موسوعة الأخلاق

صور السَّتْرِ


1- ستر المسلم نفسه:
(المسلم عليه أن يستر نفسه، فلا يُشْهر خطاياه أمام الخَلْق، ولا يذكر زلَّاته أمام النَّاس، ولو كانوا أصدقاءه، إلَّا على وجه السُّؤال والفتيا، دون تحديد أنَّه الفاعل، سيَّما عند من يعرفه) [1607] ((خُلُق المؤمن)) لمصطفى مراد (ص 113).
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كلُّ أمَّتي معافى إلا المجَاهرين، وإنَّ من المجَاهرة أن يعمل الرَّجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يَسْتُره ربُّه، ويصبح يكشف سِتْر الله عنه )) [1608] رواه البخاري (6069) واللَّفظ له، ومسلم (2990).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((أيُّها النَّاس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئًا، فليَسْتَتر بسِتْر الله )) [1609] رواه مالك في ((الموطأ)) (5/1205)، والبيهقي (8/326) (18029) من حديث زيد بن أسلم رضي الله عنه. قال الشافعي في ((الأم)) (7/367): منقطع، ليس مما يثبت به هو نفسه حجة. وقال البيهقي في ((السُّنن الصغير)) (3/345): مرسل، وقد أُسند آخره عن ابن عمر مرفوعًا. وقال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (6/504)، وابن الملقن في ((خلاصة البدر المنير)) (2/303): مرسل.
2- ستْر المسلم لإخوانه المسلمين:
وكما يَسْتُر المسلم نفسه، عليه أن يَسْتُر إخوانه المسلمين، إذا رأى منهم عيبًا أو خطأً، قال صلى الله عليه وسلم: ((من نفَّس عن مؤمن كُرْبةً من كُرَب الدُّنيا، نفَّس الله عنه كُرْبةً من كُرَب الآخرة، ومن سَتَر على مسلم، سَتَره الله في الدُّنيا والآخرة، والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه )) [1610] رواه مسلم (2699) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
3- ستْر الميِّت:
إذا غسَّل المسلم ميِّتًا، فرأى فيه شيئًا معيبًا، فعليه أن يَسْتره، ويكتم أمره، قال صلى الله عليه وسلم: ((من غسَّل ميِّتًا، فكتم عليه، غَفَر الله له أربعين مرَّةً)) [1611] رواه الطبراني (1/315) (929)، والبيهقي (3/395) (6900) واللَّفظ له. قال المنذري في ((التَّرغيب والتَّرهيب)) (4/257): رواته محتج بهم في الصحيح. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)): رجاله رجال الصحيح. وقال ابن حجر في ((الفتوحات الربانية)) (4/163): حسن غريب. وصحَّحه الألباني في ((صحيح التَّرغيب والترهيب)) (3492).
الوسائل المعينة على اكتساب صفة السَّتْر:
1- أن تعلم فضل السَّتْر، وأنَّ من سَتَر أخاه المسلم، سَتَره الله في الدُّنيا والآخرة.
2- أن تستشعر معنى أخوة الإيمان، فقد قال الله عزَّ وجلَّ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمنين في تَوَادِّهِم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عُضْو، تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى )) [1612] رواه البخاري (6011)، ومسلم (2586) واللَّفظ له.
3- أن تضع نفسك مكان أخيك الذي أخطأ وزلَّ، فهل تحبُّ أن تُفْضَح أم تُسْتَر؟ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يؤمن أحدكم، حتَّى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه )) [1613] رواه البخاري (13) واللَّفظ له، ومسلم (45). ، وعن عكرمة أنَّ ابن عبَّاس، وعمَّارًا، والزُّبير -رضي الله عنهم جميعًا- أخذوا سارقًا، فخلوا سبيله، فقلت لابن عبَّاس: (بئسما صنعتم حين خلَّيتم سبيله، قال: لا أمَّ لك، أما لو كنت أنت، لسرَّك أن يُخَلَّى سبيلك) [1614] رواه ابن أبي شيبة في ((المصنَّف)) (28084)، وصحح إسناده ابن حجر في ((فتح الباري)) (12/90).
4- أن ينشغل العبد بإصلاح نفسه: قال الحسن البصري: (يا ابن آدم، لن تنال حقيقة الإيمان حتَّى لا تعيب النَّاس بعيب هو فيك، وتبدأ بذلك العيب من نفسك، فتصلحه، فما تصلح عيبًا إلَّا ترى عيبًا آخر، فيكون شغلك في خاصَّة نفسك). وقيل لربيع بن خُثَيْم: ما نراك تعيب أحدًا، ولا تذمُّه! فقال: ما أنا على نفسي براضٍ، فأتفرَّغ من عيبها إلى غيرها) [1615] ((موارد الظمآن)) لعبد العزيز السلمان (1/377).

انظر أيضا: