trial

الموسوعة العقدية

المبحث الثاني: أساليب الشياطين في إغواء الناس


إذا نسي الإنسان ربه واستسلم للشيطان، فإن الشيطان يستدرجه بأساليبه المختلفة حتى يخرجه عن دائرة العقل والإنسانية، ويسيره في دروب الهلاك، قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [ الحـج: 4].
فمن تلبيسات الشياطين وأساليبهم في تضليل عابديهم أنهم يتمثلون لهم بأشكال مختلفة حسب معتقدهم، فتارة يظهرون لهم بصورة شيخ كما يحصل عند جهلة الصوفية الذين يقدسون شيوخهم ويجعلونهم في مرتبة قريبة من مرتبة الإله، وتارة يخاطبونهم من داخل الهياكل والأصنام كما يقع للمشركين عباد الأوثان، كمن يستغيث بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم، فتخاطبهم الشياطين على سبيل المكاشفة، وقد تقضي بعض حوائجهم وتدفع عنهم بعض ما يكرهونه، فيظن أحدهم أن الذي يعظمه هو الذي خاطبه وقضى حاجته ((انظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)) (ص: 149). .
وقد تصعد الشياطين بأتباعها من البشر في الهواء، ويدخلون المدن والحصون بالليل والأبواب مغلقة، وقد تحملهم الشياطين إلى أماكن بعيدة كمكة، فيطوفون بهم ويقفون على جبل عرفات، ولكنهم في الحقيقة لم يحجوا الحج الذي أمر الله به، ونحن نسمع بين الحين والحين عن أناس يكونون في مكان ما ثم ما نلبث أن نسمع أن آخرين قد شاهدوهم في أماكن أخرى بعيدة، في فترة زمنية بسيطة جداً، لا يمكن لهم كبشر التنقل خلالها، ولا عجب في ذلك لأن الشياطين التي أطاعوها وانقادوا لها هي التي تحملهم إلى هذه المسافات البعيدة، حتى توهم الناس أنه من أولياء الله، ولكنه في الواقع من أولياء الشيطان ((انظر النبوات لابن تيمية)) (ص: 283). .
ومنهم من كانت الشياطين تخرج رجليه من القيد وتمنع السلاح أن ينفذ به، وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده كالحارث الدمشقي الذي خرج بالشام في زمن عبد الملك بن مروان، وكان يرى الناس رجالاً وركباناً على خيل في الهواء ويقول: هي الملائكة، وإنما كانوا جناً، ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك: إنك لم تسم الله، فسمى الله فطعنه فقتله ((الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)) (ص: 89). .
ومن هؤلاء شيخ كان بمصر أوصى خادمه فقال: إذا أنا مت فلا تدع أحدا يغسلني، فأنا أجيء وأغسل نفسي، فلما مات رأى خادمه شخصاً في صورته، فاعتقد أنه هو دخل وغسل نفسه، فلما قضى ذلك الداخل غسله – أي غسل الميت - غاب، وكان ذلك شيطاناً، وكان قد أضل الميت وقال: إنك تجيء فتغسل نفسك، فلما مات جاء أيضاً في صورته ليغوي بعض الأحياء كما أغوى الميت قبل ذلك.
ومنهم من يرى عرشاً في الهواء وفوقه نور، ويسمع من يخاطبه ويقول: أنا ربك، فإن كان من أهل المعرفة علم أنه شيطان فزجره واستعاذ بالله منه فيزول ((الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)) (ص: 92). . إلى غير ذلك من تلاعب الشياطين بأتباعها.
وهكذا فإن الشياطين لا تقوم بهذه الأمور لهؤلاء من الناس إلا إذا خرجوا عن الكتاب والسنة، وتكون إعانة الشياطين لهم بحسب قربهم أو بعدهم من الإسلام، فإذا وافق هؤلاء الإنس الجن على ما تختاره الجن من الكفر – كالإقسام عليهم بأسماء من يعظمونه من الجن وغيرهم، أو يكتبون القرآن بالنجاسات وما شابه ذلك – فإنهم يغورون له الماء وينقلونه إلى أماكن بعيدة، بسبب ما يرضيهم من الكفر، وقد يأتونه بما يهواه من امرأة أو صبي، أو يسرقون له بعض الأموال، وغير ذلك من أنواع الخدمة، وهذه لا تكون إلا بعد فساد عقائد هؤلاء, وكفرهم بالله, وطاعتهم للشياطين فيما يأمرونهم به ((الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)) (ص: 92). .
ومن هؤلاء الناس من يستغيث بصالح أو بقبر فينزل عليه من الهواء طعام, أو نفقة, أو سلاح أو غير ذلك، فيظنه كرامة، وإنما ذلك كله من الشياطين.
ومن المشركين من كان يعبد الأصنام فيتخذها على صورة الأنبياء والصالحين، كما حصل مع قوم نوح من بعده، عندما أوحى إليهم الشيطان أن يصنعوا تماثيل لبعض الصالحين منهم – ممن توفاهم الله – ليتذكروهم، ثم مع مرور الأيام استدرجهم الشيطان فعبدوا هذه التماثيل ((انظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)) (ص: 150-151). ، قال الله تعالى عنهم:
وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالا [ نوح: 23-24].
ومنهم من جعل التماثيل لأجل الملائكة والجن، و في واقع الأمر أنهم إنما يعبدون الشيطان، لأنه هو الذي زين لهم عبادتها، قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ [ سبأ: 40-41].. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: 387
والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من العروق ففي صحيح البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم)) رواه مسلم (2174). ولم أجده عن أنس في البخاري. ، و في الصحيحين عن صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني - يردني-، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على رسلكما، إنها صفية بنت حيي. فقالا: سبحان الله!! يا رسول الله، قال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً، أو قال: شيئاً.)) رواه البخاري (2038)، ومسلم (2175). عالم الجن والشياطين لعمر سليمان الأشقر – ص: 27


انظر أيضا: