موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة

ثانيا: تعريفات إلحادية


1- الإنسان التقدمي
الإنسان التقدمي أو المتطور قيل في تعريفه إنه هو الإنسان المهذب في سلوكه، والواقعي في حكمه، والصادق في التعبير عنه ([446] ) ((التطور والدين))،( ص14).
وإذا كان هذا التعريف صحيحا فإنه لم يقف تفسير التقدمي عند هذا المفهوم فقد أصبح يطلق على نواح مختلفة عند الناس هي أبعد ما تكون عن هذا المفهوم ففي جانب العقائد يطلقون التقدمية على الإنسان الذي ينبذ التدين والتقاليد وانفلت من كل ارتباط بالفضائل الدينية واتخذ الإلحاد مذهبا مثل الأحزاب التي أطلقت على نفسها صفة التقدمية في البلاد العربية و في غيرها و في جانب المظاهر صاروا يطلقون على الشخص أنه متقدم حينما يهتم بمظهره الشخصي خصوصا حينما يقلد الإفرنج في لباسهم وسلوكهم وصار عند الكثير من المغفلين أن البنطلون الضيق، ورباط العنق "الكرفتة " كما يسمونها وجمع المرأة لأنواع المكياجات ولباسها إلى نصف الفخذين وكشفها الرأس وترديد بعض عبارات الغربيين يعتبر تقدما، وهي من الأمور التي انعكست الحقائق فيها وقد نجح الغربيون في الإيحاء إلى الرجل والمرأة أنه ليس بينهم وبين التقدم إلا ركوب تلك المسالك، وليت شعري أي تطور أو تقدم في هذه المظاهر المنفرة القائمة على الفجور وتقليد أعداء الدين ولهذا صارت هذه التسمية – تقدمي – عند العقلاء منفرة لما علق بها من هذه المفاهيم الخاطئة فأي تقدم في أنواع القصات وجميع أنواع المكياجات ومحاكاة الساقطين في الحضارة الغربية ونبذ الحياء والحشمة ومحاربة الله ودينه.
 
 2- الرجعية والجمود
أما الرجعية فقد قيل في تعريفها: إنها هي الميل في السير إلى الوراء والعزوف عن متابعة الحركة نحو اليقظة التي يتم عندها تكامل استعدادات الإنسان الطبيعية.
وأما الجمود: فهو الوقوف في الحركة عند مرحلة من مراحل تطور الإنسان في كماله وتمام نمو طاقاته البشرية ([447] ) ((التطور والدين))، (ص19).
هكذا قيل في تعريفهما ولكن ماذا كان يقصد بها أعداء الأديان؟
لقد اتخذ الملاحدة ومن تبعهم هذا المصطلح نقطة إنطلاق في سبهم للإسلام والمسلمين ولقد قالوا منكرا من القول وزورا فالإسلام والمسلمون بريئان من هذا الوصف بل أعداء الإسلام أحق به وسلوكهم وأفكارهم هي عين الرجعية والجمود فإن المتتبع لأقوالهم عن نشأة الإنسان وتطوره لو قارنها بأقوالهم اليوم عن تمدحهم بالتطور لرأى العجب في تناقضهم وكذلك ما يرمون به المسلمين من الرجعية والجمود يكذبهم حال المسلمين الذين يطبقون الإسلام قولا وعملا كيف كانت سعادتهم وسعادة شعوبهم في تطبيقهم لأحكام الشريعة الغراء التي أنزلها الله كاملة شاملة صالحة إلى يوم القيامة لا تحتاج إلى أحد ينقص منها أو يزيد فيها و في العقوبات المقدرة كحد السرقة والزنا والقتل والقذف وغير ذلك خير شاهد على أن الإسلام شريعة كاملة شاملة متطورة يمتد ظلها إلى يوم القيامة.
وحينما كان الملك فيصل – رحمه الله – ينادي بالتضامن الإسلامي ([448] ) قد كانت الدعوة إلى التضامن الإسلامي بمثابة جريمة كبرى عند الثائرين من العرب وغيرهم وكانت أكثر الإذاعات العربية وغيرها تتفكه بالنيل من تلك الدعوة. واليوم وبعد أن ظهرت حقيقة ضعف المسلمين وهوانهم على الأمم بدؤوا يتكلمون عن اتحاد المسلمين وتضامنهم وأنه لا قيمة لهم إلا من خلال إثبات وجودهم الإسلامي كما حدث في المؤتمر الذي يعقد في ماليزيا الآن، وعسى أن يفيق المسلمون ويراجعوا دينهم بصدق وإخلاص خصوصا وقد كشر النصارى عن أنيابهم على المسلمين وتصريحاتهم بسب الإسلام وحضارته. ، وعودة المسلمين إلى تحكيم شرع الله عز وجل والتمسك بسنته رماه أعداء الإسلام عن قوس واحدة بالسب والشتم بالرجعية والتخلف فكان يقول في خطبه المؤثرة: " إن كان التمسك بالإسلام رجعية فنحن نفتخر بأننا رجعيون " ولقد اتضح ولله الحمد بعد أن انجلت الحقيقة عن زيف الشيوعية والدعوة إلى القومية أو الوطنية أو سائر النعرات الجاهلية أن الإسلام هو الذي سيبقى على امتداد تاريخ البشر، وأن الميل في السير إلى الوراء والعزوف عن متابعة الحركة التي توصلهم إلى تكامل استعداداتهم الطبيعية هو أخص صفات المذاهب الفكرية الضالة الجامدة بخلاف الإسلام فإنه دين شامل ومتطور بين كل ما يتعلق بوجود الإنسان منذ أن أوجد الله آدم إلى خلق ذريته وما يمرون به من المراحل المتطورة في حياتهم منذ استقرار أحدهم نطفة في بطن أمه إلى خروجه إلى الدنيا ثم انتقاله منها إلى أن يصل إلى الجنة أو النار مع بيان كل ما يحتاج إليه في صلاح دينه ودنياه وتعامله مع نفسه ومع الآخرين في أدق تنظيم وأعدله.
3- الخرافة والتقاليد
الخرافة هي الاعتقاد بما لا ينفع ولا يضر ولا يلتئم مع المنطق السليم والواقع الصحيح ([449] ) ((التطور والدين))،( ص22).
ولكن أصحاب المادة يريدون بالخرافة المعاني الروحية ومبادئ الدين وتعاليمه خلف ظهورهم قال أحدهم:


أبعث ثم حشر ثم نشر





حديث خرافة يا أم عمرو

       
وظنوا أن ما هم فيه من الإلحاد هو الطريق الصحيح بينما الدين في نظرهم المعكوس من الخرافة وسموا خرافاتهم في خلق الإنسان و في وجود هذا الكون علما مع أنها نظريات أثبت الواقع بطلانها ولا ينكر أحد أنه يوجد خرافات كثيرة في العالم وأن على العاقل أن يميز فيها بين الخرافات الفعلية والدعايات المغرضة المضللة.
أما التقاليد : فهي جملة العادات التي هي لمجتمع معين وهي إما تقاليد خيرة طيبة وإما تقاليد سيئة باطلة ولا تعرف التفرقة بين هذين المسلكين إلا بعرضهما على الشرع الشريف، فما كان موافقا للشرع فهو الحق وهو المطلوب، وما كان مخالفا للشرع فهي تقاليد جاهلية يجب الحذر منها وما أشد معركة التقاليد وما أوسع انتشارها تموت تقاليد وتحيا أخرى على تعاقب الأجيال ومر الدهور و على المسلم أن يكون متزنا في تقبل مختلف التقاليد فكم من تقليد قضى على نور العلم والمعرفة وأفسد الأخلاق والعقائد وكم من حق سمي خرافة، كما أنه يجب عليه الانتباه إلى ما يلقيه أعداء الإسلام من الهجوم على الشريعة الإسلامية تحت ما يسمونه محاربة التقاليد البالية تنفيرا للناس عنها كما أنه يجب على المسلم أن يعلم أنه لا مكان في الإسلام للخرافات ولا للتقاليد السيئة الباطلة إذ أن الإسلام إنما جاء لمحاربة كل أنواع الجاهليات والخرافات والتقاليد الباطلة الضارة.
 
4- الحرية والكبت
الحرية هي الإنطلاق في الرأي والاعتقاد في القول و في الفعل في حدود طاقة الإنسان ([450] ) ((التطور والدين))،( ص26).
والكبت: هو الحد من الإنطلاق في الرأي والاعتقاد والقول والفعل والاتصال بالغير.
حقيقتهما عند الماديين
وأما عند أصحاب المادية فالحرية يراد بها الإنطلاق من كل قيود القيم والمثل والمبادئ التي دعى إليها الدين وهي عودة إلى الحياة البهيمية من أوسع الأبواب ولكن تحت تسمية التطور والتجديد وكذلك الكبت عندهم إنما يراد به تحطيم كل أنظمة الشريعة والانفلات عن الآداب والأخلاق التي دعا إليها الدين أما موقف الدين منهما فمما لا ريب فيه أن جميع الأديان – وخصوصا الإسلام – قد دعت إلى الحرية وحرمت الذلة والخضوع وإحناء الجباه إلا لمن خلقها وأوجدها، و في كتاب الله تعالى تأكيد شديد على كرامة الإنسان وأن جميع ما في هذا الكون إنما خلق له ومن أجله قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:70]
أما الحرية في الإسلام : فلا يجوز لأحد أن يجهل أن الإسلام بخصوصه دعا إلى الحرية وجعل إليها منافذ عديدة ورغب في تحقيقها بما جعل الله من الأجر الجزيل لمن حققها ونهى عن الكبت الذي يكون سببه طغيان القوي ضد الضعيف وتسلط الطغاة على المستضعفين دون وجه شرعي.
إن الحرية لها مفهومها الخاص ومجالها الخاص بها في الإسلام كما أن للجاهليات مفهومها ومجالها الخاص بها، وبين المفهومين مسافات مديدة وفروق عديدة.
فالحرية في الإسلام هي أن تتصرف في كل أمر مشروع لك وليس فيه تعد على حقوق الآخرين ويكون داخلا ضمن عبوديتك لربك وامتثالك لأمره ونهيه، ومادام الإنسان لم يخرج عن إطار الشريعة الربانية فهو يعيش الحرية بتمامها سواء أكانت تلك الحرية فيما يتعلق بنفسه أو جسمه أو ماله أو عرضه يتصرف فيها في حدود ما شرعه الله له أو كانت فيما يتعلق بغيره في معاملاته الدنيوية: من بيع، وشراء، ونصيحة، ونقد وتوجيه، وأمر ونهي. أو الدينية: من تعليم، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر.. وغير ذلك. أو كانت فيما يتعلق بعقل الإنسان وتفكيره حيث جعل الله للعقل مطلق الحرية في الارتفاع بصاحبه عن الخضوع والذل لغيرربه وفي وجوب إعمال الفكر فيما يحتوي عليه هذا الكون من بدائع وعجائب. فالإسلام يمنحه مطلق الحرية في تنظيم بديع فيه سعادة الإنسان أولا، ثم سعادة المجتمع الذي يعيش فيه ثانيا سواء أكان ذكرا أم أنثى. والذي خلق الإنسان وسائر الأنعام جعل لكل منها حرية تخصه فإن الأنعام لها مطلق الحرية دون تمييز بين الضار والنافع، ولكن الإنسان الذي كلفه الله وميزه بالعقل له حرية إذا تجاوزها صار كالأنعام فإذا تجاوزها أيضا صار أضل من الأنعام كما قال تعالى: أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179]
الحرية في مفهوم الجاهليات
أما الحرية في مفهوم الجاهليات قديما وحديثا فهي الظلم في القديم كما قال الشاعر:


والظلم من شيم النفوس





فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم

والجنس كما هو حال الأمم التي أعرضت عن الدين، وكما عبر عنه الصينيون في تظاهراتهم المشهورة حينما قالوا: " إنه لا حرية عندنا إلا في الجنس ".
ولقد فهم الكثير من الذين ينادون بشعار الحرية أنها هي أن يعمل الإنسان ما يشاء، وأن يرتكب من المنكرات ما يلذ له، وأن يقول كل ما يريد قوله، وأن لا يكون للمجتمع أي تأثير عليه. إنه يفهمها على أنها الانفلات من كل القيود ثم الفوضى وإشاعة الفساد والوصول إلى الإلحاد تحت هذه التسمية ولقد ظهرت جحافل من دعاة الحرية خدعوا الناس وأوهموهم أنهم يجب أن يكونوا أحرارا لا قيود عليهم من دين أو مثل أو عرف بل هي الانطلاق التام. دون أن يفطن هؤلاء المخدوعون بأنها مصيدة يهودية ماسونية أوحوا بها إلى الدهماء من الجوييم كما يسمونهم ليملئوا بها فراغا في أذهانهم بينما هم يعلمون تماما أن لا حرية حقيقة سيصل إليها الجوييم وجاء دعاة الإباحية والوجودية والشيوعية بما زاد الطين بلة والنار اشتعالا وملؤوا أذهان الشباب والشابات بطنين الحرية الشخصية والحرية الجنسية والحرية الكلامية.. الخ، فإذا بتلك الحريات كلها تصب في مصب واحد هو القضاء على الأديان والعفة والشريعة الإسلامية وفتح الباب على مصراعيه لدعاة الفجور والفحش باسم الحرية، ومنع المصلحين من الإصلاح بدعوى عدم التدخل في شؤون الغير أو كبت حريتهم.
جاء في كتاب (الحرية في الدول الاشتراكية ) أنه لو قام مجتمع من النساء الحريصات على استقلال جنسهن بتكوين جماعة تدعوا أو تمارس بين النساء أنفسهن نظرية التناسل بدون رباط زواج فليس من حق الدولة أن تتدخل في أعمال تلك الجماعة " ([451] ) ((الحرية في الدول الاشتراكية)) (ص135)، نقلا عن ((الاتجاهات الفكرية ))،( ص83).
وأي مصلح ينادي بالكف عن المنكرات والإقصار عنها صاحوا به: إنه يريد كبت حريات الناس، إنه متزمت ومتشدد، وما إلى ذلك من الدعايات الباطلة ضده.
وحينما تعرف الحريات بأنها الإنطلاق في الرأي استغل دعاة الحرية اللادينية هذا المفهوم ونادوا بما يسمونه باحترام الرأي والرأي الآخر. وهم يريدون الانطلاق في الرأي الذي يؤدي في النهاية إلى انتكاسة البشرية وفرض آرائهم العلمانية والعقلانية والشعوبية والقومية وكل النعرات الجاهلية، وكذا تعريف الحرية بأنها الانطلاق في الاعتقاد في القول و في الفعل. فإن دعاة تلك الحرية الباطلة لا كابح لجماحهم انطلقوا في الاعتقاد في القول والفعل إلى الرذائل والآراء السقيمة والنظريات السخيفة بحكم حرية الاعتقاد في القول فملؤوا إذاعاتهم وصحفهم ونشراتهم بما يستحي صاحب العقل والذوق أن يقوله أو يفعله دون أي حياء لديهم أو وازع من ضمير، وصدق عليهم قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : (( إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) ([452] ) رواه البخاري(3484).
ولن يجد الإنسان الحرية الصحيحة إلا في عبادة ربه والخضوع له وحده لا شريك له كما أنه لا حرية مع عدم طاعة الله تعالى فإن من لم يذل لله أذله الله لغيره.
أسماء الإلحاد
ومن الجدير بالذكر أن للملاحدة أسماء كثيرة اخترعوها من واقع عقيدة كل مجموعة مع الأخذ في الاعتبار أن الملاحدة كلهم متفقون على اعتقاد الإلحاد ولكنهم يختلفون بعد ذلك حسب الآراء والأهواء فتأتي التسمية من ذلك الواقع.
فالماديون: أخذت تسميتهم من اعتقادهم أن وجود جميع هذا الكون إنما هو تابع لوجود المادة التي ليس وراء وجودها أي وجود مؤثر في الإيجاد.
وقسم منهم يسمون " الطبيعيون " بسبب اعتقادهم بأن التغيرات التي تحصل على المادة إنما تحصل بأسباب ذاتية يرجع إلى طبيعة المادة.
وبعضهم يعتقد أن تلك التغيرات إنما تحصل بالآلية في حركة ذرات المادة فقيل لهم أصحاب المذهب الآلي.
وبعضهم يعتقد أن المادة ترجع إلى ذرات صغيرة جدا متجانسة، والتغيير إنما يرجع فيها إلى شكل التأليف والتركيب بينها، فسموا أصحاب المذهب الذري.
وبعضهم لم يعتقد إلا بما يحسه فقط فقيل لهم "حسيون".
وبعضهم يردد كلمة الواقع المدرك بالحس، أو الواقع المدرك، أو الواقع الملموس، وأشباه هذه العبارات فقيل لهم "الواقعيون".
وبعضهم اتخذ اسم " الوضعية ".
وبعضهم زعم أن الأشياء توجد أولا ثم تصنع الأفكار ماهيتها فسموا بالوجوديين ([453] ). بتصرف عن ((كواشف زيوف)) (ص510).
وهكذا تعددت الأسماء، والهدف النهائي واحد هو الإلحاد ويبقى الاختلاف بينهم لفظيا لتسهيل مغالطاتهم الناس من وراء كثرة تلك الأسماء ليحتدم الخلاف حولها بين الناس وإشغالهم بها فقبحهم الله ما أكثر أسماءهم وما أقل نفعهم.
المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/1182

انظر أيضا: