trial

الموسوعة العقدية

رابعاً: النهي عن اتخاذ قبر النبي صلى الله عليه وسلم عيدا


فأما العموم: فقال أبو داود في (سننه): حدثنا أحمد بن صالح، قال: قرأت على عبدالله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) رواه أبو داود (2042). وسكت عنه. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في ((الأحكام الصغرى)) (892) - كما أشار لذلك في مقدمته -، والنووي في ((الأذكار)) (154). وقال ابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (2/169): إسناده حسن وله شواهد. وقال ابن حجر في ((الفتوحات الربانية)) (3/314): حسن. وقال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)): صحيح.
فمن ذلك: ما رواه أبو يعلى الموصلي في (مسنده)، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا جعفر بن إبراهيم - من ولد ذي الجناحين- حدثنا علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن الحسين: أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو. فنهاه، فقال: ألا أحدّثكم حديثاً سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم)) رواه أبو عبدالله محمد بن عبدالواحد المقدسي الحافظ، فيما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على (الصحيحين)، وشرطه فيه أحسن من شرط الحاكم في (صحيحه) رواه أبو يعلى (1/361)، والضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) (428). قال ابن عبدالهادي المقدسي في ((الصارم المنكي)) (206): جيد. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (4/6): رواه أبو يعلى، وفيه حفص بن إبراهيم الجعفري ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً، وبقية رجاله ثقات. وقال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (313)، والعجلوني في ((كشف الخفاء)) (2/33): حسن. وقال الألباني في ((تحذير الساجد)): وسنده مسلسل بأهل البيت رضي الله عنهم، إلا أن أحدهم وهو علي بن عمر مستور، كما قال الحافظ في ((التقريب)) (1/700). .
وروى سعيد في (سننه)، حدثنا حبان بن علي، حدثني محمد بن عجلان، عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني)) رواه سعيد بن منصور في ((سننه)) مرسلاً كما في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (ص: 322)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (13/62). .
وقال سعيد: حدثنا عبدالعزيز بن محمد، أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني، وهو في بيت فاطمة يتعشى. فقال: هلم إلى العشاء؟ فقلت لا أريده. فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا دخلت المسجد فسلم. ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم)). ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء رواه سعيد بن منصور في ((سننه)) مرسلاً كما في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (ص: 106)، ورواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (3/71). قال ابن القيم في ((إغاثة اللهفان)) (1/301)، وابن عبدالهادي الحنبلي في ((الصارم المنكي)) (ص: 322): مرسل. قال الألباني في ((أحكام الجنائز)) (ص220): مرسل بإسنادٍ قوي. .
فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لاسيما وقد احتج من أرسله به وذلك يقتضي ثبوته عنده، ولو لم يكن روي من وجوه مسندة غير هذين. فكيف وقد تقدم مسندا؟
ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدا. فقبر غيره أولى بالنهي كائناً من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: ((ولا تتخذوا بيوتكم قبورا)) أي: لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم. وفي (الصحيحين) عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا)) رواه البخاري (432)، ومسلم (777). .
وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه)) رواه مسلم (780). ، ثم إنه صلى الله عليه وسلم أعقب النهي عن اتخاذه عيداً بقوله: ((صلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) رواه أبو داود (2042). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وسكت عنه. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في ((الأحكام الصغرى)) (892) - كما أشار لذلك في مقدمته -، والنووي في ((الأذكار)) (154). وقال ابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (2/169): إسناده حسن وله شواهد. وقال ابن حجر في ((الفتوحات الربانية)) (3/314): حسن. وقال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)): صحيح. وفي الحديث الآخر: ((فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم)) رواه أبو يعلى (1/361)، والضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) (428). من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال ابن عبدالهادي المقدسي في ((الصارم المنكي)) (206): جيد. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (4/6): رواه أبو يعلى، وفيه حفص بن ابراهيم الجعفري ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً، وبقية رجاله ثقات. وقال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (313)، والعجلوني في ((كشف الخفاء)) (2/33): حسن. يشير بذلك صلى الله عليه وسلم إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيداً، والأحاديث عنه بأن صلاتنا وسلامنا تعرض عليه كثيرة.
مثل ما روى أبو داود من حديث أبي صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن عبدالله بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام)) رواه أبو داود (2041). وسكت عنه. وقال النووي في ((الأذكار)) (154): إسناده صحيح. وقال ابن الملقن في ((البدر المنير)) (6/299)، والعراقي في ((المغني)) (1/409): إسناده جيد. وقال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)): حسن. صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث على شرط مسلم.
ومثل ما روى أبو داود - أيضاً - عن أوس بن أوس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي))، قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ فقال: ((إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء)) رواه أبو داود (1047)، ورواه النسائي (3/91)، وابن ماجه (1636)، وأحمد (4/8) (16/207). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال النووي في ((المجموع)) (4/548): إسناده صحيح. وحسنه ابن حجر في ((هداية الرواة)) (2/94) - كما أشار لذلك في المقدمة -. وقال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)): صحيح. ...
وفي النسائي وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله وكَّلَ بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام)) رواه النسائي (3/43) بلفظ: ((إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام)) وبلفظ النسائي رواه أحمد (1/387) (3666)، والحاكم (2/456). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وحسنه ابن حجر في ((هداية الرواة)) (1/416) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في ((صحيح سنن النسائي)): صحيح. إلى أحاديث أخر في هذا الباب متعددة.
ثم إن أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين رضي الله عنه، نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره صلى الله عليه وسلم، واستدل بالحديث، وهو راوي الحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي، وأعلم بمعناه من غيره، فبيّن أن قصده للدعاء ونحوه اتخاذ له عيداً.
وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته، كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيداً. فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت، الذين لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا لها أضبط.اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - 2/659

انظر أيضا: