trial

الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ الرَّابِعُ: الكُفْرُ يكونُ بالقَوْلِ أو الفِعْلِ كما يكونُ بالاعتقادِ


 مجمَلُ أقوالِ العُلَماءِ في ذلك تنحَصِرُ في خمسِ عبـاراتٍ:
1- أنَّ الكُفْرَ يكونُ بالقَوْلِ أو الفِعْلِ، فلم يقيِّدوه بالاعتقـادِ [1092] ومن هؤلاء: نافع مولى ابن عمر، الشافعي، إسحاق بن راهويه، محمد بن سحنون، ابن جرير الطبري، أبو الحسن الأشعري، البربهاري، الجصَّاص، ابن عبد البرِّ، الجويني، البزدوي، الكيا الهرَّاسي، ابن العربي، الرازي، الكاساني، الفرغان صاحب فتاوى قاضيخان، ابن الجوزي، القرطبي، القرافي، ابن القيِّم، ابن مفلح، ابن رجب، البزاز صاحب الفتاوى البزازية، ابن حجر العسقلاني، المرداوي، الحموي، العدوي، الشوكاني، رشيد رضا، الحكمي، الشنقيطي. .
2- أنَّ الكُفْرَ يكونُ بالقَوْلِ أو الفِعْلِ أو الاعتقادِ، فغايروا بينها [1093] ومن هؤلاء: ابن شاس، ابن قدامة، ابن الحاجب، الوردي، السبكي، خليل بن إسحاق، العثماني، ابن فرحون، الطرابلسي، المحلِّي، الأقفهسي، الرصَّاع، ابن قاسم الغزي، زكريَّا الأنصاري، ابن النجَّار، المليباري، المناوي، مرعي بن يوسف، البهوتي، محمد بن غريب، البجيرمي، الدسوقي، عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ، البكري، القنوجي، أحمد بن عيسى، ابن ضويان، ابن سعدي، اللجنة الدائمة للإفتاء، بكر أبو زيد. .
3- أنَّ الكُفْرَ يكونُ بالقَوْلِ أو الفِعْلِ ولو لم يُعْتَقَد، فنصُّوا على عدمِ شرطيَّةِ الاعتقادِ [1094] ومن هؤلاء: أبو ثور، السمرقندي، ابن حزم، القاضي عياض، ابن مازه، النووي، ابن تيميَّة، علاء الدين البخاري، المحبوبي، الأندربتي الدهلوي، التفتازاني، الزركشي، ابن الوزير، ابن الهمَّام، المنهاجي الأسيوطي، الأقفهسي، ابن أمير الحاج، منلا خسرو، عميرة، ابن نجيم، الهيتمي، الخطيب الشربيني، القليوبي، زاده داماد، الكفوي، المقبلي، الصنعاني، الجمل، محمد بن عبد الوهَّاب، الشرقاوي، الرحيباني، عبد الله بن محمد بن عبد الوهَّاب، ابن عابدين، البيجوري، أبابطين، عليش، حمد بن عتيق، جمال الدين القاسمي، الألوسي، الكشميري، محمد بن إبراهيم، ابن عثيمين، ابن جبرين، الفوزان، بكر أبو زيد، الموسوعة الفقهيَّة الكويتيَّة.  ومن ألفاظهم: ولو لم يعتَقِدْ، وإن لم يعتَقِدْ، ولا معتَقد له، من غير اعتقادٍ له، وسواء اعتقدوه أو لم يعتَقِدوه، سواء (لا فرق) صدر (قاله) عن اعتقاد أو عناد أو..، سواء كان يعتقد أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، ولا ينفَعُه ما في قَلْبِه، وإن كان قلبُه مطمئنًّا بالإيمان، جادًّا أو هازلًا (لاعبًا) (مازحًا)، الردُّ على من قال: إن مبنى الرِّدَّة على الاعتقادِ، الردُّ على من قال: لا يكفُرُ حتى يعتَقِدَ. إلى غـيرِ ذلك من الألفاظ. .
4- أنَّ الكُفْرَ يكونُ بالقَوْلِ والفِعْل ولو لحظٍّ من حُظوظِ الدُّنيـا [1095] وممن صرَّح بذلك: ابن تيميَّة، ابن كثير، محمد بن عبد الرحمن المغربي، المقبلي، محمَّد بن عبد الوهَّاب، سليمان بن عبد الله آل الشيخ، حمد بن عتيق، محمَّد بن إبراهيم، الفوزان. ومن ألفاظهم: وإن كان سببه حبَّ الدُّنيا على الآخرة، بسبب إيثار الدُّنيا لا بسبب العقيدة، طمعًا في الدُّنيا، من أجل التِّجارة، خوفًا من نقصِ مال، مداراة لأحد، أو لغير ذلك من الأغراضِ، سَبَبه حظٌّ من حظوظ الدُّنيا، من أجل ِماله أو بلده أو أهله، سببه قوَّة الشَّهوة. إلى غير ذلك من الألفاظِ. .
5- ردودٌ أو إنكارٌ على الجهميَّةِ والمرجِئةِ الذين يشترطونَ الاعتقادَ أو الاستحلالَ [1096] ومن هؤلاء: ابن عيينة، الشافعي، الحميدي، أحمد بن حنبل، ابن حزم، ابن تيميَّة، الفوزان. .
ومن تأمَّل هذه العباراتِ يجِد أنَّ مؤدَّاها واحِدٌ، وإنْ كان بعضُها أصرَحَ من بعضٍ في بيان المقصودِ [1097] يُنظر: ((التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد)) لعلوي بن عبد القادر السقاف (ص: 16، 25 - 148). .
وهذه جُملةٌ من أقوالِهم تُثبِتُ أنَّهم مُتَّفِقون على أنَّ الكُفْرَ يكونُ بالقَوْلِ أو الفِعْلِ كما يكونُ بالاعتقادِ
1. نافِـعٌ مولى ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه. ت:117هـ
عن مَعقِلِ بنِ عُبَيدِ اللهِ العبسيِّ قال: قَدِمَ علينا سالمٌ الأفطَسُ بالإرجاءِ فعرَضَه. قال: فنَفَر منه أصحابنُا نِفارًا شديدًا،… قال: فجَلَسْتُ إلى نافعٍ فقُلتُ له… إِنَّهم يقولون: نحن نقرُّ بأَنَّ الصَّلاةَ فريضةٌ ولا نصَلِّي، وأَنَّ الخَمرَ حَرامٌ ونحن نَشرَبُها، وأنَّ نِكاحَ الأُمَّهاتِ حرامٌ ونحن نفعَلُ [1098] هذا من كُفرِ الإباءِ والإعراضِ. . قال: فنتر يَدَه من يدي ثُمَّ قال: (من فَعَل هذا فهو كافِرٌ) [1099] يُنظر: "السنة" لعبد الله بن أحمد (1/382-383). و "السنة" للخلال (4/29-31). و "أصول الاعتقاد" للالكائي (5/953-954) .
2. سُفيانُ بنُ عُيَينةَ. ت:198هـ
عن سُوَيدِ بنِ سَعيدٍ الهَرَويِّ قال: سأَلْنا سفيانَ بنَ عُيَينةَ عن الإرجاءِ. فقال: (يقولون: الإيمانُ قَولٌ، ونحن نقولُ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، والمرجئةُ أوجبوا الجنَّةَ لِمن شَهِدَ أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، مُصِـًّرا بقَلْبِه على تَرْكِ الفرائِضِ، وسَمَّوا تَرْكَ الفرائضِ ذنبًا بمنزلةِ ركوبِ المحارمِ، وليس بسواءٍ؛ لأَنَّ ركوبَ المحارمِ مِن غيرِ استحلالٍ معصيةٌ، وتَرْكَ الفرائضِ مُتعمِّدًا من غيرِ جَهلٍ ولا عُذرٍ هو كُفرٌ) [1100] يُنظر: "السنَّة" لعبد الله بن أحمد (1/347-348). وهذا أيضًا من كفر الإباء والإعراض، فالتَّرك عمل وليس اعتقادًا. .
3. محمَّد بنُ إدريسَ الشَّافعيُّ. ت: 204هـ
سُئل الشَّافعيُّ عمَّن هَزَل بشيءٍ من آياتِ اللهِ تعالى. فقال: (هو كافِرٌ)، واستدَلَّ بقولِه تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُواقَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [1101] يُنظر: "الصارم المسلول" لابن تيمية (3/956). .
4. عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَير الحميديُّ. ت:219هـ
قال الحميدي: (أُخْبِرْتُ أَنَّ قومًا يقولون: إِنَّ من أقرَّ بالصَّلاة والزَّكاةِ والصَّومِ والحجِّ، ولم يفعَلْ من ذلك شيئًا حتى يموتَ، أو يصلِّي مستدبِرَ القِبلةِ حتى يموتَ؛ فهو مُؤمِنٌ ما لم يكُنْ جاحدًا… إذا كان يقرُّ بالفرائِضِ واستقبالِ القِبلةِ! فقُلتُ: هذا الكُفْرُ الصُّراحُ، وخِلافُ كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وفِعْلِ المُسْلِمين) [1102] يُنظر: "السنة" للخلال (3/586-587). و"أصول الاعتقاد" للالكائي (5/887) .
وقال أيضًا: (وألَّا نقول كما قالت الخوارج: من أصاب كبيرةً فقد كَفَر، ولا تكفير بشيءٍ من الذُّنوبِ، إنَّما الكُفْرُ في تَرْكِ الخمسِ التي قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وصَومِ رَمَضانَ، وحَجِّ البيتِ)) [1103] أخرجه البخاري (8)، ومسلم (16) باختلاف يسير مِن حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمر رَضِيَ اللهُ عنهما. [1104] يُنظر: "أصول السنّة" (ص 43). .
5. إسحاقُ بنُ راهَوَيه المَرْوزيُّ. ت: 238هـ
قال إسحاقُ بنُ راهَوَيه: (ممَّا أجمعوا على تكفيرِه، وحكموا عليه كما حَكَموا على الجاحِدِ، المُؤمِنُ الذي آمن باللهِ تعالى، وممَّا جاء من عنده، ثُمَّ قتل نبيًّا، أو أعان على قَتْلِه، وإن كان مُقِرًّا، ويقول: قَتْلُ الأنبياء محرَّمٌ، فهو كافِرٌ، وكذلك من شتَمَ نبيًّا، أو ردَّ عليه قولَه من غير تقيَّةٍ ولا خوفٍ) [1105] يُنظر: "تعظيم قدر الصلاة" للمروزي (2/930). وقوله: ((من غيرِ تَقِيَّةٍ و لا خوفٍ)) أي: من غيرِ إكراهٍ. .
6. أبو ثورٍ إبراهيمُ بنُ خالدٍ. ت:240هـ
قال أبو ثور: (فاعْلَمْ -يرحمنا اللهُ وإيَّاك- أَنَّ الإيمانَ تصديقٌ بالقَلْب، وقولٌ باللِّسانِ، وعملٌ بالجوارحِ؛ وذلك أَنَّه ليس بين أهلِ العِلمِ خِلافٌ في رجُلٍ لو قال: أشهَدُ أَنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ واحدٌ، وأَنَّ ما جاءت به الرُّسُلُ حقٌّ، وأقرَّ بجميعِ الشَّرائع، ثُمَّ قال: ما عُقِد قلبي على شيء مـن هذا، ولا أصدِّق به؛ أَنَّه ليس بمُسْلِمٍ. ولو قال: المسيحُ هو اللهُ، وجحد أمرَ الإسلامِ، وقال: لم يعتَقِدْ قلبي على شيءٍ من ذلك؛ أَنَّه كافِرٌ بإظهارِ ذلك، وليس بمُؤمِنٍ) [1106] يُنظر: "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" للالكائي (4/849). ولعل الأصوب ((لم ينعَقِدْ قلبي)). .
7. أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ. ت:241هـ
قال أحمدُ بنُ حَنبَلٍ في ردِّه على الجَهْمِ: (فيَلزَمُه أَنْ يقولَ: إذا أَقرَّ، ثُمَّ شدَّ الزنَّار في وسَطِه، وصلَّى للصَّليبِ، وأتى الكنائِسَ والبِيَعَ، وعَمِلَ الكبائر كلَّها، إلَّا أَنَّه في ذلك مُقِرٌّ باللِه، فيلزمه أَنْ يكونَ عنده مُؤمِنًا [1107] أي أنّه عند أحمد ليس مؤمنًا. ، وهذه الأشياءُ من أشنَعِ ما يلزَمُهم) [1108] يُنظر: الإيمان لابن تيميَّة (ص: 384). .
وقال الحميديُّ: (أُخْبِرْتُ أَنَّ قومًا يقولون: إِنَّ من أقرَّ بالصَّلاة والزَّكاةِ، والصَّوم والحجِّ، ولم يفعَلْ من ذلك شيئًا حتى يموتَ، أو يصلِّي مُسنِدًا ظهرَه مستدبِرَ القبلةِ حتى يموتَ، فهو مُؤمِنٌ ما لم يكن جاحِدًا إذا علم أَنَّ تركه ذلك في إيمانِه إذا كان يقرُّ الفروضَ واستقبالَ القبلة! فقلت: هذا الكُفْرُ باللهِ الصُّراحُ، وخلِافُ كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفِعْل المُسْلِمين. قال حنبل: قال أبو عبدِ اللهِ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: من قال هذا فقد كَفَر بالله، وردَّ على اللهِ أمْرَه، وعلى الرَّسولِ ما جاء به)) [1109] يُنظر: "السنة" للخلال (3/586-587). و "أصول الاعتقاد" للالكائي (5/887) .
وقال عبدُ اللهِ بنُ أحمد بن حنبلٍ: سألت أبي عن رجُلٍ قال لرجُلٍ: يا ابن كذا وكذا أنتَ ومن خَلَقَك! قال أبي: (هذا مرتَدٌّ عن الإسلامِ). قلتُ لأبي: تُضرَبُ عُنُقُه؟ قال: (نعم، تُضرَبُ عُنُقُه) [1110] يُنظر: "مسائل الإمام أحمد" رواية ابنه عبد الله (3/1291) .
8. مُحَمَّدُ بنُ سحنون (المالكي). ت:265هـ
قال ابنُ سحنون: (أجمع العُلَماءُ أَنَّ شاتمَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المتنقِّصَ له: كافِرٌ، والوعيدُ جارٍ عليه بعذابِ اللهِ له، وحُكمُه عند الأمَّة: القَتلُ، ومن شكَّ في كُفْرِه وعذابِه كَفَر) [1111] انظر "الشفا" للقاضي عياض (2/312) .
9. أبو جَعفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ جَريرٍ الطَّبَري. ت:310هـ
روى ابنُ جَريرٍ بسَنَدِه حديثَ البراءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أَنَّ النَّبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعث عمَّ البراءِ لِيقتُلَ رجلًا تزوَّج امـرأةَ أبيه، ويأخُذَ مالَه، وفي رواية: ويخمِّسَ مالَه [1112] أخرجها الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (4887)، والطبري في ((تهذيب الآثار- مسند ابن عباس)) (897) مِن حَديثِ قُرَّةَ بنِ إياسٍ رَضِيَ اللهُ عنه. . ثُمَّ قال: (وكان الذي عرَّس بزوجةِ أبيه مُتخَطِّيًا بفِعْلِه حُرمتَينِ، وجامعًا بين كبيرتينِ من معاصي اللهِ:
إحداهما: عقدُ نكاحٍ على من حرَّم اللهُ…
والثَّانية: إتيانُه فَرْجًا محَرَّمًا عليه إتيانُه، وأعظَمُ من ذلك تقَدُّمه على ذلك بمشهَدٍ من رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإعلانُه عَقْدَ النِّكاحِ على من حرَّم اللهُ عليه عَقْدَه عليه بنصِّ كتابِه الذي لا شُبهةَ في تحريمِها عليه، وهو حاضِرُه، فكان فِعْلُه ذلك من أدلِّ الدَّليلِ على تكذيبِه [1113] بعض فُقَهاءِ المذاهِبِ الذين نُقِل عنهم التكفيرُ بالقَولِ أو العَمَل عَلَّلوا ذلك بعباراتٍ لم تُعهَدْ من السَّلَفِ، وهي تدُلُّ على تأثُّرِهم بالمُرجِئةِ، كقَولِهم: هذا الفِعلُ ليس كُفرًا لكِنَّه يدُلُّ على الكفر، أو علامةٌ على الكُفرِ. يُنظر: المقدمة السادسة في  كتاب ((التوسط والاقتصاد)) لعلوي السقاف (ص:20). رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما آتاه به عن اللهِ تعالى ذِكْرُه، ووجوده آيةً مُحكَمةً في تنـزيلِه، فكان بذلك مِن فِعْلِه كذلك، عن الإسلامِ -إنْ كان قد كان للإسلامِ مُظْهِرًا- مُرتَدًّا… وذلك أَنَّ فاعِلَ ذلك على علمٍ منه بتحريمِ اللهِ ذلك على خَلقِه إِنْ كان من أهلِ الإسلامِ، إِنْ لم يكُنْ مَسلوكًا به في العُقوبةِ سَبيلَ أهل ِالرِّدَّةِ بإعلانِه استحِلالَ [1114] هذا تصريحٌ منه رحمه الله على أنَّ الاستحلالَ: منه اعتقاديٌّ، ومنه عمليٌّ، وكلاهما مكفِّر، وقد سُئِل الشَّيخ ابن عثيمين عن ضابطِ الاستحلالِ الذي يَكفُرُ به العبدُ، فقال: ((الاستحلالُ هو أن يعتَقِدَ حلَّ ما حرَّمه اللهُ، أمَّا الاستحلالُ الفِعليُّ فيُنظَر: إن كان هذا الاستحلالُ مما يكفِّر فهو كافِرٌ مُرتدٌّ، فمثلًا: لو أنَّ الإنسانَ تعامل بالرِّبا، لا يعتَقِدُ أنَّه حلالٌ لكنَّه يصرُّ عليه، فإنَّه لا يَكفُرُ؛ لأنَّه لا يستحِلُّه، ولكن لو قال: إنَّ الرِّبا حلالٌ، ويعني بذلك الرِّبا الذي حرَّمه اللهُ، فإنَّه يَكفُرُ؛ لأنَّه مكذِّب للهِ ورَسولِه. الاستحلالُ إذَنْ: استحلالٌ فِعليٌّ، واستحلالٌ عَقَديٌّ بقَلْبِه، فالاستحلالُ الفِعليُّ يُنظَرُ فيه للفِعلِ نَفسِه، هل يكفِّرُ أم لا؟ ومعلومٌ أنَّ أكلَ الرِّبا لا يَكفُرُ به الإنسانُ، لكنَّه من كبائر الذُّنوب، أمَّا لو سجد لصَنَمٍ فهذا يَكفُرُ، لماذا؟ لأنَّ الفِعلَ يكفِّرُ. هذا هو الضَّابطُ، لكِنْ لا بدَّ من شرطٍ آخَرَ، وهو ألَّا يكونَ هذا المستحلُّ معذورًا بجَهْلِه، فإن كان معذورًا بجَهْلِه فإنَّه لا يَكفُرُ)). ((لقاء الباب المفتوح)) سـؤال رقم (1200). ما لا لَبْسَ فيه على ناشيءٍ نشَأَ في أرضِ الإسلامِ أَنَّه حرامٌ) [1115] يُنظر: "تهذيب الآثار" (1/573-574 مسند عبد الله بن عباس رَضِيَ اللهُ عنه) .
10. أبو الحسن عليُّ بن إسمــاعيلَ الأشعريُّ. ت:324هـ
قال أبو الحسن الأشعريُّ: (إرادةُ الكُفْرِ كُفرٌ، وبنـاءُ كنيسةٍ يُكفَرُ فيها باللهِ كُفرٌ، لأنَّه إرادةُ الكُفْرِ) [1116] يُنظر: "أنوار البروق في أنواع الفروق" للقرافي (1/225). بعضُ فُقَهاءِ المذاهب الذين نُقِل عنهم التكفيرُ بالقَولِ أو العَمَلِ عَلَّلوا ذلك بعباراتٍ لم تُعهَدْ من السَّلَفِ، وهي تدُلُّ على تأثُّرِهم بالمرُجِئةِ، كقَولِهم: هذا الفِعلُ ليس كُفرًا، لكِنَّه يدُلُّ على الكُفرِ، أو علامةٌ على الكُفرِ، وقد يُشكِلُ على البَعضِ عباراتٌ صَدَرت لبعضِ العُلَماءِ عَلَّلت التكفيرَ بالتكذيبِ أو الإرادةِ أو أنَّها مستلزِمةٌ للكُفرِ الاعتقاديِّ، ففَرقٌ بين من يقولُ: هذا العَمَلُ أو القَولُ كٌفْرٌ لكذا، وبين من يقولُ: هذا ليس كُفرًا، لكِنَّه دليلٌ أو علامةٌ على الكُفرِ، فالأوَّلُ يُثبِتُ الكُفرَ ويُعلِّلُه، والآخَرُ ينفي الكُفرَ، ويُثبِتُ دليلَه أو علامَتَه. يُنظر: المقدمة السادسة في  كتاب ((التوسط والاقتصاد)) لعلوي السقاف (ص:20). .
11. الحَسَنُ بنُ عَليٍّ البَرْبهاري. ت:329هـ
قال البربهاري: (ولا يخرُجُ أحَدٌ من أهلِ القِبلةِ من الإسلامِ حتى يردَّ آيةً من كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، أو يردَّ شيئًا من آثارِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو يصلِّي لغَيرِ اللهِ أو يَذبَحَ لغيرِ اللهِ، وإذا فَعَل شيئًا من ذلك فقد وجب عليك أن تخرِجَه من الإسلامِ، فإذا لم يفعَلْ شيئًا من ذلك فهو مُؤمِنٌ ومُسْلِمٌ بالاسمِ لا بالحقيقةِ) [1117] يُنظر: "شرح السنة" (ص: 31)، وهو هنا أطلقَ الفِعلَ ولم يقَيِّدْه بالاعتقادِ. وقَولُه: ((فإذا لم يفعل شيئًا من ذلك ….)) ليس للحصرِ، والمقصودُ: إذا لم يفعلْ شيئًا من هذه الشِّركياتِ وأشباهِها. .
12. أبو بكر أحـمدُ بنُ عليٍّ الـجصَّاصُ (الحنفيُّ). ت:370هـ
قال الجَصَّاص: (قَولُه تعالى:  وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ إلى قَولِه:  إِنْ نَعْفُ فيه الدَّلالةُ على أنَّ اللَّاعِبَ والجادَّ سواءٌ في إظهارِ كَلِمة الكُفْرِ على غيرِ وَجهِ الإكراهِ؛ لأَنَّ هؤلاء المنافِقين ذكروا أَنَّهم قالوا ما قالوه لَعِبًا؛ فأخبَرَ اللهُ عن كُفرِهم باللَّعِبِ).
13.  أبو القاسِمِ هِبةُ اللهِ بنُ الحَسَنِ اللَّالَكائيُّ. ت: 418هـ
نقل كلامَ أبي ثورٍ الذي تقَدَّمَ ذِكرُه ولم يتعقَّبْه بشَيءٍ، وهو قَولُه: (ولو قال: المسيحُ هو اللهُ، وجَحَد أمرَ الإسلامِ، وقال: لم يعتَقِدْ قلبي على شيءٍ من ذلك؛ أَنَّه كافِرٌ بإظهارِ ذلك، وليس بمُؤمِنٍ) [1118] يُنظر: "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة"للالكائي (4/849) ولعل الأصوب ((لم ينعقد قلبي)). .
14. محمَّدُ بن الوليدِ السَّمَرقنديُّ (الحنفيُّ): كان حيًّا سنة450هـ
 قال في "الجامع الأصْغَر": (إذا أطلق الرَّجُلُ كَلِمةَ الكُفْرِ عَمْدًا لكنَّه لم يعتَقِدِ الكُفْرَ؛ قال بَعْضُ أصحابِنا: لا يَكفُرُ؛ لأَنَّ الكُفْرَ يتعلَّقُ بالضَّميرِ، ولم يَعقِدِ الضَّميرَ على الكُفْرِ، وقال بعضُهم: يكفُرُ، وهو الصَّحيحُ عندي؛ لأَنَّه استخفَّ بدينهِ) [1119] يُنظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (4/ 224). .
15. أبو محمَّد عليُّ بن حزم (الظَّاهريُّ) [1120] حَمِده ابنُ تيميَّةَ في مسائل الإيمان، وذَمَّه في مسائِلِ الصِّفات؛ فقال في "الفتاوى" (4/18-19): ((وكذلك أبو محمَّد بنُ حزم فيما صنَّفه من المِلَل والنِّحَل، إنما يُستحمَدُ بموافقةِ السُّنَّة والحديث، مِثلُ ما ذكره في مسائل القدر والإرجاء))، وقال: ((وإن كان أبو محمَّد بن حزم في مسائِلِ الإيمان والقَدَرِ أقوَمُ من غيرِه، وأعلَمُ بالحديثِ وأكثَرُ تعظيمًا له ولأهلِه من غيرِه، لكن قد خالط من أقوالِ الفلاسِفةِ والمعتَزِلةِ في مسائِلِ الصِّفاتِ)). . ت:456هـ
قال ابنُ حزمٍ: (وأمَّا قَولُهم [1121] يعني الجهميَّةَ والمرجِئةَ. : إِنَّ شَتْمَ اللهِ تعالى ليس كُفرًا، وكذلك شَتْمُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فهو دعوى؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال:  يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ [التوبة: 74]، فنصَّ تعالى على أَنَّ مِن الكلامِ ما هو كُفرٌ.
وقال تعالى:  إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء: 140]، فنصَّ تعالى أَنَّ من الكَلامِ في آيات ِاللهِ تعالى ما هو كفرٌ بعينِه مَسموعٌ.
وقال:  قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُواقَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً [التوبة: 65،66]، فنصَّ تعالى على أَنَّ الاستهزاءَ باللهِ تعالى أو بآياتِه أو برَسولٍ من رُسُلِه كُفرٌ مُخْرِجٌ عن الإيمانِ، ولم يَقُلْ تعالى في ذلك: إِنِّي عَلِمتُ أَنَّ في قُلوبِكم كُفرًا، بل جعَلَهم كُفَّارًا بنَفسِ الاستهزاءِ. ومن ادَّعى غيرَ هذا فقد قوَّلَ الله تعالى ما لم يقُلْ، وكذَبَ على اللهِ تعالى) [1122] يُنظر: "الفصل في الملل والأهواء والنحل" (3/244). .
وقال أيضًا: (الجَحْدُ لشَيءٍ ممَّا صحَّ البرهانُ أَنَّه لا إيمانَ إلَّا بتصديقِه: كُفرٌ، والنُّطقُ بشيءٍ من كلِّ ما قام البُرهانُ أَنَّ النُّطقَ به كُفرٌ: كُفرٌ، والعَمَلُ بشيءٍ ممَّا قام البرهانُ بأَنَّه كُفرٌ: كُفرٌ، فالكُفْرُ يزيدُ، وكلُّ ما زاد فيه فهو كُفرٌ، والكُفْرُ يَنقُصُ، وكُلُّه مع ذلك ما بقي منه وما نقَص فكُلُّه كُفرٌ، وبَعضُ الكُفْرِ أعظَمُ وأشدُّ وأشنَعُ من بعضٍ، وكُلُّه كُفرٌ) [1123] يُنظر: المصدر السابق (3/256). .
وقال أيضًا: (إِنَّ الإقرارَ باللِّسانِ دونَ عَقدِ القَلْبِ لا حُكْمَ له عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لأَنَّ أحَدَنا يَلفِظُ بالكُفْرِ حاكيًا وقارئًا له في القُرآنِ؛ فلا يكونُ بذلك كافِرًا حتى يُقِرَّ أَنَّه عَقَده.
قال أبو محمَّدٍ: فإن احتجَّ بهذا أهلُ المقالةِ الأولى -يعني المُرجِئة- وقالوا: هذا يشهَدُ بأَنَّ الإعلانَ بالكُفْرِ ليس كفُرًا. قُلْنا له -وبالله التَّوفيق-: قد قُلْنا: إِنَّ التَّسميةَ ليست لنا، وإِنَّما هي للهِ تعالى، فلمَّا أمَرَنا تعالى بتلاوةِ القُرآنِ، وقد حكى لنا فيه قَولَ أهلِ الكُفْرِ، وأخبَرَنا تعالى أَنَّه لا يرضى لعبادِه الكُفْرَ؛ خرج القارئُ للقُرآنِ بذلك عن الكُفْرِ إلى رِضا اللهِ عزَّ وجَلَّ والإيمانِ، بحكايتِه ما نصَّ اللهُ تعالى بأداءِ الشَّهادةِ بالحقِّ، فقال تعالى:  إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلمُونَ [الزخرف: 86]، خرج الشَّاهِدُ المُخْبِرُ عن الكافِرِ بكُفْرِه عن أَنْ يكونَ بذلك كافِرًا إلى رِضا اللهِ عزَّ وجَلَّ والإيمانِ.
ولَمَّا قال تعالى:  إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل: 106] خرج من ثَبَت إِكراهُه عن أَنْ يكونَ بإظهارِ الكُفْرِ كافِرًا إلى رُخصةِ اللهِ تعالى والثَّباتِ على الإيمانِ، وبَقِيَ من أظهَرَ الكُفْرَ -لا قارئًا، ولا شاهدًا، ولا حاكيًا، ولا مُكرَهًا- على وجوبِ الكُفْرِ له بإجماعِ الأمَّةِ على الحُكمِ له بحُكمِ الكُفْرِ، وبحُكمِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذلك، وبنصِّ القرآنِ على من قال كَلِمةَ الكُفْرِ: إِنَّه كافِرٌ، وليس قَولُ الله عزَّ وجل:  وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْرًا على ما ظنُّوه من اعتقادِ الكُفْرِ فقط، بل كلُّ من نَطَق بالكلامِ الذي يُحكَمُ لقائِلِه عند أهلِ الإسلامِ بحُكمِ الكُفْرِ، لا قارئًا، ولا شاهدًا، ولا حاكيًا، ولا مُكرَهًا؛ فقد شرح بالكُفْرِ صَدرًا، بمعنى أَنَّه شَرَح صَدْرَه لقَبولِ الكُفْر المحرَّمِ على أهلِ الإسلامِ وعلى أهلِ الكُفْرِ أَنْ يقولوه، وسواءٌ اعتقدوه أو لم يعتَقِدوه؛ لأَنَّ هذا العَمَل من إعلانِ الكُفْر على غيرِ الوُجوهِ المباحةِ في إيرادِه، وهو شَرحُ الصَّدرِ به، فبَطَل تمويهُهم بهذه الآيةِ. وباللهِ تعالى التَّوفيقُ) [1124] يُنظر: المصدر السابق (3/249-250). .
وقال أيضًا: (وأمَّا قَولُهم -يعني الجَهمِيَّةَ والأشاعِرةَ والمرجِئةَ-: إِنَّ إخبارَ اللهِ تعالى بأَنَّ هؤلاء كلَّهم كُفَّارٌ دليلٌ على أَنَّ في قلوبهم كُفرًا، وأَنَّ شَتْمَ اللهِ تعالى ليس كُفرًا، ولكنَّه دليلٌ على أَنَّ في القَلْب كُفرًا، وإنْ كان كافِرًا لم يعرفِ اللهَ تعالى قطُّ؛ فهذه منهم دعوى مُفتراةٌ لا دليلَ لهم عليها ولا بُرهانَ؛ لا من نصٍّ، ولا سنَّةٍ صحيحةٍ ولا سقيمةٍ، ولا حجَّةٍ من عقلٍ أصلًا، ولا من إجماعٍ، ولا من قياسٍ، ولا من قَولِ أحدٍ من السَّلَفِ قبل اللَّعينِ جَهْمِ بنِ صفوانَ، وما كان هكذا فهو باطلٌ وإفكٌ وزورٌ؛ فسَقَط قولهم هذا مِن قُربٍ. ولله الحمدُ ربِّ العالَمينَ، فكيف والبرهانُ قائمٌ بإبطالِ هذه الدَّعوى من القُرآنِ والسُّنَنِ والإجماعِ والمعقولِ والحِسِّ والمشاهَدةِ الضَّروريَّة؟!) [1125] يُنظر: المصدر السابق (3/241). .
 وقال أيضًا: (ونقولُ للجَهميَّة والأشعريَّةِ في قَولِهم: إِنَّ جَحْدَ اللهِ تعالى وشتْمَه، وجحْدَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا كان كلُّ ذلك باللِّسانِ؛ فإِنَّه ليس كُفرًا، لكنَّه دليلٌ على أنَّ في القَلْب كُفرًا … من ادَّعى أَنَّ الله شَهِدَ بأَنَّ من أعلنَ الكُفْرَ فإِنَّه جاحدٌ بقَلْبِه، فقد كذَبَ على اللهِ عزَّ وجَلَّ، وافترى عليه، بل هذه شهادةُ الشَّيطانِ التي أضلَّ بها أولياءَه، وما شَهِدَ اللهُ تعالى إلَّا بضدِّ هذا، وبأَنَّهم يَعرِفونَ الحقَّ ويَكتُمونه، ويَعرِفون أَنَّ الله تعالى حقٌّ، وأنَّ محمَّدًا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حقٌّ، ويُظهِرون بألسِنَتِهم خِلافَ ذلك، وما سمَّاهم اللهُ عزَّ وجل قطُّ كفَّارًا إلَّا بما ظهر منهم بألسِنَتِهم وأفعالِهم، كما فعل إبليسُ وأهلُ الكتابِ وغَيرُهم) [1126] يُنظر: المصدر السابق (3/259). .
16. يوسُفُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ البَرِّ (المالكي). ت:463هـ
نقل كلامَ إسحاقَ بنِ راهَوَيه ولم يتعقَّبْه بشيءٍ، فقال: ((قال إسحاقُ: أجمع العُلَماءُ أنَّ من سبَّ اللهَ عزَّ وجلَّ، أو رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو دفع شيئًا أنزَلَه اللهُ، أو قتل نبيًّا من أنبياءِ اللهِ، وهو مع ذلك مُقِرٌّ بما أنزَلَ الله؛ أنَّه كافِرٌ)) [1127] يُنظر: "التمهيد" (4/226). فائدةٌ: ابنُ عبد البَرِّ تكَلَّم عن أبي حنيفة في التمهيد (14/14)، ثم قال: ((وأما الإرجاءُ المنسوبُ إليه، فقد كان غيرُه فيه أَدْخَلَ، وبه أَقْوَلَ))، ففهم المحقِّق -أو هكذا أراد- أنَّه يقول: وبه أقُولُ! فعَلَّق قائلًا: ((وهذا واضحٌ من ابن عبد البَرِّ القَول بالإرجاءِ، كما لا يخفى))! علمًا أنَّ ابنَ عبد البر نقل الإجماعَ في التمهيد نفسه (9/238) على أنَّ الإيمانَ قَولٌ وعَمَلٌ، ورَدَّ على المرجِئةِ. يُنظر:  كتاب ((التوسط والاقتصاد)) لعلوي السقاف. .
17. عبدُ المَلِكِ بنُ عبدِ اللهِ الجُوَينيُّ (الشَّافعيُّ). ت:478هـ
قال الهيتميُّ: (نقل إمامُ الحَرَمين عن الأصوليِّين أَنَّ من نطق بكَلِمة الرِّدَّةِ، وزعم أَنَّه أضمر توريةً، كَفَرَ ظاهرًا وباطنًا، وأقرَّهم على ذلك) [1128] يُنظر: "الزواجر"(الكبيرة الأولى) (1/54) .
18. عليُّ بن محمَّد البزدَويُّ (الحنفيُّ). ت:482هـ
قال البزدَويُّ: (فإنَّ الهَزْلَ بالرِّدَّةِ كُفرٌ، لا بما هَزَل به، لكن بعَيْنِ الهَزْلِ؛ لأَنَّ الهازلَ جادٌّ في نَفْسِ الهَزْلِ، مختارٌ راضٍ، والهَزْلُ بكَلِمةِ الكُفْرِ استخفافٌ بالدِّينِ الحقِّ، فصار مُرتدًّا بعينِه، لا بما هَزَل به، إلَّا أَنَّ أثَرَهما سـواءٌ، بخِلافِ المُكْرَه؛ لأَنَّه غيرُ مُعتقِـدٍ لِعَيْنِ ما أُكْرِهَ عليه) [1129] يُنظر: "كشف الأسرار" شرح أصول البزدوي (4/600) .
19. عمادُ الدِّين عليُّ بن محمَّد الكِيا الهرَّاسي (الشَّافعيُّ). ت:504هـ
قال الهرَّاسي في تفسيرِ قَولِه تعالى:  وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُواقَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: 65، 66]: (فيه دَلالةٌ على أنَّ اللَّاعِبَ والخائِضَ سواءٌ في إظهارِ كَلِمةِ الكُفْرِ على غيرِ وَجهِ الإكراهِ، لأَنَّ المنافقينَ ذَكَروا أَنَّهم قالوا ما قالوه لَعِبًا، فأخبَرَ اللهُ تعالى عن كُفْرِهم باللَّعِبِ بذلك، ودلَّ أنَّ الاستهزاءَ بآياتِ اللهِ تعالى كُفرٌ) [1130] ينظر: ((أحكام القرآن)) (4/ 214). .
20. القاضي أبو بكر بن العربيِّ (المالكيُّ). ت:543هـ
قال ابنُ العربيِّ في تفسيرِ قَولِه تعالى:  وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ..: (لا يخلو أَنْ يكونَ ما قالوه من ذلك جِدًّا أو هَزْلًا، وهو كيفما كان، كُفرٌ، فإِنَّ الهزلَ بالكُفْرِ كفرٌ، لا خلاف فيه بين الأمَّة، فإِنَّ التَّحقيقَ أخو الحقِّ والعِلمِ، والهَزلَ أخو الباطِلِ والجَهلِ، قال علماؤنا: انظُرْ إلى قَولِه:  أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ [البقرة: 67]) [1131] يُنظر: "أحكام القرآن" (2/976). .
21. القاضي عِياضُ بن موسى (المالكيُّ). ت:544هـ
قال القاضي عِياضٌ: (أَنْ يكونَ القائِلُ لِما قال في جِهتِه -عليه السَّلامُ- غيرَ قاصدٍ للسبِّ والإزراءِ، ولا مُعتَقدٍ له، ولكنَّه تكلَّم في جِهَتِه عليه السلام بكَلِمةِ الكُفْرِ؛ مِن لَعْنِه، أو سبِّه، أو تكذيبِه، أو إضافةِ ما لا يجوزُ عليه، أو نفيِ ما يجِبُ له ممَّا هو في حقِّه عليه السَّلامُ نقيصةٌ؛ مِثلُ: أَنْ ينسُبَ إِليه إتْيانَ كبيرةٍ، أو مداهنةً في تبليغِ الرِّسالةِ، أو في حكمٍ بين النَّاسِ، أو يغُضَّ من مرتبتِه، أو شَرَفِ نسبِه، أو وُفورِ علمه، أو زُهدِه، أو يكذِّبَ بما اشتَهَر به من أمورٍ أخبَرَ بها عليه السَّلامُ، وتواتر الخبَرُ بها، عن قَصدٍ لردِّ خَبَرِه، أو يأتيَ بسفَهٍ من القَوْلِ، وقبيحٍ من الكلامِ، ونوعٍ من السبِّ في حقِّه، وإنْ ظهر بدليلِ حالِه أَنَّه لم يتعمَّد ذَمَّه، ولم يقصِدْ سَبَّه؛ إمَّا لجهالةٍ حمَلَتْه على ما قالَه، أو الضَّجَرِ، أو سُكْرٍ اضطرَّه إليه، أو قلَّةِ مُراقبةٍ وضَبطٍ للِسانِه، وعَجْرفةٍ، وتهوُّرٍ في كَلامِه- فحُكمُ هذا الوَجهِ حُكمُ الوجهِ الأوَّل: القَتلُ، وإِنْ تَلَعْثَم؛ إذْ لا يُعْذَر أحدٌ في الكُفْرِ بالجَهالةِ، ولا بدعوى زَلَلِ اللِّسانِ، ولا بشيءٍ ممَّا ذكَرْناه، إذا كان عقلُه في فِطْرتِه سليمًا، إلَّا من أُكْرِهَ وقلبُه مطمَئِنٌّ بالإيمانِ) [1132] يُنظر: "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (2/331). فانظُرْ: كيف جعل هذا القولَ كُفرًا ولو لم يكن معتَقِدًا له. لكِن قَوله: (إذ لا يُعذَرُ أحدٌ في الكُفرِ بالجهالةِ) ليس على إطلاقِه، والمسألةُ فيها تفصيلٌ. .
وقال: (وكذلك نقطَعُ بتكفيرِ كُلِّ قائِلٍ قَولًا يُتوصَّلُ به إلى تضليلِ الأمَّةِ، وتكفيرِ جميعِ الصَّحابةِ،… وكذلك نكفِّرُ بفِعلٍ أجمع المُسْلِمون على أَنَّه لا يصدُرُ إلَّا من كافِرٍ، وإنْ كان صاحبُه مصرِّحًا بالإسلامِ، مع فِعْلِه، كالسُّجودِ للصَّنَمِ، أو الشَّمسِ والقَمَرِ، والصَّليبِ والنَّارِ، والسَّعيِ إلى الكنائِسِ والبِيَعِ مع أهلِها، والتَّزيِّي بزيِّهم؛ من شدِّ الزَّنانيرِ، وفحصِ الرُّؤوسِ [1133] علَّق مُلَّا علي القاري في "شرحه للشفا" بقوله: ((أو لعَلَّ فَحْصَ الرأس -أي: حَلْقَ وَسَطِه- كان شعارًا للكُفرِ قبل ذلك، وأمَّا الآن فقد كَثُرَ في المسلمينَ؛ فلا يُعَدُّ كُفرًا)). ؛ فقد أجمع المُسْلِمون أنَّ هذا الفِعْل لا يوجَدُ إلَّا من كافِرٍ، وأَنَّ هذه الأفعالَ علامةٌ على الكُفْر [1134] بل هي الكُفرُ بعينِه؛ فإنَّ بعضَ العُلَماءِ الذين نُقِل عنهم التكفيرُ بالقَولِ أو العَمَلِ، عَلَّلوا ذلك بعباراتٍ لم تُعهَدْ من السَّلَفِ، وهي تدُلُّ على تأثُّرِهم بالمرجِئةِ؛ كقولهم: هذا الفِعلُ ليس كُفرًا، لكِنَّه يدُلُّ على الكُفرِ، أو علامةٌ على الكُفرِ. يُنظر: المقدمة السادسة من كتاب ((التوسط والاقتصاد)) لعلوي السقاف. ، وإِنْ صرَّح فاعِلُها بالإسلامِ) [1135] يُنظر: المصدر السابق (2/396). انظر: كيف لم يقَيِّد القولَ أو الفِعلَ بالاعتقادِ. .
22. علاء الدِّين مسعود بن أحمد الكاسانيُّ (الحنفيُّ). ت:587هـ
قال الكاساني: (فصلٌ: وأمَّا بيانُ أحكامِ المرتدِّين فالكلامُ فيه في مواضِعَ؛ في بيانِ رُكنِ الرِّدَّةِ، وفي بيانِ شَرائِطِ صِحَّةِ الرُّكنِ، وفي بيانِ حُكمِ الرِّدَّةِ؛ أمَّا ركنُها فهو إجراءُ كَلِمةِ الكُفْرِ على اللِّسانِ بعد وجودِ الإيمانِ؛ إذِ الرِّدَّةُ عِبارةٌ عن الرُّجوعِ عن الإيمانِ، فالرُّجوعُ عن الإيمانِ يُسَمَّى رِدَّةً في عُرْفِ الشَّرعِ) [1136] يُنظر: "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" (7/134). .
23.  فَخرُ الدِّين حَسَن بن منصور الفرغان (الحنفيُّ). ت:592هـ
قال في "الفتاوى": (رجُلٌ كَفَر بلِسانِه طائعًا، وقلبُه على الإيمانِ، يكونُ كافِرًا، ولا يكونُ عند الله تعالى مُؤمِنًا) [1137] يُنظر: "فتاوى قاضيخان على هامش الفتاوى الهندية العالمكيرية" (3/573). .
24. أبو الفرج عبد الرحمن بن عليٍّ ابنُ الجوزيِّ. ت:597هـ
قال ابنُ الجوزيِّ: (والسَّادِسُ: أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ، ورَهْطًا معه، كانوا يقولون في رَسولِ اللهِ وأصحابِه ما لا ينبغي، فإذا بلغ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالوا: إِنَّما كنَّا نخوضُ ونلعَبُ؛ فقال اللهُ تعالى:  قُلْ لهم  أَبِاللَّهِ وآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، قاله الضحَّاك. فقَولُه:  وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي: عمَّا كانوا فيه من الاستهزاءِ  لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ أي: نلهو بالحَديثِ. وقَولُه:  قَدْ كَفَرْتُمْ أي: قد ظهر كُفرُكم بعد إظهارِكم الإيمانَ، وهذا يدلُّ على أَنَّ الجِدَّ واللَّعِبَ في إظهارِ كَلِمةِ الكُفْرِ سواءٌ) [1138] يُنظر: "زاد المسير" (3/465). .
25. فخر الدِّين محمَّد بن عمر الرَّازيُّ (الشَّافعي). ت: 606 هـ
قال الرازي في تفسيرِ قَولِه تعالى:  وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُواقَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: 65، 66]: (المسألةُ الثَّالثةُ: قَولُه: قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ يدلُّ على أحكامٍ:
الحُكمُ الأوَّلُ: أنَّ الاستهزاءَ بالدِّينِ كيف كان، كُفرٌ باللهِ؛ وذلك لأَنَّ الاستهزاءَ يدلُّ على الاستخفافِ، والعُمدةُ الكبرى في الإيمانِ تعظيمُ اللهِ تعالى بأقصى الإمكانِ؛ والجَمعُ بينهما محالٌ.
الحُكمُ الثَّاني: أَنَّه يدلُّ على بطلانِ قَولِ من يقولُ: الكُفْرُ لا يدخُلُ إلَّا في أفعالِ القُلوبِ.
الحُكمُ الثَّالث: يدلُّ على أَنَّ قولَهم الذي صدر منهم كفرٌ في الحقيقةِ، وإِنْ كانوا منافِقين من قبلُ، وأَنَّ الكُفْرَ يمكِنُ أَنْ يتجدَّدَ من الكافِرِ حالًا فحالًا.
الحكمُ الرَّابِعُ: يدلُّ على أنَّ الكُفْرَ إِنَّما حَدَث بعد أنْ كانوا مُؤمِنين) [1139] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/ 95). .
26. جلال الدِّين عبد الله بن نجم بن شاس (المالكيُّ). ت:616هـ
قال ابنُ شاس: (ظُهورُ الرِّدَّة إمَّا أنْ يكونَ بالتَّصريحِ بالكُفْرِ، أو بلفظٍ يقتضيه، أو بفعلٍ يتضمَّنُه) [1140] يُنظر: "عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة" (3/297). .
27. برهان الدِّين محمود بن أحمد بن مازه (الحنفيُّ). ت:616هـ
قال ابنُ مازه: (من أتى بلفظةِ الكُفْرِ مع عِلمِه أَنَّها لَفظةُ الكُفْرِ عن اعتقادِه، فقد كَفَر، ولو لم يعتَقِدْ أو لم يعلَمْ أَنَّها لفظةُ الكُفْرِ، ولكن أتى بها عن اختيارٍ، فقد كَفَر عند عامَّةِ العُلَماءِ، ولا يُعْذَرُ بالجَهلِ…، ومن كَفَر بلسانِه طائعًا وقَلْبُه مطمئنٌّ بالإيمانِ، فهو كافِرٌ، ولا ينفَعُه ما في قَلْبِه) [1141] يُنظر:"الفتاوى التاتارخانية" لعالم بن العلاء (5/458). .
28. عبد الله بن أحمد بن قُدامة المقدسيُّ (الحنبليُّ). ت:620هـ
 قال ابنُ قدامةَ عن المرتدِّ: (يَفسُدُ صَومُه، وعليه قضاءُ ذلك اليومِ إذا عاد إلى الإسلامِ. سواءٌ أسلم في أثناءِ اليومِ، أو بعد انقضائِه، وسواءٌ كانت رِدَّته باعتقادِه ما يُكفَّرُ به، أو بشكِّه فيما يُكفَّرُ بالشَّكِّ فيه، أو بالنُّطقِ بكَلِمة الكُفْر مُستهزئًا أو غيرَ مُستهزئٍ؛ قال اللهُ تعالى:  وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُواقَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: 65، 66]؛ وذلك لأنَّ الصَّومَ عـبادةٌ مِن شَرْطِها النِّيَّةُ، فأبطلَتْها الرِّدَّةُ، كالصَّلاةِ والحجِّ، ولأَنَّه عبادةٌ محْضةٌ، فنافاها الكُفْرُ، كالصَّلاةِ) [1142] يُنظر: "المغني" (4/370)، فالرِّدَّة عنده تكونُ بالاعتقادِ، وتكونُ بالنُّطق بكلمةِ الكُفرِ. .
وقال: (ومن سَبَّ اللهَ تعالى كَفَر، سواءٌ كان مازحًا أو جادًّا، وكذلك من استهزأ باللهِ تعالى، أو بآياتِه أو برُسُلِه، أو كُتُبِه، قال اللهُ تعالى:  وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُواقَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، وينبغي أَلَّا يُكْتَفى من الهازئِ بذلك بمجرَّدِ الإسلامِ، حتى يؤدَّب أدبًا يزجُرُه عن ذلك؛ فإنَّه إذا لم يُكتَفَ مِمَّن سبَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالتَّوبةِ، فمِمَّن سبَّ اللهَ تعالى أَولى) [1143] يُنظر: "المغني" (12/298). .
29.  عثمان بن أبي بكرٍ المعروفُ بابنِ الحاجِبِ (المالكيُّ). ت:646هـ
قال ابنُ الحاجب: (الرِّدَّةُ: الكُفْرُ بعد الإسلامِ، ويكون: بصريحٍ، وبلفظٍ يقتضيه، وبفعلٍ يتضَمَّنُه) [1144] يُنظر: "جامع الأمهات" (ص512) .
30. أبو عبد اللهِ محمَّدُ بن أحمد القُرطبي (المالكيُّ). ت:671هـ
استشهد بقَولِ القاضي أبي بكرِ بنِ العَرَبي في تفسيرِ قَولِه تعالى:  وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ.. ولم يتعقَّبْه بشيءٍ. فقال: (قال القاضي أبو بكرِ بنُ العَرَبي: لا يخلو أنْ يكونَ ما قالوه من ذلك جدًّا أو هَزْلًا، وهو كيفما كان، كفْرٌ؛ فإِنَّ الهزلَ بالكُفْرِ كفرٌ لا خِلافَ فيه بين الأمَّة؛ فإنَّ التَّحقيق أخو العِلمِ والحقِّ، والهزْلَ أخو الباطِلِ والجَهلِ، قال علماؤنا: انظُرْ إلى قَولِه:  أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ [البقرة: 67]) [1145] يُنظر: الجامع لأحكام القرآن (8/197). والاعتقادُ لا يكونُ إلا جدًّا، فعَدَمُ اشتراطِه الجدَّ يعني عَدَمَ اشتراطِه الاعتقادَ. .
31. محيي الدين يحيى بن شرف النوويُّ (الشَّافعيُّ). ت:676هـ
 قال في "روضة الطَّالبين" في كتابِ الرِّدَّة: (هي قَطعُ الإسلامِ، ويحصُلُ ذلك تارةً بالقَوْلِ الذي هو كفرٌ، وتارةً بالفِعْلِ، والأفعالُ الموجِبةُ للكُفرِ هي التي تصدُرُ عن تعمُّدٍ واستهزاءٍ بالدِّين صَريحٌ، كالسُّجودِ للصَّنمِ أو للشَّمسِ، وإلقاءِ المصحَفِ في القاذوراتِ، والسِّحرِ الذي فيه عبادةُ الشَّمسِ ونحوِها، قال الإمامُ: في بَعْض التَّعاليقِ عن شيخي أَنَّ الفِعْلَ بمجرَّدِه لا يكونُ كُفرًا، قال: وهذا زَلَلٌ عظيمٌ من المعلِّقِ، ذكَرْتُه للتَّنبيهِ على غلَطِه، وتحصُلُ الرِّدَّةُ بالقَوْلِ الذي هو كُفرٌ، سواءٌ صدر عن اعتقادٍ أو عِنادٍ أو استهزاءٍ) [1146] يُنظر: "روضة الطالبين" (7/283، 284). .
وقال في "شرح صحيح مُسْلِم" عند الكلامِ عن حُكمِ السِّحرِ: (ومنه ما يكونُ كفرًا، ومنه ما لا يكونُ كُفرًا بل معصيةٌ كبيرةٌ، فإِنْ كان فيه قولٌ أو فِعلٌ يقتضي الكُفْرَ، فهو كُفرٌ وإلَّا فلا، وأمَّا تعلُّمُه وتعليمُه فحرامٌ، فإنْ كان فيه ما يقتضي الكُفْرَ، كفِّر واسْتُتيبَ منه) [1147] يُنظر: "صحيح مسلم". كتاب: السلام، باب: السحر. .
32. شِهاب الدِّين أحمد بن إدريسٍ القرافيُّ (المالكيُّ). ت:684هـ
قال القرافي: (الكُفْرُ قِسمانِ: متَّفقٌ عليه، ومختَلَفٌ فيه هل هو كُفرٌ أمْ لا؟ فالمتَّفَقُ عليه نحوُ الشِّركِ باللهِ، وجَحْدِ ما عُلِمَ من الدِّينِ بالضَّرورةِ، كجَحْدِ وُجوبِ الصَّلاةِ والصَّومِ ونحوِهما، والكُفْرُ الفِعْليُّ نحوُ إلقاءِ المصحَفِ في القاذوراتِ، وجَحْدِ البَعْثِ أو النُّبوَّاتِ أو وَصْفِه تعالى بكونِه لا يَعلَمُ أو لا يريدُ أو ليس بحيٍّ ونحوِه، وأمَّا المختَلَف فيه…) [1148] يُنظر: "أنوار البروق في أنواع الفروق"(1/224) .
وقال: (وأصلُ الكُفْرِ إِنَّما هو انتهاكٌ خاصٌّ لحُرمةِ الرُّبوبيَّة، إمَّا بالجَهلِ بوُجودِ الصَّانِعِ، أو صفاتِه العُلا، ويكونُ الكُفْرُ بفِعلٍ؛ كرَميِ المصحَفِ في القاذوراتِ، أو السُّجودِ لصَنَمٍ، أو التَّردُّدِ للكنائِسِ في أعيادِهم بزيِّ النَّصارى، ومباشَرةِ أحوالِـهم…) [1149] يُنظر: المصدر السابق (4/258). .
وقال: (الرِّدَّةُ… عبارةٌ عن قَطعِ الإسلامِ مِن مُكَلَّفٍ، وفي غيرِ البالِغِ خلافٌ، إمَّا باللَّفظِ أو بالفِعْلِ؛ كإلقاءِ المصحَفِ في القاذوراتِ، ولكليهما مراتبُ في الظُّهورِ والخفاءِ) [1150] يُنظر: "الذخيرة" (12/13). .
33. أحمد بن عبد الحليم بن تيميَّة. ت: 728هـ
قال ابنُ تيميَّةَ: (هؤلاء القائِلونُ بقَولِ جَهمٍ والصَّالحي قد صَرَّحوا بأَنَّ سبَّ اللهِ ورَسولِه والتَّكلُّمَ بالتَّثليثِ وكُلِّ كَلِمةٍ مِن كلامِ الكُفْرِ؛ ليس هو كفرًا في الباطِنِ، ولكنَّه دليلٌ في الظَّاهِرِ على الكُفْرِ، ويجوز مع هذا أَنْ يكونَ هذا السابُّ الشَّاتِم في الباطِنِ عارفًا باللهِ مُوَحِّدًا له مُؤمِنًا به! فإذا أُقيمَتْ عليهم حجَّةٌ بنصٍّ أو إجماعٍ أَنَّ هذا كافِرٌ باطنًا وظاهرًا قالوا: هذا يقتضي أَنَّ ذلك مستلزِمٌ للتَّكذيبِ الباطِنِ، وأَنَّ الإيمانَ يَستلزِمُ عَدَمَ ذلك، فيقال لهم: معنا أمرانِ معلومانِ:
أحَدُهما: معلومٌ بالاضطرارِ مِن الدِّينِ. والثَّاني: معلومٌ بالاضطرارِ مِن أنفُسِنا عند التَّأمُّلِ. أمَّا "الأوَّلُ": فإنَّا نعلَمُ أَنَّ من سبَّ اللهَ ورَسولَه طوعًا بغير كَرْهٍ [1151] أي: بغيرِ إكراهٍ، بدليلِ قَولِه: ((طَوعًا بغيرِ كَرْه))، ولو كان المقصودُ بغير كُرْه، أي: بغيرِ بُغضٍ –كما ذكر بعضُهم- لقال: ((حبًّا بغيرِ كُرْهٍ))، وأيضًا بدليلِ قَولِه بعد ذلك: ((طائعًا غيرَ مُكْرَهٍ))، ثم من تأمَّل كلامَه رحمه الله في "الفتاوى" يجِدْه دائمًا يكرِّرُ قَولَه (طائعًا غيرَ مُكرَهٍ)، ويستشهِدُ بقَولِه تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ. ، بل من تكلَّم بكَلِماتِ الكُفْر طائعًا غير مُكْرَهٍ، ومن استهزأ باللهِ وآياتهِ ورَسولِه؛ فهو كافِرٌ باطنًا وظاهرًا، وإِنَّ من قال: إِنَّ مثل هذا قد يكونُ في الباطِنِ مُؤمِنًا بالله، وإِنَّما هو كافِرٌ في الظَّاهِرِ، فإنَّه قال قولًا معلومَ الفَسادِ بالضَّرورةِ مِن الدِّينِ، وقد ذكر اللهُ كَلِماتِ الكفَّارِ في القُرآنِ، وحَكَم بكُفْرِهم واستحقاقِهم الوعيدَ بها، ولو كانت أقوالُهم الكُفْريَّةُ بمنزلةِ شهادةِ الشُّهودِ عليهم، أو بمنزلةِ الإقرارِ الذي يَغلَطُ فيه المقِرُّ، لم يجعَلْهم اللهُ من أهلِ الوعيدِ بالشَّهادةِ التي قد تكونُ صِدْقًا، وقد تكون كَذِبًا، بل كان ينبغي أَلَّا يعذِّبَهم إلَّا بشَرطِ صِدْقِ الشَّهادةِ، وهذا كقَولِه تعالى:  لقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة: 73]،  لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة: 17]، وأمثالِ ذلك.
وأمَّا "الثَّاني": فالقَلْبُ إذا كان معتَقِدًا صِدْقَ الرَّسولِ، وأَنَّه رسولُ اللهِ، وكان محِبًّا لرَسولِ اللهِ معظِّمًا له؛ امتنع مع هذا أن يلعَنَه ويَسُبَّه، فلا يُتَصَّورُ ذلك منه إلَّا مع نوعٍ من الاستِخفافِ به وبحرمَتِه؛ فَعُلِمَ بذلك أنَّ مجرَّدَ اعتقادِ أَنَّه صادِقٌ لا يكونُ إيمانًا إلَّا مع محبَّتِه، وتعظيمِه بالقَلْبِ) [1152] يُنظر: "مجموع الفتاوى" (7/557). .
وقال أيضًا: (قَولُه:  مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ* أُوْلئِكَ الذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ [النحل: 106- 109]، فقد ذكر تعالى من كَفَر باللهِ مِن بعدِ إيمانِهِ، وذكَرَ وعيدَه في الآخرةِ، ثُمَّ قال:  ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ، وبَيَّن تعالى أَنَّ الوعيدَ استحَقُّوه بهذا [1153] أي: استحقُّوا الكُفرَ بسَبَبِ حُبِّ الدُّنيا على الآخِرةِ. . ومعلومٌ أَنَّ بابَ التَّصديقِ والتَّكذيبِ والعِلمِ والجَهلِ ليس هو من بابِ الحبِّ والبُغْضِ، وهؤلاء يقولون: إِنَّما استحقُّوا الوعيدَ لزَوالِ التَّصديقِ والإيمانِ مِن قُلوبِهم، وإِنْ كان ذلك قد يكونُ سَبَبُه حُبَّ الدُّنيا على الآخِرةِ، واللهُ سُبحانَه وتعالى جَعَل استحبابَ الدُّنيا على الآخِرةِ هو الأصلَ الموجِبَ للخُسْرانِ، واستحبابُ الدُّنيا على الآخِرةِ قد يكونُ مع العِلمِ والتَّصديقِ بأَنَّ الكُفْرَ يَضُرُّ في الآخِرةِ، وبأَنَّه ما لَه في الآخرةِ من خَلاقٍ.
وأيضًا فإِنَّه سُبحانَه استثنى المكْرَهَ من الكُفَّار، ولو كان الكُفْرُ لا يكونُ إلَّا بتكذيبِ القَلْبِ وجَهْلِه، لم يُسْتَثْنَ منه المُكرَهُ؛ لأَنَّ الإكراهَ على ذلك ممتَنِعٌ، فعُلِمَ أَنَّ التَّكلُّمَ بالكُفْرِ كُفرٌ إلَّا في حالِ الإكراهِ.
وقوله تعالى:  وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا أي: لاستحبابِه الدُّنيا على الآخِرةِ، ومنه قَولُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا ويمسي كافِرًا، ويُمسي مُؤمِنًا ويُصبِحُ كافِرًا، يبيعُ دينَه بعَرَضٍ من الدُّنيا)) [1154] أخرجه مسلم (118) مُطَوَّلًا باختلافٍ يسيرٍ مِن حَديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. ، فمن تكلَّم بدونِ الإكراهِ، لم يتكلَّم إلَّا وصَدرُه مُنشَرِحٌ به) [1155] يُنظر: "مجموع الفتاوى" (7/599-561) وابن تيميَّةَ هنا يقَرِّرُ أن من تكَلَّم بالكُفرِ بدونِ إكراهٍ، فقد شرح بالكُفرِ صدرًا، ولو كان الدَّاعي لذلك حبَّ الدُّنيا ومَلذَّاتِها. .
وقال: (فإن قيل: فقد قال تعالى:  وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا قيل: وهذا موافِقٌ لأوَّلها؛ فإِنَّه من كَفَر من غير إكراهٍ فقد شرح بالكُفْرِ صَدرًا، وإلَّا ناقَضَ أوَّلُ الآيةِ آخِرَها، ولو كان المرادُ بمن كَفَر هو الشَّارِحَ صَدْرَه، وذلك يكونُ بلا إكراهٍ، لم يستَثْنِ المكرَهَ فقط، بل كان يجِبُ أن يُستثنى المكرَهُ وغيرُ المكرَهِ إذا لم يَشرَحْ صَدْرَه، وإذا تكلَّم بكَلِمةِ الكُفْرِ طَوعًا فقد شرح بها صَدْرًا، وهي كفرٌ، وقد دلَّ على ذلك قولُه تعالى:  يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّل عَليْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة: 64-66]، فقد أخبر أَنَّهم كفروا بعد إيمانِهم مع قَولِهم: إنَّا تكلَّمْنا بالكُفْرِ من غيرِ اعتقادٍ له، بل كُنَّا نخوضُ ونلعَبُ، وبيَّن أَنَّ الاستهزاءَ بآياتِ اللهِ كُفرٌ، ولا يكونُ هذا إلَّا ممَّن شرح صَدْرَه بهذا الكلامِ، ولو كان الإيمانُ في قَلْبِه منَعَه أنْ يتكلَّمَ بهذا الكلامِ) [1156] يُنظر: "مجموع الفتاوى" (7/220). .
وقال أيضًا: (من قال بلِسانِه كَلِمةَ الكُفْرِ من غير حاجةٍ عامدًا لها عالِمًا بأَنَّها كَلِمةُ كُفرٍ فإِنَّه يَكفُرُ بذلك ظاهرًا وباطنًا، ولأنَّا لا نجوِّز أَنْ يقالَ: إِنَّه في الباطِنِ يجوزُ أَنْ يكونَ مُؤمِنًا، ومن قال ذلك فقد مَرَق من الإسلامِ؛ قال سُبحانَه:  مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل: 106]، ومعلومٌ أَنَّه لم يُرِدْ بالكُفْرِ هنا اعتقادَ القَلْبِ فقط؛ لأَنَّ ذلك لا يُكرَهُ الرَّجلُ عليه، وهو قد استثنى من أُكْرِه، ولم يُرِدْ من قال واعتقد، لأَنَّه استثنى المُكرَه وهو لا يُكرَه على العَقدِ والقَوْلِ، وإِنَّما يُكرَهُ على القَوْلِ فقط، فعُلِم أَنَّه أراد من تكلَّم بكَلِمةِ الكُفْرِ فعليه غَضَبٌ من الله، وله عذابٌ عظيمٌ، وأَنَّه كافِرٌ بذلك، إلَّا من أُكرِهَ وهو مُطمَئِنٌّ بالإيمانِ، ولكن من شَرَح بالكُفْرِ صَدرًا من المُكرَهين، فإِنَّه كافِرٌ أيضًا، فصار من تكلَّم بالكُفْرِ كافِرًا إلَّا من أُكرِهَ فقال بلِسانِه كَلِمةَ الكُفْرِ، وقَلْبُه مطمئنٌّ بالإيمان، وقال تعالى في حقِّ المستهزئينِ:  لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [1157] يُنظر: "الصارم المسلول" (ص 524). .
وقال أيضًا: (وقال سُبحانَه:  وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِليْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَليْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْل الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [النور: 47-51] فبيَّن سُبحانَه أَنَّ من تولَّى عن طاعةِ الرَّسولِ، وأعرَضَ عن حُكمِه، فهو من المنافِقين، وليس بمُؤمِنٍ، وأَنَّ المُؤمِنَ هو الذي يقولُ: سَمِعْنا وأَطَعْنا، فإذا كان النِّفاقُ يثبُتُ، ويزولُ الإيمانُ بمجرَّد الإعراضِ عن حُكمِ الرَّسولِ، وإرادةِ التَّحاكُمِ إلى غيرِه، مع أنَّ هذا تركٌ محْضٌ، وقد يكون سَبَبُه قوَّةَ الشَّهوةِ؛ فكيف بالتَّنَقُّصِ والسبِّ ونحوِه؟!) [1158] يُنظر: "الصَّارم المسلول" (ص43). .
وقال أيضًا: (ولا فَرْقَ بين من يعتَقِدُ أَنَّ اللهَ ربُّه، وأَنَّ اللهَ أمَرَه بهذا الأمرِ ثُمَّ يقولُ: إِنَّه لا يطيعُه؛ لأَنَّ أمْرَه ليس بصوابٍ ولا سَدادٍ، وبين من يعتَقِدُ أَنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، وأَنَّه صادقٌ واجبُ الاتِّباعِ في خَبَرِه وأمْرشه، ثُمَّ يسَبُّه أو يَعيبُ أمرَه أو شيئًا من أحوالِه، أو تنقَّصَه انتقاصًا لا يجوزُ أَنْ يستحقَّه الرَّسولُ؛ وذلك أَنَّ الإيمانَ قولٌ وعَمَلٌ، فمن اعتقد الوحدانيَّةَ في الألوهيَّةِ لله سُبحانَه وتعالى، والرِّسالةِ لعَبْدِه ورَسولِه، ثُمَّ لم يُتْبِعْ هذا الاعتِقادَ مُوجَبَه من الإجلالِ والإكرامِ -الذي هو حالٌ في القَلْبِ يظهَرُ أثَرُه على الجوارحِ، بل قارنه الاستخفافُ والتَّسفيهُ والازدراءُ بالقَوْلِ أو بالفِعْلِ- كان وجودُ ذلك الاعتقاِد كعَدَمِه، وكان ذلك مُوجِبًا لفسادِ ذلك الاعتقادِ، ومُزيلًا لِما فيه من المنفعةِ والصَّلاحِ؛ إذِ الاعتقاداتُ الإيمانيَّةُ تزكِّي النُّفوسَ وتُصلِحُها، فمتى لم توجِب زكاةَ النَّفسِ ولا صلاحَها فما ذاك إلَّا لأَنَّها لم ترسَخْ في القَلْبِ، ولم تَصِرْ صفةً ونعتًا للنَّفسِ ولا صَلاحًا، وإذا لم يكُنْ علمُ الإيمانِ المفروضِ صِفةً لقلب الإنسانِ لازمةً له، لم ينفَعْه، فإِنَّه يكونُ بمنـزلةِ حديثِ النَّفسِ وخواطِرِ القَلْبِ، والنَّجاةُ لا تحصُلُ إلَّا بيقينٍ في القَلْبِ، ولو أَنَّه مِثقالُ ذرَّةٍ، هذا فيما بينَه وبين اللهِ، وأمَّا في الظَّاهِرِ فيُجري الأحكامَ على ما يُظهِره من القَوْلِ والفِعْلِ) [1159] يُنظر: "الصَّارم المسلول" (ص 376). .
وقال أيضًا: (إنَّ من سبَّ اللهَ أو سبَّ رَسولَه، كَفَر ظاهِرًا وباطنًا، سواءٌ كان السابُّ يعتَقِدُ أَنَّ ذلك محرَّمٌ، أو كان مُستَحِلًّا له، أو كان ذاهِلًا عن اعتقادِه، هذا مذهَبُ الفُقَهاءِ وسائِرِ أهلِ السنَّةِ القائلينَ بأنَّ الإيمانَ قولٌ وعَمَلٌ …
 وكذلك نُقِلَ عن الشَّافعيِّ أَنَّه سُئِل عمَّن هَزَلَ بشيءٍ من آياتِ الله تعالى أَنَّه قال: هو كافِرٌ، واستدلَّ بقولِ الله تعالى:  قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُواقَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: 65، 66]، وكذلك قال أصحابُنا وغَيرُهم: من سبَّ اللهَ كَفَر، سواءٌ كان مازحًا أو جادًّا؛ لهذه الآيةِ، وهذا هو الصَّوابُ المقطوعُ به، ... ويجِبُ أَنْ يُعلَمَ أَنَّ القَوْلَ بأَنَّ كُفرَ السَّابِّ في نَفْسِ الأمرِ إِنَّما هو لاستحلالِه السَّبَّ- زلَّةٌ مُنكَرةٌ، وهَفوةٌ عظيمةٌ … وذلك من وجوهٍ:
أحَدُها: أَنَّ الحكايةَ المذكورةَ عن الفُقهاءِ أَنَّه إِنْ كان مُستَحِلَّا كَفَر، وإلَّا فلا، ليس لها أصلٌ، وإِنَّما نقَلَها القاضي من كتابِ بَعْض المتكلِّمين الذين نقلوها عن الفُقَهاءِ، وهؤلاء نقلوا قولَ الفُقَهاءِ بما ظنُّوه جاريًا على أصولِهم، أو بما قد سَمِعوه من بَعْض المنتَسِبين إلى الفقهِ ممَّن لا يعدُّ قولُه قولًا، وقد حكينا نصوصَ أئِمَّةِ الفُقَهاءِ، وحكايةَ إجماعِهم عمَّن هو من أعلَمِ النَّاسِ بمذاهِبِهم، فلا يظنُّ ظانٌّ أَنَّ في المسألةِ خِلافًا يجعَلُ المسألةَ من مسائِلِ الخلافِ والاجتهادِ، وإِنَّما ذلك غلطٌ، لا يستطيعُ أحدٌ أَنْ يحكِيَ عن واحدٍ من الفُقَهاءِ أئمَّةِ الفتْوى هذا التَّفصيلَ البتَّةَ.
الوَجهُ الثَّاني: أَنَّ الكُفْرَ إذا كان هو الاستِحلالَ فإِنَّما معناه اعتقادُ أَنَّ السَّبَّ حلالٌ، فإِنَّه لَمَّا اعتقد أَنَّ ما حرَّمه الله تعالى حلالٌ، كفَرَ، ولا رَيْبَ أَنَّ من اعتقد في المحرَّماتِ المعلومِ تحريمُها أَنَّها حلالٌ، كَفَر، لكِنْ لا فَرْقَ في ذلك بين سبِّ النَّبيِّ، وبين قَذْفِ المُؤمِنين، والكَذِبِ عليهم، والغِيبة لهم، إلى غيرِ ذلك من الأقوالِ التي عُلِمَ أَنَّ الله حرَّمها، فإِنَّه من فَعَل شيئًا من ذلك مستحلًّا  كَفَرَ، مع أَنَّه لا يجوزُ أَنْ يُقالَ: مَنْ قذفَ مُسْلِمًا أو اغتابه كَفَر، ويعني بذلك: إذا استحَلَّه.
الوَجهُ الثَّالثُ: أَنَّ اعتقادَ حِلِّ السَّبِّ كُفرٌ، سواءٌ اقتَرَن به وجودُ السَّبِّ أو لم يقتَرِنْ، فإذَن لا أثَرَ للسبِّ في التَّكفيرِ وُجودًا وعدمًا، وإِنَّما المؤثِّرُ هو الاعتقادُ، وهو خلافُ ما أجمع عليه العُلَماءُ.
الوَجهُ الرَّابعُ: أَنَّه إذا كان المكفِّرُ هو اعتقادَ الحِلِّ، فليس في السبِّ ما يدلُّ على أَنَّ السَّابَّ مستحِلٌّ، فيجب ألَّا يكفَّرَ، لا سيَّما إذا قال: أنا أعتَقِدُ أَنَّ هذا حرامٌ، وإِنَّما أقولُ غَيظًا وسفَهًا، أو عبَثًا أو لَعِبًا، كما قال المنافقون:  إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وكما إذا قال: إِنَّما قذَفْتُ هذا وكَذَبْتُ عليه لَعِبًا وعبثًا، فإن قيل: لا يكونون كُفَّارًا، فهو خِلافُ نصِّ القرآنِ، وإنْ قيل: يكونون كُفَّارًا، فهو تكفيرٌ بغيرِ مُوجبٍ، إذا لم يجعَلْ نَفس السَّبِّ مُكفِّرًا، وقَولُ القائِلِ: أنا لا أصدِّقُه في هذا، لا يستقيمُ؛ فإنَّ التَّكفيرَ لا يكونُ بأمرٍ محتَمِلٍ، فإذا كان قد قال: أنا أعتَقِدُ أنَّ ذلك ذنبٌ ومعصيةٌ وأنا أفعَلُه، فكيف يَكفُرُ إن لم يكن ذلك كُفرًا؟ ولهذا قال سُبحانَه وتعالى:  لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، ولم يقُلْ: قد كَذَبْتُم في قَولِكم: إِنَّما كنَّا نخوضُ ونلعَبُ، فلم يكذِّبْهم في هذا العُذر ِكما كذَّبَهم في ساِئِر ما أظهَروه من العُذرِ الذي يوجِبُ براءتَهم من الكُفْرِ لو كانوا صادقين، بل بَيَّن أَنَّهم كَفَروا بعد إيمانِهم، بهذا الخَوضِ واللَّعِبِ) [1160] يُنظر: "الصارم المسلول" (ص514- 517 مع حذف يسير). وخلاصةُ كلامِه أنَّ سَبَّ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمجرَّدِه كُفرٌ، سواءٌ استحلَّ السابُّ أو لم يستحلَّ، وسواءٌ قال: أعتَقِدُ ذلك أو لم يَقُلْ، وسواءٌ كان جادًّا أو مازحًا. .
34. علاءُ الدين عبد العزيز بن أحمد البُخاري (الحنفي). ت:730هـ
قال علاء الدين البخاري: (فإِنَّ الهَزْلَ بالرِّدَّة كُفرٌ لا بما هَزَل به، لكن بعينِ الهَزْلِ؛ لأَنَّ الهازِلَ جادٌّ في نَفسِ الهَزلِ مختارٌ راضٍ، والهَزْلُ بكَلِمةِ الكُفْرِ استخفافٌ بالدِّينِ الحقِّ؛ فصار مُرتدًّا بعينهِ لا بما هَزَل به، إلَّا أَنَّ أثَرَهما سواءٌ بخلافِ المُكْرَهِ؛ لأَنَّه غيُر مُعتَقِدٍ لِعَيْنِ ما أُكْرِه عليه.
قَولُه: لا بما هَزَل به ((جوابٌ عمَّا يقالُ: إنَّ مبنى الرِّدَّةِ على تبدُّلِ الاعتقادِ، ولم يوجَدْ هاهنا لوجودِ الهَزْلِ؛ فإنَّه ينافي الرِّضاءَ بالحُكمِ؛ فينبغي أَلَّا يكونَ الهزلُ بالرِّدَّة كُفرًا كما في حالِ الإكراهِ والسُّكرِ، فقال: الهَزلُ بالرِّدَّة كُفرٌ لا بما هَزَل بهِ، لكِنْ بعَينِ الهَزْلِ، يعني: أَنَّا لا نحكُمُ بكُفرِه باعتبارِ أَنَّه اعتقد ما هَزَل به من الكُفْرِ، بل نحكُمُ بكُفْرِه باعتبارِ أَنَّ نفسَ الهَزْلِ بالكُفْرِ كُفرٌ؛ لأَنَّ الهازلَ وإِنْ لم يكُنْ راضيًا بحُكمِ ما هَزَل به لكونِه هازلًا فيه، فهو جادٌّ في نفس التَّكلُّم به مختارٌ للسَّببِ راضٍ به، فإِنَّه إذا سبَّ النبيَّ عليه السلام هازلًا مثلًا، أو دعا للهِ تعالى شريكًا هازلًا، فهو راضٍ بالتَّكلُّم به مختارٌ لذلك، وإنْ لم يكُنْ معتقِدًا لِما يدلُّ عليه كلامُه، والتَّكلُّمُ بمثلِ هذه الكَلِمةِ هازلًا استخفافٌ بالدِّينِ الحقِّ، وهو كفرٌ. قال اللهُ تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُواقَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فصار المتكلِّمُ بالكُفْرِ بطريق الهَزْلِ مُرتَدًّا بعينِ الهَزْلِ؛ لاستخفافِه بالدِّينِ الحَقِّ لا بما هَزَل به، أي: لا باعتقادِ ما هزَلَ به، إلَّا أَنَّ أثَرَهما -أي: أثرَ الهَزلِ بالكُفْرِ، وأثَرَ ما هَزَل به- سواءٌ في إزالةِ الإيمانِ، وإثباتِ الكُفْرِ، بخِلافِ المُكرَه على الكُفْرِ؛ لأَنَّه غيرُ راضٍ بالسَّبَبِ والحُكمِ جميعًا، بل يجريه على لسانِه اضطرارًا ودفعًا للشرِّ عن نَفْسِه، غيرُ معتقدٍ له أصلًا. ولا يقالُ: إنَّ الهازِلَ لا يعتقدُ الكُفْرَ أيضًا؛ لأَنَّا نقولُ: هو معتقدٌ للكُفرِ؛ لأنَّ ممَّا يجِبُ اعتقادُه حُرمةُ الاستخفافِ بالدِّينِ وعَدَمِ الرِّضاءِ به ولَمَّا رَضِيَ بالهَزْلِ معتقدًا له كان كافِرًا. كذا في بَعْضِ الشُّروحِ) [1161] يُنظر: "كشف الأسرار شرح أصول البزدوي". (4/600) .
35. عبيدُ الله بن مسعود المحبوبي البخاريُّ (الحنفيُّ). ت:747هـ
قال المحبوبي: (الهَزْلُ بالرِّدَّة كفرٌ؛ لأَنَّه استخفافٌ، فيكون مرتَدًّا بعينِ الهزلِ، لا بما هَزَل به) أي: ليس كُفرُه بسَبَبِ ما هَزَل به، وهو اعتقادُ معنى كَلِمةِ الكُفْرِ التي تكلَّم بها هازلًا، فإنَّه غيُر معتَقِدٍ معناها، بل كفَّره بعينِ الهَزْلِ؛ فإنَّه استخفافٌ بالدِّين، وهو كُفرٌ، نعوذُ باللهِ تعالى منه) [1162] يُنظر: "التوضيح شرح التنقيح" (2/402). .
36. زين الدِّينِ عُمَرُ بن مظفر الوردي (الشَّافعي). ت:749هـ
قال ابنُ الوردي في البهجة:" (بَابُ الرِّدَّةِ)


مُكَلَّفٍ بِفِعْــلٍ أَوْ تَكَـلُّمِ




أَفْحَشُ كُفْرٍ ارْتِدَادُ مُسْـــلِمِ


وَبِاعْتِـقَادٍ مِنْهُ،كَالإِلْقَــاءِ




مَحْضٍ عِنَادًا وَبِالاسْـــتِهْزَاءِ


وَسَجْدَةٍ لِكَوْكَبٍ وَصُـورَةِ" [1163] يُنظر: "بهجة الحاوي" (ص 191). .




لِلْمُصْحَفِ الْعَـزِيزِ فِي الْقَاذُورَةِ

37. محمد بن أبي بكر ابن قيِّم الجوزيَّة. ت:751هـ
قال ابنُ القَيِّمِ: (وشُعَبُ الإيمانِ قِسمان: قوليَّةٌ، وفعليَّة، وكذلك شُعَبُ الكُفْرِ نوعان: قوليَّة وفعليَّة، ومن شعَبِ الإيمان القَوْليَّة: شُعبةٌ يُوجِبُ زوالُها زوالَ الإيمانَ، فكذلك مِن شُعَبِه الفِعْليَّةِ ما يُوجِبُ زوالَ الإيمانِ، وكذلك شُعَبُ الكُفْرِ القَوْليَّةُ والفِعْليَّةُ، فكما يَكفُرُ بالإتيانِ بكَلِمةِ الكُفْرِ اختيارًا، وهي شُعبةٌ مِن شُعَبِ الكُفْرِ، فكذلك يَكفُرُ بفِعلِ شُعبةٍ من شُعَبِه، كالسُّجودِ للصَّنَمِ، والاستهانَةِ بالمصحَفِ، فهذا أصلٌ.
وهاهنا أصلٌ آخرُ، وهو أنَّ حقيقةَ الإيمانِ مُرَكَّبةٌ من قولٍ وعَمَل، والقَوْلُ قسمان: قولُ القَلْبِ، وهو الاعتقادُ، وقَولُ اللِّسانِ، وهو التَّكَلُّمِ بكَلِمة الإسلامِ. والعَمَلُ قِسمان: عَمَلُ القَلْبِ، وهو نيَّتُه وإخلاصُه، وعَمَلُ الجوارحِ، فإذا زالَت هذه الأربعةُ، زالَ الإيمانُ بكمالِه، وإذا زالَ تصديقُ القَلْب، لم تنفَعْ بقيَّةُ الأجزاءِ، فإنَّ تصديقَ القَلْب شرطٌ في اعتقادِها، وكونِها نافِعةً، وإذا زال عَمَلُ القَلْبِ مع اعتقادِ الصِّدقِ، فهذا مَوضِعُ المعركةِ بين المرجِئةِ وأهلِ السُّنةِ؛ فأهلُ السُّنةِ مجمِعون على زوالِ الإيمانِ، وأَنَّه لا ينفَعُ التَّصديقُ مع انتفاءِ عملِ القَلْب، وهو محبَّتُه وانقيادُه كما لم ينفَعْ إبليسَ وفِرعَونَ وقَومَه واليهودَ والمُشْرِكين الذين كانوا يعتَقِدون صدقَ الرَّسولِ، بل ويقرُّون به سرًّا وجهرًا، ويقولون: ليس بكاذبٍ، ولكن لا نتَّبِعُه، ولا نؤمِنُ به.
وإذا كان الإيمانُ يزولُ بزوالِ عَمَلِ القَلْبِ، فغير مستنكَرٍ أَنْ يزولَ بزوالِ أعظَمِ أعمالِ الجوارحِ [1164] هذا تقرير ضمنيٌّ منه بأنَّ بعضَ أعمالِ الجوارح كالصَّلاةِ، شَرطٌ في صحَّةِ الإيمانِ، كأعمالِ القلوبِ، يزولُ الإيمانُ بزوالِها. ، ولا سيَّما إذا كان ملزومًا لعدمِ محبَّةِ القَلْبِ وانقيادِه الذي هو ملزومٌ لعَدَمِ التَّصديقِ الجازمِ كما تقدَّم تقريرُه، فإِنَّه يلزمُ من عَدَمِ طاعة القَلْبِ عَدَمُ طاعةِ الجوارحِ؛ إذْ لو أطاع القَلْبُ وانقاد، أطاعت الجوارحُ وانقادت، ويلزمُ من عدَمِ طاعتِه وانقيادِه عدَمُ التَّصديقِ المستلزِمِ للطَّاعةِ، وهو حقيقةُ الإيمانِ؛ فإنَّ الإيمانَ ليس مجرَّدَ التَّصديقِ كما تقدَّم بيانُه، وإِنَّما هو التَّصديقُ المستلزِمُ للطَّاعةِ والانقيادِ، وهكذا الهدى ليس هو مجرَّدَ مَعرِفةِ الحقِّ وتبيُّنِه، بل هو معرفتُه المستَلزِمةُ لاتِّباعِه، والعَمَلِ بمُوجِبِه، وإِنْ سمِّيَ الأوَّلُ هُدًى، فليس هو الهُدى التَّامَّ المستلزِمَ للاهتداءِ، كما أَنَّ اعتقادَ التَّصديقِ، وإِنْ سُمِّي تصديقًا، فليس هو التَّصديقَ المستلزِمَ للإيمانِ؛ فعليك بمراجَعـةِ هذا الأصلِ ومُراعاتِه) [1165] يُنظر: "كتاب الصلاة" (ص 53، 54). .
وقال  أيضًا: (وقد تقدَّم أَنَّ الذي قال لَمَّا وجد راحلتَه: اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك، أخطَأَ من شدَّة الفَرَحِ، لم يَكفُرْ بذلك، وإِنْ أتى بصريحِ الكُفْر؛ لكونِه لم يُرِدْه، والمُكْرَهُ على كَلِمةِ الكُفْر أتى بصريحِ كَلِمتِه، ولم يكفُرْ لعَدَمِ إرادتِه، بخلافِ المُستهزئِ والهازلِ؛ فإنَّه يلزمُه الطَّلاقُ والكُفْرُ، وإِنْ كان هازلًا؛ لأَنَّه قاصِدٌ للتكلُّمِ باللَّفظِ، وهَزْلُه لا يكونُ عُذرًا له، بخِلافِ المُكْرَه والمخطئِ والنَّاسي، فإِنَّه معذور، مأمورٌ بما يقولُه أو مأذونٌ له فيه، والهازلُ غير مأذونٍ له في الهَزْلِ بكَلِمة الكُفْر والعقودِ؛ فهو متكلِّمٌ باللَّفظِ مُريدٌ له، ولم يَصرِفْه عن معناه إكراهٌ ولا خطأٌ ولا نسيانٌ ولا جَهلٌ، والهَزْلُ لم يجعَلْه اللهُ ورسولُه عُذرًا صارفًا، بل صاحِبُه أحقُّ بالعقوبةِ؛ ألا ترى أنَّ الله تعالى عَذَر المكْرَهَ في تكلُّمِه بكَلِمةِ الكُفْرِ إذا كان قَلبُه مُطمئِنًّا بالإيمانِ، ولم يَعذِرِ الهازِلَ، بل قال:  وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [1166] يُنظر: "أعلام الموقعين عن رب العالمين" (3/63). .
38. تقيُّ الدِّين عليُّ بن عبد الكافي السبكيُّ (الشَّافعيُّ). ت:756هـ
قال السبُّكي: (التَّكفيرُ حكمٌ شرعيٌّ سبَبُه جَحْدُ الرُّبوبيَّةِ أو الوحْدانيَّةِ، أو الرِّسالةِ، أو قَولٌ أو فِعلٌ حَكَمَ الشَّارعُ بأنَّه كُفرٌ، وإِنْ لم يكنْ جَحْدًا) [1167] يُنظر: "فتاوى السبكي" (2/586). .
39. إسماعيل بن عمر بن كثير (الشَّافعيُّ). ت:774هـ
قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِ قَولِه تعالى:  مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُوْلئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِـرُونَ [النحل: 106-109]: (أخبر تعالى عمَّن كفر به بعد الإيمانِ والتَّبصُّر، وشَرَح صَدْرَه بالكُفْرِ واطمأنَّ به، أنَّه قد غَضِبَ عليه؛ لعِلْمِهم بالإيمانِ ثُمَّ عُدُولِهم عنه، وأنَّ لهم عذابًا عظيمًا في الدَّارِ الآخرةِ؛ لأَنَّهم استحبُّوا الحياةَ الدُّنيا على الآخِرةِ، فأقدَموا على ما أقدَموا عليه من الرِّدَّةِ لأجلِ الدُّنيا، ... وأمَّا قَولُه:  إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ فهو استثناءٌ ممَّن كَفَر بلِسانِه، ووافق المُشْرِكين بلَفْظِه مُكرَهًا؛ لِما ناله من ضَربٍ وأذى، وقَلْبُه يأبى ما يقولُ، وهو مُطمَئِنٌّ بالإيمانِ باللهِ ورَسولِه) [1168] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/ 605). .
40. خليل بن إسحاق (المالكيُّ). ت:776هـ
قال خليل بنُ إسحاقَ في باب الرِّدَّة: (الرِّدَّةُ: كُفرُ المُسْلِم بصريحٍ، أو لَفظٍ يقتضيه، أو فعلٍ يتضَمَّنُه؛ كإلقاءِ مُصحَفٍ بقَذَرٍ، وشَدِّ زُنَّارٍ، وسِحرٍ…) [1169] يُنظر: "مختصر خليل" (ص281). .
41. محمَّد بن عبد الرحمن العثمانيُّ (الشَّافعيُّ). ت: بعد 780هـ
قال محمد العثماني: (الرِّدَّةُ هي قطعُ الإسلامِ بقَولٍ، أو فِعلٍ، أو نيَّةٍ) [1170] يُنظر: "رحمة الأمَّة في اختلاف الأئمَّة" (ص490) .
42. عالم بن العلاء الأندربتي الدهلويُّ (الحنفيُّ). ت:786هـ
نقل في "الفتاوى التَّاتارخانيَّة" كلام برهان الدِّين بن مازه السابق، ولم يتعقَّبْه بشيءٍ، ثمَّ قال: (وفي النِّصابِ: ولو أطلق كَلِمةَ الكُفْرِ إلَّا أَنَّه لا يعتَقِدُ، اختلف جوابُ المشايخِ، والأصحُّ أَنَّه يَكفُرُ؛ لأَنَّه يستخفُّ بدينِه) [1171] يُنظر:"الفتاوى التاتارخانية" لعالم بن العلاء (5/459). .
43. سعد الدِّين مسعود بن عمر التَّفتازانيُّ (الشَّافعيُّ). ت:792هـ
قال التَّفتازاني: ((قوله: فيكونُ) أي: الهازِلُ بالرِّدَّة، مرتدًّا بنَفْسِ الهَزْل، لا بما هزَل به؛ لِما فيه من الاستخفافِ بالدِّينِ، وهو من أماراتِ تبدُّلِ الاعتقادِ، بدليلِ قَولِه تعالى حكايةً:  إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ الآية، وفي هذا جوابٌ عمَّا يقالُ: إِنَّ الارتدادَ إِنَّما يكونُ بتبدُّلِ الاعتقادِ، والهَزْلُ ينافيه؛ لعدم الرِّضا بالحُكمِ) [1172] يُنظر: "شرح التلويح على التوضيح" (2/402-403) .
44. بدر الدين بن محمَّد بهادر الزَّركشيُّ (الشَّافعيُّ). ت:794هـ
قال الزركشيُّ: (قال تعالى:  قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ فمن تكلَّم بكَلِمة الكُفْرِ هازِلًا، ولم يقصدِ الكُفْرَ كَفَر، وكذا إذا أخذَ مالَ غيرِه (مازحًا)، ولم يقصدِ السَّرِقَةَ حَرُم عليه) [1173] يُنظر: "المنثور في القواعد الفقهية" (2/380). .
45.  عبد الرَّحمن بن أحمد بن رجب (الحنبليُّ). ت:795هـ
 قال ابنُ رجب: (فقد يترُكُ دينَه ويفارق الجماعةَ وهو مقِرٌّ بالشَّهادتين، ويدَّعي الإسلامَ، كما إذا جحد شيئًا من أركانِ الإسلامِ، أو سبَّ اللهَ ورسولَه، أو كَفَر ببَعضِ الملائكةِ أو النبيِّين أو الكُتُبِ المذكورةِ في القرآنِ مع العِلمِ بذلك) [1174] يُنظر: شرح الحديث الرابع عشر من "الأربعين النووية". .
وقال أيضًا: (وأمَّا تَرْكُ الدِّين ومفارقةُ الجماعةِ، فمعناه الارْتدادُ عن دينِ الإسلامِ، ولو أتى بالشَّهادتينِ، فلو سبَّ اللهَ ورسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو مقِرٌّ بالشَّهادتين، أُبيْحَ دمُهُ؛ لأنَّه قد ترك بذلك دينَه، وكذلك لو استهان بالمصحَفِ وألقاه في القاذوراتِ، أو جحد ما يُعْلَمُ من الدِّينِ بالضَّرورةِ، كالصَّلاةِ وما أشبَهَ ذلك مِمَّا يُخرِجُ من الدِّينِ) [1175] يُنظر: المصدر السابق. .
46. برهان الدِّين إبراهيم بن فرحون اليعمري (المالكيُّ). ت:799هـ
قال ابنُ فرحون: (الرِّدَّةُ -والعياذُ باللهِ، ونسألُ اللهَ حُسنَ الخاتمةِ- وهي الكُفْرُ بعد الإسلامِ، قال ابنُ الحاجب: وتكونُ بصريحٍ، وبلفظٍ يقتضيه، وبفعلٍ يتضمَّنُـه) [1176] يُنظر: "تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام" (2/192). ونقله لكلام ابن الحاجب دون تعقيب دليلٌ على أنَّه يرتضيه. .
47. محمَّد بن شهاب البزَّاز (الحنفيُّ). ت:827هـ
قال ابنُ شهابٍ البزَّازُ: (ومن لقَّن إِنسانًا كَلِمةَ الكُفْر ليتكلَّمَ بها، كَفَر، وإِنْ كان على وَجهِ اللَّعِبِ والضَّحِكِ) [1177] يُنظر: "الفتاوى البزازية على حاشية الفتاوى الهندية" (6/337). .
48. محمَّد بن إبراهيم الوزير الصَّنعانيُّ. ت:840هـ
قال محمَّدُ بن إبراهيم الوزير: (ومن العَجَبِ أَنَّ الخصومَ من البهاشمةِ [1178] أصحاب أبي هاشمٍ الجُبَّائي المعتزلي. وغيرِهم، لم يساعِدوا على تكفيرِ النَّصارى الَّذين قالوا: إِنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ، ومن قال بقولهِم، مع نصِّ القرآنِ على كُفْرِه، إلَّا بشرطِ أَنْ يعتقدوا ذلك مع القَوْلِ! وعارضوا هذه الآيةَ الظَّاهرةَ بعُمومِ مَفهومِ قَولِه:  وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا … وعلى هذا لا يكونُ شيءٌ من الأفعالِ والأقوالِ كُفرًا إلَّا مع الاعتقادِ، حتى قَتْلُ الأنبياءِ! والاعتقادُ من السَّرائرِ المحجوبةِ؛ فلا يتحقَّقُ كُفرُ كافِرٍ قطُّ إلَّا بالنَّصِّ الخاصِّ في شخصٍ شخصٍ! … قال جماعــة جلَّة من عُلَماء الإسلامِ: إنَّه لا يكفرُ المُسْلِم بما ينْدُرُ منه من ألفاظِ الكُفْرِ إلَّا أَنْ يَعلَمَ المتلفِّظُ بها أَنَّها كُفرٌ… وهذا خِلافٌ متَّجِهٌ، بخلافِ قَولِ البهاشمةِ: لا يكفُرُ وإِنْ عَلِمَ أَنَّه كُفرٌ حتَّى يعتَقِدَه… [1179] إذَن هناك فرقٌ بين اشتراطِ العِلمِ بأنَّها كُفرٌ لينتفيَ مانِعُ الجَهلِ، وبين اشتراطِ الاعتقادِ. قد بالغ الشيخُ أبو هاشم وأصحابُه وغيرُهم فقالوا: هذه الآيةُ تدُلُّ على أَنَّ من لم يعتَقِدِ الكُفْرَ، ونطقَ بصريحِ الكُفْرِ، وبسَبِّ الرُّسُلِ أجمعين، وبالبراءةِ منهم، وبتكذيبِهم من غيرِ إكراهٍ، وهو يَعلَمُ أَنَّ ذلك كُفرٌ؛ أَنَّه لا يَكفُرُ! وهو ظاهِرُ اختيارِ الزَّمخشري في"كشَّافه"، فإِنَّه فسَّر شَرْحَ الصَّدرِ بطِيبِ النَّفسِ بالكُفْرِ، وباعتقادِه معًا [1180] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/ 636). ، واختاره الإمام يحيى عليه السَّلامُ، والأميرُ الحُسَين بن محمَّد، وهذا كلُّه ممنوعٌ لأمرَينِ؛ أحَدُهما: معارضةُ قَولِهم بقَولِه تعالى:  لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ فقضى بكُفرِ من قال ذلك بغيرِ شَرطٍ [1181] أي: بغيرِ شرطِ الاعتقادِ أو التكذيبِ أو نحوِ ذلك. ، فخرج المُكْرَهُ بالنَّصِّ [1182] أي: بقَولِه تعالى:  إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ. والإجماعُ، وبقي غَيرُه، فلو قال مكلَّفٌ مختارٌ غيرُ مُكْرَهٍ بمقالةِ النَّصارى التي نصَّ القُرآنُ على أَنَّها كُفرٌ، ولم يعتَقِدْ صِحَّةَ ما قال، لم يكفِّروه، مع أَنَّه لعِلْمِه بقُبْحِ قَولِه يجِبُ أَنْ يكونَ أعظَمَ إِثْمًا من بَعْضِ الوُجوهِ؛ لِقَولِه تعالى:  وَهُمْ يَعْلَمُونَ، فعَكَسوا، وجعلوا الجاهلَ بذنبِه كافِرًا، والعالِمَ الجاحدَ بلسانِه مع عِلْمِه مُسْلِمًا!
الأمرُ الثَّاني: أَنَّ حُجَّتَهم دائرةٌ بين دلالتَينِ ظنِّيَتَينِ قد اختلَف فيهما في الفُروعِ الظَّنِّيةِ. إحداهما: قياسُ العامِدِ على المُكْرَهِ، والقَطعُ على أَنَّ الإِكراهَ وَصفٌ مُلْغًى مثلُ كَونِ القائِلِ بالثَّلاثة نصرانيًّا، وهذا نازلٌ جدًّا، ومِثلُه لا يُقْبَلُ في الفُروع الظَّنِّيَّة. وثانيتُهما: عمومُ المفهومِ  وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْرًا فإِنَّه لا حُجَّةَ لهم في منطوقِها قَطْعًا وِفاقًا؛ وفي المفهومِ خلافٌ مشهورٌ هل هو حُجَّةٌ ظنِّيَّة؟ مع الاتِّفاقِ على أَنَّه هنا ليس بحُجَّة قَطعيَّة، ثُمَّ في إثباتِ عُمومٍ له خلافٌ، وحجَّتُهم هنا من عمومِه أيضًا، وهو أضعَفُ منه. بيانُه أَنَّ مفهومَ الآيةِ: ومن لم يشْرَحْ بالكُفْرِ صَدرًا فهو بخلافِ ذلك، سواءٌ قال كَلِمةَ الكُفْرِ بغيرِ إِكراهٍ أو قالها مع إكراهٍ، فاحتَمَل أَلَّا يدخُلَ المختارُ، بل رُجِّحَ أَلَّا يدخُلَ؛ لأَنَّ سبَبَ النُّزولِ في المُكْرَه، والعمومُ المنطوقُ يُضعِفُ شمولَه بذلك، ويختَلِفُ فيه، فضعُفَ ذلك في الظَّنِّيَّات من ثلاثِ جِهاتٍ: من كونِه مفهومًا، وكونِه عُمومَ مفهومٍ، وكونِه على سببٍ مضادٍّ لمقصودِهم) [1183] يُنظر: "إيثار الحق على الخلق" (ص: 379، 395). وخلاصةُ كلامِه: أَنَّ اشتراط البهاشمة أنَّه لا يكونُ شيءٌ من الأفعال والأقوالِ كُفرًا إلَّا مع الاعتقادِ: باطِلٌ، واستشهادُهم بآيةِ  وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا لا يَصِحُّ. .
49. علاء الدِّين عليُّ بن خليل الطَّرابلسيُّ (الحنفيُّ). ت:844هـ
 قال علاء الدين الطَّرابلسي: ((فَصلٌ في الرِّدَّة): نعوذُ بالله منها، ونسأل اللهَ حُسنَ الخاتمةِ، وهي الكُفْرُ بعد الإسلامِ، ويكونُ بصريحٍ، وبلفظٍ يقتضيه، وبفعلٍ يتضمَّنُه، … واللفظ الَّذي يقتضي الكُفْرَ، كجحْدِهِ لمِا عُلِمَ من الشَّريعةِ ضَرورةً؛ كالصَّلاة والصِّيام، … وأمَّا الفِعْلُ الذي يتضمَّنُ الكُفْرَ، فمِثلُ: التَّردُّد في الكنائِسِ، والتزامِ الزُّنَّار في الأعياد. انظر الخلاصة. وكتلطيخ الرُّكن الأسوَدِ بالنَّجاساتِ، وإلقاءِ المصحَفِ في القاذوراتِ، وكذا لو وضع رجلَه عليه استخفافًا. من القنية)) [1184] يُنظر: "معين الحكَّام فيما يتردَّد بين الخصمين من الأحكام" (ص144). .
50. أحمد بن علي بن حَجَر العسقلاني (الشَّافعي). ت:852هـ
نقل ابن حجرٍ كلامًا لأحد أئمَّةِ الشَّافعية مُقِرًّا له: (ونقل أبو بكرٍ الفارسيُّ أحد أئمَّة الشَّافعيَّة في كتاب الإجماعِ أَنَّ من سبَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ممَّا هو قذفٌ صريحٌ، كَفَر باتِّفاقِ العُلَماءِ) [1185] يُنظر: "فتح الباري" (12/282). والسبُّ فعلٌ، ولم يقيِّده بالاعتقادِ. .
51. كمال الدين بن عبد الواحد ابن الهمام (الحنفيُّ). ت:861هـ
قال ابنُ الهمام: (ومن هَزَل بلَفظِ كُفرٍ، ارتدَّ، وإِنْ لم يعتَقِدْه؛ للاستخفافِ، فهو ككُفرِ العنادِ، والألفاظُ التي يَكفُرُ بها تُعرَفُ في الفتاوى) [1186] يُنظر: "فتح القدير" (6/91). .
52. جلال الدِّين محمَّد بن أحمد المَحليُّ (الشَّافعيُّ). ت:864هـ
قال المحلي في تعريف الرِّدَّة: ((هي قَطعُ الإسلامِ بنيَّةِ) كُفرٍ (أو قَولِ ُكفرٍ أو فِعلٍ) مكفِّرٍ، (سواءٌ) في القَوْلِ (قاله استهزاءً أو عنادًا أو اعتقادًا)) [1187] يُنظر: "كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين"مع حاشية قليوبي وعميرة (4/267) .
53. محمَّد بن أحمد بن عماد الأقفهسي (الشَّافعيُّ). ت:867هـ
قال الأقفهسي: (باب الرِّدَّة (نعوذ باللهِ منها. تحصُل بأحَدِ ثلاثةِ أشياءَ: النِّيَّة، والقَوْل، والفِعْل. فلو نوى قَطْعَ الإسلامِ بقَلْبِه ولم يتلفَّظْ، أو نَطَق بكَلِمة كُفرٍ، أو سَجَد لصنمٍ أو شمسٍ؛ فمرتَدٌّ. وسواءٌ قال ذلك أو فعله اعتقادًا، أو استهزاءً، أو عنادًا. واعلَمْ أَنَّ القَوْلَ والفِعْلَ تارةً يستويان، وتارةً يكونُ الفِعْلُ أقوى، وتارةً يكونُ القَوْلُ أقوى. فالأوَّلُ: كالرِّدَّةِ، وإِنَّما تحصُلُ بالقَوْلِ والفِعْلِ، كما ذكَرْنا...) [1188] يُنظر: "الإرشاد إلى ما وقع في الفقه من الأعداد أو الذريعة إلى معرفة الأعداد الواردة في الشريعة" (1/553). .
54. محمَّد بن محمَّد بن محمَّد (ابن أمير الحاج) (الحنفيُّ). ت: 879هـ
قال ابنُ أمير الحاج: ( (وأمَّا ثبوتُ الرِّدَّة بالهَزْلِ) أي: بتكلُّم المُسْلِم بالكُفْرِ هَزْلًا (فيه) أي: فثُبوتُها بالهَزْلِ نَفْسِه (للاستخفاف)؛ لأَنَّ الهازِلَ راضٍ بإجراءِ كَلِمةِ الكُفْرِ على لسانِه، والرِّضا بذلك استخفافٌ بالدِّينِ، وهو كفرٌ بالنَّصِّ؛ قال تعالى:  وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: 65-66]، وبالإجماعِ، (لا بما هَزَل به)، وهو اعتقادُ معنى كَلِمةِ الكُفْرِ التي تكَلَّم بها هازلًا…) [1189] يُنظر: "التقرير والتحبير في شرح التحرير" (2/ 267). .
55. محمَّد بن أحمد المنهاجيُّ الأسيوطيُّ (الشَّافعيُّ). ت:880هـ
قال المنهاجي: (الرِّدَّةُ: وهي قَطعُ الإسلامِ بنيَّةٍ أو قَولِ كُفرٍ أو فِعلٍ، سواءٌ قاله استهزاءً أو عنادًا أو اعتقادًا) [1190] يُنظر: "جواهر العقود ومعين القضاة والموقّعين والشّهود" (2/250) .
56. عليُّ بن سليمان المرداويُّ (الحنبليُّ). ت:885هـ
قال المرداويّ: (قَولُه: (فمن أشْرَك باللهِ أو جَحَد ربوبيَّتَه أو وَحْدانيَّتَه أو صفةً من صفاتِه أو اتَّخذ لله صاحبةً أو ولدًا، أو جحَد نبيًّا أو كتابًا من كُتُبِ اللهِ أو شيئًا منه، أو سبَّ اللهَ أو رسولَه؛ كَفَر بلا نزاعٍ في الجُملةِ) مرادُه إذا أتى بذلك طوعًا، ولو هازلًا، وكان ذلك بعد أَنْ أسلم طوعًا، وقيل: وكَرهًا، قال جماعةٌ من الأصحابِ: أو سجد لشمسٍ أو قمرٍ، قال في التَّرغيب: أو أتى بقولٍ أو فعلٍ صريحٍ في الاستهزاءِ بالدِّينِ) [1191] يُنظر: "الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف" (10/326) .
57. محمد بن فراموز (مُلا خِسرو) (الحنفي). ت:885هـ
قال ملا خسرو مستشهدًا بكلامِ برهان الدِّين بن مازه: (وفي "المحيط": من أتى بلفظةِ الكُفْرِ مع عِلْمِه أَنَّها كفرٌ، إِنْ كان عن اعتقادٍ لا شكَّ أَنَّه يَكفُرُ، وإنْ لم يعتَقِدْ أو لم يعلَمْ أَنَّها لفظةُ الكُفْرِ، ولكن أتى بها عن اختيارٍ فقد كفر عند عامَّة العُلَماءِ، ولا يُعذَر بالجَهلِ [1192] يُنظر: التَّعليق على برهان الدِّين محمود بن مازه. ، وإِنْ لم يكن قاصِدًا في ذلك بأَنْ أراد أن يتلفَّظ بشيءٍ آخَرَ فجرى على لسانِه لفظةُ الكُفْرِ … فلا يَكفُرُ، وفي "الأجناس" عن محمَّد نصًّا: إنَّ من أراد أَنْ يقولَ: أكلتُ، فقال: كفَرْتُ؛ أنَّه لا يَكفُرُ، قالوا: هذا محمولٌ على ما بينه وبين الله تعالى، فأمَّا القاضي فلا يصدِّقُه، ومن أضمر الكُفْرَ أو همَّ به فهو كافِرٌ، ومن كَفَر بلِسانِه طائعًا وقَلْبُه مطمئنٌّ بالإيمانِ، فهو كافِرٌ، ولا ينفَعُه ما في قَلْبِه؛ لأنَّ الكافِرَ يُعرَفُ بما ينطِق به، فإذا نطَق بالكُفْرِ كان كافِرًا عندنا وعند الله تعالى، كذا في "المحيط") [1193] يُنظر: "درر الحكام شرح غرر الأحكام " (1/324). .
58. أبو عبد الله محمَّد بن قاسم الرصَّاع (المالكيُّ). ت:894هـ
قال الرصاع: (بابٌ فيما تظهر به الرِّدَّة، قال الشَّيخُ ابنُ شاس رحمه الله: ظُهورُ الرِّدَّةِ إمَّا بتصريحٍ بالكُفْرِ، أو بلفظٍ يقتضيه، أو فعلٍ يتضمَّنُه، قال الشَّيخُ رحمه الله بعد نَقْلِه له: قولُه: (بلفظٍ يقتضيه) كإنكارِ غيرِ حديثِ الإسلامِ وُجوبَ ما عُلِمَ من الدِّين ضرورةً، قوله: (أو فِعلٍ يقتضيه) كلبس الزُّنَّار، وإلقاءِ المصحَفِ في طريقِ النجاسةِ، أو السُّجودِ للصَّنمِ، ونحوِ ذلك) [1194] يُنظر: "شرح حدود ابن عرفة" (2/634). .
59. محمَّد بن قاسم الغزِّي (الشَّافعيُّ). ت:918هـ
قال ابنُ قاسم الغَزي في تعريف الرِّدَّة (وشرعًا: قطعُ الإسلامِ بنيَّةِ كفرٍ، أو قولِ كفرٍ، أو فعلِ كفرٍ، كسُجودٍ لصنمٍ، سواءٌ كان على جهةِ الاستهزاءِ أو العنادِ أو الاعتقادِ) [1195] يُنظر: "فتح القريب المجيب في شرح ألفاظ التقريب". مطبوع مع حاشية البيجوري (2/263-264). .
60. زكريَّا بن محمَّد الأنصاريُّ (الشَّافعيُّ). ت:926هـ
قال زكريا الأنصاري: (كتاب الرِّدَّة: هي قَطعُ من يصحُّ طلاقُه الإسلامَ بكُفرٍ عزمًا أو قولًا أو فعلًا؛ استهزاءً أو عنادًا أو اعتقادًا، كنفيِ الصَّانعِ، أو نبيٍّ، أو تكذيبِه، أو جَحْد مجمَعٍ عليه معلومٍ مِن الدِّينِ ضَرورةً بلا عُذرٍ، أو تردُّدٍ في كُفرٍ، أو إلقاءِ مُصحَفٍ بقاذورةٍ، أو سجودٍ لمخلوقٍ) [1196] يُنظر: "حاشية الجمل على شرح المنهج" (7/567-568). .
61. محمَّد بن عبد الرَّحمن المغربيُّ (المالكيُّ). ت:954هـ
نقل كلامًا للتفتازاني في شرح العقائد واستظهره، فقال: (وذَكَر الشَّيخُ سعد الدِّين في شرحِ العقائِدِ أنَّ من أفتى امرأةً بالكُفْر لتَبِيْنَ من زَوْجِها، فإنَّ ذلك كُفرٌ. قاله في أواخر شرح العقائد، وهو الظَّاهِرُ؛ لأَنَّه قد أمر بالكُفْرِ، ورَضِيَ به) [1197] يُنظر: "مواهب الجليل لشرح مختصر خليل" (3/480). ويُلاحظ أنَّ الغَرَضَ هنا من كُفْرِها دنيويٌّ، وهو الطَّلاقُ من زوجِها، وسيأتي من كلام المقبليِّ أنَّها إنْ فعلت ذلك ارتدَّت هي أيضًا. .
62. زين الدِّين بن إبراهيم الشهير بابن نجيم (الحنفيُّ). ت:970هـ
قال ابنُ نجيم: (والحاصِلُ أَنَّ من تكلَّم بكَلِمة الكُفْر هازلًا أو لاعبًا، كفَرَ عند الكلِّ، ولا اعتبارَ باعتقادِه، كما صرَّح به قاضيخان في فتاواه، ومن تكلَّم بها مخطئًا أو مُكْرَهًا لا يكفُرُ عند الكلِّ، ومن تكلَّم بها عالِمًا عامدًا، كفر عند الكلِّ) [1198] يُنظر: "البحر الرائق شرح كنز الحقائق" (5/134). .
وقال أيضًا: (عبادةُ الصَّنَمِ كفرٌ، ولا اعتبارَ بما في قَلْبِه) [1199] يُنظر: "الأشباه والنظائر مع شرح الحموي غمز عيون البصائر" (2/204). .
63. محمَّد بن أحمد الفتوحي (ابن النجار) (الحنبليُّ). ت:972هـ
قال الفتوحي: (قال: (بابُ حُكمِ المرتدِّ). وهو لغةً: الرَّاجِعُ. قال اللهُ سُبحانَه وتعالى:  وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (وهو) شرعًا: (من كَفَر ولو) كان (مميِّزًا) (بنطقٍ أو اعتقادٍ أو شكٍّ أو فعلٍ) طَوعًا. و(لو كان هازلًا) بعد إسلامِه) [1200] يُنظر: معونة أولي النهى شرح المنتهى (8/541). .
وقال: (فأمَّا من استحلَّ شيئًا مَّما تقدَّم ذِكْرُه، ونحوَه بغيرِ تأويلٍ، (أو سجد لكوكبٍ، أو نحوِه) كالشَّمسِ والقَمَرِ والصَّنَمِ، كَفَر؛ لأَنَّ ذلك إشراكٌ، وقد قال سُبحانَه وتعالى:  إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، (أو أتى بقولٍ أو فعلٍ صريحٍ في الاستهزاءِ بالدِّينِ، كَفَر)؛ لقَولِ الله سُبحانَه وتعالى:  وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [1201] يُنظر: معونة أولي النهى شرح المنتهى (8/546) .
64. أحمد بن محمَّد بن حجر الهيتميُّ (الشَّافعيُّ). ت:973هـ
قال الهيتمي: (فمن أنواعِ الكُفْرِ والشِّركِ أَنْ يعزِمَ الإنسانُ عليه في زَمَنٍ بعيدٍ أو قريبٍ، أو يعلِّقَه باللِّسانِ أو القَلْبِ، على شَيءٍ ولو محالًا عقليًّا فيما يظهَرُ، فيَكفُرُ حالًا، أو يعتَقِدَ ما يوجِبُه، أو يفعَلَ أو يتلفَّظَ بما يدلُّ عليه، سواءٌ أصَدَرَ عن اعتقادٍ أو عنادٍ أو استِهزاءٍ…) [1202] يُنظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/49) .
65. محمَّد بن أحمد الخطيب الشِّربينيُّ (الشَّافعيُّ). ت:977هـ
قال الشِّربيني: (كتاب الرِّدَّة: أعاذنا الله تعالى منها (هي) لغةً: الرُّجوعُ عن الشَّيءِ إلى غيره، وهي أفحشُ الكُفْرِ وأغلَظُه حكمًا، محبِطةٌ للعَمَلِ...، وشرعًا (قَطعُ) استمرارِ (الإسلامِ) ودوامِه، ويحصُلُ قَطعُه بأمورٍ: (بنيَّةِ) كُفرٍ … (أو) قَطعِ الإسلامِ بسَبَبِ (قولِ كفرٍ أو فِعلٍ) مُكَفِّرٍ، … ثُمَّ قَسَّم القَوْلَ ثلاثةَ أقسامٍ، بقَولِه: (سواءٌ قاله استهزاءً أو عنادًا أو اعتقادًا)؛ لِقَولِه تعالى:  قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، وكان الأَوْلى تأخيرُ القَوْلِ في كلامِه عن الفِعْلِ؛ لأَنَّ التَّقسيمَ فيه، وخرج بذلك من سبق لسانُه إلى الكُفْر، أو أُكْرِه عليه، فإنَّه لا يكونُ مرتدًّا،… (والفِعْلُ المكفِّرُ ما تعمَّده) صاحِبُه (استهزاءً صريحًا بالدِّينِ، أو جحودًا له، كإلقاءِ مُصحَفٍ)،… (وسجودٍ لصَنَمٍ))
[1203] يُنظر: ((مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج)) (5/ 427). .
66. زين الدِّين بن عبد العزيز المليباري (الشَّافعيُّ). ت:987هـ
قال المليباري: (الرِّدَّةُ لغةً: الرُّجوعُ، وهي أفحَشُ أنواعِ الكُفْرِ، ويحبَطُ بها العَمَل،… وشرعًا: (قطعُ مكلَّف) مختارٍ، فتلغو من صبيٍّ ومجنونٍ، ومُكرَهٍ عليها إذا كان قَلبُه مُؤمِنًا، (إسلامًا بكفرٍ عزمًا) حالًا أو مآلًا، فيكفُرُ به حالًا (أو قولًا أو فعلًا، باعتقادٍ) لذلك الفِعْلِ أو القَوْلِ، أي: معه (أو) مع (عنادٍ) من القائِلِ أو الفاعِلِ (أو) مع (استهزاءٍ) أي: استخفافٍ، بخلاف ما لو اقترن به ما يخرِجُه عن الرِّدَّة؛ كسَبقِ لِسانٍ، أو حكايةِ كُفرٍ، أو خَوفٍ) [1204] يُنظر: "فتح المعين بشرح قرة العين بمهمَّات الدِّين" (4/132). .
67. المُلَّا علي القاري (الحنفي). ت: 1014ه
قال علي القاري: (إنَّ إجراءَ كَلِمةِ الكُفرِ ومَبناه على اللِّسانِ مِن غيرِ اعتقادِ اللَّفظِ بمعناه، مع طواعيةٍ وعَدَمِ كراهيَتِه النَّاشِئةِ عن مُوجِبِ إكراهِ ذلك الكلامِ، حالَ كَونِه مُتلَبِّسًا بالغَفلةِ عن ذلك المرامِ: رَدٌّ لدينِ الإسلامِ، وخُروجٌ عن دائرةِ الأحكامِ، وهذا ما عليه أئِمَّةُ الحَنَفيَّةِ) [1205])) يُنظر: ((ضوء المعالي)) (ص: 112). .
68. محمَّد عبد الرؤوف المناويُّ (الشَّافعيُّ). ت:1031هـ
قال المناوي: (الرِّدَّة لُغةً: الرُّجوعُ عن الشَّيءِ إلى غيرِه. وشَرعًا: قَطعُ الإسلامِ بنيَّةٍ أو قَولٍ أو فِعل مُكَفِّرٍ) [1206] يُنظر: "التوقيف على مهمّات التعاريف" (ص 176). .
69. مَرْعيُّ بن يوسفٍ الكرميُّ المقدسيُّ (الحنبليُّ). ت:1033هـ
قال مرعي الكرمي: ((بابُ حُكمِ المرتَدِّ)، وهو من كَفَر بعد إسلامِه، ويحصُلُ الكُفْرُ بأحدِ أربعةِ أُمورٍ: بالقَوْلِ؛ كسَبِّ الله تعالى ورَسولِه أو ملائكتِه، أو ادِّعاءِ النُّبوَّةِ أو الشِّركِ له تعالى، وبالفِعْلِ؛ كالسُّجودِ للصَّنَمِ ونحوِه، وكإلقاءِ المصحَفِ في قاذورةٍ، وبالاعتقادِ كاعتقادِه الشَّريكَ له تعالى، أو أَنَّ الزِّنا أو الخَمْرَ حلالٌ، أو أنَّ الخبزَ حرامٌ، ونحو ذلك، ومما أُجِمعَ عليه إجماعًا قطعيًّا، وبالشَكِّ في شيءٍ من ذلك) [1207] يُنظر: "دليل الطالب" (ص317). .
70. منصور بن يونس البُهُوتي (الحنبليُّ). ت:1051هـ
قال البهوتي في باب حُكمِ المرتدِّ: (وهو لغةً الراجِعُ، يقال: ارتدَّ فهو مرتدٌّ: إذا رجع. قال تعالى:  وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبارِكُم فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِيْنَ. وشرعًا: (الذي يكفُرُ بعد إسلامِه) نطقًا أو اعتقادًا أو شكًّا أو فِعلًا (ولو مميِّزًا)، فتصحُّ رِدَّتُه كإسلامِه، ويأتي (طوعًا) لا مُكرَهًا؛ لقَولِه تعالى:  إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ (ولو) كان (هازلًا)؛ لعمومِ قولِه تعالى:  مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِيْنِهِ الآية) [1208] يُنظر: "كشاف القناع" (6/167). وانظر كيف فرَّق الشَّيخُ بين الاعتقاد والنُّطق والفعل، وجعل كلًّا منها مُكفِّرًا بذاتِه. .
71. أحمدُ بن أحمدَ شهاب الدِّين القليوبيُّ (الشَّافعيُّ). ت:1070هـ
نقل كلام "شرح الجلال المحليِّ على منهاج النوويِّ" مُقِرًّا له: (الرِّدَّةُ (هي قَطعُ الإسلامِ بنيَّةِ) كُفرٍ (أو قَولِ كفرٍ أو فعلٍ) مُكفِّرٍ (سواءٌ) في القَوْلِ (قاله استهزاءً أو عنادًا أو اعتقادًا))
[1209] يُنظر: "حاشية قليوبي وعميرة" (4/267). .
72. عبد الرَّحمن بن شيخي زاده داماد (الحنفيُّ). ت:1078هـ
نقل كلام محمَّد بن فراموز الحنفيِّ ولم يتعقَّبْه بشيءٍ، فقال: (وفي "الدرر": وإِنْ لم يَعتَقِدْ أو لم يعلَمْ أَنَّها لفظةُ الكُفْرِ، ولكن أتى بها عن اختيارٍ؛ فقد كفر عند عامَّة العُلَماءِ، ولا يعذَرُ بالجَهلِ، وإِنْ لم يقصِدْ في ذلك بأَنْ أراد أَنْ يتلفَّظَ بلَفظٍ آخَرَ فجرى على لسانِه لفظُ الكُفْرِ، فلا يكفُرُ، لكِنَّ القاضي لا يصدِّقُه، … ومن كَفَر بلسانِه طائعًا وقَلْبُه مطمئنٌّ بالإيمانِ، فهو كافِرٌ، ولا ينفَعُه ما في قَلْبِه؛ لأَنَّ الكافِر يُعرَفُ بما ينطِقُ به بالكُفْرِ، فإذا نطق بالكُفْرِ طائعًا، كان كافِرًا عندنا وعند اللهِ تعالى) [1210] يُنظر: "مجمع الأنـهر في شرح ملتقى الأبحر" (2/487). .
73. أبو البقاء أيوب بن موسى الكَفَويُّ (الحنفيُّ). 1095هـ
قال الكَفَوي: (الكُفْرُ قد يحصُلُ بالقَوْلِ تارةً، وبالفِعْل أخرى، والقَوْلُ الموجبُ للكُفْرِ: إنكارُ مُجمَعٍ عليه فيه نصٌّ، ولا فَرْقَ بين أَنْ يصدُر عن اعتقادٍ أو عنادٍ أو استهزاءٍ، والفِعْلُ الموجبُ للكُفْرِ هو الــذي يصدُرُ عن تعمُّدٍ، ويكونُ الاستهزاءُ صريحًا بالدِّين؛ كالسُّجودِ للصَّنَمِ، وإلقاءِ المصحَفِ في القاذوراتِ) [1211] يُنظر: "الكلِّيَّات" (ص 764). .
74. أحمد بن محمَّد الحسينيُّ الحمَويُّ (الحنفيُّ). ت:1098هـ
عرَّف ابن نجيم في "الأشباه والنظائر" الكُفْرَ بالتَّكذيبِ، فعقَّب عليه الحمَويُّ بقَولِه: (هذا التَّعريفُ غيرُ جامعٍ؛ إذ التَّكذيبُ يختصُّ بالقَوْلِ، والكُفْرُ قد يحصُلُ بالفِعْلِ) [1212] يُنظر: "غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر" (2/196). .
75. صالح بن مَهْديٍّ المقبليُّ. ت:1108هـ
قال المقبلي في حاشيتِه على "البحر الزخار": (وظاهِرُ قَولِه تعالى:  مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ يدلُّ على كُفرِ المتلفِّظِ وإِنْ لم يَعتَقِد معناه؛ لأَنَّه لم يستَثْنِ إلَّا المُكْرَه، والإكراهُ لا يكونُ على الأفعالِ القَلْبيَّة، فمن كَفَر قَلْبُه -مُكْرَهًا كان أو غيرَ مُكرَهٍ- فهو كافِرٌ، ومن كَفَر لِسانُه فقط، فإِنْ كان مُكْرَهًا لم يكفُرْ، وهو المستثنى في الآيةِ، وإِنْ لم يكُنْ مُكْرهًا، لَزِم أنْ يَكفُرَ؛ لأَنَّه الباقِيَ بعد الاستثناءِ، وبعد بيانِ حالِ من كَفَر قَلْبُه، وهو أعظمُ الكُفْرِ، ولذا استأنف ذِكرَه للتَّأكيدِ، كأَنَّه قال: ولكنَّ الكُفْرَ الكامِلَ كُفرُ القَلْبِ؛ فتبيَّن أَنَّه لو لم يكن النُّطقُ بمجرَّدِه كُفرًا، لما كان للاستثناءِ معنًى؛ لأَنَّه لا يصحُّ استثناءُ الإكراهِ مِن كُفْرِ القَلْبِ؛ لعَدَمِ إِمْكانِ الإكراهِ عليه، وبهذا يظهَرُ وَهْمُ من قال: إذا كفَرَتِ المرأةُ لتَبِيْنَ من زوجِها، لم تكُنْ مرتدَّةً؛ لأَنَّها لم تَشْرَحْ بالكُفْرِ صدرًا!) [1213] يُنظر: "المنار في المختار" (2/408). .
76. مجموعةٌ من عُلَماء الهندِ الأحنافِ [1214] قاموا بجمع فتاوى بأمر السلطان محمد أورنك عالم كير، المتوفَّى عام 1118هـ، سُمِّيَت بعد ذلك باسمه "الفتاوى العالمكيرية"، وعُرفت بـ "الفتاوى الهندية".
جاء في الفتاوى الهندية العالمكيرية: (ورُكْنُ الرِّدَّةِ إجراءُ كَلِمةِ الكُفرِ على اللِّسانِ بعد وجودِ الإيمانِ، وشرائِطُ صحَّتِها العقلُ، فلا تصحُّ رِدَّةُ المجنونِ ولا الصَّبيِّ الذي لا يعقِلُ، أمَّا من جنونُه ينقَطِعُ، فإِن ارتدَّ حالَ الجنونِ لم تصِحَّ، وإِن ارتدَّ حالَ إفاقتِه صحَّتْ، وكذا لا تصحُّ رِدَّةُ السَّكرانِ الذَّاهِبِ العقلِ، والبلوغُ ليس بشرطٍ لصحَّتِها، وكذا الذُّكورةُ ليست بشرطٍ لصحَّتِها، ومنها الطَّوعُ، فلا تصِحُّ رِدَّةُ المُكْرَهِ عليها، كذا في "البحر الرائق" ناقِلًا عن "البدائع") [1215] يُنظر: "الفتاوى الهندية العالمكيرية" (2/253). .
77. محمَّد بن إسماعيل الأمير الصَّنعانيُّ. ت:1182هـ
قال الصَّنعاني: (صَرَّح الفُقَهاءُ في كُتُبِ الفِقهِ في بابِ الرِّدَّةِ: أَنَّ من تكلَّم بكَلِمةِ الكُفْرِ يَكفُرُ، وإِنْ لم يقصِدْ معناها) [1216] يُنظر: "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد" (ص: 30). .
78. أحمد العَدَويُّ أبو البركات (الدَّردير) (المالكيُّ). ت:1201هـ
قال الدَّردير: ((الرِّدَّة كُفرُ المُسْلِم) المتقرِّرِ إسلامُه بالنُّطقِ بالشَّهادتينِ، مختارًا، ويكونُ بأحَدِ أمورٍ ثلاثةٍ: (بصريحٍ) من القَوْلِ؛ كقَولِه: أُشْرِكُ أو أَكْفُرُ باللهِ، (أو لفظٍ) أي: قَولٍ يقتضيه، … (أو فعلٍ يتضمَّنُه) أي: يقتضي الكُفْرَ ويستلزمُه استلزامًا بيِّنًا، (كإلقاءِ مُصحَفٍ بقذَرٍ)) [1217] يُنظر: "الشرح الكبير" (4/301) .
79. سليمان بن عمر الجمل (الشَّافعيُّ). ت:1204هـ
قال الجمل: ((كتابُ الرِّدَّة) (هي) لغةً: الرُّجوعُ عن الشَّيءِ إلى غيرِه، وشَرْعًا: (قَطْعُ من يصحُّ طلاقُه الإسلامَ بكفرٍ عزمًا)، ولو في قابلٍ (أو قولًا أو فعلًا، استهزاءً) كان ذلك، (أو عنادًا أو اعتقادًا) بخلافِ ما لو اقترن به ما يخرِجُه عن الرِّدَّةِ؛ كاجتهادٍ، أو سَبْق لسانٍ، أو حكايةٍ، أو خَوفٍ) [1218] يُنظر: "فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب" المشهور بـ "حاشية الجمل على شرح المنهج" (7/567). .
80. محمَّد بن عبد الوهاب التَّميميُّ. ت:1206هـ
قال محمَّدُ بنُ عبدِ الوَهَّابِ: (لو نُقَدِّر أَنَّ السُّلطانَ ظَلَم أهلَ المغرِبِ ظُلمًا عظيمًا في أموالِهم وبلادِهم، ومع هذا خافوا استيلاءَه على بلادِهم ظُلمًا وعدوانًا، ورأَوا أَنَّهم لا يدفعونَهم إِلَّا باستنجادِ الفِرنجِ، وعلموا أَنَّ الفرنجَ لا يوافِقونَهم إلَّا أَنْ يقولوا: نحن معكم على دينكم ودنياكم، ودينُكم هو الحقُّ، ودينُ السُّلطانِ هو الباطِلُ، وتظاهروا بذلك ليلًا ونهارًا، مع أَنَّهم لم يدخُلوا في دين الفِرنج، ولم يتركوا الإسلامَ بالفِعْلِ، لكن لَمَّا تظاهروا بما ذكرنا ومرادُهم دَفعُ الظُّلمِ عنهم، هل يَشُكُّ أحدٌ أنَّهم مرتدُّون في أكْبَر ما يكونُ من الكُفْرِ والرِّدَّةِ إذا صرَّحوا أَنَّ دينَ السُّلطان هو الباطِلُ، مع علمِهم أَنَّه حقٌّ، وصرَّحوا أنَّ دينَ الفِرَنج هو الصَّوابُ، وأَنَّه لا يُتَصوَّر أنَّهم لا يتيهون؛ لأنَّهم أكثَرُ من المُسْلِمين، ولأَنَّ اللهَ أعطاهم من الدُّنيا شيئًا كثيرًا، ولأَنَّهم أهلُ الزُّهد والرَّهبانيَّة؟! فتأمَّل هذا تأمُّلًا جيِّدًا، وتأمَّل ما صدَّرْتُم به الأوراقَ من موافقتِكم به الإسلامَ، ومعرفتِكم بالنَّاقِضِ إذا تحقَّقْتُموه، وأَنَّه يكونُ بكَلِمةٍ ولو لم تُعتَقَدْ، ويكونُ بفِعلٍ ولو لم يتكلَّم، ويكونُ في القَلْبِ مِن الحُبِّ والبُغْض ولو لم يتكلَّم ولم يعمَلْ؛ تبيَّن لك الأمرُ))
[1219] يُنظر: مؤلَّفات الشيخ - قسم الرسائل الشخصية (ص: 28). .
وقال: (تجِدُ الرَّجُلَ يؤمِنُ باللهِ ورَسولِه، وملائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه، وبالبَعثِ بعد الموتِ، فإذا فعل نوعًا من المكفِّراتِ، حَكَم أهلُ العِلمِ بكُفرِه وقَتْلِه، ولم ينفَعْه ما معه من الإِيمانِ. وقد ذكر الفُقَهاءُ من أهلِ كلِّ مذهبٍ "باب حكم المرتد"، وهو الَّذي يكفُرُ بعد إسلامِه، ثُمَّ ذكروا أنواعًا كثيرةً، من فَعَل واحدًا منها كَفرَ، وإذا تأمَّلْتَ ما ذكَرْناه، تبيَّن لك أنَّ الإيمانَ الشَّرعيَّ لا يجامِعُ الكُفْرَ، بخلافِ الإيمانِ اللُّغويِّ. واللهُ أعلَمُ) [1220] يُنظر: "الدرر السَّنِيَّة (10/137-138). .
وقال: (أمَّا إنْ لم يكُنْ له عذرٌ، وجلس بين أظهُرِهم، وأظهر لهم أنَّه منهم، وأَنَّ دينَهم حقٌّ، ودينُ الإسلامِ باطلٌ؛ فهذا كافِرٌ مرتدٌّ، ولو عرف الدِّينَ بقَلْبِه؛ لأَنَّه يمنَعُه من الهجرةِ محبَّةُ الدُّنيا على الآخِرةِ، ويتكلَّمُ بكلامِ الكُفْرِ من غيرِ إكراهٍ، فدخل في قَولِه تعالى:  وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [1221] يُنظر: المصدر السابق (10/141). وانظر: كيف حكم برِدَّته رغم أَنَّه أظهر الكُفرَ محبَّة للدُّنيا لا اعتقادًا له. .
وقال أيضًا: ((اعلَمْ رحِمَـك اللهُ: أنَّ دينَ اللهِ يكونُ على القَلْبِ بالاعتقادِ، وبالحبِّ والبُغضِ، ويكونُ على اللِّسانِ بالنُّطقِ، وتَرْكِ النُّطقِ بالكُفْرِ، ويكونُ على الجوارحِ بفِعلِ أركانِ الإسلامِ، وتَرْكِ الأفعالِ التي تكفِّرُ، فإذا اختلَّت واحِدةٌ من هذه الثَّـلاثِ كَفَر وارتدَّ.
مثالُ عَمَلِ القَلْبِ: أنْ يظنَّ أنَّ هذا الذي عليه أكثرُ النَّاسِ من الاعتقادِ في الأحياءِ والأمواتِ حَقٌّ، ويستدِلُّ بكون أكثَرِ النَّاسِ عليه، فهو كافِرٌ، مكذِّبٌ للنَّبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولو لم يتكلَّم بلسانِه، ولم يعملْ إلَّا بالتَّوحيدِ، وكذلك إذا شكَّ، لا يدري مَن الحقُّ معه، فهذا لو لم يكَذِبْ فهو لم يصدِّقِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فهو يقولُ: عسى اللهُ أَنْ يبيِّنَ الحقَّ! فهو في شكٍّ، فهو مرتَدٌّ ولو لم يتكلَّمْ إلَّا بالتَّوحيدِ.
ومثالُ اللِّسانِ: أنْ يؤمِنَ بالحقِّ ويحبَّه، ويكفُرَ بالباطِلِ ويبغِضَه، ولكنَّه تكلَّمَ مُداراةً لأهلِ الأحساءِ، ولأهلِ مكَّةَ أو غيرِهم بوُجوهِهم؛ خوفًا من شرِّهم، وإمَّا أَنْ يكتُبَ لهم كلامًا يصرِّحُ لهم بمَدحِ ما هم عليه، أو يذكُرَ أَنَّه ترك ما هو عليه، ويظنُّ أَنَّه ماكرٌ بهم، وقلبُه موقِنٌ أَنَّه لا يضُرُّه، وهذا أيضًا لغُرورِه!
وهو معنى قَولِ اللهِ تعالى:  مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ إلى قَولِه:  ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الْآخِرَةِ فقط لا لتغيُّرِ عقائِدِهم. فمن عرف هذا عرف أنَّ الخَطَرَ خطرٌ عظيمٌ شديدٌ، وعرف شدَّةَ الحاجةِ للتعلُّمِ والمذاكَرةِ، وهذا معنى قَولِه في الإقناعِ في الرِّدَّة: نطقًا أو اعتقادًا أو شكًّا أو فِعلًا. واللهُ أعلَمُ))
[1222] يُنظر: المصدر السابق (10/87). .
وقال كما في "تاريخ ابن غنَّام": (قَولُه تعالى في عمَّار بن ياسرٍ وأشباهِه:  مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمَانِ إلى قَولِه:  ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الْآخِرَةِ فلم يستثْنِ اللهَ إلَّا من أُكرِهَ وقَلبُه مُطمَئِنٌّ بالإيمانِ، بشَرطِ طُمأنينةِ قلبِه، والإكراهُ لا يكونُ على العقيدةِ، بل على القَوْلِ والفِعْلِ، فقد صرَّح بأنَّ من قال الكُفْرَ أو فعَلَه، فقد كفر إلَّا المُكْرَهَ، بالشَّرطِ المذكورِ؛ وذلك أنَّ ذلك بسَبَبِ إيثارِ الدُّنيا، لا بسَبَبِ العقيدةِ) [1223] يُنظر: "تاريخ ابن غنام" (ص 344). .
وقال: (إذا عرَفْتَ أنَّ أعظَمَ أهلِ الإخلاصِ وأكثَرَهم حَسَناتٍ لو قال كَلِمةَ الشِّركِ مع كراهيتِه لها ليقودَ غَيرَه بها إلى الإسلامِ، حبِطَ عَمَلُه، وصار من الخاسِرينَ، فكيف بمن أظهر أَنَّه منهم، وتكلَّم بمائةِ كَلِمةٍ لأجْلِ تجارةٍ أو لأجْلِ أنْ يحجَّ لَمَّا منع الموحِّدين من الحجِّ، كما منعوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابَه حتّى فتح اللهُ مَكَّةَ) [1224] يُنظر: رسالة في المسائل الخمس لمحمد بن عبد الوهاب. ضمن "الرسائل والمسائل النجدية" (4/11). .
وقال: (… السَّادِسُ: من استهزأ بشيءٍ من دينِ الرَّسولِ أو ثوابِه أو عقابِه، كَفَر، والدَّليلُ قَولُه تعالى:  قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: 65-66].
السَّابعُ: السِّحرُ، ومنه الصَّرفُ، والعَطفُ، فمن فَعَله أو رَضِيَ به، كَفَر، والدَّليلُ قَولُه تعالى:  وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ [البقرة: 102].  
الثَّامِنُ: مُظاهَرةُ المُشْرِكين ومعاونتُهم على المُسْلِمين، والدَّليلُ قَولُه تعالى:  وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: 51].
ولا فَرْقَ في جميعِ هذه النَّواقِضِ بين الهازِلِ والجادِّ والخائِفِ، إلَّا المُكْرَهَ، وكلُّها من أعظَمِ ما يكونُ خَطَرًا، وأكثَرِ ما يكون وقوعًا؛ فينبغي للمُسلم أنْ يحذَرْها، ويخافَ منها على نَفْسِه، نعوذُ باللهِ مِن مُوجِباتِ غَضَبِه، وأليمِ عقابِه، وصلَّى اللهُ على خَيرِ خَلْقِه محمَّدٍ وآلِه وصَحْبِه وسلَّم) [1225] يُنظر: رسالة "نَواقِض الإسلام". .
وقال: (ويقالُ أيضًا: إذا كان الأوَّلون لم يُكفَّروا إلَّا لأَنَّهم جمعوا بين الشِّركِ وتكذيبِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والقُرآنِ، وإنكارِ البَعثِ، وغيرِ ذلك، فما معنى البابِ الذي ذكر العُلَماء في كلِّ مذهبٍ "باب حُكمِ المرتَدِّ" وهو المُسْلِمُ الذي يَكفُرُ بعد إسلامِه، ثُمَّ ذكروا أنواعًا كثيرةً، كلُّ نوعٍ منها يكفِّر، ويُحلُّ دمَ الرَّجُلِ ومالَه، حتى إِنَّهم ذكروا أشياءَ يسيرةً عند من فعَلَها، مِثلُ كَلِمةٍ يَذكُرُها بلسانِه دون قَلْبِه، أو كَلِمةٍ يذكُرُها على وَجهِ المزْحِ واللَّعِب؟
ويقال أيضًا: الذين قال اللهُ فيهم:  يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ، أَما سمعْتَ اللهَ كفَّرهم بكَلِمةٍ مع كَونِهم في زَمَنِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهم يجاهِدون معه ويصلُّون معه ويزكُّون ويحجُّون ويوحِّدُون؟ وكذلك الذين قال اللهُ فيهم:  قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُواقَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ هؤلاء الَّذين صرَّح اللهُ أَنَّهم كَفَروا بعد إيمانِهم، وهم مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةِ تَبُوكَ، قالوا كَلِمةً ذكروا أَنَّهم قالوها على وَجهِ المزْحِ.
فتأمَّل هذه الشُّبهةَ، وهي قَولُهم: تكفِّرون من المُسْلِمين أُناسًا يشهدون أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، ويصلُّون ويصومون، ثمَّ تأمَّلْ جَوابَها؛ فإِنَّه من أنفَعِ ما في هذه الأوراقِ) [1226] يُنظر: "كشف الشبهات" (ص: 41). .
وقال أيضًا: (فإذا تحقَّقْتَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحابةِ الذين غَزَوا الرُّومَ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَفَروا بسَبَبِ كَلِمةٍ قالوها على وَجهِ المزحِ واللَّعِبِ، تبيَّن لك أَنَّ الَّذي يتكلَّمُ بالكُفْرِ، أو يعمَلُ به خوفًا من نَقصِ مالٍ، أو جاهٍ، أو مُداراةً لأحدٍ: أعظَمُ ممَّن تكلَّم بكَلِمةٍ يمزَحُ بها.
والآيةُ الثَّانيةُ: قَولُه تعالى:  مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمَانِ فلم يَعذِرِ اللهُ من هؤلاء إلَّا من أُكرِهَ مع كونِ قَلْبِه مُطمئنًّا بالإيمانِ، وأمَّا غيرُ هذا، فقد كَفَر بعد إيمانِه، سواءٌ فَعَلَه خَوفًا، أو مداراةً، أو مَشحَّةً بوَطَنِه أو أهلِه، أو عشيرتِه أو مالِه، أو فَعَله على وَجهِ المزحِ، أو لغيرِ ذلك من الأغراضِ، إلَّا المُكْرَهَ. والآيةُ تدلُّ على هذا من جهتَينِ:
الأولى: قَولُه:  إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ فلم يستَثْنِ اللهُ إلَّا المُكْرَهَ، ومعلومٌ أنَّ الإنسانَ لا يُكرَهُ إلَّا على العَمَلِ أو الكلامِ، وأمَّا عقيدةُ القَلْبِ فلا يُكرَهُ أحدٌ عليها.
والثَّانيةُ: قَولُه تعالى:  ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ، فصرَّح أنَّ هذا الكُفْرَ والعذابَ لم يكُنْ بسَبَبِ الاعتِقادِ أو الجَهلِ، أو البُغضِ للدِّينِ، أو محبَّةِ الكُفْرِ، وإِنَّما سَبَبُه أَنَّ له في ذلك حظًّا من حُظوظِ الدُّنيا، فآثَرَه على الدِّينِ، واللهُ سُبحانَه وتعالى أعلَمُ. والحَمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ، وصَلَّى اللهُ على محمَّدٍ وعلى آلِه وصَحْبِه أجمعينَ. آمينَ) [1227] يُنظر: المصدر السابق (ص: 57). وكلامُه هنا صريحٌ جِدًّا في أنَّ من نطق بكَلمةِ الكُفرِ، أو فَعَل مكفِّرًا، طوعًا لا إكراهًا، كَفَر وارتَدَّ ولو كان بسَبَبِ حَظٍّ أو غرَضٍ دنيويٍّ، ولو لم يعتَقِدْ ما قال أو فعل. .
وفي تفسيرِ قَولِه تعالى:  مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ … الآيات. ذكَرَ محمَّدُ بنُ عبدِ الوَهَّابِ مَسائِلَ؛ منها: (الثَّانيةُ: استثناءُ المُكْرَهِ المطمئنِّ.
الثَّالثةُ: أَنَّ الرُّخصةَ لمن جمع بينَهما خلافُ المُكْرَه فقط.
الرابعةُ: أَنَّ الرِّدَّة المذكورةَ كلامٌ أو فعلٌ من غير اعتقادٍ  ...
الثَّالثــة عشرة: من فعل ذلك فقد شرح بالكُفْرِ صدرًا ولو كرِه ذلك؛ لأَنَّه لم يستَثْنِ إلَّا من ذَكَر …
السادسة عشرة: ذِكرُ سَبَبِ تلك العقوبةِ، وهي استحبابُ الدُّنيا على الآخرةِ، لا مجرَّدُ الاعتقادِ أو الشَّكِّ) [1228] يُنظر: مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب - قسم التفسير (ص 229). .
وقال في تفسيرِ قَولِه تعالى:  قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلقَدْ أُوحِيَ إِليْكَ وَإِلى الذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لئِنْ أَشْرَكْتَ ليَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ : (فيه مسائِلُ: الأولى: الجوابُ عن قَولِ المُشْرِكين: هذا في الأصنامِ، وأمَّا الصَّالحونَ فلا. قَولُه:  قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ عامٌّ فيما سوى الله.
الثَّانية: أَنَّ المُسْلِم إذا أطاع من أشار عليه في الظَّاهِرِ، كَفَر، ولو كان باطِنُه يَعتَقِد الإيمانَ، فإِنَّهم لم يريدوا من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تغييرَ عقيدتِه، ففيه بيانٌ لِما يكثُرُ وُقوعُه ممَّن ينتَسِبُ إلى الإسلامِ في إظهارِ الموافَقةِ للمُشْرِكين خوفًا منهم، ويظنُّ أَنَّه لا يَكفُرُ إذا كان قَلْبُه كارِهًا له) [1229] يُنظر: المصدر السابق (ص: 344). .
وقال في تفسيرِ الآيةِ السَّابقةِ: (أمَّا الآيةُ الثَّانيةُ ففيها مسائِلُ أيضًا:
... الثَّالِثةُ: أَنَّ الذي يكفُرُ به المُسْلِمُ ليس هو عقيدةَ القَلْبِ خاصَّةً؛ فإِنَّ هذا الَّذي ذكرهم اللهُ لم يريدوا منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تغييرَ العقيدةِ كما تقدَّم، بل إذا أطاع المُسْلِمُ من أشار عليه بموافقتِهِم لأجْلِ مالِه أو بلدِه أو أهلِه، مع كَونِه يَعرِفُ كُفْرَهم ويبغِضُهم فهذا كافِرٌ إلَّا من أُكرِه))
[1230] يُنظر: المصدر السابق (ص: 345). .
81. محمَّد بن عليِّ بن غريب [1231] من كبار تلاميذ محمَّد بن عبد الوهَّاب وزوجُ ابنتِه. .ت:1209هـ
قال: (المرتدُّ لغةً الرَّاجِعُ، يقال: ارتَدَّ فهو مرتدٌّ: إذا رجع؛ قال تعالى:  وَلَا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ، وشرعًا الذي يكفُرُ بعد إسلامِه نطقًا أو اعتقادًا أو شكًّا أو فعلًا، وبعضُ هؤلاء الأئمَّةِ قال: ولو مميِّزًا فتصحُّ رِدَّتُه كإسلامِه، وهم الحنابلةُ ومن وافقَهم، طَوعًا لا مُكرَهًا بأنْ فعل لِداعي الإكراه لاعتِقادِه ما أُرِيدَ منه؛ لِقَولِه تعالى:  إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا الآية) [1232] يُنظر: "التوضيح عن توحيد الخلَّاق" (ص 42). وقد نُسِب هذا الكتاب خطأً لسليمان بن عبد الله بن محمَّد بن عبد الوهَّاب. وانظر: تحقيق ذلك في كتاب "علماء نجد خلال ثمانية قرون" للبسَّام (2/346) (6/313)، وكتاب "دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمَّد بن عبد الوهَّاب" لعبد العزيز العبد اللطيف (ص59)، وقد رجَّح نسبةَ الكتاب إلى: محمَّد بن غريب، وحمد بن معمر، وعبد الله بن محمَّد بن عبد الوهاب. .
وقال أيضًا: (كما يكونُ الكُفْرُ بالاعتقادِ يكونُ أيضًا بالقَوْلِ؛ كسَبِّ اللهِ أو رَسولِه أو دينِه أو الاستهزاءِ به؛ قال تعالى:  قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْـتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَـرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، وبالفِعْل أيضًا؛ كإلقاءِ المصحَفِ في القاذورات، والسُّجودِ لغيرِ اللهِ، ونحوِهما، وهذا وإن وُجِدَتْ فيهما العقيدةُ فالقَوْلُ والفِعْلُ مُغلَّبان عليها لظهورِهما) [1233] يُنظر: المصدر السابق (ص 101). .
82. عبد الله بن حجازي الشَّرقاويُّ (الشَّافعيُّ). ت:1227هـ
قال الشَّرقاوي في "حاشيته على التَّحرير" لزكريَّا الأنصاريِّ: (الرِّدَّةُ قَطعُ من يصحُّ طلاقُه الإسلامَ بكفرٍ نيَّةً أو قولًا أو فعلًا، استهزاءً كان كلُّ ذلك أو عنادًا أو اعتقادًا) قوله: (بكفرٍ نيَّةً أو قولًا أو فعلًا) فمثالُ النِّيَّةِ أَنْ يعزِمَ على الكُفْرِ ولو في قابلٍ… والفِعْلُ: أنْ يسجدَ لمخلوقٍ؛ كصنمٍ وشمسٍ بلا ضرورةٍ، أو يُلقيَ مُصحفًا أو كُتُب علمٍ شرعيٍّ أو ما عليه اسمٌ معظمٌ، في قاذورةٍ،… قوله: (استهزاءً) أي: استخفافًا، قوله: (أو عنادًا) بأنْ عَرَف الحقَّ باطنًا، وامتنع أنْ يُقِرَّ به) [1234] يُنظر: "حاشية الشرقاوي على التحرير"(2/388). .
83. سليمان بن عبد الله بن محمَّد بن عبد الوهَّاب. ت:1233هـ
قال سليمان بن عبد الله في "الدَّلائل في حُكمِ موالاةِ أهلِ الإشراكِ": (اعلَمْ -رحمك اللهُ- أنَّ الإنسانَ إِذا أَظهر للمُشْرِكين الموافقةَ على دينهِم؛ خوفًا منهم ومداراةً لهم، ومداهنةً لدفع شرِّهم؛ فإِنَّه كافِرٌ مِثْلُهم، وإنْ كان يَكرَهُ دينَهم ويُبغِضُهم، ويحبُّ الإسلامَ والمُسْلِمين، … ولا يُستثنى من ذلك إلَّا المُكرَهُ، وهو الذي يستولي عليه المُشْرِكون، فيقولون له: اكْفُرْ أو افْعَلْ كذا، وإلَّا فعَلْنا بك وقتَلْناك. أو يأخذونَه فيعذِّبونه حتى يوافِقَهم؛ فيجوزُ له الموافقةُ باللِّسانِ، مع طُمأنينةِ القَلْبِ بالإيمانِ. وقد أجمع العُلَماءُ على أَنَّ من تكلَّم بالكُفْرِ هازِلًا أَنَّه يكفُرُ، فكيف بمن أظهر الكُفْرَ خوفًا وطمعًا في الدُّنيا؟! وكثيرٌ من أهلِ الباطلِ إِنَّما يتركون الحقَّ خوفًا من زوالِ دُنياهم، وإلَّا فيعرفون الحقَّ ويَعتَقِدونَه ولم يكونوا بذلك مُسْلِمين.
… قوله تعالى:  وَقَدْ نَزَّل عَليْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُم. فذكَرَ تبارك وتعالى أَنَّه نزَّل على المُؤمِنين في الكتابِ: أَنَّهم إذا سَمِعوا آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بها، ويُسْتَهْزَأُ بها فلا يقعدوا معهم، حتى يخوضوا في حديثٍ غيرِه، وأَنَّ من جلس مع الكافِرين بآياتِ اللهِ، المستهزِئين بها في حالِ كُفْرِهم واستهزائِهم؛ فهو مِثْلُهم، ولم يفرِّقْ بين الخائِفِ وغيرِه، إلَّا المٌكْرَهَ.
هذا وهُم في بلدٍ واحدٍ في أوَّلِ الإسلامِ، فكيف بمن كان في سَعَةِ الإسلامِ وعِزِّه وبلادِه، فدعا الكافِرين بآياتِ اللهِ المُستهزئين بها إلى بلادِه، واتَّخذهم أولياءَ وأصحابًا وجُلَساءَ، وسَمِع كُفْرَهم واستهزاءَهم وأقرَّهم، وطرَدَ أهلَ التَّوحيدِ وأبعَدَهم؟!
… قَولُه تعالى:  مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ. فحكم تعالى حُكمًا لا يُبدَّلُ أنَّ من رجع عن دينِه إلى الكُفْر، فهو كافِرٌ، سواءٌ كان له عذرٌ: خوفٌ على نفسٍ أو مالٍ أو أهلٍ، أم لا، وسواءٌ كَفَر بباطِنِه وظاهِرِه، أمْ بظاهِرِه دون باطنِه، وسواءٌ كفر بفعالِه ومقالِه، أم بأحدِهما دون الآخَرِ. وسواءٌ كان طامعًا في دنيا ينالها من المُشْرِكين أمْ لا، … فهو كافِرٌ على كلِّ حالٍ، إلَّا المُكرَه. وهو في لغتنا: المغصوبُ … ثمَّ أخبَرَ تعالى أنَّ على هؤلاء المرتدِّين، الشَّارحين صدورَهم بالكُفْر، وإنْ كانوا يقطعون على الحقِّ، ويقولون: ما فعَلْنا هذا إلَّا خوفًا، فعليهم غَضَبٌ من الله، ولهم عذابٌ عظيمٌ، ثُمَّ أخبر تعالى أَنَّ سَبَبَ هذا الكُفْرِ والعذابِ ليس بسَبَبِ الاعتقادِ للشِّركِ أو الجَهلِ بالتَّوحيد، أو البُغضِ للدِّين أو محبَّةٍ للكُفْرِ، وإِنَّما سَبَبُه: أنَّ له في ذلك حظًّا من حظوظ الدُّنيا، فآثَرَه على الدِّينِ، وعلى رضا ربِّ العالَمين، فقال:  ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ فكفَّرهم تعالى، وأخبر أَنَّه لا يهديهم مع كَونِهم يعتَذِرونَ بمحبَّةِ الدُّنيا. ثُمَّ أخبَرَ تعالى أنَّ هؤلاء المرتدِّين لأجْلِ استحبابِ الدُّنيا على الآخِرةِ هم الذين طبع اللهُ على قلوبِهم وسَمْعِهم وأبصارِهم، وأنَّهم الغاِفلون. ثُمَّ أخبَرَ خَبرًا مؤكَّدًا محقَّقًا أَنَّهم في الآخِرةِ هم الخاسِرون.
وهكذا حالُ هؤلاء المرتدِّين في هذه الفِتنةِ، غرَّهُم الشَّيطانُ، وأَوهمَهم أَنَّ الخوفَ عُذرٌ لهم في الرِّدَّة، وأَنَّهم بمعرفةِ الحَقِّ ومحبَّتِه والشَّهادةِ به لا يَضُرُّهم ما فعلوه، ونَسُوا أَنَّ كثيرًا من المُشْرِكين يعرفون الحقَّ، ويحبُّونَه ويشهدون به، ولكنْ يترُكون متابعتَه والعَمَلَ به؛ محبَّةً للدُّنيا، وخوفًا على الأنفُسِ والأموالِ والمآكَلِ والرِّياساتِ. ثُمَّ قال تعالى:  ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّل اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ، فأخبر تعالى أنَّ سَبَبَ ما جرى عليهم من الرِّدَّةِ وتسويلِ الشَّيطانِ، والإملاءِ لهم، هو قَولُهم للَّذين كَرِهوا ما نزَّل الله: سنُطيعكم في بَعْضِ الأمرِ.
فإذا كان مَنْ وَعَد المُشْرِكين الكارهين لِما نزَّل اللهُ بطاعتِهم في بَعْضِ الأمرِ- كافِرًا، وإنْ لم يفعَلْ ما وعدَهُم به، فكيف بمن وافق المُشْرِكين الكارهين لما نزَّل اللهُ من الأمرِ بعبادتِه وحدَه لا شريك له؟! … وقد قال تعالى في مَوضِعٍ آخَرَ:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلى الْإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. ففي هاتينِ الآيتينِ البيانُ الواضِحُ: أَنَّه لا عُذرَ لأحَدٍ في الموافَقةِ على الكُفْرِ؛ خوفًا على الأموالِ والآباءِ، والأبناءِ والأزواجِ والعَشـائِرِ، ونحـوِ ذلك ممَّا يعتذَرُ به كثيـرٌ مِن النَّاسِ.
إذا كان لم يرخِّصْ لأحَدٍ في مُوادَّتِهم، واتخاذِهم أولياءَ بأنفُسِهم؛ خوفًا منهم وإيثارًا لمرضاتِهم. فكيف بمن اتَّخذ الكُفَّارَ الأباعِدَ أولياءَ وأصحابًا، وأظهَرَ لهم الموافَقةَ على دينِهم؛ خوفًا على بَعْضِ هذه الأمورِ ومحبَّةً لها؟! ومن العَجَبِ استحسانُهم لذلك، واستحلالُهم له، فجَمَعوا مع الرِّدَّةِ استِحلالَ المحرَّمِ) [1235] يُنظر: رسالــة "الــدلائل في حــكم موالاة أهل الإشراك" (ص29-57 مع حذفٍ غير قليل). .
وقال أيضًا: (من استهزأ باللهِ، أو بكتابِه أو برَسولِه، أو بدينِه؛ كَفرَ، ولو هازِلًا لم يقصِد حقيقةَ الاستهزاءِ؛ إجماعًا. قال: وقَولُ اللهِ تعالى:  وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ.
الشَّرح: يقولُ تعالى مخاطبًا لرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:   وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي: سألْتَ المنافقين الَّذين تكلَّموا بكَلِمة الكُفْرِ استهزاءً  ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ أي: يعتذِرونَ بأَنَّهم لم يقصِدوا الاستهزاءَ والتَّكذيبَ، إِنَّما قصدوا الخوضَ في الحديثِ واللَّعِبِ،  قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لم يعبَأْ باعتذارِهم إِمَّا لأَنَّهم كانوا كاذبين فيه، وإِمَّا لأَنَّ الاستهزاءَ على وَجْهِ الخَوضِ واللَّعِبِ لا يكونُ صاحِبُه معذورًا، وعلى التَّقديرينِ فهذا عذرٌ باطِلٌ، فإِنَّهم أخطَؤوا موقعَ الاستهزاءِ، وهل يجتَمِعُ الإيمانُ باللهِ، وكتابِه، ورَسولِه، والاستهزاءُ بذلك في قَلب؟ٍ! بل ذلك عينُ الكُفْرِ؛ فلذلك كان الجوابُ مع ما قَبْلَه:  لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، قال شيخُ الإسلامِ: فقد أمَرَه أنْ يقولَ: كفَرْتُم بعد إيمانِكم. وقَولُ من يقولُ: إنَّهم قد كفروا بعد إيمانهم بلسانِهم مع كُفْرهم أوَّلًا بقُلوبِهم، لا يصحُّ؛ لأنَّ الإيمانَ باللِّسانِ مع كُفرِ القَلْبِ قد قارنه الكُفْرُ، فلا يقالُ: قد كفَرْتُم بعد إيمانِكم؛ فإِنَّهم لم يزالوا كافِرين في نفسِ الأمرِ، وإنْ أُرِيد: إِنَّكم أظهرتُمُ الكُفْرَ بعد إظهارِكم الإيمانَ، فهم لم يُظهِروا ذلك إلَّا لخوضِهم، وهم مع خوضِهم ما زالوا هكذا، بل لَمَّا نافقوا وحَذِروا أنْ تنـزِل عليهم سورَةٌ تبيِّنُ ما في قلوبِهم من النِّفاقِ، وتكلَّموا بالاستهزاءِ، أي: صاروا كافِرين بعد إيمانِهم، ولا يدلُّ اللَّفظُ على أَنَّهم ما زالوا منافِقين، إلى أَنْ قال تعالى:  وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فاعْتَرَفوا؛ ولهذا قيل:  لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً، فدلَّ على أَنَّهم لم يكونوا عند أنفُسِهم قد أَتَوا كُفْرًا، بل ظنُّوا أَنَّ ذلك ليس بكُفرٍ، فتبيَّن أنَّ الاستهزاءَ بآياتِ الله ورسولِه كفرٌ يَكفرُ به صاحبُه بعدَ إيمانِه، فدلَّ على أَنَّه كان عندَهم إيمانٌ ضعيفٌ، ففعَلوا هذا المحرَّمَ الَّذي عرفوا أنَّه محرَّمٌ، ولكنْ لم يظنُّوه كُفرًا، وكان كُفرًا كَفَروا به، فإِنَّهم لم يَعتَقِدوا جوازَه) [1236] يُنظر: "تيسير العزيز الحميد" (ص 617-619). .
84. مصطفى بن سعد بن عبدَة الرُّحيبانيُّ (الحنبليُّ). ت:1243هـ
قال الرحيباني: (باب حُكم المرتدِّ (وهو) لغةً: الرَّاجِعُ، يقال: ارتدَّ فهو مرتدٌّ: إذا رجعَ؛ قال تعالى:  وَلَا تَرْتَدُّوْا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ، وشرعًا: (مَنْ كفرَ) نُطقًا أو اعتقادًا أو شكًّا (ولو) كان (مميِّزًا) فتصحُّ رِدَّتُه كإسلامِه، ويأتي (طوعًا)، ولو كان هازِلًا بعد إسلامِه) [1237] يُنظر: "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى" (6/275). .
85. عبدُ الله بن محمَّد بن عبد الوهَّاب. ت:1244هـ
قال عبدُ اللهِ بنُ محمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّابِ في رسالتِه "الكلمات النَّافعة في المكفِّرات الواقعة": ((أمَّا بعدُ، فهذه فصولٌ وكَلِماتٌ نقَلْتُها من كلامِ العُلَماء المجتهدين من أصحاب الأئمَّة الأربعة الَّذين هم أئمَّةُ أهل ِالسُّنَّةِ والدِّين، في بيانِ بَعْضِ الأفعالِ والأقوالِ المكفِّرة للمُسْلِم المخرِجةِ له من الدِّينِ، وأَنَّ تلفُّظَه بالشَّهادتين وانتسابَه إلى الإسلامِ، وعَمَلَه ببعضِ شرائعِ الدِّين لا يَمْنَع من تكفيرِه وقَتْلِه وإلحاقِه بالمرتدِّين. والسَّبَبُ الحامِلُ على ذلك أَنَّ بَعْضَ من ينتسِب إلى العِلمِ والفِقهِ من أهلِ هذا الزَّمانِ غلِطَ في ذلك غلَطًا فاحشًا قبيحًا، وأنكر على من أفتى به من أهلِ العِلمِ والدِّينِ إنكارًا شنيعًا، ولم يكُنْ لهم بإنكارِ ذلك مستنَدٌ صحيحٌ لا من كلامِ اللهِ، ولا من كلامِ رَسولِه، ولا من كلامِ أئمَّةِ العِلمِ والدِّينِ،…) ثُمَّ نقل كلامًا كثيرًا لبعض الأئمَّةِ إلى أنْ قال: (وقال الشَّيخُ رحمه الله تعالى في كتابِ "الصَّارم المسلول على شاتم الرَّسول": قال الإمامُ إسحاقُ بنُ راهَوَيه أحَدُ الأئمَّةِ يُعدَلُ بالشَّافعي وأحمد: أجمع المُسْلِمون أنَّ من سبَّ اللهَ أو رسولَه أو دفع شيئًا ممَّا أنزَل اللهُ؛ أنَّه كافِرٌ بذلك، وإنْ كان مُقِرًّا بكلِّ ما أنزل الله. وقال محمَّد بن سحنون أحدُ الأئمَّةِ من أصحابِ مالكٍ: أجمع العُلَماءُ على أَنَّ شاتمَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كافِرٌ، وحُكمُه عند الأئمَّة القتلُ، ومن شكَّ في كُفرِه كَفَر، …. انتهى. فتأمَّلْ -رحمك اللهُ- تعالى كلامَ إسحاقَ بن ِراهَوَيه ونَقْلَه الإجماعَ على أنَّ من سبَّ اللهَ أو سبَّ رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو دفع شيئًا ممَّا أنزل الله: فهو كافِرٌ -وإنْ كان مُقِرًّا بكلِّ ما أنزل الله- يتبيَّنْ لك أنَّ من تلفَّظ بلسانه بسبِّ الله تعالى أو بسبِّ رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فهو كافِرٌ مرتدٌّ عن الإسلامِ، وإنْ أقرَّ بجميعِ ما أنزل اللهُ، وإنْ كان هازلًا بذلك لم يقصِدْ معناه بقَلْبِه، كما قال الشَّافعيُّ رَضِيَ اللهُ عنه: من هَزَل بشيءٍ من آياتِ اللهِ فهو كافِرٌ، فكيف بمن هزل بسبِّ اللهِ تعالى أو بسبِّ رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ ولهذا قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: قال أصحابُنا وغيرُهم: من سبَّ اللهَ، كفر -مازحًا أو جادًّا-؛ لِقَولِه تعالى:  قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ الآية، قال: وهذا هو الصَّواب المقطوعُ به) [1238] يُنظر: "الجامع الفريد" (33-292)، "الدرر السنيَّة" (10/149). .
86. محمَّد بن عليٍّ الشَّوكانيُّ. ت:1250هـ
قال الشوكاني: (وكثيرًا ما يأتي هؤلاء الرَّعايا بألفاظٍ كُفريَّةٍ، فيقولُ: هو يهوديٌّ ليفعلَنَّ كذا، وليفعلَنَّ كذا، ومرتدٌّ تارةً بالقَوْلِ، وتارةً بالفِعْل، وهو لا يشعُرُ) [1239] يُنظر: "الدواء العاجل" (ص 14). .
87. محمَّد أمين ابن عابدين (الحنفيُّ). ت:1252هـ
قال ابنُ عابدين تعليقًا على قول الحصفكي في "الدرِّ المختار" في باب المرتدِّ بعد أنْ عرَّفه لغةً وشرعًا: (وفي "الفتح": من هَزَل بلفظِ كفرٍ ارتَدَّ وإن لم يَعتَقِدْه؛ للاستخفافِ، فهو ككُفرِ العنادِ): (قَولُه: «من هزَلَ بلفظِ كفرٍ» أي: تكلَّم به باختيارِه غيرَ قاصدٍ معناه … وكما لو سجَد لصنمٍ أو وضَعَ مصحفًا في قاذورةٍ؛ فإنَّه يكفُرُ وإنْ كان مصدِّقًا) [1240] يُنظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (4/ 222).
88. شهاب الدِّين محمود بن عبد الله الآلوسي. ت:1270هـ
قال الآلوسي في تفسيرِ قَولِه تعالى:  لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ: (واستدلَّ بعضُهم بالآيةِ على أنَّ الجِدَّ واللَّعِبَ في إظهارِ كَلِمةِ الكُفْر سواءٌ، ولا خِلافَ بين الأئمَّةِ في ذلك) [1241] يُنظر: "روح المعاني" (10/131). .
89. إبراهيم بن محمَّد بن أحمد البيجوريُّ (الشَّافعيُّ). ت:1277هـ
قال البيجوري في "حاشيتِه على ابنِ قاسم الغزِّيِّ" في تعريف الرِّدَّة: (وشرعًا: قَطْعُ الإسلامِ بنيةِ كُفرٍ، أو قولِ كفرٍ، أو فعلِ كُفرٍ؛ كسُجودٍ لصنمٍ، سواءٌ كان على جهةِ الاستهزاءِ، أو العنادِ أو الاعتقادِ). قَولُه: (سواءٌ كان إلخ…) تعميمٌ في قَطعِ الإسلامِ بنيَّةِ الكُفْرِ أو قَولِه أو فِعْلِه، لكِنْ لا يظهَرُ الاستهزاءُ في النِّيَّةِ، وإِنَّما يظهَرُ في القَوْل والفِعْل. وقولُه: (جِهةِ الاستهزاءِ) أي: جِهةٍ هي الاستهزاءُ. قال تعالى:  قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ. وقَولُه: (أو العنادِ) أي: كأن يقولَ: اللهُ ثالثُ ثلاثةٍ، عنادًا لِمن يخاصِمُه، مع اعتقادِه أنَّ اللهَ واحدٌ؛ فيَكفُرُ بذلك) [1242] يُنظر: "حاشية البيجوري على شرح ابن قاسم الغزي" (2/264). .
90. عبد الله بن عبد الرَّحمن أبابطين. ت:1282هـ
قال أبا بطين: (ما سألْتَ عنه من أنَّه هل يجوزُ تعيينُ إنسانٍ بعينه بالكُفْرِ، إذا ارتكب شيئًا من المكفِّراتِ، فالأمرُ الذي دلَّ عليه الكِتابُ والسُّنَّةُ وإجماعُ العُلَماء على أنَّه كُفرٌ، مِثلُ الشِّرْكِ بعبادةِ غيرِ اللهِ سُبحانَه، فمن ارتكب شيئًا من هذا النَّوعِ أو جِنْسِه؛ فهـذا لا شكَّ في كُفْرِه.
ولا بأسَ بمن تحقَّقْتَ منه شيئًا من ذلك، أنْ تقول: كَفَر فلانٌ بهذا الفِعْلِ، يُبَيِّن هذا: أنَّ الفُقَهاءَ يذكُرون في بابِ حُكمِ المرتدِّ أشياءَ كثيرةً، يصيرُ بها المُسْلِم كافِرًا، ويفتَتِحون هذا البابَ بقَولِهم: من أشرَكَ باللهِ كَفَر، وحُكمُه أَنَّه يُستتابُ، فإِنْ تاب وإلَّا قُتل، والاستتابةُ إنَّما تكونُ مع معيَّنٍ.
ولَمَّا قال بَعْضُ أهلِ البِدَعِ عند الشَّافعيِّ: إنَّ القرآنَ مخلوقٌ، قال: كفرْتَ باللهِ العظيمِ، وكلامُ العُلَماءِ في تكفير ِالمعيَّنِ كثيرٌ، وأعظَمُ أنواعِ الكُفْرِ: الشِّرْكُ بعبادةِ غيرِ اللهِ، وهو كُفرٌ بإجماع المُسْلِمين، ولا مانعَ من تكفير من اتَّصف بذلك، كما أنَّ من زنى قيل: فلان زانٍ، ومن رابى قيل: فلانٌ مرُابٍ) [1243] يُنظر: "الدرر السنيَّة" (10/416). وهذا بعد تحقق الشروط وانتفاء الموانع. .
وسئل أيضًا: عن قَولِ الصَّنعانيِّ: إِنَّه لا ينفَعُ قَولُ من فعلَ الشِّرْكَ: أنا لا أشرِكُ باللهِ... إلخ؟
فأجاب: (يعني: أَنَّه إذا فَعَل الشِّركَ فهو مُشْرِكٌ، وإنْ سمَّاه بغيرِ اسمِه، ونفاه عن نفسِه.
وقَولُه: وقد صرَّح الفُقَهاءُ في كُتُبِهم بأَنَّ من تكلَّم بكَلِمة الكُفْرِ يكفرُ، وإنْ لم يقصدْ معناها، فمرادُهم بذلك: أنَّ من يتكلَّم بكلام كفرٍ، مازحًا أو هازلًا، وهو عبارةُ كثيرٍ منهم، في قَولِهم: من أتى بقولٍ، أو فعلٍ صريح في الاستهزاء بالدِّين، وإِنْ كان مازحًا؛ لقَولِه تعالى:  وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [1244] يُنظر: المصدر السابق (10/419). .
وقال: (ويقالُ لِمن قال: إنَّ من أتى بالشَّهادتينِ لا يُتَصوَّرُ كفرُه، ما معنى البابِ الَّذي يذكره الفقهاءُ في كتب الفقهِ، وهو (باب حكم المرتدِّ)، والمرتدُّ هو الذي يكفُرُ بعدَ إسلامِه بكلامٍ أو اعتقادٍ أو فعلٍ أو شكٍّ، وهو قبل ذلك يتلفَّظُ بالشَّهادتينِ، ويصَلِّي ويصومُ، فإذا أتى بشيءٍ ممَّا ذكروه، صار مرتدًّا مع كونِه يتكلَّمُ بالشَّهادتينِ ويصلِّي ويصومُ، ولا يمنَعُه تكلُّمه بالشَّهادتين وصلاتُه وصومُه عن الحُكمِ عليه بالرِّدَّة؟ وهذا ظاهرٌ بالأدلَّة من الكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ.
وأوَّل ما يَذكُرون في هذا البابِ الشِّركُ بالله، فمن أشركَ باللهِ فهو مرتدٌّ، والشِّرْكُ عبادةُ غيرِ اللهِ، فمن جعل شيئًا من العبادةِ لغيرِ اللهِ، فهو مُشركٌ، وإنْ كان يصومُ النهارَ، ويقومُ اللَّيـلَ، فعَمَلُه حابطٌ))
[1245] يُنظر: "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" (1/659). .
91. عبد الرَّحمن بن حسن بن محمَّد بن عبد الوهَّاب. ت:1285هـ
قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ حَسَن: (وأمَّا مذهَبُ الخوارجِ فإِنَّهم يكَفِّرون أهلَ الإيمانِ بارتكابِ الذُّنوبِ؛ ما كان منها دون الكُفْرِ والشِّركِ، وأَنَّهم قد خَرَجوا في خلافةِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وكفَّروا الصَّحابةَ بما جرى بينهم من القِتالِ، واستدلُّوا على ذلك بآياتٍ وأحاديثَ، لكنَّهم أخطَؤوا في الاستدلالِ؛ فإنَّ ما دون الشِّركِ والكُفْرِ من المعاصي لا يُكفَّرُ فاعلُه، لكنَّه يُنهى عنه، وإذا أصرَّ على كَبيرةٍ ولم يتُبْ منها يجِبُ نهيُه والقيامُ عليه، وكلُّ مُنكَرٍ يجِبُ إنكارُه مِن تَرْكِ واجبٍ أو ارتكابِ محرَّمٍ، لكن لا يُكَفَّرُ إلَّا من فَعَل مُكفِّرًا دلَّ الكتابُ والسُّنَّةُ على أنَّه كُفرٌ، وكذا ما اتَّفق العُلَماءُ على أنَّ فِعْلَه أو اعتِقادَه كُفرٌ) [1246] يُنظر: المصدر السابق (1/380). .
92. محمَّد بن أحمد المعروف بالشيخ عليش (المالكيُّ). ت: 1299هـ
 قال عليش: ((باب) في بيانِ حقيقةِ الرِّدَّةِ وأحكامِها (الرِّدَّة) أي: حقيقتُها شرعًا، (كُفْر) جِنسٌ شَمِل الرِّدَّةَ وسائِرَ أنواعِ الكُفْر. الشَّخصِ (المُسْلِمِ)، أي: الَّذي ثبت إسلامُه ببنوَّتِه لمُسْلِمٍ، وإنْ لم ينطِقْ بالشَّهادتينِ، أو بنُطقِه بهما عالِمًا بأركانِ الإسلامِ مُلتزمًا لها، والإضافةُ فَصلٌ مُخْرِجٌ سائِرَ أنواعِ الكُفْرِ… وسواءٌ كَفَر (بـ) قَولٍ (صريحٍ) في الكُفْرِ، كقَولِه: كَفَر باللهِ أو برَسولِ اللهِ، أو بالقُرآنِ، أو الإلهُ اثنانِ أو ثلاثةٌ، أو المسيحُ ابنُ اللهِ، أو العُزَيرُ ابنُ اللهِ، (أو) بـ (لفظٍ يقتضيه) أي: يستلزِمُ اللَّفظُ الكُفْرَ استلزامًا بيِّنًا؛ كجَحْدِ مشروعيَّةِ شَيءٍ مجمَعٍ عليه، معلومٍ من الدِّين ضرورةً؛ فإِنَّه يستلزِمُ تكذيبَ القُرآنِ أو الرَّسولِ، وكاعتقادِ جِسْميَّةِ اللهِ وتحيُّزِه؛ فإِنَّه يستلزِمُ حُدوثَه واحتياجَه لِمُحْدِثٍ، ونَفْيِ صفاتِ الأُلوهيَّةِ عنه جلَّ جلالُه، وعَظُم شأنُه. (أو) بـ (فعلٍ يتضمَّنُه) أي: يستلزِمُ الفِعْلُ الكُفْرَ استلزامًا بيِّنًا؛ (كإلقاءِ) أي: رَمْيِ (مصُحَفٍ) أي: الكتابِ المشتَمِلِ على النُّقوشِ الدَّالَّةِ على كلامِ اللهِ تعالى (بـ) شيءٍ (قَذِرٍ) أي: مُستقذَرٍ مُستعافٍ، ولو طاهرًا كبُصاقٍ، ومِثلُ إلقائِه تلطيخُه به أو تَرْكُه به مع القُدرةِ على إزالتهِ؛ لأنَّ الدَّوامَ كالابتداءِ، وكالمصحَفِ جُزؤُه، والحديثُ القدسيُّ والنبويُّ ولو لم يتواتَرْ، وأسماءُ اللهِ تعالى، وأسماءُ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ) [1247] يُنظر: "منح الجليل على مختصر خليل" (9/205). .
93. حمد بن عليِّ بن عتيق. ت:1301هـ
قال حمد بن عتيق: (إذا تكلَّم بالكُفْرِ من غيرِ إكراهٍ كَفَر، وإنْ كان قلبُه مطمئنًّا بالإيمانِ، كما أَنَّ من شرح بالكُفْر صَدرًا كَفَر وإِنْ لم يتكلَّمْ) [1248] يُنظر: "الدفاع عن أهل السُّــنَّة والاتَّباع" (ص23). .
وقال أيضًا: (وأمَّا المسألةُ الثَّالثةُ، وهي ما يُعذَرُ الرَّجلُ به على مُوافقةِ المُشْرِكين، وإظهارِ الطَّاعةِ لهم، فاعْلَم أنَّ إظهارَ الموافقةِ للمُشْرِكين له ثلاثُ حالاتٍ:
... الحالةُ الثَّالثةُ: أنْ يوافِقَهم في الظَّاهِرِ مع مخالفتِه لهم في الباطِنِ، وهو من وجهَينِ: أحَدُهما: أَنْ يفعلَ ذلك لكَونِه في سُلطانِهم، مع ضَرْبِهم وتقييدِهم له، ويتهدَّدونه بالقَتلِ، فيقولون له: إِمَّا أنْ تُوافِقَنا وتظهِرَ الانقيادَ لنا، وإلَّا قتَلْناك، فإِنَّه -والحالةُ هذه- يجوزُ له موافقتُهم في الظَّاهِرِ، مع كونِ قَلْبِه مطمئنًّا بالإيمانِ، كما جرى لعمَّارٍ حين أنزل اللهُ تعالى:  مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ، وكما قال تعالى:  إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً، فالآيتان دلَّتا على الحُكمِ، كما نبَّه على ذلك ابنُ كثـيرٍ في تفسيرِ آيةِ آل عمران.
الوَجهُ الثَّاني: أَنْ يوافِقَهم في الظَّاهِرِ مع مخالفتِه لهم في الباطِنِ، وهو ليس في سُلطانِهم، وإِنَّما حمله على ذلك إِما طمعٌ في رئاسةٍ أو مالٍ، أو مشحَّةٍ بوطنٍ أو عيالٍ، أو خوفٍ ممَّا يحدُثُ في المالِ؛ فإِنَّه في هذه الحالِ يكونُ مُرتدًّا، ولا تنفَعُه كراهتُه لهم في الباطِنِ، وهو ممَّن قال اللهُ فيهم:  ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ، فأخبر أَنَّه لم يحمِلْهُم على الكُفْرِ الجَهلُ أو بُغضُه، ولا محبَّةُ الباطِلِ، وإِنَّما هو أَنَّ لهم حظًّا من حظوظِ الدُّنيا، فآثَروه على الدِّين، هذا معنى كلامِ شَيخِ الإسلامِ محمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّابِ رحمه الله تعالى وعفا عنه) [1249] يُنظر: المصدر السابق (ص 62-64). الكلامُ هنا صريحٌ أنَّ حُظوظَ الدُّنيا وشَهواتِها إذا كانت هي سَبَبَ وُقوعِ الإنسانِ في الكُفرِ، فلا يصِحُّ أن تكون عذرًا يمنَعُ إطلاقَ الكُفرِ عليه ووقوعَه فيـه؛ بـخلافِ الإكراهِ. .
94. عثمان بن محمد شطا البكريُّ (الشَّافعيُّ). ت:1302هـ
قال عثمان البكري: (وحاصِلُ الكلامِ على أنواعِ الرِّدَّة أَنَّها تنحَصِرُ في ثلاثةِ أقسامٍ: اعتقاداتٍ، وأفعالٍ، وأقوالٍ، وكلُّ قِسمٍ منها يتشعَّب شُعَبًا كثيرةً) [1250] يُنظر: "إعانة الطالبين على حلِّ ألفاظ فتح المعين" (4/132) .
95. صدِّيق حسن خان القنوجي. ت:1307هـ
قال القنوجي: (ومن ذلك الهَزْلُ بشيءٍ فيه ذكرُ اللهِ، أو الرَّسولِ أو القُرآنِ، أو السُّنَّةِ، وهذا الهَزْلُ كُفرٌ بواحٌ؛ قال تعالى:  وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ أي: بهذا المقالِ الذي استهزَأْتُم به.
قال شيخُ الإسلامِ: أخبر أَنَّهم كفَروا بعد إِيمانِهم، مع قَولِهم: إنَّا قد تكلَّمنا بالكُفْرِ من غيرِ اعتقادٍ له، بل إِنَّما كنَّا نخوضُ ونلعَبُ، وبيَّن أَنَّ الاستهزاءَ بآياتِ اللهِ كُفرٌ، ولا يكونُ هذا إلَّا ممنَّ شرح صَدْرَه بهذا الكلامِ. ولو كان الإيمانُ في قَلْبِه، لمنعَه من أنْ يتكلَّم به. والقرآنُ يبيِّن أَنَّ إيمانَ القَلْبِ يستلزِم العَمَلَ الظَّاهِرَ بحَسَبِه، كقَولِه:  وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ الآية، فنفى الإيمانَ عمَّن تولَّى عن طاعةِ الرَّسولِ، وأخبرَ أنَّ المُؤمِنين إذا دُعُوا إلى اللهِ ورَسولِه ليَحكمَ بينهم، سمعوا وأطاعوا، فبيَّنَ أنَّ هذا من لوازمِ الإيمانِ. انتهى. وفيه بيانٌ أنَّ الإنسانَ قد يكفُرُ بكَلِمةٍ يتكلَّمُ بـها، أو عَمَـلٍ يعمَلُ به) [1251] يُنظر: "الدين الخالص" (4/546). .
وقال: (… (والسَّاحر) لكونِ عَمَلِ السِّحرِ نوعًا من الكُفْرِ، ففاعلُه مرتدٌّ يستحقُّ ما يستحقُّه المرتدُّ…، أقول: لا شَكَّ أنَّ من تعلَّم السِّحرَ بعد إسلامِه كان بفعلِ السِّحرِ كافِرًا مرتدًّا وحدُّه حدُّ المرتدِّ، … (والسابُّ لله أو لرَسولِه أو للإسلامِ أو للكتابِ أو للسُّنَّة، والطَّاعِنُ في الدِّينِ)، وكلُّ هذه الأفعال موجبةٌ للكُفْرِ الصَّريحِ، ففاعِلُها مرتدٌّ حدُّه حدُّه) [1252] يُنظر: "الروضة النَّديَّة شرح الــدرر البهيَّــة" (2/627-629) .
96. أحمد بن إبراهيم بن عيسى السديريُّ. ت:1329هـ
قال ابنُ عيسى السديري: (… فانظُرْ إلى تفريقِه -يعني شيخَ الإسلامِ- بين المقالاتِ الخفيَّةِ والأمورِ الظَّاهرةِ، فقال في المقالاتِ الخفيَّةِ التي هي كفرٌ: قد يقال: إِنَّه فيها مخطئٌ ضالٌّ، لم تقُمْ عليه الحُجَّةُ التي يكفُر صاحِبُها، ولم يقُلْ ذلك في الأمورِ الظَّاهرةِ حكمُها مُطلقًا، وبما يَصدرُ منها من مُسْلِمٍ جَهلًا، كاستحلال محرَّمٍ أو فعلٍ أو قَولٍ شركيٍّ بعد التَّعريف، ولا يكفُرُ بالأمورِ الخفيَّة جهلًا، كالجَهلِ ببعض الصِّفاتِ، فلا يَكفُرُ الجاهِلُ بها مطلقًا، وإن كان داعيةً) [1253] يُنظر: "توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة ابن القيِّم" (النونيّة) (2/409). .
97. محمَّد جمال الدِّين القاسميُّ. ت:1332هـ
قال جمال الدين القاسمي في تفسيرِ قَولِه تعالى:  وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ: (قال في "الإكليل": قال الكيا: فيه دلالةٌ على أنَّ اللَّاعِبَ والجادَّ في إظهارِ كَلِمةِ الكُفْرِ سواءٌ، وأنَّ الاستهزاءَ بآياتِ اللهِ كُفرٌ) [1254] يُنظر: "محاسن التّأويل" (8/254) وسبق نقل كلام الكيا الهرَّاسي بتمامه، ونقل القاسميِّ له دون تعقيبٍ دليلٌ على أنَّه يرتضيه. .
98. محمَّد أنور شاه الكشميريُّ. ت: 1352هـ
قال الكشميري في إكفار الملحِدين نقلًا عن "شرح الشفا" للخفاجي، موافقًا له: (ولهذا أي: للقَولِ بكُفرِ من خالف ظاهِرَ النُّصوصِ والمجمَعَ عليه؛ نُكفِّر من لم يُكفِّرْ مَن دانَ بغيرِ ملَّة الإســلامِ مِن المِلَلِ أو وَقَف فيهم، أي: توقَّف وتردَّد في تكفيرِهم، أو شكَّ في كُفْرِهم، أو صحَّح مَذْهَبَهـم، وإنْ أظهَرَ الإسلامَ واعتَقَده، واعتقدَ إبطالَ كلِّ مَذهَبٍ سواه، فهو - أي: من لم يُكفِّرْ وما بعده - كافِرٌ، بإظهارِ ما أظهر من خلافِ ذلك - أي ما يخالِفُ الإسلامَ-؛ لأنَّه طعنٌ في الدِّين، وتكذيبٌ لِما ورد عنه من خلافِه، وكذلك -أي: كتكفير هؤلاء- يُقطع ويُجزَم بتكفيرِ كلِّ من قال قولًا صدر عنه يتوسَّلُ به إلى تضليلِ الأمَّةِ -أي: كونها في الضَّلالِ عن الدِّينِ والصِّراطِ المستقيمِ- ويؤدِّي إلى تكفيرِ جميعِ الصَّحابةِ، كقول الطَّائفةِ الكميلية من الرَّافضة بتكفيرِ جميعِ الأمَّةِ بعد موت النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ إذ لم تُقَدِّم عَلِيًّا، وكفَّرت علِيًّا إذْ لم يتقدَّمْ ولم يطلُبْ حقَّه في التَّقديم! فهؤلاء قد كَفَروا من وجوهٍ؛ لأنَّهم بمـا قالوه أبطلوا الشَّريعةَ بأَسْرِها، وكذلك - أي: كما كفَّرْنا هؤلاء- نكفِّر بكلِّ فعلٍ فعله شخصٌ مُسْلِمٌ، أجمع المُسْلِمون على أنَّه -أي: ذلك الفِعْل- لا يصدر إلَّا من كافِرٍ حقيقةً؛ لأَنَّه من جنس أفعالهم، وإنْ كان صاحبُه -أي: مَنْ صدَرَ منه- مُسْلِمًا مصرِّحًا بالإسلامِ مع فِعلِه ذلك الفِعْل))
. "شرح الشفاء للخفاجي" ملتقطًا ملخصًا، ومِثلُه في "شرح الملَّا علي القاري" سواء) [1255] يُنظر: "إكفار الملحدين فــي ضروريات الدِّين" (ص 58). .
وقال: (والحاصِلُ أنَّ من تكلَّم بكَلِمة الكُفْرِ هازلًا أو لاعبًا كَفَر عند الكلِّ، ولا اعتبارَ باعتقادِه، كما صرَّح به في "الخانيَّـة" و"ردِّ الـمحتار") [1256] يُنظر: المصدر السابق (ص 59). .
وقال: (اتَّفقوا في بَعْضِ الأفعالِ على أَنَّها كفرٌ، مع أَنَّه يمكِنُ فيها ألَّا ينسَلِخَ من التَّصديقِ؛ لأَنَّها أفعالُ الجوارحِ لا القَلْبِ، وذلك كالهَزْلِ بلفظِ كفرٍ، وإِنْ لم يَعتَقِده، وكالسُّجود لصنمٍ، وكقَتلِ نبيٍّ، والاستخفافِ به، وبالمصحفِ، والكعبةِ، واختلفوا في وجهِ الكُفْرِ بها بعد الاتِّفاقِ على التَّكفيرِ) [1257] يُنظر: المصدر السابق (ص68). .
99. إبراهيم بن محمَّد بن ضويان (الحنبليُّ). ت:1353هـ
قال ابنُ ضويان: (ويحصُلُ الكُفْرُ بأحَدِ أربعةِ أمورٍ: بالقَوْلِ؛ كسبِّ اللهِ تعالى أو رَسولِه أو ملائكتِه …، وبالفِعْلِ؛ كالسُّجودِ للصَّنمِ، كشَمسٍ وقَمَرٍ وشَجَرٍ وحَجَرٍ وقبرٍ؛ لأَنَّه إشراكٌ بالله تعالى، وكإلقاءِ المصحَفِ في قاذورةٍ …، وبالاعتقادِ؛ كاعتقادِه الشِّركَ له تعالى أو الصَّاحبةَ أو الولدَ؛ لِقَولِه تعالى:  مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ الآية، أو أَنَّ الزِّنا والخَمرَ حلالٌ أو أنَّ الخبزَ حرامٌ، ونحو ذلك مما أُجمع عليه إجماعًا قطعيًّا؛ لأنَّ ذلك معاندةٌ للإسلامِ، وامتناعٌ من قبول أحكامه، ومخالفةٌ للكتاب والسُّنَّة وإجماعِ الأمَّة، وبالشَّكِّ في شيءٍ من ذلك، أي: في تحريم الزِّنا والخَمرِ، أو في حلِّ الخُبزِ ونَحوِه) [1258] يُنظر: "منار السبيل في شرح الدليل " (2/357). .
100. محمَّد رشيد رضا. ت:1354هـ
قال محمد رشيد رضا في تفسيرِ قَولِه تعالى:  يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَليْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ: (والمعنى أنَّ الله تعالى نبَّأَ رسولَه بما كان يقولُه هؤلاء المنافقون في أثناء السَّيرِ إلى تبوكَ، من الاستهزاءِ بتصدِّيه لقتالِ الرُّومِ الَّذين ملأَ صيتُهم بلادَ العَرَبِ، بما كان تجَّارهم يرَوْنَ من عَظَمَةِ مُلكِهم في الشَّامِ؛ إذْ كانوا يرحلون إليها في كُلِّ صيفٍ، نبَّأه نبأً مؤكَّدًا بصيغة القَسَم أنَّه إِنْ سألهم عن أقوالِهم هذه يعتَذِرون عنها بأَنَّهم لم يكونوا فيها جادِّين ولا مُنْكِرين، بل هازِلين لاعبين، كما هو شأنُ الذين يخوضون في الأحاديثِ المختَلِفةِ للتَّسلي والتَّلهِّي، وكانوا يظنُّون أَنَّ هذا عذرٌ مقبولٌ، لجَهْلِهم أَنَّ اتِّخاذَ أمورِ الدِّينِ لَعِبًا ولهوًا لا يكونُ إلَّا ممَّن اتَّخذه هُزُوًا، وهو كُفرٌ محضٌ، … فإنْ قيلَ: ظاهرُ هذا أَنَّهم كانوا مُؤمِنين فكَفَروا بهذا الاستهزاءِ الذي سمَّوه خوضًا ولَعِبًا، وظاهرُ السِّياقِ أنَّ الكُفْرَ الَّذي يسرُّونَه هو سَبَبُ الاستهزاءِ الذي يُعلِنونه؛ قُلْنا: كلاهما حقٌّ، ولكلٍّ منهما وَجهٌ، فالأوَّلُ: بيانٌ لحُكمِ الشَّرع، وهو أنَّهم كانوا مُؤمِنين حُكمًا، فإنَّهم ادَّعوا الإيمانَ، فجرت عليهم أحكامُ الإسلامِ، وهي إنَّما تُبنى على الظَّواهِرِ، والاستهزاءُ بما ذُكِرَ عَمَلٌ ظاهِرٌ يقطَعُ الإسلامَ، ويقتضي الكُفْرَ، فبه صاروا كافِرين حُكمًا، بعد أن كانوا مُؤمِنين حُكمًا، والثَّاني: وهو ما دلَّ عليه السِّياقُ هو الواقِعُ بالفِعْل، والآيةُ نصٌّ صريحٌ في أنَّ الخوضَ في كتابِ اللهِ وفي رَسوله وفي صِفاتِ اللهِ تعالى ووَعْدِه ووَعيدِه وجَعْلِها موضوعًا للَّعِب والهُزْء؛ كلُّ ذلك من الكُفْرِ الحقيقيِّ الذي يخرجُ به المُسْلِمُ من الملَّة، وتجري عليه به أحكامُ الرِّدَّة، إلَّا أنْ يتوبَ ويجدِّدَ إسلامَه) [1259] يُنظر: "تفسير المنار" (10/529-531). .
101. عبدُ الرَّحمن بن ناصر بن سعديٍّ. ت:1376هـ
قال السعديُّ: (وإذا ثبت أَنَّ الذَّبحَ لله من أجلِّ العبادات وأكْبَر الطَّاعات، فالذَّبحُ لغير الله شركٌ أكبُر مُخْرِجٌ عن دائرة الإسلامِ؛ فإنَّ حدَّ الشِّرْك الأكْبَر وتفسيرَه الذي يجمَعُ أنواعَه وأفرادَه: (أن يصرِفَ العَبْدُ نوعًا أو فردًا من أفرادِ العبادةِ لغَيرِ اللهِ)، فكُـلُّ اعتقادٍ أو قولٍ أو عملٍ ثبت أنَّه مأمورٌ به من الشَّارع، فصرفُه لله وحده توحيدٌ وإيمانٌ وإخلاصٌ، وصرفُه لغيره شركٌ وكفرٌ، فعليك بهذا الضَّابِطِ للشِّركِ الأكْبَرِ الَّذي لا يشِذُّ عنه شيءٌ) [1260] يُنظر: "الــقول السَّديد في مقاصد التَّوحيد" (ص54). .
102. حافظ بن أحمد الحكمي. ت:1377هـ
قال حافظ حكمي: (س: إذا قيل: السُّجودُ للصَّنَمِ، والاستهانةُ بالكتابِ، وسُبُّ الرَّسولِ، والهَزْلُ بالدِّينِ، ونحوُ ذلك، هذا كلُّه من الكُفْرِ العَمَليِّ فيما يظهَرُ، فلِمَ كان مُخْرِجًا من الدِّين، وقد عرَّفتم الكُفْرَ الأصْغَر بالعَمَليِّ؟
ج: اعلمْ أنَّ هذه الأربعةَ وما شاكلها ليس هي من الكُفْر العَمَليِّ إلَّا من جهةِ كَونِها واقعةً بعَمَلِ الجوارحِ فيما يظهرُ للنَّاسِ، ولكنَّها لا تقَعُ إلَّا مع ذهابِ عَمَلِ القَلْب من نيَّتِه وإخلاصِه ومحبَّتِه وانقيادِه، لا يبقى معها شيءٌ من ذلك، فهي وإنْ كانت عمليَّةً في الظَّاهِرِ، فإِنَّها مستلزِمَةٌ للكُفْرِ الاعتقاديِّ ولا بدَّ، ولم تكن هذه لتقعَ إلَّا من منافقٍ مارقٍ أو معاندٍ مارد، وهل حَمَل المنافقين في غزوةِ تبوكَ على أَنْ  قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لمْ يَنَالُوا إلَّا ذلك مع قَولِهم لَمَّا سُئِلوا  إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، قال اللهُ تعالى:  قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، ونحن لم نعرِّف الكُفْرَ الأصْغَرَ بالعَمَليِّ مُطلقًا، بل بالعَمَليِّ المَحْضِ الَّذي لم يستلزِمِ الاعتقادَ، ولم يُناقِضْ قولَ القَلْب ولا عَمَلَه) [1261] يُنظر: "أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة "(ص 181). كلامه هنا رحمه الله صريح في التَّفريق بين الكُفرِ العمليِّ الذي يخرِجُ من الملَّة، والكفر العمليِّ الذي لا يخرج من الملَّة، فليس كلُّ كفرٍ عمليٍّ يعدُّ كفرًا أصغرَ كما يظُنُّ البعضُ، بل هناك من الكُفرِ العمليِّ -أي: الوقوعِ في المكفِّرات القوليَّة والعمليَّة- ما يعدُّ كفرًا مخرجًا من الملَّة، كما مثَّل الشيخ له بالسُّجود للصَّنم وسبِّ الرَّسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أمّا الكفرُ العمليُّ الذي لا يُخرج من الملَّة فهو ما سمَّاه الشيخ بالكفر العمليِّ المحْضِ الذي لم يستلزمِ الاعتقادَ، ولم يناقِضْ قَولَ القَلبِ ولا عَمَلَه، أي: أعمال وأقوال غير مكفِّرة، وهي ما عرَّفه الشيخُ (ص179) بقولـه: (هي كلُّ معصيةٍ أطلق عليها الشَّارعُ اسم الكُفرِ مع بقاء اسمِ الإيمانِ على عامِلِه). فتأمَّل! وسيأتي ما يؤيِّد ذلك من جوابِ اللجنة الدائمة للإفتاء، وعبد العزيز بن باز. يُنظر: المقدمة السادسة من كتاب: ((التوسط والاقتصاد)). .
103. محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ. ت:1389هـ
قال محمد بن إبراهيم في شرحه "لكشف الشبهات": ((فإنَّك إذا عرفت أنَّ الإنسانَ يكفُرُ بكَلِمةٍ) واحدةٍ (يخرِجُها من لسانِه) دون قَلْبِه) [1262] يُنظر: "شرح كشف الشبهات" (ص41) .
وقال أيضًا: (إذا كان الأوَّلون لم يكفَّروا إلَّا لأنَّهم جمعوا بين الشِّرك وتكذيبِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والقرآن) يعني تكذيبَه (وإنكارِ البعث، وغيرِ ذلك، فما معنى البابِ الَّذي ذكر العُلَماء في كلِّ مذهبٍ؟) المذاهب الأربعة وغيرها (باب حُكمِ المرتدِّ) وعرَّفوه بتعارَيف (وهو المُسْلِم الَّذي يَكفُرُ بعد إسلامِه)، فهذا المذكورُ في هذا الباب إجماعٌ منهم أنَّه يخرجُ من المِلَّة ولو معه الشَّهادتان؛ لأجْلِ اعتقادٍ واحدٍ أو عملٍ واحدٍ أو قولٍ واحدٍ، يكفي بإجماعِ أهلِ العِلمِ، لا يختَلِفون فيه، وأنَّه ليس المرتدُّ الَّذي يخرجُ عن الإسلامِ بالمرَّة [1263] أي لا ينطق بالشَّهادتين ويصرِّح أنَّه خرج عن الإسلام وأنَّه لا يؤمن بالله ولا رسوله ... إلخ، بل يكفي أن يصدر منه قولٌ أو فعل مكفِّر كي يُحكم عليه بالرِّدّة. ، بل هو قِسمٌ، والقِسمُ الآخَرُ هو ما تقدَّم (ثمَّ ذكروا أنواعًا كثيرة)، ومثَّلوا له أمثلةً، (كُلُّ نوعٍ منها يكفِّرُ، ويحلُّ دمَ الرَّجُلِ ومالَه)، وقالوا: من قال كذا أو اعتقد كذا، فهو كافِرٌ، وأَنَّه لا ينفَعُه جميعُ ما عمِل به، (حتى إِنَّهم ذكَروا أشياءَ يسيرةً عند من فعَلَها، مثل كَلِمةٍ يذكُرها بلِسانِه دونَ قَلْبِه، أو كَلِمةٍ يذكُرُها على وَجهِ المزحِ واللَّعِب)، حتى إِنَّ بَعْضَ أهلِ المذاهبِ يكفِّرون من صغَّر اسمَ المسجِدِ أو المصحَفِ [1264] أي قال: مسيجد أو مصيحف احتقارًا أو استهزاءً. ، وما ذكروه وعرَّفوه هو في الجُملة: يوجَدُ أشياءُ يكونُ بها الإنسانُ مُرتدًّا، ولو نطق بالشَّهادتين وصلَّى، بل ولو أضاف إلى ذلك تَرْكَ المحرَّمات، وأتى بمكفِّر- هدمَ جميع ما معه من الإسلامِ؛ فإِنَّ وجودَ المكفِّرات التي يصير بها الرَّجل مرتدًّا كثيـرةٌ لا تُحْصَـر) [1265] يُنظر: المصدر السابق (ص102). .
وقال أيضًا: ((وأمَّا غيرُ هذا، فقد كَفَر بعد إيمانِه، سواءٌ فعله خوفًا، أو مداراةً، أو مشحَّةً بوطنه، أو أهله، أو عشيرته، أو مالِه، أو فَعَلَه على وجهِ المزْحِ، أو لغيرِ ذلك من الأغراضِ، إلَّا المُكْرَهَ. والآيةُ تدلُّ على هذا) أنَّ التَّوحيدَ لا بدَّ أنْ يكون بالقَلْب واللِّسان والعَمَل (من جهتينِ: الأولى قولُه:  إلَّا من أُكْرِهَ فلم يستثنِ اللهُ إلَّا المكْرَهَ. ومعلومٌ أنَّ الإنسانَ لا يُكْرَهُ) لا يُتصَّورُ في حقِّه الإكراهُ إلَّا بهذين الأمرينِ (إلَّا على العَمَل أو الكَلامِ. وأمَّا عقيدةُ القَلْبِ فلا يُكْرَهُ أحدٌ عليها) فإذا فَعَل أو صدَرَ منه الكُفْرُ فإِنَّه كافِرٌ بعد إيمانِه، (والثَّانية) تَقدَّمَ قَولُ المصنِّفِ أنَّها تدلُّ على ما قرَّره من جهتينِ، وتقدَّمت الجِهةُ الأُولى، وهذه الثَّانية. (قَولُه تعالى:  ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الباء للسَّبَبِ، يعني: ذلك بسَبَبِ محَبَّتِهم  الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ يعني الجنَّةَ، (فصرَّح أنَّ هذا الكُفْرَ والعذابَ) المحكومَ به عليهم في هذه الآيةِ والمترتِّبَ على ما صدَر منهم (لم يكن بسَبَبِ الاعتقادِ أو الجَهلِ، أو البُغضِ للدِّين، أو محبَّةِ الكُفْر، وإِنَّما سَبَبُه) أي: صدورُ الكُفْر منه، أنَّه تكلَّم بالكُفْرِ لسَبَبٍ، وهو أنَّ له في التَّكلُّمِ بالكُفْر شيئًا واحدًا، وهو (أَنَّ له في ذلك حظًّا من حظوظ الدُّنيا)، يحصُلُ له فيرتَكِبُ هذا المحظورَ لأجْلِ أنَّه لا يحصُلُ له مطلوبُه إلَّا -والعياذُ بالله- بإيثار الحياةِ الدُّنيا، (فآثره على الدِّين) على الآخِرةِ.
فالإِنسانُ الَّذي يُلجِئُه من يُلجِئُه إلى أَنْ يصدُرَ منه الكُفْرُ، له حالاتٌ:
أحَدُها: أَنْ يمتنِعَ ويصبرَ عليها، فهذه أفضَلُ الحالاتِ.
الثَّانيةُ: أنْ ينطِقَ بلسانِه مع اعتقادِ جَنانِه الإيمانَ، فهذا جائزٌ.
الثَّالثة: أنْ يُكرَهَ فيجيبَ، ولا يطمئنَّ قَلْبُه بالإيمان، فهذا غيرُ معذورٍ وكافِرٌ.
الرابعة: أنْ يُطلَبَ منه ولا يُلجَأَ، فيجيبُ، ما وصل إلى حدِّ الإكراهِ، ولكِنْ يوافِقُ بلسانِه وقَلْبُه مطمئنٌّ بالإيمانِ، فهذا كافِرٌ.
الخامسةُ: أنْ يُذكَر له، ولا يَصِلَ إلى حدِّ الإكراه، فيوافِقُ بقَلْبِه ولسانِه، فهذا كافِرٌ) [1266] يُنظر: المصدر السابق (ص 133). .
وجاء في رسالةٍ أخرى: (من محمَّد بن إبراهيم إلى حضرة صاحِبِ السموِّ الملكي أميرِ منطقةِ الرِّياض سلَّمه الله …
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فبالإشارة إلى المعامَلَة المرفوعة إلينا من المحكمة الكبرى بالرِّياض برقم 4259/1 وتاريخ 20/8/1385 بخصوصِ قَضِيَّة السَّجين ... الَّذي طلب برسالتِه الموجَّهة إلى صوت الإنجيل الانضمامَ إلى الدِّينِ المسيحيِّ.
فقد جرى منَّا الاطلاعُ عليها، وعلى التَّحقيقِ المجرى معه من قِبَل الاستخبارات العامَّة، ونفيد سموَّكم أن َّما صدر منه يعتبر رِدَّةً، والعياذ بالله، ولكن قال في جوابه المرفَقِ بالمعامَلَة بأنَّه يتسلَّى بما كتب، ويقطَعُ فراغَه بهذا وأمثالِه، وهو باقٍ على دينِه الإسلامِ، وعلى اعتقادِه فيه، فلقد سبقه في هذا الجوابِ منافقون قالوا دونَ ما قال، واعتَذَروا لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأنَّهم كانوا يخوضون ويلعبون، وأنَّهم لا يعنون ما قالوه؛ فأنزل اللهُ في حقِّهم قَولَه تعالى:  قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُواقَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ … فيتعيَّن إحضارُ المذكور لدى المحكمة، وتُعادُ استِتَابتُه لدى فضيلةِ رئيسِها، وتلفُّظُه بالشَّهادتينِ، ومن ثُمَّ يؤكَّدُ عليه وجوبُ الاغتِسالِ نتيجةَ الارتدادِ، والعياذُ بالله، ثمَّ التَّوبةُ، كما أنَّه ينبغي تعزيرُه بالسِّجنِ فقط، نظرًا لِمَرَضِه وضَعْفِ حالِه عن تحمُّل الجزاءِ بالضَّربِ، ويلاحَظُ في سجنِه عدم التَّضييقِ عليه، وبالله التَّوفيق، والسَّلام عليكم) [1267] يُنظر: المصدر السابق (12/193). .
104. محمَّد الأمين الشنقيطي.ت:1393هـ
قال الشنقيطي في تفسيرِ قَولِه تعالى:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: (اعلم أنَّ عدَمَ احترامِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المشعِرَ بالغَضِّ منه أو تنقيصِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والاستخفافِ به أو الاستهزاءِ به: ردَّةٌ عن الإسلامِ وكفرٌ بالله) [1268] يُنظر: ((أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)) (7/ 403). .
وقال في تفسيرِ قَولِه تعالى:  سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا: (وذكر غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ أنَّ من قذف أُمَّ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو قَذَفَه هو صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ أنَّ ذلك ردَّةٌ، وخروجٌ من دينِ الإسلامِ، وهو ظاهِـرٌ لا يـخفى) [1269] يُنظر: ((أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)) (5/ 459).
105. اللَّجنةُ الدَّائمةُ للبُحوثِ العلميَّةِ والإفتاء (بالسعودية):
جاء في فتاوى اللجنة الدَّائمة: (س: يقال: إِنَّ الرِدَّة قد تكون فعليَّة أو قوليَّة، فالرَّجاءُ أنْ تبيِّنوا لي باختصارٍ واضحٍ أنواعَ الرِّدَّة الفِعْليَّة والقَوْليَّة والاعتقاديَّة؟
الحمدُ للهِ والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسولِه وآلِه وصَحْبِه..، وبعدُ:
جـ: الرِّدَّةُ هي الكُفْرُ بعد الإسلامِ، وتكونُ بالقَوْلِ والفِعْل والاعتقاد والشَّكِّ، فمن أشرك باللهِ أو جَحَد ربوبيَّتَه أو وحدانيَّته أو صفةً من صفاتِه أو بَعْض كُتُبِه أو رُسُلِه، أو سبَّ اللهَ أو رسولَه، أو جحد شيئًا من المحرَّماتِ المجمَعِ على تحريمِها أو استحلَّه، أو جحد وجوبَ رُكنٍ من أركانِ الإسلامِ الخَمسةِ، أو شكَّ في وُجوبِ ذلك أو في صِدقِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو غيرِه من الأنبياءِ، أو شكَّ في البَعثِ أو سَجَد لصنمٍ أو كوكبٍ ونحوه- فقد كفر وارتدَّ عن دين الإسلامِ. وعليك بقراءةِ أبوابِ حُكم الرِّدَّة من كُتُبِ الفِقهِ الإسلاميِّ؛ فقد اعتنَوا به رحمهم الله، وبهذا تعلم من الأمثلةِ السَّابقةِ الرِّدَّةَ القَوْليَّةَ والعَمَليَّةَ والاعتقاديَّةَ، وصورةَ الرِّدَّةِ في الشَّكِّ) [1270] يُنظر: ((فتاوى اللجنة الدائمة - 1)) (2/ 8). .
وجاء فيها أيضًا: (س: اعتبارُهم تاركَ الصَّلاةِ كافِرًا كُفرًا عَمَليًّا، والكُفْرُ العَمَليُّ لا يُخرِجُ صاحبَه من المِلَّة إلَّا ما استثنَوْه من سبِّ اللهِ تعالى وما شابَهَه، فهل تارِكُ الصَّلاةِ مُستثنىً؟ وما وَجهُ الاستثناءِ؟
جـ: ليس كلُّ كُفرٍ عَمَليٍّ لا يخرُجُ من ملَّةِ الإسلامِ، بل بَعْضُه يخرجُ من ملَّةِ الإسلامِ، وهو ما يدلُّ على الاستهانةِ بالدِّينِ والاستهتارِ به، كوَضعِ المصحَفِ تحتَ القَدَمِ، وسَبِّ رَسولٍ من رُسُلِ اللهِ مع العلم برسالتِه، ونسبةِ الوَلَدِ إلى اللهِ، والسُّجودِ لِغَيرِ اللهِ، وذَبْحِ قُربانٍ لغيرِ اللهِ) [1271] يُنظر: ((فتاوى اللجنة الدائمة - 1)) (2/ 53). .
وجاء فيها أيضًا: (وأنَّ الكُفْرَ يكونُ بالقَوْلِ والفِعْلِ والتَّركِ والاعتقادِ والشَّكِّ، كما قامت على ذلك الدَّلائِلُ من الكِتابِ والسُّنَّةِ) [1272] يُنظر: ((فتاوى اللجنة الدائمة - 2)) (2/ 134). .
106. عبد العزيز بن عبد الله بن باز. ت:1420هـ:
قال ابنُ باز: (سبُّ الدِّين كُفرٌ أكْبَرُ، ورِدَّةٌ عن الإسلامِ، والعياذُ بالله، إذا سَبَّ المُسْلِمُ دينَه أو سبَّ الإسلامِ، أو تنقَّصَ الإسلامَ وعابه أو استهزأَ به؛ فهذه رِدَّةٌ عن الإسلامِ، قال اللهُ تعالى:  قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ. وقد أجمع العُلَماءُ قاطبةً على أنَّ المُسْلِمَ متى سبَّ الدِّين أو تنقَّصَه أو سبَّ الرَّسولَ أو انتقَصَه أو استهزَأَ به؛ فإنَّه يكونُ مُرتدًّا كافِرًا حلالَ الدَّمِ والمالِ، يُسْتَتابُ، فإنْ تابَ وإلَّا قُتِل) [1273] يُنظر: "فتـاوى نورٌ على الدَّرب" (1/157). .
ومن ذلك استِشهادُه بكَلامِ القُرطبيِّ وابنِ العَربيِّ والقاضي عِياضِ، مُوافقًا إيَّاهم بقَولِه:
(قال الإمامُ أبو عبدِ اللهِ محمَّد بن أحمد الأنصاريُّ القرطبيُّ في تفسيرِه "الجامع لأحكام القرآن" عند تفسيرِ هذه الآية ما نصُّه: قال القاضي أبو بكر بنُ العربي: لا يخلو أن يكونَ ما قالوه في ذلك جِدًّا أو هزلًا، وهو كيف ما كان، كُفرٌ؛ فإنَّ الهَزْلَ بالكُفْرِ كُفرٌ، لا خِلافَ فيه بين الأمَّةِ).
وقال القاضي عياضُ بن موسى -رحمه الله- في كتابه "الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى"... ما نصُّه: واعلَمْ أنَّ من استخفَّ بالقرآنِ أو المصحَفِ، أو بشيءٍ منه، أو سبَّهما أو جحَدَه أو حرفًا منه أو آيةً، أو كذَّب به أو بشيءٍ ممَّا صرَّح به فيه؛ من حُكمٍ، أو خبرٍ، أو أثبَتَ ما نفاه أو نفى ما أثبتَه على علمٍ منه بذلك، أو شكَّ في شيءٍ من ذلك- فهو كافِرٌ عند أهلِ العِلمِ بإجماعٍ؛ قال اللهُ تعالى:  وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [1274] يُنظر: "الرَّد على بورقيبة" (ص13). .
وسُئل عن الكُفْر العَمَليِّ المُخْرِجِ من الملَّة فقال: (الذَّبحُ لغيرِ الله، والسُّجودُ لغيرِ اللهِ،كُفرٌ عمليٌّ مُخرجٌ من الملَّة، وهكذا لو صلَّى لغير اللهِ أو سجد لغيرِه سُبحانَه، فإنَّه يكفُرُ كُفرًا عمليًّا أكْبَر -والعياذُ باللهِ- وهكذا إذا سبَّ الدِّين، أو سبَّ الرَّسولَ، أو استهزأ باللهِ ورَسولِه، فإنَّ ذلك كُفرٌ عمليٌّ أكْبَرُ عند جميعِ أهلِ السُّنَّة والجماعةِ) [1275] يُنظر: مجلة الفرقان الكويتية، العدد 94. .
107. محمَّد بن صالح بن عثيمين. ت: 1421هـ:
سُئِل ابنُ عُثيمين عن شروطِ الحُكمِ بتكفيرِ المُسْلِمِ؟ وحُكمِ من عَمَل شيئًا مكفِّرًا مازحًا؟
فأجاب بقوله: (للحُكمِ بتكفير المُسْلِم شرطان: أحَدُهما: أنْ يقومَ الدَّليلُ على أنَّ هذا الشَّيءَ مما يُكفِّرُ.
الثَّاني: انطباقُ الحُكمِ على من فعل ذلك، بحيث يكونُ عالِمًا بذلك قاصدًا له، فإن كان جاهِلًا لم يَكفُرُ؛ لِقَولِه تعالى:  وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، وقَولِه:  وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لهُمْ مَا يَتَّقُونَ، وقَولِه:  وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، لكِنْ إن فرَّط بترك التَّعلُّم والتَّبيُّن لم يُعذَرْ، مثل أنْ يبلغَه أنَّ عَمَلَه هذا كُفرٌ، فلا يتثبَّتُ، ولا يبحَثُ؛ فإنَّه لا يكونُ معذورًا حينَئذٍ.
وإنْ كان غيرَ قاصدٍ لعمَلِ ما يكفِّرُ لم يكفُرْ بذلك، مثل أنْ يُكرَهَ على الكُفْرِ وقَلْبُه مُطمئنُّ بالإيمان، ومثل أنْ ينغَلِقَ فكرُه فلا يدري ما يقولُ؛ لشدَّة فرحٍ ونحوه، كقَولِ صاحبِ البَعيرِ الذي أضلَّها، ثُمَّ اضطجع تحت شجرةٍ ينتظر الموت، فإذا بخطامِها متعلقًا بالشَّجَرةِ فأخذه، وقال: (اللَّهمَّ أنت عبدي، وأنا ربُّك)، أخطأ من شدَّة الفَرَحِ [1276] أخرجه مسلم (2747) مِن حَديثِ أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه. ، لكِنْ من عَمَل شيئًا مكفِّرًا مازحًا فإنَّه يكفُرُ؛ لأنَّه قصد ذلك، كما نصَّ عليه أهلُ العِلمِ) [1277] يُنظر: "مجموع الفتاوى" (2/125) كلمة "قصد" تتكرَّر كثيرًا في كلام العلماء عند الحديث عن الرِّدَّة والتَّكفير، ويظنُّ البعضُ أنَّ المقصودَ بها "اعتقد"، وهنا الشيخ يوضِّحُ أنَّ المقصود بها تعمَّد، وضدُّها الجَهلُ والخطَأُ، والانغلاقُ على الشَّخصِ والإكراهُ، وما شابه ذلك. فتأمَّلْ. .
وسُئِل: عن حُكمِ من يمزحُ بكلامٍ فيه استهزاءٌ باللهِ أو الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو الدِّين؟
فأجاب بقَولِه: (هذا العَمَلُ، وهـو الاستهزاءُ باللهِ أو رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو كتابِه أو دينِه، ولو كان على سبيل المزْح، ولو كان على سبيلِ إضْحاكِ القَومِ- كفرٌ ونفاقٌ، وهو نفسُ الذي وقع في عهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، في الَّذين قالوا: "ما رأَينا مِثْلَ قُرَّائنا هؤلاء أرغبَ بطونًا، ولا أكذبَ ألسُنًا، ولا أجبنَ عند اللِّقاء"، يعني: رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأصحابَه القُرَّاءَ، فنزلت فيهم:  وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) [1278] يُنظر: المصدر السابق (2/156). .
108. بكر بن عبد الله أبو زيد. ت: 1429هـ:
قال بكر أبو زيد: (… وأنَّ الكُفْرَ يكونُ بالاعتِقادِ وبالقَوْلِ وبالفِعْل وبالشَّكِّ وبالتَّرك، وليس محصورًا بالتَّكذيبِ بالقَلْبِ، كما تقولُه المرجِئة، ولا يلزمُ من زوالِ بَعْضِ الإيمانِ زوالُ كلِّه كما تقولُه الخوارجُ) [1279] يُنظر: "درء الفتنة عن أهل السُّنَّة". (ص27). .
وقال أيضًا: (للحُكمِ بالرِّدَّةِ والكُفْرِ مُوجِباتٌ وأسبابٌ هي نَواقِضُ الإيمانِ والإسلامِ؛ من اعتقادٍ، أو قولٍ، أو فعلٍ، أو شكٍّ، أو ترك، ممَّا قام على اعتبارِه ناقضًا الدَّليلُ الواضِحُ، والبرهانُ السَّاطِعُ من الكِتابِ أو السُّنَّةِ أو الإجماعِ) [1280] يُنظر: المصدر السابق (ص20). .
 وقال بعد أن ضَرَب أمثلةً لكُفرِ الأقوالِ والأعمالِ: (فكلُّ هؤلاء قد كفرَّهم اللهُ ورَسولُه بعد إيمانِهم، بأقوالٍ وأعمالٍ صَدَرت منهم، ولو لم يَعتَقِدوها بقُلوبِهم؛ لا كما تقولُ المرجِئةُ المنحَرِفون، نعوذُ بالله من ذلك) [1281] يُنظر: المصدر السابق. (ص49). .
109. عبد الله بن عبد الرَّحمن الجبرين. ت: 1430هـ:
قال ابنُ جبرين: فنحن نستدلُّ بفِعلِ الإنسانِ على عقيدتِه، فمتى رأينا شخصًا وَقَف عند قبرِ إنسانٍ معظَّمٍ في نَفْسِه، وخضع برأسِه، وتذلَّل، وأهطع، وأقنع، وخشع، وخفَّض صوتَه، وسكنت جوارحُه، وأحضر قَلْبَه ولُبَّه؛ أعظَمَ مما يفعل في الصَّلاة بين يديْ ربِّه عزَّ وجلَّ، وهتف باسم ذلك المقبورِ، وناداه نداءَ من وثق منه بالعطاءِ، وعلَّق عليه الرَّجاءَ ونحو ذلك- فإنَّنا لا نشكُّ أنَّه -والحالةُ هذه- يَعتَقِد أنَّه يعطيه سؤلَه، ويدفَعُ عنه السوءَ، وأنَّه يستطيع التَّصرُّفَ في أمرِ الله، ففِعْلُه هذا دليلُ سُوءِ مُعتَقَدِه، فلا حاجةَ لنا أن نسألَه: هل أنت تعتَقِدُ أنَّه يضرُّ وينفَعُ من غيرِ إذنِ الله؟ فاللهُ تعالى ما كلَّفنا أن ننقِّب عن قلوبِ النَّاس، وإنَّما نأخُذُهم بموجِبِ أفعالِهم وأقوالِهم الظَّاهِرةِ، وهذا الشَّخصُ قد خالف قَولَ اللهِ تعالى:  وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ، وقد رأينا خُشوعَه وتذلُّلَه أمامَ هذا المخلوقِ الميِّتِ، وذلك هو عينُ العبادةِ، كما عَرَفْنا، فنحكُمُ عليه بموجِبِ فِعْلِه وقَولِه، بأنَّه قد أشركَ باللهِ، وتألَّه سِواه) [1282] يُنظر: "الكنز الثَّمين" (1/291). .
وقال في رَدِّه على بَعْض الكتَّاب: (ثالثًا: ثُمَّ قال الكاتِبُ في الصَّفحةِ الثَّالثة في أوَّلِ السَّطرِ التَّاسع: أمَّا من اعتقد فيمن يناديه بأنَّه من أهلِ العطاء، وما ملَكَ إلَّا بتمليكِ الله، ولا يتصرَّفُ إلَّا بإذن اللهِ؛ فهو موحِّدٌ.. إلخ.
فنقول: لا حاجةَ لنا في التَّنقيبِ عن مُعتَقَدِه الذي يقومُ بقَلْبِه؛ فإنَّه أمرٌ خفيٌّ، وقد يقولُ بلِسانِه ما ليس في قَلْبِه، فنحن نأخُذُه بالظَّاهِرِ، فإنَّ أفعالَه تعبِّرُ عمَّا في ضميره، ولو حاول تغييرَه لم يستطِعْ) [1283] يُنظر: المصدر السابق (1/291). .
110. صالح بن فوزان الفوزان:
قال الفوزان: (ففي هاتين الآيتينِ الكريمتين مع بيانِ سَبَبِ نزولهما دليلٌ واضحٌ على كُفرِ من استهزأ باللهِ، أو رسولِه، أو آياتِ اللهِ، أو سنَّةِ رَسولِه، أو بصحابةِ رَسولِ الله؛ لأنَّ من فَعَل ذلك فهو مستخفٌّ بالرُّبوبيَّة والرِّسالة، وذلك منافٍ للتَّوحيد والعقيدة، ولو لم يقصِد حقيقةَ الاستهزاءِ، ومن هذا البابِ الاستهزاءُ بالعِلمِ وأهلِه، وعدمُ احترامِهم، أو الوقيعةُ فيهم من أجلِ العِلمِ الذي يحمِلونه، وكون ذلك كُفرًا ولو لم يقصِدْ حقيقةَ الاستهزاءِ؛ لأنَّ هؤلاء الذين نزلت فيهم الآياتُ جاؤوا معترفين بما صدَر منهم، ومعتَذِرين بقَولِهم:  إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ أي: لم نقصِدِ الاستهزاءَ والتَّكذيبَ، وإنَّما قصَدْنا اللَّعِبَ، واللَّعِـبُ ضِدُّ الجدِّ، فأخبرهم اللهُ على لسانِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ عُذْرَهم هذا لا يُغني من الله شيئًا، وأنَّهم كفروا بعد إيمانِهم بهذه المقالةِ التي استهزؤوا بها، ولم يُقبَلِ اعتذارُهم بأنَّهم لم يكونوا جادِّين في قَولِهم، وإنَّما قصدوا اللَّعِب، ولم يزِدْ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في إجابتهم على تلاوةِ قَولِ اللهِ تعالى:  أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ* لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُـمْ؛ لأنَّ هذا لا يدخُلُه المزحُ واللَّعِبُ، وإنَّما الواجِبُ أنْ تُحْتَرمَ هذه الأشياءُ وتُعظَّم، وليخشَعَ عند آياتِ اللهِ إيمانًا باللهِ ورَسولِه، وتعظيمًا لآياتِه، والخائضُ الَّلاعبُ منتقِصٌ لها … قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّة رحمه الله: فقد أخبر أنَّهم كَفَروا بعد إيمانِهم، مع قَولِهم: إنَّما تكلَّمْنا بالكُفْرِ مِن غيرِ اعتقادٍ له، بل إنَّما كنَّا نخوضُ ونلعبُ، وبيَّن أنَّ الاستهزاءَ بآياتِ اللهِ كُفرٌ، ولا يكونُ هذا إلَّا ممن شرح صدرًا بهذا الكلامِ، ولو كان الإيمانُ في قلبه لمنعَه أنْ يتكلَّم بهذا الكلامِ، والقرآنُ يبيِّن أنَّ إيمانَ القَلْبِ يستلزِمُ العَمَلَ الظَّاهِرَ بحَسَبِه) [1284] يُنظر: "الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد" (ص 80). .
وقال أيضًا: ((وأمَّا الكُفْرُ فهو الامتناعُ من الدُّخولِ في الإسلامِ أو الخروجِ منه، واختيارُ دينٍ غيرِ دينِ اللهِ؛ إمَّا تكبُّرًا وعنادًا، وإمَّا حميَّةً لدينِ الآباءِ والأجدادِ، وإمَّا طمعًا في عرَضٍ عاجلٍ من مالٍ أو جاهٍ أو منصبٍ، … ويكون الكُفْرُ بالعَمَلِ؛ كالذَّبحِ لغيرِ الِله والسُّجودِ لغَيرِ اللهِ وعَمَلِ السِّحرِ وتعلُّمِه وتعليمِه، ... فلا يكونُ الكُفْرُ بالتَّكذيبِ فقط، ثمَّ إنَّه قد يكونُ الكافِرُ كافِرًا أصليًّا لم يدخُلْ في الإسلامِ أصلًا، وقد يكون كافِرًا كُفْرَ رِدَّة إذا دخل في الإسلامِ ثمَّ ارتكب ناقضًا من نَواقِضِه الَّتي هي من أنواعِ الكُفْرِ، سواءٌ كان جادًّا أو هازلًا أو قاصدًا الطَّمَعَ من مطامِعِ الدُّنْيا من الحُصولِ على مالٍ أو جاهٍ أو منصِبٍ، إلَّا من فعل شيئًا من ذلك أو قالَه مُكْرهًا بقَصدِ دَفعِ الإكراهِ مع بقاءِ قَلْبِه على الإيمانِ، كما قال تعالى:  مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَليْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ) [1285] يُنظر: صحيفة المسلمون. العدد 699. .
وقال أيضًا: (فالحاصِلُ أنَّ الَّذي يتكلَّم بكَلِمة الكُفْر لا يخلو من أربعِ حالاتٍ:
الحالةُ الأولى: أنْ يكونَ مُعتَقِدًا ذلك بقَلْبِه، فهذا لا شكَّ في كُفْرِه.
الحالةُ الثَّانية: ألَّا يكونَ مُعتَقِدًا بذلك بقَلْبِه، ولم يُكرَهْ على ذلك، ولكِنْ فَعَله من أجلِ طَمَعِ الدُّنيا أو مداراةِ النَّاسِ وموافَقَتِهم، فهذا كافِرٌ بنصِّ الآيةِ:  ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنْيا عَلَى الآخِرَةِ، وكذلك في فِعْلِ الكُفْر والشِّرك موافقةُ أهلِه، وهو لا يحبُّه، ولا يَعتَقِدُه بقَلْبِه، وإنَّما فعَلَه شُحًّا ببَلَدِه أو مالِه أو عشيرتِه.
الحالةُ الثَّالثةُ: أنْ يفعَلَ ذلك مازحًا ولاعبًا كما حصل من النَّفَرِ المذكورينَ.
الحالةُ الرَّابعةُ: أَنْ يقولَ ذلك مُكْرهًا لا مختارًا، وقَلْبُه مُطمَئِنٌّ بالإيمانِ، فهذا مرخَّصٌ له في ذلك دفعًا للإكراه، وأمَّا الأحوالُ الثَّلاثةُ الماضيةُ فإنَّ صاحِبَها يَكفُرُ كما صرَّحت به الآياتُ، وفي هذا ردٌّ على من يقولُ: إنَّ الإنسانَ لا يُحْكَم عليه بالكُفْرِ ولو قال كَلِمةَ الكُفْرِ أو فَعَل أفعالَ الكُفْرِ حتَّى يُعلَم ما في قَلْبِه، وهذا قولٌ باطلٌ مخالفٌ للنُّصوصِ!) [1286] يُنظر: "شرح كتاب كشف الشبهات" (ص 163). .
111. الموسوعةُ الفقهيَّةُ الكويتيَّةُ:
جاء في الموسوعةِ الفِقهيَّةِ الكويتيَّةِ: (التَّكفيرُ بالقَوْلِ: اتَّفق العُلَماءُ على تكفيرِ من صدر منه قولٌ مكفِّرٌ، سواءً أقاله استهزاءً، أم عنادًا، أم اعتقادًا؛ لقَولِه تعالى:  قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [1287] يُنظر: "الموسوعة الفقهيّة الكويتيَّة" (13/ 230). .
 وجاء فيها: ((التَّكفيرُ بالعَمَل: نصَّ الفُقَهاءُ على أفعالٍ لو فعلها المكلَّف فإنَّه يكفُرُ بها، وهي كُلُّ ما تعمَّدَه استهزاءً صريحًا بالدِّين أو جحودًا له؛ كالسُّجودِ لِصَنَمٍ أو شمسٍ أو قمرٍ، فإنَّ هذه الأفعالَ تدلُّ على عَدَمِ التَّصديقِ، وكإلقاءِ المصحَفِ في قاذورةٍ، فإنَّه يكفُرُ وإنْ كان مصدِّقًا؛ لأنَّ ذلك في حُكمِ التَّكذيبِ، ولأنَّه صريحٌ في الاستِخفافِ بكَلامِ اللهِ تعالى، والاستخفافُ بالكلامِ استخفافٌ بالمتكلِّمِ) [1288] يُنظر: المصدر السابق (13/ 233). .

انظر أيضا: