trial

الموسوعة العقدية

المبحث الأول: التفاضل بين الأنبياء والرسل


يقول ابن كثير: (لا خلاف أن الرسول أفضل من بقية الأنبياء) ((تفسير ابن كثير)) (2/47). . وقال السفاريني: (الرسول أفضل من النبي إجماعاً لتميزه بالرسالة التي هي أفضل من النبوة) ((لوامع الأنوار البهية)) (1/50). .
وقد بدأ الله بذكر الرسول قبل النبي في قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج: 52]. وقدم سبحانه الوصف بالرسالة على الوصف بالنبوة في قوله في كل من موسى وإسماعيل عليهما السلام: وَكَانَ رَسُولا نَّبِيًّا [مريم: 51]. فلعل في هذه دلالة على فضل الرسول على النبي، إذا الترتيب كان قاضيا بتقديم النبي على الرسول، لأن النبوة تكون أولاً ثم الرسالة، ففي تقديمها على النبوة إفادة معنى. ودلل الماوردي على فضل الرسول فقال: (الرسول أعلى منزلة من النبي ولذلك سميت الملائكة رسلاً ولم يسموا أنبياء) ((أعلام النبوة)) (38). . ولكن هذا الاستدلال على القول بتفضيل الملائكة على الأنبياء وهو مرجوح. كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
ومن أوجه فضل الرسل على الأنبياء:
أن الرسالة في أصلها قدر زائد على النبوة فهي نبوة وزيادة، فالرسل ساووا الأنبياء في النبوة، وفضلوا عليهم بالرسالة – صلوات الله وسلامه على الجميع-، يقول القرطبي: (معلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل، فإن من أرسل فضل على غيره في الرسالة واستووا في النبوة).
قال: (إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم إياهم وهذا مما لا خفاء فيه) ((تفسير القرطبي)) (3/263). . وفي قول القرطبي هذا وجه آخر من وجوه فضل الرسول على النبي وهو ما يلقاه الرسل دون الأنبياء من المنازعة مع أقوامهم، وذكر ابن القيم طبقات المكلفين فجعل الطبقة الأولى مرتبة أولي العزم من الرسل ثم الطبقة الثانية من عداهم من الرسل ثم قال: (الطبقة الثالثة الذين لم يرسلوا إلى أممهم وإنما كانت لهم النبوة دون الرسالة فاختصوا بإيحاء الله إليهم, وإرساله ملائكته إليهم، واختصت الرسل عنهم بإرسالهم إلى الأمة بدعوتهم إلى الله بشريعته وأمره واشتركوا في الوحي ونزول الملائكة عليهم) ((طريق الهجرتين)) (ص: 350). .
ومن وجوه فضل الرسول على النبي: أن الرسالة تثمر هداية الكافرين وإزالة الشرك، أما النبوة فتثمر توجيه المؤمنين وصيانة أحكام الله فيهم، وهذا مستفاد مما ذكر من الفرق بين النبي والرسول أن النبي يبعث في مؤمنين, والرسول في كافرين، ولا شك أن هداية الكافر خير من تعليم المؤمن و في كل خير، قال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه لما أمره بدعوة أهل خيبر إلى الإسلام: ((فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم)) رواه البخاري (3009)، ومسلم (2406). من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه. .
وهذا الإجماع المذكور على فضل الرسول على النبي واقع خلافاً للعز بن عبد السلام كما يقول السفاريني ((لوامع الأنوار البهية)) (1/50، 2/300). فإن العز قال: (إن قيل أيهما أفضل النبوة أم الإرسال؟ فنقول: النبوة أفضل, لأن النبوة إخبار عما يستحقه الرب من صفات الجمال ونعوت الكمال، وهي متعلقة بالله من طرفيها، والإرسال دونها أمر بالإبلاغ إلى العباد، فهو متعلق بالله من أحد طرفيه وبالعباد من الطرف الآخر، ولا شك أن ما يتعلق بالله من طرفيه أفضل مما يتعلق به من أحد طرفيه، والنبوة سابقة على الإرسال فإن قول الله لموسى: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مقدم على قوله: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فجميع ما تحدث به قبل قوله: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ نبوة، وما أمره بعد ذلك من التبليغ فهو إرسال، والحاصل أن النبوة راجعة إلى التعريف بالإله وبما يجب له والإرسال إلى أمر الرسول بأن يبلغ عنه إلى عباده أو إلى بعض عباده ما أوجبه عليهم من معرفته, وطاعته, واجتناب معصيته، وكذلك الرسول عليه السلام لما قال له جبريل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ إلى قوله: إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى كان هذا نبوة، وكان ابتداء الرسالة حين جاء جبريل بـ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ) ((قواعد الأحكام)) (237). .
ويظهر من كلام العز بن عبد السلام حصره سبب تفضيله النبي على الرسول في أمرين:
الأول: أن النبوة متعلقة بالله من طرفيها، والإرسال متعلق بالله من أحد طرفيه وبالعباد من الطرف الآخر.
الثاني: أن النبوة سابقة على الإرسال.
أما الأول: فإنه لم يعين الطرفين ما هما على التحديد, إلا أنه بنى ذلك على تفريقه بين النبوة والرسالة بأن النبوة تعريف الله نبيه به سبحانه وبما يجب له, ومثاله في كلامه قول الله لموسى عليه السلام: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وقول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ, والرسالة الأمر بالتبليغ، ومثاله قوله سبحانه لموسى عليه السلام: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: قم فأنذر، فكان النبوة على هذا وحي خاص بالنبي لا يبلغه لغيره، والرسول من أمر بالتبليغ فرجع إلى قول من جعل الفرق بينهما أن النبي من أوحي إليه بوحي ولم يؤمر بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بوحي وأمر بتبليغه، وهو غير مسلم, فإن الإرسال ثابت لهما كما تقدم بيانه في مسألة الفرق، وثبوت الإرسال لهما يجعل النبوة متعلقة بالله وبالعباد كالرسالة, فيكون السبب المذكور في تفضيل النبي على الرسول منتقضاً.
وأما الثاني: فإن سبق النبوة دليل على فضل الرسالة عليها لأنه لا يبلغ مرتبة الرسالة إلا من كان نبياً فهي مرتبة شريفة تفضل مرتبة النبوة، فلا يبلغ مبلغ الرسول إلا من كان نبياً أولاً.
ونبوة الرسول تكون إعدادا له للقيام بأعباء الرسالة – وهذا مفهوم من كلام العز – فدل على فضل الرسالة على النبوة.
وقد فهم السفاريني من كلام العز بن عبد السلام تخصيصه فضل النبوة على الرسالة في حال اجتماعهما في شخص واحد لا مطلقاً قال السفاريني: (الرسول أفضل من النبي إجماعاً، لتميزه بالرسالة التي هي أفضل من النبوة، على الأصح خلافاً لابن عبد السلام) إلى أن قال: (ثم أن محل الخلاف فيهما مع اتحاد محلهما وقيامهما معاً بشخص واحد, أما مع تعدد المحل فلا خلاف في أفضلية الرسالة على النبوة) ((لوامع الأنوار البهية)) (1/50). . وقال في موضع آخر: (الرسالة أفضل من النبوة ولو في شخص واحد، خلافاً للعز بن عبد السلام في قوله أن نبوة النبي أفضل من رسالته لقصرها على الحق تعالى، إذ هي الإيحاء بما يتعلق بالباري جل شأنه من غير ارتباط له بالخلق، وأما مع تعدد المحل فلا خلاف في أفضلية الرسالة على النبوة ضرورة جمع الرسالة لها مع زيادة) قال: (على أن الصحيح المعتمد أفضلية الرسالة مطلقاً) ((لوامع الأنوار البهية)) (2/300). .
وليس في كلام العز الذي وجدته ونقلته إلا إطلاق تفضيل النبوة على الرسالة لا كما يذكر السفاريني إلا أن يكون وقف على غير ما وقفت عليه.
هذا وقد جاء في كلام لابن حجر في ذكره وجوهاً في تعليل نهي النبي صلى الله عليه وسلم عبادة من قول: ورسولك الذي أرسلت, ليقول: ونبيك الذي أرسلت في حديث الدعاء قبل النوم، وكان مما قاله: (أو لأن لفظ النبي أمدح من لفظ الرسول, لأنه مشترك في الإطلاق على كل من أرسل بخلاف لفظ النبي فإنه لا اشتراك فيه عرفاً) ((فتح الباري)) (1/358). . وهذا في عرف اللغة لا في عرف الشرع، بل وصف الرسالة في عرف الشرع يستلزم وصف النبوة. فالصحيح أن الرسالة أفضل من النبوة، والرسول أفضل من النبي, فلفظ الرسول أمدح من لفظ النبي مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص 124

انظر أيضا: