحياةِ الطَّيِّبةِ (السعادةِ) وأبعَدَ عنِ الـمَعيشةِ الضَّنكِ (الشقاءِ)؟ هل صارَ الـمُجتمعُ بهذا التصوُّرِ أكثَرَ عَدلًا، والوطنُ أكثرَ تقدُّمًا؟
 

لِنستحضِرْ هذَيْنِ النموذجَيْنِ مِن عالَمَيِ الثقافةِ الغربيةِ، الشيوعيِّ والرأسماليِّ:

أولًا: مُنذُ أن قال لينين (الزعيم الشيوعي الأول): "لن نتقدَّمَ ونِصْفُ شعبِنا في الـمَطبخِ" طُبِّقتْ في الاتحادِ السوفييتيِّ أكمَلُ وأشمَلُ وأدوَمُ صورةٍ لِمُساواةِ التماثُلِ بيْنَ الرَّجُلِ والمرأةِ، عمِلَتِ المرأةُ خارجَ الـمَنزلِ في مجالِ البِناءِ، ورَصْفِ الطُّرقِ، وكَنسِ الشوارعِ، وعمِلتْ باحثةً في مراكزِ البُحوثِ، وميكانيكيةً، ومهندسةً، ورائدةَ فضاءٍ، كان نصيبُ المرأةِ في الأعمالِ الـمَكروهةِ والشاقةِ أكثرَ، ولكنَّها كسَبَتْ مُساواةَ التماثُلِ مع الرَّجُل.
 

كانتِ النهايةُ كما وصفها (الزعيم الشيوعي الأخير) جورباتشوف في (البروسترويكا) حين كَتَب "لقد وضَعَتِ الدولةُ السوفييتيةُ حدًّا للتمييزِ ضِدَّ المرأةِ، الذي كان سائدًا في روسيا القيصرية... كسَبتِ المرأةُ... نَفْسَ الحقِّ في العملِ كالرَّجُلِ، والأجرِ الـمُتساوي للعملِ الـمُتساوي... ولكنْ طوال سنوات تاريخِنا البُطوليِّ والشاقِّ عجَزْنا أن نولي اهتمامًا لحُقوقِ المرأةِ الخاصةِ، واحتياجاتِها الناشئةِ عن دَوْرِها كأُمٍّ وربةِ مَنزلٍ، ووظيفتِها التعليميةِ التي لا غِنى عنها بالنسبةِ للأطفالِ، إنَّ المرأةَ حين تعملُ في مجالِ البحثِ العلميِّ، وفي مواقعِ البناءِ، وفي الإنتاجِ، والِخدماتِ، وتُشاركُ في النشاط الإبداعيِّ لم يَعُدْ لها وَقتٌ لِلقيامِ بواجباتِها اليوميةِ في الـمَنزلِ... وتربيةِ الأطفالِ، وإقامةِ جَوٍّ أُسَريٍّ طَيِّبٍ، لقد اكتشَفْنا أنَّ كثيرًا مِن مشاكلنا في سلوكِ الأطفالِ والشبابِ، وفي معنوياتِنا وثقافتِنا، وفي الإنتاجِ تَعودُ إلى تدهورِ العلاقاتِ الأُسريةِ والـمَوقفِ الـمُتراخي مِنَ الـمَسؤولياتِ الأُسريةِ، وهذا نتيجةُ مناقضةٍ لِرَغبتِنا الـمُخلصةِ والـمُبرَّرةِ سياسيًّا لِمُساواةِ المرأةِ والرَّجُلِ في كُلِّ شيءٍ، والآنَ في مَجرى (البروسترويكا) بدأنا نتغلَّبُ على هذا الوضعِ؛ ولهذا السببِ فنحن نُجري الآنَ مناقشاتٍ جادةً في الصحافةِ وفي الـمُنظَّماتِ العامةِ، وفي العملِ والـمَنزلِ، بخُصوصِ ما يجبُ أنْ نفعَلَه لِنُسهِّلَ على المرأةِ العودةَ إلى رِسالتِها الإنسانيةِ البحتةِ".
 

ثانيًا: في العالَـمِ الرأسماليِّ تطوَّرَ تصوُّرُ مُساواةِ التماثُلِ بيْنَ الرَّجُلِ والـمَرأةِ إلى شعارٍ مُلْهِم وفاعلٍ وشِبهِ مُقدَّسٍ، حتى انتَهى إلى الحركةِ النِّسويةِ ( National Organization for Women NOW).

ولِسوءِ الحظِّ فإنَّ الأمرَ انتَهى بالـمُجتمعِ الأمريكيِّ والأُوروبيِّ إلى مِثلِ هذا الوضعِ: في الوِلاياتِ الـمُتحدةِ، وأغلبِ -إنْ لم يَكُنْ كُلَّ- البُلدانِ الأُوروبيةِ، بلَغَتْ نِسبةُ وَحدةُ الوالديةِ ( Single parenting)، إلى نِسبٍ مُروِّعةً تتجاوزُ الخمسينَ في المِئةِ في كُلِّ -أو أغلَبِ- الحالاتِ، ماذا يعني هذا؟ يعني أنَّ النساءَ بإرهاقِهنَّ بمَسؤوليةِ العائلِ الوحيدِ صِرْنَ مَسؤولاتٍ عن إعانةِ أنْفُسِهنَّ وعن إعالةِ أعدادٍ تزيدُ على عددِهنَّ مِن أفرادِ الشعبِ، مع أنَّ دُخولَهنَّ في الأغلبِ أضعفُ، وفُرَصَهنَّ في تنميةِ دُخولِهنَّ أقَلُّ.
 

في التاريخِ البشريِّ الـمَكتوبِ رُبَّما لم تقعِ المرأةُ مَسحوقةً في مِثلِ هذا الوضعِ الظالِـمِ مِن قَبلُ، لقد لُوِّحَ لِلمرأةِ بجَزرةِ مُساواةِ التماثُلِ مع الرَّجُلِ، فغَفَلتْ عن ضَرباتِ عَصا هذه الـمُساواةِ التي تُلهِبُ ظَهرَها، على أنَّ الدراساتِ الحديثةَ أظهرَتْ أنَّ المرأةَ في كثيرٍ مِنَ الأحيانِ لا تستطيعُ مُقاومةَ القانونِ الطبيعيِّ، وتَستجيبُ لِداعي الفِطرةِ، فتختارُ مُساواةَ التكامُلِ، وتعودُ إلى البَيتِ؛ لِتؤدِّيَ مَسؤوليَّاتِها الاجتماعيةَ التقليدية.

فمَثلًا في دراسةٍ نشرَتْها في مَوقِعِها في 21 نوفمبر 2005م برفسور ليندا هرشل (وهي رائدةٌ في الحركةِ النسائيةِ وأستاذةٌ جامعيةٌ في مادة feminism) ذكَرتْ أنَّ نِصْفَ النساءِ مِنَ الأفضلِ تعليميًّا في الوِلاياتِ الـمُتحدةِ اختَرْنَ البقاءَ في البيتِ، وتربيةَ أطفالِهن، بَدَلًا مِنَ الخُروجِ إلى سُوقِ العملِ، ونقلَتْ عن مايرا هارت -الأستاذ في "البرنس سكول" في هارفرد، الذي قامَ في عام 2000م بمَسْحٍ لِلطالباتِ في الأعوامِ 1981م، 1986م، 1991م- أنَّه وَجَد 38% فقط مِن حاملاتِ الـمَاجستيرِ يعمَلْنَ خارجَ الـمَنزل.

وتُعلِّقُ هرشل: مُعظَمُ النساءِ يُفضِّلنَ الزواجَ، وأنْ يَكُنَّ لهنَّ أطفالٌ؛ لذا لا يَكُنَّ جادَّاتٍ في الثورةِ على الفكرةِ التقليديةِ أنَّ وظيفةَ المرأةِ تربيةُ الأطفالِ ورعايةُ الأُسرةِ، ولم تَقُلْ واحدةٌ مِنَ النساءِ اللاتي قابَلتُهنَّ إنَّهنَّ يَرَيْنَ هذا الوضعَ يَنتهِكُ العَدلَ مع النساءِ، وقد عبَّرتْ إحداهنَّ وَفْقَ مُصطلحاتِ عِلْمِ الإدارةِ: زَوْجي يقومُ بوظيفةِ الـمَسؤولِ التنفيذيِّ، وأنا أقومُ بوظيفةِ الـمَسؤولِ عن إدارةِ المالِ؛ فهو يعملُ لِتوفيرِ النُّقودِ، وأنا أقومُ بإدارةِ استِخدامِها.
 

لِمزيدٍ مِنَ الإيضاحِ في تقييمِ تصوُّرِ الثقافةِ الغربيةِ لِمُساواةِ التماثُلِ بيْنَ الرَّجُلِ والمرأةِ، تَنبغي مُقارنةُ هذا التصوُّرِ بتصوُّرِ النظامِ الإسلاميِّ في الـمَوضوع.

الإسلامُ يُقرِّرُ مُساواةَ التماثُلِ بيْنَ الرَّجُلِ والمرأةِ فيما يتعلَّقُ بالقيمةِ الإنسانيةِ، فيُقرِّرُ الـمُساواةَ بينَهما في الخُضوعِ لِميزانِ التفاضُلِ عندَ اللهِ، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].

وفي الـمَسؤوليةِ، والجَزاءِ، قال تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 195]، ولا يُتصوَّرُ تَعبيرٌ عنِ التساوي والتماثُلِ أدَقُّ وأبلَغُ مِن تَعبيرِ "بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ"، وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97]، وفي الكَرامةِ الإنسانيةِ؛ {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الإسراء: 70]، و{بَنِي آدَمَ} هنا تَشملُ أولادَ آدَمَ، الذَّكرَ والأُنثى، وفي الشخصيةِ القانونيةِ؛ فالرَّجُلُ والمرأةُ يتمتَّعانِ على السواءِ بالذمةِ الماليةِ والأهليةِ الشرعيةِ لاكتسابِ الحُقوقِ وتحمُّلِ الالتزاماتِ وإجراءِ التصرُّفاتِ القانونية.

وبعْدَ ذلك يُراعي الإسلامُ مُساواةَ التكامُلِ في بَعضِ مَجالاتِ الوظائفِ الاجتماعيةِ، فيَحمي المرأةَ ممَّا تُوجِبُه مُساواةُ التماثُلِ مِن تحميلِها مَسؤوليةً اجتماعيةً زيادةً على الـمَسؤوليةِ الاجتماعيةِ التي تُهديها إليها قوانينُ الطبيعةِ والفِطرةِ.

وكما في المِثالِ الأوَّلِ كان مِنَ الطبيعيِّ أنْ يَكونَ لِتبنِّي مُساواةِ التماثُلِ دائمًا بيْنَ الرَّجُلِ والمرأةِ -كما تتصوَّرُها الثقافةُ الغربيةُ، مِن قَبْلِ الـمُسلمين- أعراضُه وتداعياتُه على أرضِ الواقع.

ولو أخَذْنا بِلادَ مَجلِسِ التعاونِ الخليجيِّ مَثلًا، لَمَا عَزَّ علينا أنْ نُلاحِظَ التغييرَ الساحقَ في حياةِ المرأةِ في فترة قصيرةٍ مِنَ الزمنِ، لقد صارَ عاديًّا أنْ يكونَ طُموحُ الطالباتِ في الـمُؤسساتِ التعليميةِ: "الوظيفةَ"، أي العملَ خارجَ الـمَنزلِ بالأجرِ، تَحتَ قِوامةِ رَئيسٍ، ذَكرٍ أو أُنثى، وذلك بالرَّغْمِ مِن ضَعفِ الدافعِ الذي يدفعُ المرأةَ عادةً لِلعملِ خارجَ الـمَنزلِ، وهو الدافعُ الاقتصاديُّ، وقد تضاءَلَ بصورةٍ عاليةٍ لَدى الفتياتِ وأهلِهنَّ تَفضيلُ الزواجِ في أثناءِ مُدَّةِ الدراسةِ، التي قد تمتدُّ إلى العِشريناتِ مِنَ العُمُرِ، أو تتجاوَزُها، بل إنَّه يوشِكُ أن يتمثَّلَ ظاهرةَ عُزوفِ الفتياتِ عن فِكرةِ الزواجِ بالكلية.
 

أمَّا الغُلُوُّ في الاستخدامِ -بأنْ تُوكَلَ إلى الخادِمةِ تربيةُ الأطفالِ، ورُبَّما إعدادُ الواجباتِ، بالإضافةِ إلى أعمالِ الـمَنزلِ الأُخرى- فهو أمرٌ تُظهِرُه الإحصاءات.

ورُبَّما يكونُ مِن تداعياتِ حِرمانِ المرأةِ السعوديةِ أو الخليجيةِ نَفْسَها مِن ممارسةِ وظائِفِها الطبيعيةِ والتقليديةِ في إدارةِ مملكتِها "البيتِ" ما يُلاحَظُ مِن زِيادةِ الاضطراباتِ النفسيةِ لَدى المرأةِ، مِثلَ الاكتئابِ والتوتُّرِ النفسيِّ، وما يتبعُ ذلك مِن آثارٍ مَرضيَّةٍ على الجسم.
 

ج- الـمِثالُ الثالثُ: دَأبَتِ الوِلاياتُ الـمُتحدةُ الأمريكيةُ على إصدارِ تقريرٍ سنويٍّ بعُنوانِ الحُرية الدينية في العالَـمِ، ويُحاكِمُ هذا التقريرُ دُوَلَ العالَـمِ في حمايتِها أو انتهاكِها لِلحُريةِ الدينيةِ، وفي سلسلةِ هذا التقريرِ توضعُ المملكة العربية السعودية في خانةٍ واحدةٍ مع الصينِ في تعامُلِها مع الإيجور، وبورما في تعاملها مع شعب أراكان، وتوصَفُ هذه الدُّوَلُ بأنها الأسوأُ انتهاكًا لِلحُريةِ الدِّينيةِ، وتوصَفُ المملكة العربية السعودية بأنها لا يوجدُ فيها حُريةٌ دينيةٌ مُطلقًا.

وفي التقريرِ الصادرِ عام 2011م عنِ العامِ الذي سبَقَه 2010م، عَنَى التقريرُ في مهاجمةِ المملكةِ العربيةِ السعوديةِ بأنَّها تسمَحُ بنَشرِ الكُتُبِ التي تُعبِّرُ عن أيدلوجيتِها، وبنشاطِ الدُّعاةِ الذين ينشرون هذه الأيدلوجيةَ خارجَ المملكةِ العربيةِ السعوديةِ، وفي التقريرِ نَفْسِه تُهاجِمُ المملكةَ بأنَّها لا تسمحُ لِدُعاةِ الدياناتِ الأُخرى بالعملِ في المملكةِ، ولا بنشرِ الكُتُبِ الـمُعبِّرةِ عن هذه الديانات.

ومع وجودِ التناقُضِ الظاهرِ بيْنَ الأمرَيْنِ في شأنِ الحُريةِ الدينيةِ في فِكرِ الولاياتِ الـمُتحدةِ الأمريكيةِ، إلا أنَّ كثيرًا مِنَ الـمُثقَّفين السُّعوديين، وبينَهم مُوظَّفون مُؤثِّرون مِن إداراتٍ حكوميةٍ سعوديةٍ مُختلفةٍ، يُصادِقون على صحةِ النَّقْدِ الـمُوجَّهِ لِبلادِهم فيما يتعلَّقُ بنشرِ مَذهَبِها الدِّينيِّ، وأنَّ الأمريكيين على حقٍّ في مطالبتِهم لِلمملكةِ العربيةِ السعوديةِ بأنْ تُحَجِّمَ وسائلَ نشرِ هذا الـمَذهب.

وفي الوقتِ نَفْسِه يشعرون بالحَرَجِ عندَما يواجَهون (ودائمًا يواجَهون) باحتجاجِ الآخرين بأنَّ هؤلاء الآخَرين يسمَحون لِلمُسلِمين بإقامةِ مَعابِدِهم ومراكِزِهم الإسلاميةِ، والدعوةِ لِدينِهم في بِلادِهم، فكيف لا تسمحُ المملكةُ العربيةُ السعوديةُ لِغيرِ الـمُسلمين بإنشاءِ مَعابِدِهم ومراكِزِهمُ الدَّعويةِ، وبوجودِ الدُّعاةِ لِلأديانِ الأُخرى، ونشرِ كُتُبِ الدِّياناتِ الأُخرى، ولا يجدون ردًّا لهذا الانتقادِ إلَّا أنَّ هذا "مُقتَضى قوانينِنا"، ولنا مِثلَ كُلِّ بَلَدٍ الحَقُّ في اختيارِ قوانينِنا، في حين أنَّ الاحتجاجَ مُوجَّهٌ أساسًا ضِدَّ هذه القوانينِ؛ لذا فإنَّ الـمُثقَّفين السعوديين في داخِلِ نُفوسِهم يُصادِقون على صحةِ النَّقْدِ الـمُوجَّهِ لِبلادِهم، وأنَّ الآخرين على حَقٍّ في توجيهِه.
 

إنَّ الرِّقَّ الثقافيَّ الـمُتجذِّرَ أثَرُه في أفكارِ الـمُثقَّفين الـمُسلِمين ومشاعِرِهم، ولا نَستَثني السعوديين، هذا الأثَرُ الظاهرُ في الثقةِ الـمُبالَغِ فيها بتصوُّراتِ الثقافةِ الغربيةِ وضَعْفِ الثقةِ في تصوُّرِ ثقافَتِهمُ الأصليةِ، هو العامِلُ الرئيسُ لِعَمى هؤلاء الـمُثقفين عن مُقتضياتِ التفكيرِ العقلانيِّ، وعن إدراكِ حقائقِ الواقع.

فمُنذُ ابتدأَ سُلطانُ الـمُسلمين السياسيُّ في الأرضِ، وعلى مَرِّ العُصورِ، وفي مُختلِفِ الأقطارِ، لم تتغيَّرْ سياسةُ الـمُسلِمين فيما يتعلَّقُ برِعايتِهم لِلحريةِ الدينيةِ لِلآخَرين الخاضِعين بسُلطانِهمُ السياسيِّ، في صورٍ لا يوجد لها مَثيلٌ في الدُّوَلِ الحديثةِ، سواءٌ في أوروبا، أو أمريكا.

لقد التَزموا دائمًا بعدمِ الـمَساسِ بـمُمارسةِ الآخَرين لِأديانِهم، وحَمَوْا مَعابِدَهم، وأعطَوْهمُ الحَقَّ في أنْ يكونَ لهم قوانينُهمُ الخاصةُ، وقضاؤهمُ الخاصُّ، وأنظمتُهم الاجتماعيةُ، وتنشئةُ أولادِهم على تقاليدِهم وثقافتِهم، واستُثْنوا مِنَ القانونِ الجنائيِّ العامِّ، بمعيارِ أنَّ كُلَّ عملٍ لا يُنافي الأخلاقَ في ثقافةِ الأقليَّاتِ الدينيةِ لا يُعتَبرُ فِعلُه جريمةً في حَقِّهم، حتى لو كان يُعتَبرُ جريمةً في حَقِّ الـمُسلِمين طِبقًا لِلقانونِ الجنائيِّ العام.
 

وكان الـمُسلِمون يَرَوْن أنَّ هذه السياسةَ يقتَضيها الـمَنطِقُ العقلانيُّ والعَدْلُ، كانوا يَرَوْنها شيئًا طبيعيًّا لا يستحِقُّ عندَهمُ الضوضاءَ حَولَها، أو التَّعاليَ بها، أو النظرةَ الدُّونيةَ لِلآخَرين، وفي الوَقتِ نَفْسِه استَثنَوْا جُزءًا صغيرًا مِن أرضِ عالَـمِ السلطانِ السياسيِّ الإسلاميِّ الـمُتراميةِ الأطرافِ، اعتبَروه مَركزَ الإسلامِ وَفْقَ ما أوصى به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو يُغرغِرُ حينما قال: "لا يَكونُ دِينانِ في جَزيرةِ العَرَبِ"، وفَهِمَ الصحابةُ رِضوانُ اللهِ عليهم ومَن تَبِعَهم، كما نَصَّتْ عليه كُتُبُ الفقهِ، أنَّ الـمَقصودَ بجَزيرةِ العَرَبِ اصطلاحٌ يختلِفُ عن الاصطلاحِ الجُغرافيِّ، فلا يشمَلُ اليَمَنَ الذي بَقيَ فيه اليهودُ حتى وَقتِنا الحاضِرِ، وهذه المنطقةُ مِن أرضِ الإسلامِ اعتُبرَتْ مَركزَ الإسلامِ، وحُدِّدَ بجُزءٍ مِنَ الجَزيرةِ العربيةِ يَشمَلُ (باعتبارِ التقسيماتِ الإداريةِ السائدةِ في العُصورِ الأُولى) مكةَ وتوابِعَها الإداريةَ، والـمَدينةَ وتوابِعَها الإداريةَ، واليَمامةَ وتوابِعَها الإداريةَ (أي تقريبًا حُدودَ المملكةِ العربيةِ السعوديةِ الجغرافيةِ حاليًّا)، ففي هذا الجُزءِ الـمُستَثْنى وردَتِ النُّصوصُ مِنَ القُرآنِ، أو مِنَ الحَديثِ الصحيحِ تَمنعُ فيها الوجودَ الدِّينيَّ الدائمَ لغيرِ الإسلامِ، سواءٌ في حالة الفردِ، أو الـمُنشأةِ، أو التنظيمِ، وكانوا يَرَوْن أنَّ هذا الاستثناءَ (وهو يقرِّرُ القاعدةَ ولا يَنقُضُها) هو أيضًا مُقتَضى الـمَنطقِ العقلانيِّ والعَدْل.
 

وكُلُّ مُنصِفٍ يَجبُ أنْ يوافِقَ على صحةِ التصوُّرِ، فليس مِنَ الـمَنطقِ العقلانيِّ ولا مِنَ العَدْلِ أنْ يُسمَحَ لِوافِدٍ لِلبلادِ بأن يُحقِّرَ الإسلامَ، أو نَبيَّه، أو رُموزَه وكِتابَه الـمُقدَّسَ، في مركزِ الإسلامِ، وغَنيٌّ عنِ البيانِ أنَّ غَيرَ الـمُسلِمِ يعتقدُ أنَّ الدِّينَ الإسلاميَّ غيرُ صحيحٍ، وأنَّه دِينٌ زائِفٌ، وأنَّ نَبيَّه كاذِبٌ أو غَيرُ سَويٍّ مِنَ الناحيةِ النفسية.

هناك جانبٌ آخَرُ: أنَّ كُلَّ دولةٍ لها مَرجِعُها الثقافيُّ الأعلى الذي يَحكُمُ قوانينَها وإجراءاتِها وتصرُّفاتِها، ويُسمَّى القانونَ الأساسيَّ لِلحُكْمِ، أو الدُّستورَ، المملكةُ مَرجِعُها الثقافيُّ الأعلى ليس "قانونَ حُكْمٍ"، بل هو "مَرجِعٌ أعلى"، وهو القُرآنُ، وحَديثُ الرسولِ الصحيح.

ولا يُتصوَّرُ أنَّ دولةً في العالَـمِ تَسمَحُ بوُجودِ أشخاصٍ، أو مَراكزَ ثقافيةٍ، أو مُنشآتٍ، تُحقِّرُ قانونَ تلك الدَّولةِ الأساسيَّ لِلحُكْمِ "الدستورَ"، وتُعلِنُ في مُمارساتِها زَيْفَ الدُّستورِ، وقِيَمَه، وتُشوِّهُها، فهل مِنَ الـمَنطِقِ أو العَدْلِ أنْ تَسمحَ المملكةُ في جانبِها لِلغَيرِ بمِثلِ ذلك؟!

ولكنَّ الـمُثقَّفين السعوديين عندَما يواجَهون بهذا الهُجومِ قَلَّما ينتَبهون لِمِثلِ هذه الحَقائقِ، فيَرُدُّون في دِفاعِهم الاعتذاريِّ بحُجَجٍ مِنَ السَّهلِ نَقضُها ورَدُّها؛ لِأنَّها لا تُـمثِّلُ الحقيقةَ، فجُلُّ ما يرُدُّون به التمثيلُ بالفاتيكان، في حين يرُدُّ عليهم الآخَرون بأنَّه لا نِسبةَ بيْنَ الفاتيكانِ مِساحةً وسُكَّانًا وبيْنَ المملكةِ، أو يرُدُّون بأنَّ هذا مُقتَضى "قوانينِنا الخاصةِ"، كما لِلآخَرين قوانينُهمُ الخاصةُ، في حين أنَّ الهُجومَ مِنَ الغَرْبِ على هذه القوانينِ، وليس على الالتزامِ بها.

إنَّ استعمالَ حُجَجٍ ضَعيفةٍ هو أسوأُ مِن عدمِ إيرادِ أيِّ حُجَجٍ مُطلقًا، فَوْقَ أنَّه تَشويهٌ لِلحقائقِ على أرضِ الواقع.
 

 الفصلُ الثاني:

هل مِن الـمُستحيلِ أنْ نتحرَّرَ مِن هذا الرِّقِّ الثقافيِّ؟ قد لا يكونُ الأمرُ مُستَحيلًا عَقلًا، ولكنَّه قد يكونُ مُستَحيلًا في العادةِ، والواقعُ أنَّه لا يُمكنُ أنْ يتحرَّرَ الرَّقيقُ إلَّا إذا اقتَنعَ بأنَّ حالةَ الرِّقِّ غيرٌ طبيعيةٍ، وأنَّه يمكنُ تغييرُها، ثم وَجَد العَزْمَ على التغييرِ، والتاريخُ يعلِّمُنا قاعدةً مطَّردةً في كُلِّ صُنوفِ الرِّقِّ، سواءٌ كانت في شَكلِ أقنانِ الأرضِ، أو الطوائفِ الـمَنبوذةِ، أو رِقِّ الجِسمِ، كما كان في الوِلاياتِ الـمُتحدةِ الأمريكيةِ حتى صُدورِ قانونِ الحُقوقِ الـمَدنيةِ في السِّتينيَّاتِ الـمِيلاديةِ، إنَّ ما يُرسِّخُ الرِّقَّ هو اعتِقادُ الرَّقيقِ بأنَّ حالةَ الرِّقِّ هي الصورةُ الطبيعيةُ، وأنَّه لا يمكنُ تغييرُها، وإذا حَدَث الوَعيُ لَدى بعضِ الأفرادِ، وحاوَلوا الخُروجَ على هذه الأوضاعِ، ففي العادةِ يَنقُصُهمُ الرؤيةُ الصحيحةُ والقيادةُ الكُفُؤة.

ولكنْ إذا كان هذا الأمرُ صَحيحًا بالنسبةِ لِلمجموعِ؛ فإنَّ الـمُمكنَ بالنسبةِ لِلأفرادِ أنْ يكونَ الوضعُ مُختلِفًا حيث يَعونَ بأنَّ الوَضعَ غَيرُ طبيعيٍّ، وأنه لابد مِن تَغييرِه، وفي حالةِ الرِّقِّ الثقافيِّ الذي نتحدَّثُ عنه يكونُ هذا الأمرُ مُمكِنًا إذا ما وُضِعَ معيارٌ دَقيقٌ تُوزَنُ به التصوراتُ، ويُحكَمُ عليها وَفْقَه، ويمكنُ أنْ نُلخِّصَ هذا الـمِعيارَ بأنْ يكونَ التصوُّرُ مُوافِقًا لِلمَنطِقِ والعقلِ، وأنْ تكونَ نتائِجُه: النَّفعَ لِلجماعةِ الإنسانية.

ولِتطبيقِ هذا الـمِعيارِ لابُدَّ أنْ نعترِفَ بأنَّ كُلَّ تناقُضٍ في الفكرةِ والتصوُّرِ -بأنْ يُحكَمَ على تصوُّرَيْنِ مُتماثِلَيْنِ بحُكمَيْنِ مُختلِفَيْنِ، أو أنْ يُحكَمَ على تصوُّرَيْنِ مُختلِفَيْنِ بحُكْمٍ واحِدٍ- لا يسمحُ بادِّعاءِ انسجامِها مع الـمَنطِقِ والعقلِ، ولِتطبيقِ هذا الـمِعيارِ نُورِدُ بعضَ الأمثلةِ:
 

1- لو أنَّ قاطِعَ الطريقِ في الصحراءِ أو الغابةِ اعترضَ سيارةً تحمِلُ عائلةً، فقتَلَ الرُّكَّابَ، لَسُمِّيَ مُجرمًا، ولوُصِفَ بأنَّه مُتوحِّشٌ وهَمَجيٌّ ولاإنسانيٌّ، ومُتخلِّفٌ أخلاقيًّا، فإذا قَصَف جَيشٌ في لَيلةٍ واحدةٍ مدينةً، مِثلَ هيروشيما، وقَتَل مِئةَ ألْفِ شَخصٍ مِنَ النساءِ والأطفالِ وغَيرِ الـمُقاتِلين -وبعْدَ أنْ تَقرَّرَ وعُرِفَ مَسيرُ الحَربِ- فوَفْقَ التصوُّرِ الغربيِّ لا أحَدَ يحكُمُ على الفاعلِ في هذه الحالةِ بأنَّه مُتوحِّشٌ أو هَمَجيٌّ، أو غَيرُ إنسانيٍّ، أو مُتخلِّفٌ أخلاقيًّا، مع أنَّه لا فَرْقَ في الحالتَيْنِ في نوعيةِ العملِ إنَّما الفَرْقُ في حَجمِ العمل.
 

2- أسوأُ أنواعِ الوحشيةِ وَضْعُ إنسانٍ تَحتَ أشدِّ أنواعِ التعذيبِ؛ لِانتِزاعِ اعترافٍ منه، عن نَفْسِه، أو على غَيرِه، ومع ذلك لا نرى وَصْفَ الدولةِ التي تختَطِفُ الناسَ وتُرسِلُهم في شُحناتٍ بالطائراتِ إلى أسوأِ مراكزِ التعذيبِ في العالَـمِ، وتتضامَنُ معها دُوَلٌ أُخرى بالإمدادِ اللوجستيِّ، أو على الأقَلِّ تغُضُّ النظرَ، ومع ذلك لا نرى أحَدًا يصِفُ الفاعلَ بأنَّه مُتوحِّشٌ، وهَمَجيٌّ، وغَيرُ أخلاقيٍّ، ولا عقلانيٌّ، والفارِقُ العجيبُ في مِثلِ هذه الحالةِ أنَّ الفاعلَ يوصَفُ بالتقدُّمِ والتحضُّرِ والمَدنية.
 

3- رُبَّما لم يُحقِّرِ الغَربُ الإسلامَ ولم يَعِبْه بمِثلِ ما عابَ على المُسلمين قَبولَهم لِنوعٍ مِن تعدُّدِ الزوجاتِ، ووصْفَنا تعدُّدَ الزوجاتِ في الإسلامِ بأنَّه "نوعٌ مِن أنواعِ التعدُّدِ"؛ لِأنَّه قد لا يكونُ أيُّ تعدُّدٍ لِلزوجاتِ في الماضي والحاضرِ مُشابِهًا لِتعدُّدِ الزوجاتِ في الإسلامِ، سواءٌ مِن ناحيةِ الوظيفةِ، أو مِن ناحيةِ القُيودِ التي تُحدِّدُه.

فهل النظرةُ الغربيةُ تِجاهَ تعدُّدِ الزوجاتِ في الإسلامِ يفرضُها الـمَنطقُ والـمُحاكمةُ العقليةُ؟ لا يبدو الأمرُ كذلك، فهذه النظرةُ مُؤسَّسةٌ في الواقعِ على التراثِ الثقافيِّ والتقاليدِ، وعلى الذَّوقِ الاجتماعيِّ.

الـمَعروفُ أنَّ التقاليدَ الـمَسيحيةَ -وهي جُزءٌ مِن التراثِ الثقافيِّ الغربيِّ- لا تُشجِّعُ الزواجَ حتى بواحِدةٍ؛ إذْ تَرى أنَّ ذلك يُخفِّضُ مِن مَنزلةِ الإنسانِ الرُّوحيةِ، والدليلُ على أنَّ النظرةَ الغربيةَ مؤسَّسةٌ على التقاليد الـمَوروثةِ والعادةِ الاجتماعيةِ السائدةِ أنَّ الغَرْبَ لا ينظرُ إلى التعدُّدِ في زواجِ السُّحاقياتِ واللُّوطيِّين -الـمَشروعِ عندَ عددٍ مِنَ الدُّولِ الغربيةِ- بمِثلِ هذه النظرةِ، كما يتسامَحُ الغَرْبُ بأنْ يكونَ لِلرَّجُلِ الـمُتزوِّجِ خَليلةٌ أو خَليلاتٌ، يُعامِلُهنَّ تمامًا مُعاملةَ الزوجةِ، ولا سيما بوُجودِ تشريعاتٍ تَحمي حُقوقَ الخليلةِ وحُقوقَ الأولادِ منها.

واضحٌ أنَّه لا يوجدُ سببٌ لِلتفريقِ بيْنَ الأنواعِ الثلاثةِ الـمَذكورةِ: الزواجِ التقليديِّ، والزواجِ الـمِثليِّ، والعلاقةِ الزوجيةِ مع الخَليلاتِ، وسببُ التفريقِ في الحقيقةِ هو فِعلُ التراثِ الثقافيِّ في تصوُّرِ تعدُّدِ الزوجاتِ، في حين أنَّ النوعَيْنِ الآخَرَيْنِ (زواجَ الـمِثليِّين، والعلاقةَ مع الخليلاتِ) وُجِدتْ دونَ أنْ تكونَ مُحمَّلةً بالإيحاءاتِ الثقافيةِ الغربيةِ التي يُثيرُها الزواجُ التقليدي.

وإذا كان الجُزءُ الأوَّلُ مِنَ الـمِعيارِ الذي اخترناه لِتقييمِ سلامةِ التصوُّرِ أو الفكرةِ مُحايدًا، بمَعنى أنَّه بمُجرِّدِه لا يَرفُضُ ولا يَنفي هذا التصوُّرَ، فما شأنُ الجُزءِ الثاني مِنَ الـمِعيارِ، وهو مَدى النفعِ أو الضررِ لِلفردِ والـمُجتمعِ في هذا التصوُّر.

نُلاحِظُ في البدايةِ أنَّ الإسلامَ حينما شرَّع نوعًا مِن تعدُّدِ الزوجاتِ أوضح أنَّ الغرضَ منه حمايةُ اليتامى، وإضفاءُ نوعٍ مِنَ الرعايةِ لهم حين تتزوَّجُ أُمُّهم، حيث تُعوِّضُهم عنِ الأبِ الذي فُقِد، قال اللهُ تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3].

ويُظهِرُ الواقعُ هذه الحكمةَ، ففي الـمُجتمعِ الذي يوجدُ فيه التعدُّدُ يرتفعُ الطلبُ على النساءِ، ويقِلُّ العرضُ، فيُصبحُ لِكُلِّ امرأةٍ فُرصةٌ أكبَرُ في الزواجِ، حتى أُمُّ اليتامى، أمَّا الـمُجتمعُ الذي لا يقبَلُ التعدُّدَ فمِنَ الطبيعيِّ -كما يُظهِرُه الواقعُ- أنْ يكونَ الطلبُ على النساءِ أقَلَّ، وفُرصةُ المرأةِ في الزواجِ أقَلَّ.

ولِلمرأةِ في الواقعِ اهتمامٌ ومصلحةٌ، وبالتالي لها حَقٌّ يجبُ أنْ يُوَفِّيَ به الـمُجتمعُ، يتلخَّصُ في الحَقِّ في الأُمومةِ، وفي عِلْمِ النَّفْسِ أثبت السُّلوكيون أنَّ غَريزةَ الأُمومةِ أقوى مِن غَريزةِ الجِنسِ، ومِن غَريزةِ الجوعِ، ولها الحَقُّ في الزواجِ حَسبَ التصوُّرِ الإسلاميِّ، فالغايةُ التي ورَدتْ في القُرآنِ لِلزواجِ أنْ يكونَ كُلٌّ مِنَ الزوجَيْنِ سَكنًا لِلآخَرِ، وأنْ تكونَ بينَهما مودةٌ ورحمة.

ولها حَقٌّ في أنْ يكونَ لها بيتٌ يكونُ لها مملكَتَها الخاصةً، تمارِسُ فيه وظائفَ الأُنثى الطبيعية، وكُلُّ هذه الحُقوقِ أهمُّ مِن بعضِ الحُقوقِ التي تضمَّنتْها وثيقةُ حُقوقِ الإنسانِ، معنى ما سَبق أنَّ تحديدَ فُرصةِ المرأةِ في الزواجِ هو في الحقيقةِ انتهاكٌ لِحُقوقِها الـمَذكورة.

مِن ناحيةٍ أُخرى حين يكونُ الطلبُ على النساءِ أكثَرَ؛ فإنَّ الشبحَ الـمُرعِبَ لِلمرأةِ -الطلاقَ- يتوارى، أو يكادُ؛ إذْ تَعرِفُ أنَّها إذا فقَدتْ زوجَها فإنَّ لها فُرصةً لِلزواجِ بآخَرَ، وبذلك تكونُ في موقعٍ هي فيه أقوى على الـمُطالبةِ بحُقوقِها، والدفاعِ عن ظُلمِها، وهذا واضحٌ مِنَ الواقعِ عندَ الـمُقارنةِ بيْنَ النساءِ في غَرْبِ إفريقيا، حيث يَسودُ التعدُّدُ، وبيْنَ النساءِ في القارةِ الهنديةِ، حيث إنَّ الثقافةَ السائدةَ دافعٌ لعدمِ التعدُّدِ، ففي القارةِ الهنديةِ تحمِلُ المرأةُ أعباءً باهظةً لِلحُصولِ على الزوجِ، ثم إنَّ خَشيتَها مِن شبحِ الطلاقِ تشُلُّ قُدرَتَها على الدفاعِ عن ظُلمِها، أوِ الـمُطالَبةِ بحقوقِها، وعلى خِلافِ ذلك كما يُشاهَدُ حالُ الـمَرأةِ في غَرْبِ إفريقيا.

إنَّ الحقيقةَ لا تُدرَكُ إلَّا بالنظرِ إليها مِن جميعِ جوانِـبِها، فالبَديلُ عنِ التعدُّدِ -كما شرَعَه الإسلامُ- هو الزِّنا، أو البِغاءُ، ومَعروفٌ أثَرُ هذه السيئةِ على الفردِ والـمُجتمعِ، إنَّ الـمُتأمِّلَ في الـمَوضوعِ إذا هُيِّئَ له أنْ يلتزمَ بحياديةِ النظرةِ وعدمِ الالتِفاتِ إلى الآراءِ الـمُسبقةِ، سوف يَرى ليس فقط أنَّ التعدُّدَ كما شرَعَه الإسلامُ نافِعٌ لِلمُجتمعِ، بل أنَّه ضروريٌّ لِلمُجتمعِ السليم.

الـمُثقَّفون الـمُسلِمون عندَما يواجِهون هذا النَّقْدَ يواجِهونه بدِفاعٍ اعتذاريٍّ، والدفاعُ الاعتذاريُّ يعني الهزيمةَ بدونِ مُبرِّرٍ، فالحقُّ أنَّ التعدُّدَ كما شرَعَه الإسلامُ ليس إجراءً استثنائيًّا توجِبُه ضروراتٌ عارضةٌ، وإنَّما هو في الحقيقةِ نظامٌ صالحٌ يَسعَدُ به الـمُجتمعُ، ولا يَشقى، لا شكَّ أنَّ تعدُّدَ الزوجاتِ له سلبياتٌ في واقعِ الحياةِ التطبيقيِّ، ولكنْ، أيُّ شيءٍ في الدُّنيا خالِصٌ مِنَ السلبياتِ؟! الاتجاهُ الحَكيمُ هو الـمُوازنةُ بيْنَ السلبياتِ والايجابياتِ، واختيارُ الرَّاجِح.
 

الفصلُ الثالث:

ومِنَ الأُمورِ التي تُساعدُ الـمُسلِمَ على الحُكمِ الصحيحِ على التصوُّراتِ الثقافيةِ الغربيةِ، وما هو منها سليمٌ، وما هو غَيرُ سليمٍ، الـمُقارنةُ بينَها وبيْنَ النظامِ الإسلاميِّ، بشرطِ الـمَعرفةِ الكاملةِ بوضعِ النظامَيْنِ والحيادِ الكاملِ في الحُكْمِ.

ويمكنُ تطبيقُ هذه الوسيلةِ على ثلاثِ قضايا، هي الأكثرُ تأثيرًا في حياةِ البشرِ في الوَقتِ الحاليِّ: القضيةِ السياسيةِ، والقضيةِ الاقتصاديةِ، والقضيةِ الروحية.
 

‌أ- فيما يتعلَّقُ بالقضيةِ السياسيةِ، نُلاحِظُ أنَّ العلاقاتِ الدوليةِ بيْنَ الدُّوَلِ تُبنى على أساسِ المَصلحةِ القوميةِ والقُوَّةِ، هذا ما تنُصُّ عليه الكُتبُ المدرسيةُ ويتردَّدُ على ألسنةِ الناسِ، ولو دقَّقنا النظرَ في هذا المبدأِ لوجَدْنا أنَّه لا فَرْقَ بيْنَ هذا المبدأِ والمبدأِ الذي يوجِّهُ فِعلَ قاطعِ الطريقِ، أو عصاباتِ الإجرامِ الـمُنظَّمِ، أو الحيواناتِ في الغابةِ، كما أشار إلى ذلك البروفيسور جوزيف فرانكن في كتابِه الـمَشهورِ "العلاقات الدولية".

إنَّ الـمَصالحَ بيْنَ الدُّولِ قَلَّما تتوافَقُ، وكذلك القُوَّةُ؛ لذا فإنَّ الوِلاياتِ الـمُتحدةَ الأمريكيةَ مَثلًا، التي يصِفُها الرئيسُ نكسون بأقوى دولةٍ في التاريخِ، وأغنى دولةٍ في التاريخِ، في السَّنوات المِئةِ الماضيةِ شنَّتْ حوالَيْ مِئةَ حَربٍ على دُوَلٍ أُخرى، أيْ بمُعدَّلِ حَربٍ كُلَّ عامٍ.

فإنْ كان هذا التصوُّرُ لا ينفيه المَنطقُ والعقلُ، لكنَّ فإنَّ نتائِجَه الكارثيةَ على البشرِ تبيِّنُ وتوضِّحُ عن عدمَ سلامَتِه.

أمَّا الإسلامُ فيجعلُ العلاقاتِ الدوليةَ مبنيَّةً على العَدلِ الـمُطلَقِ، فالعَدلُ الـمُطلقُ "قِيَمُه" لا تختلفُ في حالةِ القريبِ، والبعيدِ، والصَّديقِ، والعَدُوِّ، والـمُسالِـمِ، والـمُحاربِ، وقد يتهيَّأُ لِلنَّاسِ أنَّ هذه نظرةٌ طوباويةٌ وغَيرُ عمليةٍ، ولكنَّ الواقعَ يدحَضُ هذه النظرةَ؛ لِأنَّ هذه القِيمةَ وُجِدتْ فِعلًا في تاريخِ الإسلامِ، وبالرَّغْمِ مِن أنَّها تُطبَّقُ مِن جانبٍ واحِدٍ إلا أنها لم تؤثِّرْ في قُوَّةِ الفاتحِ الـمُسلِمِ، بل كانت أكبَرَ عَوْنٍ له؛ إذْ كانت أساسًا لِكَسْبِ القُلوبِ والعُقولِ، قبْلَ فتحِ الأرض.
 

‌ب- بالنسبةِ لِلقضيةِ الاقتصاديةِ فإنَّ العالَـمَ الغربيَّ لِأكثرَ مِن مِئتَيْ سنةٍ كان يتأرجَحُ بيْنَ الجُنوحِ إلى الاتجاهِ الجَماعيِّ، أو إلى الاتجاهِ الفرديِّ، وجَرَّبَ العالَـمُ الاتجاهَ الجماعيَّ مُدةَ سبعينَ سنةً، انتَهتْ بانهيارِ النظامِ، كما لو كان بَيتًا مِن وَرَقٍ، ولم يكُنْ لِلنظامِ الرأسماليِّ، الذي يأخُذُ بالاتجاهِ الفرديِّ، حظٌّ أكثرُ سعادةً؛ إذْ ما فَتِئَ الاقتصادُ الجانِحُ للاتجاهِ الفرديِّ يدورُ في حَلقاتٍ متكرِّرةٍ مِنَ الأزماتِ الماليةِ، بالإضافةِ إلى أنَّه لم يُوفِّرِ السعادةَ لِلبشرِ، حيث إنَّ المالَ يعملُ في الأغلبِ في مَجالاتٍ يكونُ فيها المالُ دُولةً بيْنَ الأغنياءِ، ولا يُمكِنُ أنْ توصفَ بأنَّها (قِيامٌ لِلناسِ)، ولا تَخفى آثارُ ذلك على حياةِ البَشَر.

أمَّا الإسلامُ فقد هُيِّئَ له في الواقعِ فُرصةٌ لِلتوفيقِ بيْنَ الاتجاهِ الفرديِّ والاتجاهِ الجماعيِّ، حيث أوجَدَ على سبيلِ الـمِثالِ نظامَ الخَراجِ، الذي بمُوجَبِه تملَّكتِ الدَّولةُ حوالَيْ 95% مِن أرضِ العالَـمِ الإسلاميِّ الـمُنتِجةِ، وفي الوَقتِ نَفْسِه حافظ على حافِزِ الرِّبحِ، بإعطائِه الحُريةَ لِلعامِلِ في الأرضِ والـمُستثمِرِ فيها بالتصرُّفِ فيها بحُريةٍ في حُدودِ الـمَبادئِ الشرعيةِ، وأثبتَ هذا النظامُ نجاحًا مُدهِشًا، كُلَّما توافَرتْ له الإدارةُ الصالحةُ، وبهذا وَفَّقَ بيْنَ توفيرِ فُرَصِ النُّموِّ الاقتصاديِّ والعدالةِ الاجتماعيةِ، صحيحٌ أنَّ تطبيقَ ذلك تم في حالةِ سيادةِ الاقتصادِ الزراعيِّ، وقد لا تصلُحُ هذه الصورةُ التطبيقيةُ لكي تُستَنسَخَ وتُطبَّقَ على الاقتصادِ الحَديثِ -الصناعيِّ والخَدَميِّ- ولكنَّ ذلك لا يَنفي وُجودَ إمكانيةٍ لدى الإسلامِ لِتقديمِ حُلولٍ مُشابِهةٍ تتلاءَمُ مع الاقتصادِ الحَديث.
 

‌ج- فيما يتعلَّقُ بالقضيةِ الرُّوحيةِ نُلاحِظُ أنَّ العالَـمَ غَيرَ الإسلاميَّ يتأرجَحُ بيْنَ اتجاهَيْنِ: إمَّا عدمِ الإيمانِ باللهِ واليومِ الآخِرِ، وإمَّا الإيمانِ بذلك إيمانًا مُؤسَّسًا على التقليدِ غَيرِ الـمَسنودِ بأدلَّةٍ تُقنِعُ العقل.

كُلُّ الأديانِ، ما عدا الإسلام، لا تستطيعُ أنْ تقدِّمَ صورةً كاملةً لِمُؤسِّسِ الدِّينِ، بل ولا يوجَدُ يَقينٌ بأنَّ مُؤسِّسَ الدِّينِ قد وُجِدَ أصلًا، لا شَكَّ أنَّ مِثلَ هذا الإيمانِ له مِنَ التأثيرِ الإيجابيِّ على حياةِ كثيرٍ مِنَ الناسِ، ولكنَّ اختفاءَ المُساندةِ العقليةِ لَدى مُعتنِقيه تُضعِفُ بالتأكيدِ مِن آثارِه.

الإسلامُ على العَكسِ، يعرِفُ فيه الـمُسلِمُ الـمُثقَّفُ بعْدَ أربعةَ عَشَرَ قَرْنًا نَبيَّه بكُلِّ تفاصيلِ حياتِه العامةِ، وتفاصيلِ حياتِهِ الخاصةِ، أي أنَّ الـمُثقَّفَ الـمُسلِمَ يعرِفُ عن شخصيةِ النَّبيِّ محمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حياتِه العامةِ أكثَرَ ممَّا يعرِفُ عن جارِه، ويعرِفُ عن حياةِ نبيِّه الخاصةِ أكثرَ ممَّا يعرِفُ عنِ الحياةِ الخاصةِ لِأبيه وأُمِّه؛ ولهذا يكونُ باستطاعتِه أنْ يحكُمَ على هذه الشخصيةِ ويُقيِّمَها، ولا يُخطِئَ في هذا التقييم.

ومِن جانبٍ آخَرَ، فكُلُّ الأديانِ، بما فيها الإسلامُ، وُجِدتْ فيها انحرافاتٌ بلَغتْ أحيانًا مِنَ اتساعِ الزاويةِ ما هو غريبٌ عن الدِّينِ الأصليِّ ومُضادٌّ له، ولا توجَدُ لَدى الأديانِ الأُخرى النُّسخةُ الأصليةُ لِلدِّينِ التي جاء بها النَّبيُّ، أمَّا الإسلامُ فالنسخة الأصليَّةُ لِلدِّينِ الذي جاء به محمدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم تتغيَّرْ، ولم تتبدَّلْ وهو قابِلٌ لِلفَهْمِ والـمُقارنةِ بيْنَ هذه النسخةِ والنُّسَخِ التي انحرَفتْ عنِ الأصلِ.

ومِن ناحيةٍ ثالثةٍ، فإنَّ الكُتبَ الـمُقدَّسةَ -التي في الأغلبِ لا يُعرَفُ كاتِبُها- تتضمَّنُ أفكارَ البَشرِ وأوهامَهم في فترات معيَّنةٍ، وهو الأمرُ الذي يُنافي أنْ تكونَ كلمةَ اللهِ، أمَّا القُرآنُ فطوالَ القُرونِ الأربعةَ عَشَرَ الماضيةَ لم يُكتَشفْ فيه ما يُخالِفُ العقلَ، أو الواقعَ، أو الاكتشافاتِ المعرفيةَ الحديثةَ، وبما أنَّ الإيمانَ الراسِخَ والثابتَ لا يتغيَّرُ، هو أساسُ السُّلوكِ الأخلاقيِّ، فلا يحتاجُ إلى أنْ نُنبِّه إلى آثارِ ضَعفِه وانعدامِه على التقدُّمِ الأخلاقيِّ والتحضُّرِ الحقيقي.
 

وإذا كان القارئُ يتَّفقُ معي على أنَّ الـمَعلوماتِ السابقةَ صحيحةٌ وأنَّ الاستنتاجَ منها مَقبولٌ، فهل يَبقى لديه سببٌ لِلغُلُوِّ في الثقةِ بالثقافةِ الغربيةِ (الثقافةِ الـمُعاصِرةِ) وتقديرِها بأكثرَ ممَّا تستحِقُّ، على الأقَلِّ بالنسبةِ لِلتَّصوُّراتِ الـمَذكورةِ آنِفًا، فإذا كان الجوابُ بـ"لا"، فهذا يَعني أوَّلَ خُطوةٍ في التحرُّرِ مِنَ الرِّقِّ الذي تَفرِضُه الثقافةُ الغربيةُ على عُقولِ الـمُسلِمين وقُلوبِهم.

إنَّ الغُلُوَّ وتجاوُزَ الحَدِّ في الثقةِ في نظامٍ مُعيَّنٍ أو تصوُّرٍ مُعَيَّنٍ يرتِّبُ ولا شَكَّ ضَعفًا في الثقةِ في النظامِ الـمُقابِل.
 

مَغزى ما سبق أنَّه مِن دونِ ثقةٍ كاملةٍ بالإسلامِ لا يمكِنُ الوَعيُ بإمكاناتِه، وإذا لم يُمكِنِ الوَعيُ بإمكاناتِه فكيف يمكِنُ الإفادةُ منها والانتِفاعُ بها؟ وإذا لم يمكِنْ ذلك فكيف يمكن التحرُّرُ مِنَ الرِّقِّ الثقافيِّ في التصوُّراتِ والتطبيقاتِ؟