موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة

رابعا: هل ستقضي العولمة حقيقة على المد الإسلامي؟!


نرى نحن على العكس، أنها ستكون سببا قويا من أسباب انتشار الصحوة الإسلامية في كل الأرجاء!
يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف : 9] من زمن بعيد، في أوائل الخمسينيات من هذا القرن، ألقى "توينبي" المؤرخ البريطاني الشهير محاضرة بعنوان "الإسلام والمستقبل" قال فيها: إن الإسلام الآن نائم نومة أهل الكهف. ولكن النائم قد يستيقظ إذا وجدت دواعي اليقظة. وقد أثبت الإسلام وجوده القوي مرتين تاريخيتين من قبل، الأولى حين اكتسح نصف الإمبراطورية الرومانية في سنوات قلائل، والثانية حين تغلب على الصليبيين في القرون الوسطى. واليوم توجد شعوب بروليتارية (يقصد الشعوب المستذلة الخانعة للإذلال، التي لا تثور ضده، ويقصد بها شعوب "العالم الثالث") يستغلها الغرب ويضغط عليها، فإذا اشتد الضغط فسوف تتحرك هذه الشعوب لتسترد كيانها المسلوب، وعندئذ قد يجد الإسلام الفرصة لتزعّم هذه الحركة، وقيادة هذه الشعوب في صراعها مع الغرب.. وفي الأخير قال: ونرجو ألا يحدث ذلك!!
ولكن الذي كان يخشاه توينبي، ويرجو ألا يحدث، قد حدث بالفعل، وقامت الصحوة الإسلامية على الرغم من كل الحرب المصبوبة عليها، أو ربما بسبب هذه الحرب!
واليوم تأتي العولمة لتشعل الموقف!
إن العولمة هي أسوأ صورة من صور الاستعمار عرفتها الأرض حتى اليوم.. صورة عاتية غاشمة لا تريد فقط سلب أقوات الشعوب واستغلالها، إنما تريد محو شخصيتها، وتحويلها إلى أتباع وعبيد.
ورد الفعل المتوقع - ولو بعد فترة من الوقت - هو ثورة هذه الشعوب لكيانها المسلوب، وتحركها لاسترداد ما سلب منها من خامات وأموال، وكرامات وعقول وقلوب..
وسيكون الإسلام هو قائد حركة التحرير!
ولا شك في أن العلمانيين سيضحكون ملء أفواههم، وسيقولون لنا: إنكم تحلمون، ثم تصدقون أحلامكم، فقد جاءتكم الكاسحة الماسحة التي لا تبقي ولا تذر، ولا طاقة أمامها لأحد من البشر! فضلا عن الضعاف المهازيل، الرجعيين المتخلفين، الذين يعيشون بعقلية القرون الوسطى في عصر التنوير!
ونقول نحن إنا واقعيون جدا، بصرف النظر عما تتمناه النفوس، فالنفوس دائما تتمنى ما ترغب، ولكن بعض الناس يتمنون وهم يحلمون، وآخرين يتمنون وهم واقعيون، يعرفون مواقع أقدامهم، ويدركون عقبات الطريق.
ولنأخذ واقعة معينة، ولنستخرج منها دلالتها..
تلك الواقعة هي رواية "وليمة لأعشاب البحر"..
لقد كانت أمنية الذين قاموا بإعادة نشرها، أن يصل المجتمع إلى الحالة التي يُسَبّ فيها الله ورسوله، ويُهزأ بدينه، ويُسخر من مفاهيمه ثم لا يتحرك!
ولكنهم - بحماقة - تجاوزوا الخطوط الحمراء!
وعندئذ وقعت الواقعة التي لم تدر بخلد أحد، ولم تخطر على البال، فانفجر المكبوت الديني كله، وتحرك من لم يكن يُتَوقع أن يتحرك، واستنكر حتى من لم يكن يُتوقع أن يستنكر!
تلك الواقعة لها دلالتها..
فقد أوغل العلمانيون في مهاجمة الدين زمنا، والناس ساكتون. وأغراهم سكوت الناس فزادوا إيغالا، مستندين إلى القوى التي تقدم لهم الحماية وهم يهاجمون الدين..
ولكنهم كانوا - في أبراجهم العاجية - يعالجون " قضايا " يختلط فيها الحق والباطل، و ينفعل بها ولا لها إلا فريق محدود من الناس، وإن كانت في عمومها تثير اشمئزاز الناس واستنكارهم.
أما حين مس الأمر ما هو "معلوم من الدين بالضرورة" من تقديس لله سبحانه وتعالى، وتوقير للرسول صلى الله عليه وسلم، واحترام للدين المنزل من عند الله.. فعندئذ انفجر المخزون كله، رغم كل المخاطر التي كانت تحيط بالانفجار!
والعولمة ترتكب ذات الحماقة..
تتجاوز الخطوط الحمراء!
وفي المؤتمرات الداعرة التي تدعو إلى الفوضى الحيوانية، وتدعو إلى إعطاء الشرعية للفسق والفجور والشذوذ والانحراف.. يتجاوز "المتآمرون" الخطوط الحمراء، ويمسون ما هو "معلوم من الفطرة بالضرورة" فينفجر المخزون!
وذلك فضلا عن الضغط الاقتصادي والضغط السياسي الذي يصاحب العولمة، ويؤدي في النهاية إلى الانفجار..
إن العولمة - سواء كانت أمريكية بحتة، أو يهودية بحتة، أو خليطا متجانسا متعاونا من الأمريكية واليهودية - تعمل - بحماقة - ضد مصالحها في نهاية المطاف!
المسلمون والعولمة لمحمد قطب

انظر أيضا: