trial

الموسوعة العقدية

المطلب الأول: الأدلة من القرآن على تكليف الجن


وردت آيات كثيرة تدل على تكليف الجن، وهي على أنواع مختلفة هي:
1- ما جاء من التصريح في الحكمة من خلق الجن والإنس.
وذلك في قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ [ الذاريات: 56-57]. فالآية صريحة في أن الله قد خلق الجن والإنس للعبادة، و على هذا وردت أقوال العلماء:
قال ابن عباس: (إِلا لِيَعْبُدُونِ أي: إلا ليقروا بعبادتي، طوعاً أو كرهاً)، وهذا اختيار ابن جرير الطبري ((تفسير الطبري)) (27/8) ط1 1328هـ. .
وورد عن علي بن أبي طالب, وابن جريج, والربيع بن أنس أن معنى قوله تعالى: إِلا لِيَعْبُدُونِ أي إلا لآمرهم بالعبادة، وهو اختيار الزجاج ((تفسير القرطبي)) (17/55) ((تفسير فتح القدير)) (5/92). .
ويدل على ما تقدم قوله تعالى: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا [ التوبة: 31] وهي عامة في الجن والإنس. قال ابن كثير: (ومعنى الآية: أنه تبارك وتعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم) ((مختصر تفسير ابن كثير)) (3/387). .
2- ما ورد عن صرف الجن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، واستماعهم للقرآن منه.
أ- قال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [ الأحقاف: 29-31].
فقد أخبر القرآن الكريم أن الله قد صرف الجن إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لاستماع القرآن منه، وسواء كان حضورهم إلى مكة – حيث كان الرسول عليه السلام يقرأ القرآن، بعد منعهم من استراق أخبار السماء – أو كان حضورهم بتوفيق من الله هداية لهم، على ما ذكره الإمام الماوردي ((أعلام النبوة)) (ص: 143). . فإن في ذلك دلالة على استماعهم للقرآن منه عليه السلام, وانصاتهم لسماعه. قال ابن القيم: و قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [ الأحقاف: 29]. الآية، تدل على تكليف الجن من عدة وجوه:
أحدها: أن الله تعالى صرفهم إلى رسوله يستمعون القرآن ليؤمنوا به، ويأتمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه.
الثاني: أنهم أخبروا أنهم سمعوا القرآن وعقلوه وفهموه، وأنه يهدي إلى الحق، وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى وبالكتاب المنزل عليه، وأن القرآن مصدق له، وأنه هاد إلى صراط مستقيم، وهذا يدل على تمكنهم من العلم الذي تقوم به الحجة، وهم قادرون على امتثال ما فيه، والتكليف إنما يستلزم العلم والقدرة.
الثالث: أنهم قالوا لقومهم: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ [الأحقاف: 30]. والآية صريحة في أنهم مكلفون، مأمورون بإجابة الرسول، وهو تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) (ص: 421). اهـ.
وقال الألوسي في قوله تعالى: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ (وهذا ونحوه يدل على أن الجن مكلفون) ((تفسير روح المعاني)) (26/32). .
وقال ابن كثير: (و في هذا دلالة على أنه تعالى أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين: الجن والإنس، حيث دعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين, وتكليفهم, ووعدهم, ووعيدهم, وهي سورة الرحمن، ولهذا قال: أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) ((مختصر تفسير ابن كثير)) (3/387). .
ب- قوله تعالى في سورة الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا – إلى قوله -: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [ الجن: 1 -15].
وقد جاءت هذه الآيات إخباراً للرسول عليه الصلاة والسلام باستماع نفر من الجن إليه وهو يقرأ القرآن بأصحابه، وذلك بعد أن منع الجن من استراق أخبار السماء، فعرفوا أن هذا المنع ما حصل إلا لشيء قد حدث في الأرض، فجابوا الأرض، فكان النفر الذين أخذوا نحو تهامة في بلاد الحجاز قد مروا على الرسول عليه السلام وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم منذرين، فأنزل الله تعالى إلى نبيه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ [ الجن: 1] الحديث رواه البخاري (773). من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. الآية ولم يكن يعلم باستماعهم إليه على الراجح من الروايات في ذلك، وظاهر القرآن يدل عليه.
وقد دلت هذه الآيات على إيمانهم بالقرآن وأخذهم عهداً على أنفسهم أن لا يشركوا بالله، وذلك في قوله تعالى عنهم: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [ الجن: 1-2]، وقوله عنهم: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ [الجن:12]. ففي إيمانهم بالقرآن، ووصفهم له بأنه يهدي إلى الرشد، وعدم إشراكهم بالله، دلالة على أنهم مكلفون، وكذلك مسارعتهم لاستماعه، وذلك في قوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19]. أي: لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ويقرأ القرآن اجتمع الجن عليه متلبدين متراكمين، حرصاً على ما جاء به من الهدى ((تفسير كلام المنان)) (7/494). . فقد كانوا فرحين حريصين متأملين عند سماعهم للقرآن، و في هذا دلالة على كمال عقولهم, وهو يقتضي التكليف، وقد وردت آيات كثيرة تخاطب العقل كقوله تعالى: أَفَلاَ تَعْقِلُونَ, وقوله: أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ, وقوله: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر: 2]. وفي هذا دلالة على توجه الخطاب للعاقل، وقد تقدم أن الجن مخلوقات عاقلة مريدة مختارة، عندها القدرة على التمييز بين الحق والباطل.
3- ما يتضمن التصريح بإرسال رسل إليهم:
قال تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا [الأنعام: 130].
ففي هذه الآية خطاب للجن والإنس يوم القيامة، وهذا الخطاب فيه تقرير من الله في أنه قد بعث رسلاً إلى الجن والإنس حيث يسألهم وهو أعلم: هل بلغتهم الرسل رسالاته؟ ((تفسير ابن كثير)) (1/619). ، وبذلك يزول العذر وتنقطع الحجة لأي واحد من الجن والإنس، إذ بعث الله رسلاً يوضحون الطريق ويأمرون بعبادة الله, وينهون عن معصيته، ولا شك أن أمر الرسل ونهيهم للجن والإنس هو محض التكليف، قال ابن القيم: (وهذه الآية تدل على أن الجن كانوا متعبدين بشرائع الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم، لكن دعوة أولئك الرسل كانت مقصورة على بعض الإنس والجن، أما رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام فهي عامة لجميع الجن والإنس) ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) (ص: 421) بتصرف. .
4- ما يتضمن خطاب الجن والإنس معاً:
وذلك في سورة الرحمن في قوله تعالى بعد الحديث عن نعمه على عباده: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [ الرحمن: 13]، حيث ورد هذا الخطاب في واحد وثلاثين موضعاً من سورة الرحمن، وفيه خطاب للجن والإنس معاً، وفي هذه المواضع امتنان من الله على عباده بهذه النعم التي لا يجحدها إلا كافر.
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردوداً منكم، كلما أتيت على قوله: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد)) رواه الترمذي (3291). وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد، وقال المباركفوري في ((تحفة الأحوذي)) (8/276): في الحديث ضعف لكن له شاهد، وصححه أحمد شاكر في ((عمدة التفسير)) (1/824) كما أشار إلى ذلك في المقدمة. قال ابن القيم: (وهذا يدل على ذكائهم, وفطنتهم, ومعرفتهم بمؤنة الخطاب وعلمهم أنهم مقصودون به) ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) (ص: 422). ويقول: (وقد دلت سورة الرحمن على تكليفهم بالشرائع كما كلف الإنس، ولهذا يقول في إثر كل آية: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ, فدل على أن السورة خطاب للثقلين معاً، ولهذا قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن قراءة تبليغ، وأخبر أصحابه أنهم كانوا أحسن رداً منهم، فإنهم جعلوا يقولون كلما قرأ عليهم فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: لا نكذب بشيء من آلائك ربنا فلك الحمد) ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) (ص: 422). .
5- ما يتضمن تحدي الثقلين بالإتيان بمثل القرآن:
وذلك في قوله تعالى: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [ الإسراء: 88].
فهو تحد للإنس والجن معاً في أن يقدروا على الإتيان بمثل هذا القرآن، ولكنهم لن يستطيعوا ذلك وتوجه الخطاب بالتحدي للإنس والجن من دون الخلائق دليل على أنهم هم المعنيون بأمر هذا القرآن وما اشتمل عليه من أنواع الإعجاز المختلفة، و في هذا دليل على تكليف الجن كالإنس.
6- ما يتضمن بشارة المؤمنين من الجن بالثواب على أعمالهم, وتحذير الكافرين والعصاة منهم بالعقاب على كفرهم ومعصيتهم في الآخرة:
وقد وردت البشارة بالتحذير في مواضع متعددة من القرآن منها:
أ- قوله تعالى في سورة الأحقاف: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [ الأحقاف: 18 - 19].
فقد أخبر الله في هذه الآيات أن في الجن من حق عليه القول، أي: وجب عليه العذاب مع أمم قد مضت من قبلهم من الجن والإنس، و في هذا أبين دليل على تكليف الثقلين، وتعلق الأمر والنهي بهم، ثم قال بعد ذلك: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا أي في الخير والشر يوفونها ولا يظلمون شيئاً من أعمالهم، فدل ذلك لا محالة أنهم كانوا مأمورين بالشرائع، متعبدين بها في الدنيا، ولذلك استحقوا الدرجات بأعمالهم في الآخرة في الخير والشر ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) (ص: 419). .
وقوله تعالى كذلك: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ [ الأحقاف: 29].
والإنذار هو الإعلام بالخوف بعد انعقاد أسبابه، فعلم أنهم منذرون لهم بالنار إن عصوا الرسول عليه الصلاة والسلام ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) (ص: 421). .
ثم ما جاء من أمر هذا النفر من الجن لقولهم بإجابة دعوة الرسول عليه السلام المستجابة لمغفرة الله لذنوب الجن ونجاتهم من العذاب، وذلك في قوله تعالى عن هؤلاء النفر: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [ الأحقاف: 31]. والذنب هو مخالفة الأمر وارتكاب النهي، وقوله: وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وهذا يدل على أن من لا يستجب منهم لداعي الله لم يجره من العذاب الأليم، وفيه بشارة لمن آمن بالرسول واستجاب لدعوته، وإنذار لمن كذب وعصى، وهذا صريح في تعلق الشريعة الإسلامية بهم ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) (ص: 421). .
ثم عقب تعالى على ذلك بقوله عنهم: وَمَن لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [ الأحقاف: 32].
وهذا تهديد شديد لمن تخلف عن إجابة داعي الله منهم، قال الإمام الطبري: (يقول تعالى مخبراً عن قيل هؤلاء النفر لقومهم: ومن لا يجب أيها القوم رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم وداعيه إلى ما بعثه بالدعاء إليه، وهو توحيده والعمل بطاعته، فليس بمعجز ربه بهربه إذا أراد عقوبته على تكذيبه داعيه إلى الإسلام وتركه تصديقه، وإن ذهب في الأرض هارباً، لأنه حيث كان فهو في سلطانه وقبضته، وليس لمن لم يجب داعي الله من دون ربه نصراء ينصرونه من الله إذا عاقبه ربه على كفره به وتكذيبه داعيه) ((تفسير الطبري)) (26/34). .
ب- قوله تعالى في سورة الأنعام: وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ [ الأنعام: 128]. ثم قوله بعد ذلك: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ [ الأنعام: 130]
فهذه الآيات تتحدث عن الجن والإنس وموقفهم من بعضهم بعضاً، واستذكارهم لاستمتاعهم ببعضهم في الدنيا سواء كان بطاعة الإنس للجن فيما يأمرون به من الشهوات، أو التجاء الإنس بالجن عند النزول في واد أو قفر موحش لا أنيس به، وتلذذ بهذه الطاعة من قبل الإنس، التي تشعر بسيادة الجن على الإنس ((التفسير الكبير)) (13/191). فكان من نتيجة هذا الاستمتاع البعد عن طاعة الله، الذي ترتب عليه الخلود في النار كما نصت عليه الآية الكريمة.
وقوله: قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ [الأنعام: 128] فيه خطاب للصنفين، وهو صريح في اشتراكهم في العذاب واشتراكهم في العذاب يدل على اشتراكهم في التكليف.
وقوله في الآية الأخرى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا فيه إنذار لهم بالخوف من عذاب ربهم على لسان الرسل الذين بعثوا إليهم، إذ هم تنكبوا الطريق ولم يمتثلوا لهذا الإنذار.
ج - قوله تعالى في سورة سبأ إخباراً عن سليمان عليه السلام: وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [سبأ: 12].
ففي هذه الآية تهديد للجن بالعذاب إذا هم خالفوا أمره تعالى في طاعة نبيه سليمان عليه السلام فيما يسخرهم به من القيام بشتى الأعمال التي يأمرهم بها، وهو يدل على تكليفهم، وإلا لما استحقوا العذاب على هذه المخالفة.
د – ما جاء في سورة الرحمن من التهديد للجن والإنس في قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [ الرحمن: 31 -40].
فقد جاءت هذه الآيات بعد الحديث عن خلق النوعين: الإنس والجن في قوله تعالى: خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [ الرحمن: 15]. ثم خاطب الله النوعين بالخطاب المتضمن لاستدعاء الإيمان منهم، وإنكار تكذيبهم بآياته، وترغيبهم في وعده، وتخويفهم من وعيده، وتهديده بقوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ وتخويفهم من عواقب ذنوبهم وأنه لعلمه بها لا يحتاج أن يسألهم عنها سؤال استعلام، بل يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ [ الرحمن: 41]. ثم ذكر عقاب الصنفين وثوابهم، وهذا كله صريح في أنهم هم المكلفون المنهيون المثابون المعاقبون ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) (ص: 422). .
وقوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ (وعيد للصنفين المكلفين بالشرائع، قال قتادة: معناه فراغ الدنيا وانقضاؤها, ومجيء الآخرة والجزاء فيها، والله سبحانه لا يشغله شيء عن شيء، والفراغ في اللغة على وجهين: فراغ من الشغل، وفراغ بمعنى القصد، وهو في هذا الموضع بالمعنى الثاني، وقد قصد لمجازاتهم بأعمالهم يوم الجزاء ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) (ص: 422). .
أما قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: 33]. فعلى الراجح من أقوال المفسرين أن هذا خطاب للجن والإنس في الآخرة ((مختصر تفسير ابن كثير)) (3/419) ((تفسير القرطبي)) (17/169). عندما يجتمعون في صعيد واحد للحساب، حيث تكون الملائكة قد أحاطت بأقطار الأرض, وأحاط سرادق النار بالآفاق، فهرب الخلائق، فلا يجدون مهرباً ولا منفذاً، كما قال تعالى: وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [ غافر: 32-33]. قال مجاهد:(فارين غير معجزين) رواه الطبري في تفسيره (21/382). . وقال الضحاك: (إذا سمعوا زفير النار ندُّوا هرباً، فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفاً، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله تعالى: وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [ الحاقة: 17])، وعلى هذا فيكون المعنى: يا معشر الجن والإنس إن قدرتم أن تتجاوزوا أقطار السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر على عذابكم في الآخرة فافعلوا. و قوله تعالى بعد ذلك: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ [ الرحمن: 39]. فيه دليل على إضافة الذنوب إلى الثقلين، وهذا دليل على أنهما سوياً في التكليف ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) (ص: 423). .
وكذلك ما ورد من الآيات في ذم الشياطين ولعنهم, والتحرز من غوائلهم وشرهم، وذكر ما أعد الله لهم من العذاب، وهذه الخصال لا يفعلها الله تعالى إلا لمن خالف الأمر والنهي، وارتكب الكبائر وهتك المحارم مع تمكنه أن لا يفعل ذلك، وقدرته على فعل خلافه، وهذا كله يدل على أنهم مكلفون ((آكام المرجان في أحكام الجان)) (ص: 34). .
هـ - ما جاء في سورة الجن من إخبار الله لنبيه عليه الصلاة والسلام من استماع نفر من الجن إليه بقوله عنهم: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [ الجن: 13-17]. ثم التعقيب في أواخر السورة بقوله: إِلا بَلاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [ الجن: 23].
وقد دلت هذه الآيات على أن الجن يجزون بأعمالهم خيراً أو شراً، وأنهم لا يعذبون في النار، وهذا مترتب على تكليفهم في الدنيا بفعل الطاعات وترك المعاصي، وإلا لما كان هذا العذاب للعصاة منهم، والثواب للطائعين منهم كذلك.
ومن خلال ما تقدم يتبين لنا أن الجن مكلفون بنص القرآن، وأنهم هم والإنس في ذلك سواء، وأنهم سيحاسبون على هذا التكليف في الآخرة، فإن أحسنوا فلهم الجنة، وإن أساءوا فالنار مثواهم جزاء عادلاً من الله سبحانه. عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة لعبد الكريم عبيدات – ص: 176

انظر أيضا: