الموسوعة الفقهية

المطلب الثَّاني: إذا تَعذَّرَ ذبْحُ الصَّيْدِ بدونِ تَقصيرٍ منه فمات قَبلَ إمكانِ ذَبْحِه


إذا أَدرَكَ الصَّائِدُ الحَيوانَ الَّذي صادَه وهو حيٌّ حياةً مُستقرَّةً وتَعذَّرَ عليهِ ذبْحُه [156] كأنْ يَشتغِلَ بأخْذِ الآلةِ ونَيْلِ السِّكِّينِ فيَموتَ قبلَ إمكانِ ذبْحِه. وكأنْ يَمتنِعَ بما فيه مِن بَقيَّةِ قوَّةٍ ويَموتَ قبلَ قُدرتِه عليه. وأيضًا: أنْ لا يَجِدَ مِنَ الزَّمانِ ما يُمْكِنُ الذَّبحُ فيه. بدونِ تَقصيرٍ [157] أمَّا إذا قَصَّر في ذبْحِه فمات، فلا يَحِلُّ. وقد ذَكَرَتْ كُتُبُ المذاهبِ أمثلةً مِن هذا التَّقصيرِ، ومنه: عَدَمُ حمْلِه السِّكِّينَ، أو إذا نَشِبَتِ السِّكِّينُ في الغِمْدِ- أي: الغُلاف- بأنْ عَلِقَتْ فيه، وعَسُرَ إخراجُها منه، وكأنْ يَبقَى مِنَ الزَّمانِ ما يَتمكَّنُ فيه مِن ذبْحِه فلَم يَذْبَحْه. ، فإنَّه يُباحُ، وهو مذهبُ الجُمهورِ: المالِكيَّةِ [158] ((التاج والإكليل)) للموَّاق (3/218)، ((حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني)) (1/590)، ((مِنَح الجليل)) لعُلَيْش (2/426). ، والشَّافِعيَّةِ [159] ((المجموع)) للنَّووي (9/115)، ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (9/320)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (2/269). ، والحنابلةِ [160] ((كشَّاف القِناع)) للبُهُوتي (6/216). ، وهو قولُ أبي حنيفةَ وأبي يُوسفَ [161] ((الهداية)) للمَرْغِيناني (4/118)، ((العناية)) للبابرْتي (10/121)، ((الدر المختار وحاشية ابن عابدين)) (6/470).
الأدلَّة:
أولًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، قال: ((سألْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن صَيْدِ المِعْرَاضِ، قال: ما أَصابَ بحَدِّه فكُلْهُ، وما أَصابَ بعَرْضِه فهو وَقِيذٌ. وسألْتُه عن صَيْدِ الكلبِ، فقال: ما أَمْسَكَ عليكَ فكُلْ؛ فإنَّ أخْذَ الكلبِ ذَكاةٌ. وإنْ وَجَدْتَ مع كلبِكَ- أو: كِلابِكَ- كلبًا غيرَه، فخَشِيتَ أنْ يَكونَ أخَذَه معه، وقد قَتَلَه، فلا تَأْكُلْ؛ فإنَّما ذَكَرْتَ اسمَ اللهِ على كلبِكَ ولم تَذْكُرْه على غيرِه )) [162] أخرجه البخاري (5475) واللَّفظ له، ومسلم (1929).
 وجهُ الدَّلالةِ:
أنَّه أَباحَ أكْلَه بمُجرَّدِ صَيْدِ كلبِه الَّذي أَرسلَه، وأَخبَرَ أنَّ أَخْذَه ذَكاتُه، يعني: إذا لم يُدرِكْ ذَكاتَه [163] ((المجموع)) للنَّووي (9/116).
ثانيًا: أنَّه مَعذورٌ في ترْكِ ذبْحِه؛ فأَشْبَهَ ذَكاةَ الاضطِرارِ [164] ((المجموع)) للنَّووي (9/115).
ثالثًا: أنَّه لم يَقْدِرْ على ذَكاتِهِ بوجْهٍ يُنسَبُ فيه إلى التَّفريطِ، فكان عَقْرُه ذَكاتَه، كالَّذي قتَلَه [165] ((المغني)) لابن قُدامةَ (9/373).
رابعًا: أنَّه إذا لم يُذَكِّهِ لعدمِ اتِّساعِ الوقتِ لتَذكيَتِه، صار غيرَ مقدورٍ على تَذْكيتِه؛ فأَشْبَهَ ما لو وَجَدَه مَيِّتًا بعد جَرْحِ الآلةِ له [166] ((كشَّاف القِناع)) للبُهُوتي (6/216).

انظر أيضا: