trial

الموسوعة العقدية

المطلب الثاني: الأدلة من السنة النبوية


وكما حظي ذكر الحساب في القرآن الكريم بكثرة العناية بذكره وإيراده في أكثر من موضع كما رأينا فيما سبق عرضه، فقد حظي كذلك بالذكر والعناية والاهتمام على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد وردت أحاديث كثيرة بشأنه وسنذكر منها ما يتبين به صدق ما قدمناه وذلك فيما يلي:
قال صلى الله عليه وسلم في الحث على الاستعداد بالعمل الصالح, ومحاسبة النفس, وعدم تركها ترتع كيف شاءت، وهو ما ورد عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها, وتمنى على الله الأماني)) رواه الترمذى (2459)، وابن ماجه (4983)، وأحمد (4/124) (17164)،، وأبو نعيم فى ((الحلية)) (1/267)، والطبراني (7/281) (7141)، والحاكم (1/125)، والبيهقي (3/369) (6306). قال الترمذي: حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخارى. وحسنه البغوي في ((شرح السنة)) (7/333). . قال الترمذي: (ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((دان نفسه)) يقول: حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة) ((سنن الترمذي)) (5/449). .
فإذا لم يستعد العبد بالعمل الصالح, ولم يسلك ما أمره الله به, ولم ينته عما نهاه عنه بل كفر بربه ولقائه, فإنه سيندم يوم القيامة, ويتمنى أن لو كان له ملء الأرض ذهباً ويفتدي به لو نفعه حين يحاسب بين يدي الله تبارك وتعالى.
كما جاء في حديث أنس رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك)) رواه البخاري (6538)، ومسلم (2805). .
وقدجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في سهولة الحساب ويسره وتجاوز الله تعالى: عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقلت: يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: 7-9]. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب)) رواه البخاري (103). . وفي بعض روايات هذا الحديث: ((من حوسب عذب)) إلخ الحديث رواه البخاري (6538)، ومسلم (2805). .
وقال صلى الله عليه وسلم في تجاوز الله تعالى عمن يتجاوز عن الناس في الحساب, وييسر عليهم, وتخفيف الله عن عباده، عن أبي مسعود البدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسراً، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر. قال: قال الله عز وجل: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه)) رواه مسلم (1561). .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: اللهم حاسبني حساباً يسيراً، فلما انصرف قلت: يا نبي الله ما الحساب اليسير؟ قال: أن ينظر الله في كتابه فيتجاوز عنه، من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة هلك، وكل ما يصيب المؤمن يكفر الله عز وجل به عنه حتى الشوكة تشوكه)) رواه أحمد (6/48) (24261)، وابن خزيمة (2/30) (849)، وابن حبان (16/372) (7372)، والحاكم (1/385) وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال الألباني في ((أصل صفة الصلاة)) (3/1007): إسناده جيد. .
وعن محمود بن لبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اثنان يكرههما ابن آدم: الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب)) رواه أحمد (5/427) (23674، 23675)، وأبو نعيم فى ((معرفة الصحابة)) (5/2525)، والمنذري (4/147). وقال: رواه أحمد بإسنادين، رواة أحدهما محتج بهم فى الصحيح، ومحمود له رؤية، ولم يصح له سماع فيما أرى. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (10/260): رواه أحمد بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح. وقال أيضاً (2/324): رجاله رجال الصحيح، وحسنه ابن حجر في ((تخريج مشكاة المصابيح)) (5/36) كما قال ذلك في المقدمة. .
وعن السدي قال: حدثني من سمع عليًّا يقول: لما نزلت هذه الآية: وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء [البقرة: 284] أحزنتنا، قال: قلنا: يحدث أحدنا نفسه فيحاسب به، لا ندري ما يغفر منه وما لا يغفر، فنزلت هذه الآية بعدها فنسختها: لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: 286].
وعن العدل في القصاص يوم القيامة وتبادل الحسنات والسيئات يقول صلى الله عليه وسلم: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثمَّ دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه)) رواه البخاري (6534). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يخلص المؤمنون من النار, فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار, فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا)) رواه البخاري (6535).
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن ناساً لا يحاسبون، وهم سبعون ألفاً إكراماً لهم كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق, فنظرت فإذا سواد عظيم, فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر, فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك ومنهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: وما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه, فقال: هم الذين لا يرقون, ولا يسترقون, ولا يتطيرون, وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة)) رواه البخاري (6541).
وفي بيان أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أول ما يقضى بين الناس بالدماء)) رواه البخاري (6533)، ومسلم (1678). من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.
عن حريث بن قبيصة قال: قدمنا المدينة فقلت: اللهم يسر لي جليساً صالحاً، قال فجلست إلى أبي هريرة فقلت: إني سألت الله أن يرزقني جليساً صالحاً، فحدثني بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعل الله أن ينفعني به، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح, وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع, فيكمل بها ما نتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك)) رواه أبو داود (864)، والترمذي (413)، والنسائي (1/232)، وابن ماجه (1425)، وأحمد (2/425) (9490). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال النووي في ((المجموع)): إسناده صحيح بمعناه. وقال ابن الملقن في ((تحفة المحتاج)) (1/333): إسناده صحيح. وقال الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)): صحيح.
وعن أول الخلق حساباً يقول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((نحن آخر الأمم وأول من يحاسب، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون)) رواه ابن ماجه (3482). قال البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) (2/337): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)). . الحياة الآخرة لغالب عواجي- 2/916


انظر أيضا: