موسوعة الفرق

3- الشفاعة


ينكر معظم الخوارج ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت الشفاعة في أهل المعاصي من أمته، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة المتواترة والآيات القرآنية.
قال ابن حزم: " قال أبو محمد: اختلف الناس في الشفاعة فأنكرها قوم وهم المعتزلة والخوارج، وكل من تبع أن لا يخرج أحد من النار بعد دخولها " ((الفصل)) ( 4 / 63 ).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان موقف الخوارج من الشفاعة: "وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن شفاعته إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع الدرجات ،ومنهم من أنكر الشفاعة مطلقاً ".
ويقول أيضاً: " وعند الخوارج والمعتزلة أنه لا يشفع لأهل الكبائر، لأن الكبائر لا تغفر ولا يخرجون من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا بغيرها " ((مجموعة الرسائل والمسائل)) ( 1/ 10 ، 11 )، ((التوسل والوسيلة)) (ص 131 ).
ويقول علي بن علي الحنفي شارح الطحاوية: " والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل الكبائر" ((شرح الطحاوية)) (ص 181).
ويقول المرداوي: " شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم نوع من السمعيات قد وردت بها الآثار حتى بلغت مبلغ التواتر المعنوي وانعقد عليها إجماع أهل الحق، قبل ظهور الخوارج الذين ينكرون الشفاعة" ((اللآلي البهية)) (ص 94).
وقد ذكر صاحب إحدى الرسائل المخطوطة في الفرق الإسلامية اعتقاد طائفة من الخوارج فقال: "وهم قوم يرون القرآن مخلوقاً وينكرون الميزان والصراط والشفاعة والحوض وعذاب القبر، وقولهم قول المعتزلة" ((رسالة في افتراق الفرق الإسلامية)) (ص 299 ).
وقد استند الخوارج في نفيهم الشفاعة إلى آيات من القرآن الكريم أخذوها على ظاهرها، وقصروا معناها على ما يريدون من حكم، غير ملتفتين إلى غيرها من الآيات والأحاديث التي أثبتت الشفاعة، ومن هذه الآيات التي استندوا إليها في نفي الشفاعة:
قوله تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48]، وقوله تعالى فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ [الشعراء: 100] ، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ [البقرة: 254] ، وأمثال هذه الآيات التي يدل ظاهرها على إبطال الشفاعة انظر: ((الفصل)) ( 4 / 63 )، ((التوسل والوسيلة)) (ص 11) ، ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) ابن تيمية (1/116).
أما الشفاعة عند الإباضية فإنهم يثبتونها ولكن لغير العصاة بل للمتقين، وكأن المتقي أحوج إلى الشفاعة من المؤمن المذنب في رأيهم.
يقول صاحب كتاب الأديان منهم: " والشفاعة حق للمتقين وليست للعاصين" كتاب ((الأديان)) (ص 53 ).
وقال السالمي:


وما الشفاعة إلا للتقي كما        





 قد قال رب العلا فيها وقد فصلا " ((غاية المراد)) (ص 9 ).

وقد استشهد الربيع بن حبيب لهذا الرأي في مسنده بما رواه عن جابر بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتى"، " يحلف جابر ابن زيد عند ذلك ما لأهل الكبائر شفاعة ؛ لأن الله قد أوعد أهل الكبائر النار في كتابه، وإن جاء الحديث عن أنس بن مالك أن الشفاعة لأهل الكبائر فوالله ما عنى القتل والزنى والسحر، وما أوعد الله عليه النار".
ويقول الربيع أيضاً: " حتى بلغنا أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته إذا كانوا مؤمنين متقين".
واستشهد الربيع بن حبيب لهذا الرأي أيضاً بما رواه من قوله صلى الله عليه وسلم ((يا بني عبدالمطلب إن الله أمرني أن أنذركم فإني لا أغني عنكم الله شيئاً، ألا إن أوليائي منكم المتقون ؛ ألا لا أعرفن ما جاء الناس غداً بالدين فجئتم الدنيا تحملونها على رقابكم، يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد، اشتريا أنفسكما من الله فإني لا أغنى عنكما من الله شيئاً )) ((الجامع الصحيح)) ( 4 /31 – 34 ).
وهذا ما قرره الحارثي أيضاً في نفي الشفاعة في كتابه (العقود الفضية) انظر: ((العقود الفضية)) (ص 286 ).
والواقع أن الآيات التي استدل بها الخوارج على نفي الشفاعة والتي ذكرناها من قبل، إنما تدل على نفي الشفاعة عن أهل الشرك أو نفي الشفاعة التي يثبتها الكفار لشركائهم من الأصنام، أو نفي الشفاعة التي تكون بغير إذن الله ورضاه انظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) (ص 128 ). ، كما تدل على ذلك ظواهر الآيات.
وأما ما ورد في مسند الربيع بن حبيب فهو خال من السند الصحيح ومعارض بما ورد في الصحيحين من الأحاديث التي تثبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنواع الشفاعات المختلفة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (( يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين)) رواه البخاري (6559). من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (( يخرج من النار.. بالشفاعة كأنهم الثعارير. قلت: ما الثعارير؟ قال: الضغابيس، وكان قد سقط فمه فقلت لعمرو بن دينار: أبا محمد، سمعت جابر بن عبدالله يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج بالشفاعة من النار؟ قال: نعم)) رواه البخاري (6558).
ومنها ما ورد في حديث أنس رضي الله عنه وهو حديث طويل ورد في طلب أهل الموقف من الأنبياء عليهم السلام من يشفع لهم إلى الله لفصل القضاء، وكل يعتذر بذنب أصابه حتى يأتوا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم فيشفع لهم عند ذلك رواه البخاري (7510), ومسلم (193).
وقد أخرج الإمام مسلم أحاديث كثيرة في ثبوت الشفاعة فذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه أبو هريرة قال:  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها فيستجاب له فيؤتاها، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)) رواه مسلم (199).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً )) رواه مسلم (199). على غير هذا من الأحاديث التي أوردها الإمام مسلم في هذا الباب.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً، ولسنا بصدد البحث في تفاصيل الشفاعة من أقسامها وشروطها... الخ، وإنما الغرض هو إثبات وجودها الذي ينفيه الخوارج.
والإيمان بثبوت الشفاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بناء على ما صح فيها من الأحاديث هو إجماع الأمة، وهو مذهب السلف الصالح رضي الله عنهم جميعاً، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " أجمع المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأل الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة".
ويقول أيضاً: " والرسول صلى الله عليه وسلم يستشفع به إلى الله أي يطلب منه أن يسأل ربه الشفاعة في الخلق أن يقضي الله بينهم، وفي أن يدخلهم الجنة، ويشفع في أهل الكبائر من أمته، ويشفع في بعض من لا يستحق النار أن لا يدخلها، ويشفع في من دخلها أن يخرج منها، ولا نزاع بين جماهير الأمة أنه يجوز أن يشفع لأهل الطاعة المستحقين للثواب".
ويقول أيضاً: " ومذهب أهل السنة والجماعة أن يشفع في أهل الكبائر، ولا يخلد أحد في النار من أهل الإيمان، بل يخرج من النار من في قلبه حبة إيمان أو مثقال ذرة "  انظر: ((مجموعة الرسائل والمسائل)) ( 1 / 10- 11) ، وكذا ((التوسل والوسيلة)) (ص11 ، 131)، وانظر: ((مجموعة فتاوى شيخ الإسلام)) ( 1 / 116). وإذا أردت مزيداً من التفاصيل في مبحث الشفاعة فانظر كتاب ((الحياة الآخرة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار)) لكاتب هذه الأسطر. الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص303

انظر أيضا: