trial

الموسوعة العقدية

المبحث الأول: حق الطاعة


الطاعة دعامة من دعائم الحكم في الإسلام وقاعدة من قواعد نظامه السياسي، وهي من الأمور الضرورية لتمكين الإمام من القيام بواجبه الملقى على عاتقه، وضرورية أيضًا لتمكين الدولة من تنفيذ أهدافها وتحقيق أغراضها، ورضي الله عن عمر بن الخطاب حيث يقول: (لا إسلام بلا جماعة، ولا جماعة بلا أمير، ولا أمير بلا طاعة).
وإن من أهم ما يميز نظام الإسلام عن غيره من النظم الأرضية التي وضعها البشر هو ذلك الوازع الديني في ضمير المؤمن، فهو يستشعر - عند قيام الإمام بواجبه - أن الله سبحانه وتعالى قد أوجب عليه الطاعة لهذا الإمام، فيؤنبه ضميره ويردعه وازعه الديني عن الإخلال بنظام الدولة أو التمرد والعصيان على أي أمر من أمور الدولة التي وضعتها لصالح الأمة، وإن غابت عنه عين الرقيب والحارس لهذا النظام، لأنه يشعر بأن الرقيب حيّ قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو مطلع عليه عالم بأحواله في كل لحظة وأوان. وهذا ما لا وجود له في النظم الأرضية، فكل منهم يراقب عين الرقيب وحارس النظام، وهو بشر مثلهم، ومن طبيعة البشر الضعف والغفلة والتقصير، فإن غاب عنه فلا رقيب ولا حارس ولا وازع ديني أو خلقي يردعه من التمرد على هذا النظام المراد حفظه.
كذلك المؤمن إذا اتخذ هذه الطاعة قربة لله سبحانه وتعالى وعبادة، فله عليها الأجر الجزيل، لأنه يطيعهم امتثالاً لأمر الله ورسوله بذلك لا لأشخاصهم. فيرجو من الله الثواب على ذلك. أما النظم الأخرى فلا رجاء ولا أجر إلا ما يصيبه في هذه الحياة الدنيا من حطامها، ومن النتائج المترتبة على حفظ هذه النظم، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ [الرعد: 26].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم و إن منعوه عصاهم فما له في الآخرة من خلاق) [13435])) ((مجموع الفتاوى)) (35/ 16، 17). .
وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلاً بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو غير ذلك، ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفى وإن لم يعطه لم يفِ)) [13436])) رواه البخاري (2672)، ومسلم (108). .
لذلك فالسمع والطاعة لخلفاء المسلمين وأئمتهم من أجل الطاعات والقربات عند الله تعالى، ومن الواجبات الملقاة على عاتق كل مسلم..
قال ابن كثير: (وقال الصياح بن سوادة الكندي: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ... الآية [ الحج: 41]. ثم قال: (ألا إنها ليست على الوالي وحده ولكنها على الوالي والموالى عليه، ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذلك؛ وبما للوالي عليكم منه؟ إنَّ لكم على الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم بحقوق الله عليكم، وأن يهديكم إلى التي هي أقوم ما استطاع، وإنَّ عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة ولا المستكرهة ولا المخالف سرها علانيتها) [13437])) ((تفسير ابن كثير)) (5/434). .
أدلة وجوبها:
السمع والطاعة للإمام من أهم حقوقه الواجبة له، ومن أعظم الواجبات على الرعية له، وقد دَلَّ على ذلك الكتاب والسنة:
فمن الكتاب:
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [ النساء: 59 ].
فلما أمر الله تعالى الرعاة والولاة بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل في الآية السابقة لها: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ أمر الرعية من الجيوش وغيرهم بطاعة أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق [13438])) ((محاسن التأويل)) للقاسمي (5/353). . وأولو الأمر في هذه الآية هم كما قال الشوكاني: (الأئمة والسلاطين والقضاة وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية، والمراد طاعتهم فيما يأمرون به وينهون عنه ما لم تكن معصية) [13439])) ((فتح القدير)) للشوكاني (1/481). .
وقال ابن حجر: (قال ابن عيينة: سألت زيد بن أسلم عنها - أي عن أولي الأمر في هذه الآية - ولم يكن بالمدينة أحد يفسر القرآن بعد محمد بن كعب مثله - فقال: اقرأ ما قبلها تعرف، فقرأت: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمواْ بِالْعَدْل الآية. فقال: هذه في الولاة) [13440])) ((فتح الباري)) (13/111). .
وتشمل أيضًا العلماء كما رواه الطبري بإسناده عن ابن عباس وابن أبي نجيح والحسن ومجاهد وعطاء وغيرهم [13441])) ((تفسير الطبري)) (7/500). .
فالصواب إذًا شمولها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأولو الأمر أصحابه وذووه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء، والأمراء. فإذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا فسد الناس) [13442])) ((الحسبة)) لابن تيمية (ص: 118). .
ثانيًا: من السنة:
أما من السنة فالأحاديث كثيرة في وجوب السمع والطاعة للأئمة في غير معصية نأخذ منها ما يلي:
1- ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني)) رواه البخاري (2957), ومسلم (1835), من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. .
2- ومنها ما رواه البخاري بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله)) رواه البخاري (7142), من حديث أنس رضي الله عنه. . وفي رواية إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي ذر: ((اسمع وأطع ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة)) رواه البخاري (696). .
3- ومنها ما رواه البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله ! كيف تأمر من أدرك ذلك منا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم)) [13446])) رواه البخاري (3603)، ومسلم (1843)، والترمذي (2190). .
4- ومنها ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) رواه البخاري (7199)، ومسلم (1840). .. وفي رواية لمسلم: ((إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان)) [13448])) رواه مسلم (1840)، ورواه البخاري (7055). .
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الموجبة لطاعة الأئمة في غير معصية وإن جاروا، روى أبو عبيد القاسم بن سلام بسنده إلى مصعب بن سعد قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه كلمات أصاب فيهن الحق، قال: (يحق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا ويجيبوه إذا دعا) [13449])) رواه أبو عبيد في ((الأموال)) (ص: 12)، ورواه الطبراني في تفسيره (8/490)، والخلال في ((السنة)) (1/109).   .
طاعة الإمام ليست مطلقة:
حينما أوجب الله عز وجل على الرعية أن تطيع ولاة الأمور المسلمين لم يجعل هذه الطاعة مطلقة من كل قيد، وذلك لأن الحاكم والمحكوم كلهم عبيد لله عز وجل، واجب عليهم طاعته وامتثال أوامره، لأنه هو الحاكم وحده، فإذا قصرت الرعية في حق من حقوق الله تعالى فعلى الحاكم تقويمها بالترغيب والترهيب حتى تستقيم على الطريق، وكذلك الحاكم إذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة له، وإنما على الأمة نصحه وإرشاده، والسعي بكل وسيلة إلى إرجاعه إلى الحق شريطة ألا يكون هناك مفسدة أعظم من مصلحة تقويمه، وإلا فعلى الرعية الصبر حتى يقضي الله فيه بأمره ويريحهم منه...
أدلة تقييد سلطة الحاكم:
والأدلة على تقييد سلطة الحاكم وأنه لا طاعة له في معصية كثيرة جدًا نأخذ منها بعض النماذج:
أولاً: من كتاب الله:
1- يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء: 59].
قال الحافظ ابن حجر: قال الطيبي: (أعاد الفعل في قوله: وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة، ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته، ثم بين ذلك في قوله: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ كأنه قيل: فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله) [13450])) ((فتح الباري)) (13/112). .
وعن أبي حازم سلمة بن دينار أن مسلمة بن عبد الملك قال: (ألَسْتُم أمرتم بطاعتنا في قوله: وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ؟ قال: أليست قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: فردوه إلى الله والرسول... [النساء: 59] ).
فالشاهد من الآية أن الإمام المطاع يجب أن يكون من المسلمين ... وأنه إذا وقع خلاف بينه وبين رعيته فالحكم في ذلك هو كتاب الله وسنة رسوله لا هواه وبطشه، فدل ذلك على تقييد سلطته بإتباع الكتاب والسنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إنهم - أي أهل السنة والجماعة - لا يجوزون طاعة الإمام في كل ما يأمر به، بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة، فلا يجوزون طاعته في معصية الله وإن كان إمامًا عادلاً، فإذا أمرهم بطاعة الله أطاعوه، مثل أن يأمرهم بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصدق، والعدل، والحج، والجهاد في سبيل الله. فهم في الحقيقة إنما أطاعوا الله، والكافر والفاسق إذا أمر بما هو طاعة لله لم تحرم طاعة الله، ولا يسقط وجوبها لأمر ذلك الفاسق بها، كما أنه إذا تكلم بحق لم يجز تكذيبه ولا يسقط وجوب اتباع الحق لكونه قد قاله فاسق) [13451])) ((منهاج السنة)) (2/76). .
قال: (فأهل السنة: لا يطيعون ولاة الأمور مطلقًا إنهم يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما قال تعالى: أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... الآية [النساء: 59]) [13452])) ((منهاج السنة)) (2/76). .
2- ومنها قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ الممتحنة: 12]
والشاهد من الآية قوله تعالى: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ روى ابن جرير بسنده عن ابن زيد في قوله: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبيّه وخيرته من خلقه، ثم لم يستحلّ له أمر إلا بشرط، لم يقل لا يَعْصِينَكَ ويترك. حتى قال: فِي مَعْرُوفٍ فكيف ينبغي لأحد أن يطاع في غير معروف وقد اشترط الله هذا على نبيه) [13453])) ((تفسير الطبري)) (28/80). ونحوه في ((تفسير ابن كثير)) (8/127). .
وقال الزمخشري مفسراً سبب تقييد طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالمعروف مع أنه لا يأمر إلا بالمعروف: (نبه بذلك على أن طاعة المخلوق في معصية الخالق جديرة بالتوقي والاجتناب) [13454])) ((الكشاف)) (4/95). ونحوه في ((فتح القدير)) للشوكاني (5/216). .
وقال الكيا الهراسي: (يؤخذ من قوله: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ أنه لا طاعة لأحد في غير معروف) قال: (وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن إلا بمعروف وإنما شرطه في الطاعة لئلا يترخص أحد في طاعة السلاطين) [13455])) نقلاً عن: ((محاسن التأويل)) للقاسمي (16/137). .
فيؤخذ من هذا أن طاعة المخلوقين جميعهم: حاكمهم ومحكوميهم مقيدة بأن تكون بالمعروف، والمعروف هو ما عرف من الشارع والعقل السليم حسنه أمرًا كان أو نهيًا، والحكم في ذلك هم العلماء الذين يستنبطون الحكم من الكتاب والسنة كما قال تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ [ النساء: 83]. إذا لم يكن الإمام عالمًا - مع أنه من شروطه - وكما شملت الآية السابقة أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ العلماء أيضًا، ولأننا أمرنا عند التنازع بالتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله وهذا ما يحمله علماء الشرع ويتعلمونه ويعلمونه. لذلك كله تكون طاعة الحكام تبعًا لطاعة العلماء وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله: (والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول، فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء، ولما كان قيام الإسلام بطائفتي العلماء والأمراء، وكان الناس كلهم تبعًا لهم، كان صلاح العالم بصلاح هاتين الطائفتين، وفساده بفسادهما كما قال عبد الله بن المبارك وغيره من السلف: (صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس، قيل من هم؟ قال: الملوك والعلماء) [13456])) ((إعلام الموقعين)) (1/10). وكما قال عبد الله بن المبارك:


رأيت الذنوب تميت القلوب




وقد يورث الذُّلَّ إدمانُها


وترك الذنوب حياة القلوب




وخير لنفسك عصيانها


وهل بَدَّل الدين إلا الملوك




وأحبار سوء ورهبانها


وباعوا النفوس فلم يربحوا




ولم تغل في البيع أثمانها


لقد رتع القوم في جيفة




يبين لذي العقل إنتانها [13457])) ((جامع بيان العلم وفضله)) لابن عبد البر (1/327-328).

ثانيًا: من السنة:
أما الأدلة على تقييد سلطة الإمام من السنة فكثيرة جدًا نأخذ منها ما يلي:
1- ما رواه الخمسة وأحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((على المرء السمع والطاعة فيما أحب أو كره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) [13458])) رواه البخاري (2955)، ومسلم (1839)، وأبو داود (2626)، والترمذي (1707)، والنسائي (7/160)، وأحمد (2/17) (4668). .
قال ابن القيم رحمه الله تعليقًا على هذا الحديث: (وفي هذا الحديث دليل على أن من أطاع ولاة الأمر في معصية الله كان عاصيًا، وأن ذلك لا يمهد له عذرًا عند الله، بل إثم المعصية لا حق به، وإن كان لولا الأمر لم يرتكبها، وعلى هذا يدل هذا الحديث وهذا وجهه وبالله التوفيق) [13459])) انظر: ((تهذيب سنن أبي داود)) (7/208). .
2- ومنها ما رواه البخاري - واللفظ له - ومسلم وغيرهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ((بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - سريّة، وأمَّر عليها رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: عزمت عليكم لما جمعتم حطبًا وأوقدتم نارًا ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطبًا وأوقدوا نارًا، فلما هموا بالدخول فقام ينظر بعضهم إلى بعض، فقال بعضهم: إنما تبعنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فرارًا من النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار، وسكن غضبه، فذُكِرَ للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف)) [13460])) رواه البخاري (7145)، ومسلم (1840). .
ورويت هذه القصة أيضًا وجاء فيها أن أميرها كان عبد الله بن حذافة السهمي وكان امرءاً فيه دعابة، ولم يكن من الأنصار بل كان مهاجريًا.
فهذا قد أمرهم بدخول نار الدنيا، وقد أوجب الرسول - صلى الله عليه وسلم - عصيانه، فما بالك بالذين يأمرون بدخول نار الآخرة بارتكاب المعاصي ! فكيف تكون طاعتهم؟.
3- ومنها ما رواه البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله)) رواه البخاري (696). .
فهذا الحديث قيد الطاعة للإمام الذي يقود بكتاب الله وبناء على ذلك فلا تجوز طاعة حاكم يحكم بغير ما أنزل الله في حكمه هذا، سواء كان هذا الحكم مخرجًا له من الملة أو لا ... لأنه في كلتا الحالتين عاص لا يأمر بالمعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
4- ومنها ما رواه الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنه سيلي أمركم من بعدي رجال يطفئون السنة ويحدثون البدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، قال ابن مسعود: كيف بي إذا أدركتهم؟ قال: ليس - يا ابن أم عبد - طاعة لمن عصى الله قالها ثلاث مرات)) [13462])) رواه أحمد (1/399) (3790). وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (5/302)، وصححه الوادعي في ((صحيح دلائل النبوة)) (ص: 562). .
ونحو ما رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: ((سيليكم أمراء بعدي، يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله)) [13463])) رواه الحاكم (3/401). هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الألباني في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (590): قوي بالطرق. .
(5) بل إن الطاعة المطلقة من كل قيد تجرُّ إلى الشرك بالله وعبادة الرجال بعضهم لبعض كما قال عز وجل: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: 31].
وفي حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، وكان قد ((قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو نصراني فسمعه يقرأ هذه الآية، قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم قال: أليس يحرمون ما أحلَّ الله فتحرمونه، ويُحلُّون ما حرَّم الله فتحِلُّونه؟ قال: فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم)) [13464])) رواه الترمذي (3095)، والبيهقي (10/116) (20847). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث، وحسنه ابن تيمية في ((حقيقة الإسلام والإيمان)) (111)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)). . قال ابن تيمية: وكذلك قال أبو البختري: (أَمَا إنهم يُصَلُّوا، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله، فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية) [13465])) ((الإيمان)) لابن تيمية (ص: 64). .
وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: (كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟ قال: كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به ونهوا عنه، فقالوا: لن نسبق أحبارنا بشيء، فما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا لقولهم، فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، فقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن عبادتهم إنما كانت في تحليل الحرام وتحريم الحلال، لا أنهم صَلُّوا لهم وصاموا لهم ودعوهم من دون الله، فهذه عبادة للرجال وتلك عبادة للأموال) [13466])) ((الإيمان)) لابن تيمية (ص: 64). يقصد حديث: ((تعس عبد الدينار)) رواه البخاري (2887). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. . وروى الطبري بسنده إلى ابن جريج عند قوله تعالى: وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ... الآية [عمران: 64]، قال: (لا يطع بعضنا بعضًا في معصية الله) [13468])) ((تفسير الطبري)) (3/304). .
لذلك فمن أطاع العلماء والأمراء فيما فيه معصية لله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله عز وجل، وهذا شرك وعبادة لهم من دون الله، وأي ذنب أكبر من أن يتخذ الإنسان الآخر ربًّا مُشَرِّعًا يطيعه في معصية الله، ويحرم عليه ما أحلّ الله له.
والطاعة في المعصية طاعة للطاغوت، وقد أُمِرنا بالكفر به، قال ابن تيمية: (والمطاع في معصية الله والمطاع في اتباع غير الهدى ودين الحق سواء كان مقبولاً خبره المخالف لكتاب الله أو مطاعًا أمره المخالف لأمر الله هو طاغوت) [13469])) ((مجموع الفتاوى)) (28/201). .
من كل ما سبق يتبين أن طاعة الأئمة مقيدة بما ليس فيه معصية لله ورسوله، أما ما كان كذلك فلا طاعة لهم فيه كما نصت الأدلة. ويتبين لنا كذلك أن الطاعة للأئمة التي أمرنا الله بها وأوجبها على الرعية إنما هي طاعة مبصرة لا طاعة عمياء كما تنص عليها المصطلحات العسكرية في النظم الوضعية، وكما تنص عليها بعض الطرق الصوفية من إيجاب الطاعة العمياء على الشخص أمام مريده، أما الإسلام فلا ((إنما الطاعة في المعروف))   رواه البخاري (7257), ومسلم (1840), من حديث علي رضي الله عنه. كما مرّ معنا في قصة أصحاب السرية وأميرهم وتوجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم.
ولو أجيزت الطاعة في المعصية لكان هناك تناقض في الإسلام، إذ لا يعقل أن يحرَّم الشارع شيئًا ثم يوجبه [13471])) ((النظام السياسي في الإسلام)) د. عبد القادر أبو فارس (ص: 73). .
ويعلق الأستاذ أحمد شاكر على حديث: ((السمع والطاعة على المرء فيما أحب وكره... إلخ)) بقوله: (... ثم قَيَّد هذا الواجب - واجب الطاعة - بقيد صحيح دقيق، يجعل للمكلف الحق في تقديره ما كلف به، فإن أمره من له الأمر عليه بمعصية فلا سمع ولا طاعة، لا يجوز له أن يعصي الله بطاعة المخلوق، فإن فعل كان عليه من الإثم ما كان على من أمره، لا يعذر عند الله بأنه أتى هذه المعصية بأمر غيره، فإنه مكلَّف مسئول عن عمله، شأنه شأن آمره سواء.
ومن المفهوم بداهة أن المعصية التي يجب على المأمور ألا يطيع فيها الآمر هي المعصية الصريحة التي يدلّ الكتاب والسنة على تحريمها، لا المعصية التي يتأوّل فيها المأمور ويتحايل حتى يوهم نفسه أنه إنما امتنع لأنه أمر بمعصية مغالطة لنفسه ولغيره) [13472])) انظر: حاشية المسند (6/301) لأحمد شاكر. .
فهذا ردٌّ على الذين يرتكبون المعاصي بحجة أنهم قد أُمروا بها، فيقولون الإثم على من أمرنا لا علينا، والحق أن الإِثم على الآمر وعلى الفاعل، وكل ما سبق من أحاديث وأقوال للعلماء ردٌّ على زعمهم ومخادعتهم أنفسهم.
هذا وقد خرجت طائفة من أهل الشام زمن الأمويين يرون الطاعة المطلقة للإمام، وأن الله يتقبل حسناته، ويتجاوز عن سيئاته، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الطائفة: (... وأما غالية الشام أتباع بني أمية فكانوا يقولون: إن الله إذا استخلف خليفة تقبَّل منه الحسنات، وتجاوز له عن السيئات، وربما قالوا: إنه لا يحاسبه، ولهذا سأل الوليد بن عبد الملك عن ذلك العلماء فقالوا: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أم داود؟ وقد قال له: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ ص: 26]، وكذلك سؤال سليمان بن عبد الملك عن ذلك لأبي حازم المدني في موعظته المشهورة فذكر له هذه الآية) [13473])) ((منهاج السنة)) (1/232). ثم بيَّن رحمه الله تعالى غلطهم فقال: (لكن غلط من غلط منهم من جهتين. من جهة: أنهم كانوا يطيعون الولاة طاعة مطلقة، ويقولون: إن الله أمر بطاعتهم. الثانية: قول من قال منهم: إن الله إذا استخلف خليفة تقبَّل منه الحسنات وتجاوز له عن السيئات) [13474])) ((منهاج السنة)) (1/233). .
طاعة الإمام الجائر:
هذه الطاعة ليست مشروطة بكون الإِمام عادلاً، بل حتى ولو كان فيه شيء من الجور والفسق على نفسه، كأن يكون فيه تقصير في حق الله تعالى، أو بعض حقوق الآدميين، لأن العادل الخائف والمراقب لله عز وجل قَلَّ أن يأمر بمعصية وهو يعلم أنها معصية، أما الذي قد يأمر بمعصية لله تعالى فهو الجائر والفاسق، فهذا يطاع في طاعة الله ويعصى في معصية الله، ما لم يصل به جوره وفسقه إلى الحد الذي يوجب عزله - وسيأتي بيان ذلك وأقوال العلماء وأدلتهم ... - والذي يدل على ذلك ما يلي:
1- ما رواه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك ذلك منا؟ قال: تؤدُّون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم)) [13475])) رواه البخاري (3603)، ومسلم (1843)، والترمذي (2190). .
2- وعن سعيد بن حضير ((أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، استعملت فلانًا ولم تستعملني، قال: إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)) [13476])) رواه البخاري (3792)، ومسلم (1845). .
3- ومنها حديث سلمة بن يزيد أنه قال: ((يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه... إلى أن قال: اسمعوا وأطيعوا فإنَّ عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم)) [13477])) رواه مسلم (1846). .
4- ومنها ما رواه مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: ((قلت: يا رسول الله: إنا كنا بِشَرّ فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل وراء هذا الشر خير؟ قال: نعم، قلت: فهل وراء هذا الخير شر؟ قال: نعم، قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهدي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيكم رجال، قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضُربَ ظهرك وأُخِذَ مالك فاسمع وأطع)) [13478])) رواه البخاري (3606)، ومسلم (1847). .
فهذه الأحاديث وما في معناها تَدُلّ في جملتها على أن الطاعة في المعروف واجبة على المسلم للإمام، وإن منع بعض الحقوق واستأثر ببعض الأموال، بل ولو تعدى ذلك إلى الضرر بالجسم كالضرب، أو إلى أخذ المال ونحوه من الأمور الشخصية [13479])) انظر: ((الشريعة)) للآجري (ص: 40). ، فعلى المؤمن القيام بما أوجبه الله عليه من الطاعة في المعروف، وأن يحتسب حقه عند الله عز وجل، فعند الله تجتمع الخصوم، وذلك سدًّا لفتح باب الفتن والاختلاف المذموم.
كما تدل على أن المؤمن ينبغي ألا يغضب ولا ينتقم إلا لله عز وجل، لا لنفسه أسوة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح: ((أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله)) [13480])) رواه البخاري (6786) بلفظ: ((ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط، حتى تنتهك حرمات الله، فينتقم لله)) من حديث عائشة رضي الله عنها. فإذا قصر الإمام في حقٍ من حقوق الدنيا لأحد الرعية فعليه أن يطيعه في طاعة الله، ولا يعصيه بسبب منعه هذا الحق، وإن كان يرتكب شيئًا من المعاصي في نفسه، وعنده تقصير في أداء بعض الواجبات، ففي هذه الحال على المؤمن نصحه وطاعته في طاعة الله، أما إن تطرَّق الأمر إلى ما يمس الدين كأن يأمره بمعصية لله عز وجل فهنا لا سمع ولا طاعة، بل يجب عليه العصيان وإن تَرتَّب على ذلك ما ترتَّب، ورضي الله عن الصديق حيث يقول في خطبته المشهورة: (أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم) [13481])) ((سيرة ابن هشام)) (4/661). ، وكما في حديث عبادة بن الصامت الآنف الذكر وفيه: (وأن نقول كلمة الحق، ولا نخاف في الله لومة لائم) في نفس مبايعتهم على السمع والطاعة في العسر واليسر... إلخ. ولا شك أن من قام بالحق ودعا إليه فإن أمراء الجور سيتصدُّون له، فعليه حينئذٍ أن يصبر ويثبت ويستمر ويحتسب ذلك عند الله تعالى، قال تعالى: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ لقمان: 17]، ولما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الجهاد أفضل؟ قال: ((كلمة حق عند سلطان جائر)) رواه أبو داود (4344)، والترمذي (2174)، وابن ماجه (3256)، وأحمد (3/19) (11159). من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. والحديث سكت عنه أبو داود، وحسن إسناده ابن الملقن في ((شرح صحيح البخاري)) (19/180)، والعيني في ((عمدة القاري)) (15/228)، وقال ابن حجر في ((الأمالي المطلقة)) (ص: 169): حسن، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)). .
وروى الحاكم عن عبد الرحمن بن بشير الأنصاري قال: (أتى رجل فنادى ابن مسعود فأكبَّ عليه، فقال: يا أبا عبد الرحمن متى أضلُّ وأنا أعلم؟ قال: إذا كانت عليك أمراء إذا أطعتهم أدخلوك النار، وإذا عصيتهم قتلوك) [13483])) رواه الحاكم (4/508) وقال: وهذا موقوف صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. فمثل هؤلاء مخالفتهم إذا أمروا بمعصية واجبة وإن حصل للإنسان أذى منهم.
ومع تقرير هذا يجب أن نُنَبِّه إلى أنه ليس متفقًا على وجوب الصبر على الأذى الشخصي عند السلف، فقد خالف في ذلك ناس منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم، عملاً بأدلة أخرى مثل:
1- قوله تعالى وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ [ الشورى: 39].
2- حديث ((من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد)) [13484])) رواه البخاري (2480)، ومسلم (141). وما شابهها دون تفريق بين وقوع الظلم والبغي من حاكم أو غيره، من ذلك ما روي ((أن معاوية أرسل إلى عامل له أن يأخذ الوهط - وهي أرض لعبد الله بن عمرو بالطائف، فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو فلبس سلاحه هو ومواليه وغلمته، وقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول من قتل دون ماله مظلومًا فهو شهيد)) [13485])) رواه عبد الرزاق (10/115)، والبيهقي (8/335) (18091). .
لكن هذه الأدلة عامة وتلك أخص فتخصص العموم، قال ابن المنذر: (الذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع مما ذُكِر إذا أريد ظلمًا بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه) [13486])) ((فتح الباري)) (5/134). . الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة لعبدالله بن عمر الدميجي- بتصرف – ص: 375

انظر أيضا: