trial

الموسوعة العقدية

المبحث الرابع: أمور لا تنافي العصمة


- الأعراض البشرية الجبلية لا تنافي العصمة:
فإبراهيم عليه السلام أوجس في نفسه خيفة عندما رأى أيدي ضيوفه لا تمتد إلى الطعام الذي قدمه لهم، ولم يكن يعلم أنهم ملائكة تشكلوا في صور البشر فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود: 70]
- عدم صبر موسى عليه السلام على تصرفات العبد الصالح:
وموسى وعد الخضر بأن يصبر في صحبته له، فلا يسأله عن أمر يفعله العبد الصالح حتى يحدث له منه ذكراً، ولكنه لم يتمالك نفسه، إذ رأى تصرفات غريبة، فكان في كل مرّة يسأل أو يعترض أو يوجه، وفي كل مرّة يذكّره العبد الصالح ويقول له: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [ الكهف: 75 ]. وعندما كشف له عن سر أفعاله قال له: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [ الكهف: 82 ].
3- تصرفات موسى عليه السلام عندما رأى قومه يعبدون العجل: وغضب موسى غضباً شديداً، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وألقى الألواح وفي نسختها هدى – عندما عاد إلى قومه بعد أن تمّ ميقات ربه، فوجدهم يعبدون العجل، وَلَمّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَىَ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمّ أن الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ [ الأعراف: 150 ] وفي الحديث: ((ليس الخبر كالمعاينة، إنَّ الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلمّا عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت)) رواه أحمد (1/271) (2447)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (1/12) (25)، وابن حبان (14/96) (6213)، والحاكم (2/351). من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (1/158): رواه أحمد والبزار والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) ورجاله رجال الصحيح وصححه ابن حبان، وقال ابن حجر في ((موافقة الخبر الخبر)) (2/139): له شاهد. .
- نسيان آدم وجحوده:
ومن ذلك نسيان آدم عليه السلام وجحوده، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كلٍّ منهم وبيصاً من نور، ثمّ عرضهم على آدم، فقال: أي ربِّ مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي ربّ من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك، يقال له داود، فقال: ربِّ كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي ربِّ زده من عمري أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم، جاءه ملك الموت، فقال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة، قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم، فجحدت ذريته، ونسي آدم، فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته)) رواه الترمذي (3076)، والحاكم (2/640). قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن العربي في ((أحكام القرآن)) (2/333). .
- نبي يحرق قرية النمل:
ومن ذلك ما وقع من نبي من الأنبياء غضب إذ قرصته نملة، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فعاتبه الله على ذلك، ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((نزل نبيٌّ من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثمّ أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلاّ نملة واحدة)) رواه البخاري (3319)، ومسلم (2241). .
- نسيان نبينا صلى الله عليه وسلم وصلاته الظهر ركعتين:
ومن ذلك نسيان الرسول صلى الله عليه وسلم في غير البلاغ، وفي غير أمور التشريع، فمن ذلك ما رواه ابن سيرين عن أبي هريرة قال: ((صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إحدى صلاتي العشيّ، فصلى ركعتين، ثمّ سلّم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنّه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبّك بين أصابعه، ووضع خدّه الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه.
وفي القوم رجل يقال له ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس، ولم تقصر، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فتقدم فصلّى ما ترك، ثمّ سلّم، ثمّ كبّر، وسجد مثل سجوده أو أطول، ثمّ رفع رأسه وكبّر، وسجد مثل سجوده أو أطول، ثمّ رفع رأسه وكبّر، فربما سألوه، ثمّ سلّم، فيقول: أنبئت أنّ عمران بن حصين، قال: ثمّ سلّم))
متفق عليه رواه البخاري (482)، ومسلم (573). . وليس لمسلم فيه وضع اليد على اليد ولا التشبيك.
وفي رواية، قال: ((بينما أنا أصلّي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر سلّم من ركعتين، فقام رجل من بني سليم، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟)) وساق الحديث، رواه أحمد ومسلم رواه مسلم (573)، وأحمد (2/423) (9458). .
وهذا يدل على أنّ القصة كانت بحضرته وبعد إسلامه. وفي رواية متفق عليها لما قال: ((لم أنس ولم تقصر، قال: بلى، قد نسيت)) رواه البخاري (1229)، ومسلم (573). وهذا يدل على أن ذا اليدين تكّلم بعدما علم عدم النسخ كلاماً ليس بجواب سؤال انظر: ((نيل الأوطار)) (3/114). .
وقد صرح الرسول صلى الله عليه وسلم بطروء النسيان عليه كعادة البشر، ففي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ولكنّي إنّما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني)) رواه البخاري (401)، ومسلم (572). قال هذا بعد نسيانه في إحدى الصلوات. أمّا الحديث الذي يروى بلفظ: ((إني لا أنسى، ولكن أُنسَّى لأسنّ)) ((موطأ مالك)) (2/138). قال: ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (2/7): لا يعرف بهذا اللفظ في الموطأ وهو غير مسند، وقال ابن العربي في ((القبس)) (1/354): لم يصح سنده، وقال ابن الملقن في ((الإعلام)) (3/272): منقطع الإسناد، وقال العراقي في ((طرح التثريب)) (3/9): لا أصل له. فلا يجوز أن يعارض به الحديث السابق، لأنّ هذا الحديث – كما يقول ابن حجر – لا أصل له، فإنّه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد انظر: ((نيل الأوطار)) (3/117). .
- مدى العصمة في إصابة الحق في القضاء:
الأنبياء والرسل يجتهدون في حكم ما يعرض عليهم من وقائع، ويحكمون وفق ما يبدو لهم، فهم لا يعلمون الغيب، وقد يخطئون في إصابة الحق، فمن ذلك عدم إصابة نبي الله داود في الحكم، وتوفيق الله لابنه سليمان في تلك المسألة. فعن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنّما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنّما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى)) رواه البخاري (2428). .
وقد وضح الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القضية وجلاّها، فقد روت أمُّ سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: إنّما أنا بشر، وإنّه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها)) رواه البخاري (2458)، ومسلم (1713). .الرسل والرسالات لعمر الأشقر - ص 99
وبشرية الأنبياء وحصول المرض والجوع والنسيان عليهم كما يحصل ويقع لسائر البشر من الأمور الظاهرة المعروفة عند كافة الناس، وما نقل شيخ الإسلام وغيره الإجماع على ذلك إلا لوجود أولئك الذين يرفعون من قدر المخلوق نبياً كان أو غيره ويعظمونه حتى يعدلوا به الرب عز وجل أو يلحقوا به بعض صفاته تعالى؛ ولهذا اضطر شيخ الإسلام وغيره على نقل الإجماع في بشرية الأنبياء وحصول المرض والجوع ونحو ذلك عليهم، وهذا مثل ما قاله الإمام الدارمي في كتابه الرد على الجهمية مبيناً اضطراره إلى الكلام في المسائل البديهية حيث قال: (باب الإيمان بالعرش وهو أحد ما أنكرته المعطلة ثم قال: وما ظننا أن نضطر إلى الاحتجاج على أحد ممن يدعي الإسلام في إثبات العرش والإيمان به، حتى ابتلينا بهذه العصابة الملحدة في آيات الله، فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الأمم قبلنا، وإلى الله نشكو ما أوهت هذه العصابة من عرى الإسلام وإليه نلجأ، وبه نستعين) ((الرد على الجهمية)) (ص: 12). .
نص كلام شيخ الإسلام في المسألة: قال – رحمه الله -: (والأنبياء يجوز عليهم المرض والجوع والنسيان ونحو ذلك بالإجماع) ((الرد على البكري)) (1/306). .
ذكر من نقل الإجماع من أهل العلم أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: كون الأنبياء بشراً ويحصل لهم ما يحصل للبشر من المرض والجوع والنسيان فيه رفعة لشأنهم وقدرهم.. وذلك لأنهم مع وجود هذه الصفات فهم محققون لعبودية الله عز وجل غاية التحقيق وأعلاه.. ولأن هذه المسألة من المسلمات عند المسلمين وذلك بنص القرآن: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف: 110] لم أقف على من تعرض لها ممن جمع في معتقد أهل السنة إلا ما كان من ابن حزم فقد قال –رحمه الله-: (وأن جميع النبيين وعيسى ومحمداً عليهم السلام عبيد لله تعالى مخلوقون، ناس كسائر الناس) ((المحلى)) (1/10). . وكونهم بشراً وأناساً يؤكد وقوع المرض والجوع والنسيان عليهم كوقوعه على غيرهم من سائر البشر.
ذكر مستند الإجماع على جواز المرض والجوع والنسيان ونحو ذلك على الأنبياء:
الأنبياء إنما هم بشر كسائر البشر يحصل لهم ما يحصل للبشر فيمرضون ويجوعون وينسون ونحو ذلك، قال تعالى: قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: 11] وقال تعالى عن أيوب عليه السلام: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص: 14]، وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: 83].
وأخبر الله عز وجل أن للأنبياء أزواجاً وذرية كما قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد: 38] بل إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ [الفرقان:20]، وأخبر الله عز وجل عن آدم عليه السلام أنه نسي، فقال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: 115]، وقال تعالى عن موسى عليه السلام وغلامه فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا [الكهف: 61]، فكل هذه الصفات تبين بشرية الأنبياء، وأنهم يجوز عليهم ما يجوز على سائر البشر، وإنما يوحى إليهم كما قال تعالى على لسان نبيه: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف: 110] ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون)) رواه مسلم (572) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. . المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: 777


انظر أيضا: