الموسوعة الفقهية

المبْحَثُ الخامِسُ: الاستطاعَةُ البَدَنِيَّةُ


المطلب الأول: من لا يستطيعُ أن يَثبُتَ على الآلةِ أو الرَّاحلة
مَن كان مريضًا لا يَستمِسكُ على الرَّاحلةِ، أو مَعضوبًا المَعضوب: الضَّعيف والزَّمِن الذي لا حَراكَ به، كأنَّ الزَّمانةَ عَضبتْه ومنعتْه الحَركةَ. ينظر: ((الصحاح)) للجوهري (1/184)، ((المصباح المنير)) للفيومي (2/414). ؛ فلا يلزمُه المسيرُ إلى الحجِّ.
الأدلة:
أولًا: من الكتاب
قال الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: 97]
وجه الدلالة:
أنَّ من لا يستطيعُ أن يَثبُتَ على الرَّاحلةِ أو يستَمسِكَ بها، فهو غيرُ مُستطيعٍ, فلا يجبُ عليه الحَجُّ بنَفسِه؛ لأنَّه إنما وجبَ على من استطاع إليه سَبيلًا ((المبسوط)) للسرخسي (4/275).
 ثانيًا: من السنة
عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أنَّه جاءَتْه امرأةٌ مِن خَثعَم تستفتيه، قالت: يا رسولَ الله، إنَّ فريضةَ اللهِ على عبادِه في الحجِّ، أدرَكَت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيعُ أن يثبُتَ على الرَّاحلةِ، أفأحُجُّ عنه؟ قال: نعم )) رواه البخاري (1513)، ومسلم (1334). ، وفي رواية: ((قالت: يا رسولَ الله، إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ، عليه فريضةُ اللهِ في الحَجِّ، وهو لا يستطيعُ أن يستوِيَ على ظَهرِ بَعيرِه، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: فحُجِّي عنه )) رواه مسلم (1335).
ثالثًا: من الإجماع
نقلَ الإجماعَ على ذلك ابنُ العَرَبيِّ قال ابنُ العربيِّ: (إنْ كان مريضًا، أو مَعضوبًا، لم يتوجَّه عليه المسيرُ إلى الحجِّ بإجماع من الأمَّة؛ فإنَّ الحج إنما فَرضَه الله على المستطيع إجماعًا؛ والمريض والمعضوب لا استطاعةَ لهما). ((أحكام القرآن لابن العربي)) (1/378). ، والقرطبيُّ قال القرطبيُّ: (مَن انتهى إلى ألَّا يقدِر أن يستمسكَ على الرَّاحلة ولا يثبُت عليها، بمنزلة مَن قُطِعت أعضاؤه؛ إذْ لا يقدِر على شيءٍ، وقد اختلف العلماءُ في حُكمهما بعد إجماعهم أنَّه لا يلزمهما المسيرُ إلى الحجِّ؛ لأنَّ الحج إنما فَرضُه على المستطيع إجماعًا، والمريضُ والمعضوبُ لا استطاعةَ لهما). ((تفسير القرطبي)) (4/150). ، وابنُ تيميَّة قال ابنُ تيميَّة: (وكذلك الحجُّ: فإنَّهم أجمعوا على أنه لا يجبُ على العاجز عنه). ((مجموع الفتاوى)) (8/439).
المَطْلَب الثَّاني: مَن فَقَد الاستطاعَةَ البَدنيَّةَ هل يلزَمُه أن يُنِيبَ عنه؟
من كان قادرًا بمالِه عاجزًا ببَدَنِه؛ فإنَّه يجب عليه الحَجُّ، بإرسالِ من ينوب عنه، وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّة ((المجموع)) للنووي (7/94)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/469). ، والحَنابِلَة ((شرح منتهي الإرادات)) للبهوتي (1/ 519)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قُدامة (3/222)، ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (7/31). ، وهو قولٌ للحَنَفيَّة ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (2/416). ، واختاره ابنُ حزمٍ قال ابنُ حزم: (من لا مالَ له، ولا قوَّةَ جسمٍ إلَّا أنَّه يجِدُ من يحجُّ عنه بلا أجرةٍ أو بأجرةٍ يَقْدِرُ عليها; فوجدنا اللُّغةَ التي بها نزَلَ القرآن وبها خاطَبَنا اللهُ تعالى في كلِّ ما ألزَمَنا إيَّاه؛ لا خلافَ بين أحدٍ مِن أهْلِها في أنَّه يقال: الخليفةُ مستطيعٌ لفَتْحِ بلد كذا, ولنَصْبِ المنجنيقِ عليه، وإن كان مريضًا مُثْبَتًا؛ لأنَّه مستطيعٌ لذلك بأمْرِه وطاعَةِ النَّاسِ له, وكان ذلك داخلًا في نصِّ الآيَةِ). ((المحلى)) (7/56). ، وابنُ عُثيمين قال ابنُ عُثيمين: (إن كان الإنسانُ قادرًا بماله دون بدنه، فإنَّه يُنيبُ من يحُجُّ عنه؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما ((أنَّ امرأةً خثعميَّةً سألت النبيَّ صلَّى الله عليه وسَلَّم، فقالت: يا رَسولَ الله، إنَّ أبي أدركَتْه فريضةُ الله على عباده في الحَجِّ، شيخًا كبيرًا لا يَثْبُت على الرَّاحِلَة، أفأحجُّ عنه؟ قال: نعم))، وذلك في حَجَّة الوداعِ، ففي قولها: أدرَكَتْه فريضة اللهِ على عباده في الحَجِّ، وإقرارُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسَلَّم ذلك؛ دليلٌ على أنَّ من كان قادرًا بمالِه دون بدنه، فإنَّه يجب عليه أن يُقيمَ من يَحُجُّ عنه). ((مجموع فتاوى ورسائل العُثيمين)) (21/15).
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتاب
قال اللهُ تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: 97]
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ عُمومَ قَولِه: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا يشمَلُ من استطاعَ الحَجَّ بمالِه، فيُنيبُ من يؤدِّي عنه الحَجَّ ((المجموع)) للنووي (7/101), ((مجموع فتاوى ابن باز)) (16/ 122).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن عَبْدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسَلَّم: ((أنَّه جاءَتْه امرأةٌ من خَثْعَم تستفتيه، قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ فريضَةَ اللهِ على عبادِه في الحَجِّ أدرَكَتْ أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيعُ أن يَثْبُتَ على الرَّاحِلَةِ، أفأَحُجُّ عنه؟ قال: نَعَم )) رواه البخاري (1513)، ومسلم (1334)
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسَلَّم أقرَّ المرأةَ على وَصْفِ الحَجِّ على أبيها بأنَّه فريضةٌ، مع عَجْزِه عنه ببَدَنِه، ولو لم يجِبْ عليه لم يُقِرَّها الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسَلَّم؛ لأنَّه لا يُمكِنُ أن يُقِرَّ على خطأٍ؛ فدلَّ على أنَّ العاجِزَ ببَدَنِه القادِرَ بمالِه؛ يجبُ عليه أن يُنيبَ ((المحلى)) لابن حَزْم (7/57)، ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (7/11).
ثالثًا: لأنَّ هذه عبادةٌ تجب بإفسادِها الكَفَّارة، فجاز أن يقومَ غيرُ فِعْلِه فيها مقامَ فِعْلِه؛ كالصَّوْمِ إذا عجز عنه افتدى ((المغني)) لابن قُدامة (3/222).

انظر أيضا: