موسوعة الفرق

المطلب الرابع: أفول المدرسة العقلية القديمة


ولم تكن كراهية هؤلاء المعتزلة ورفضهم مقصورة على العلماء بل كانوا مكروهين من العامة لأن المعتزلة أيام دولتهم في عهد المأمون والمعتصم والواثق عسفوا بالناس من كل فئة واستباحوا دماءهم وملأوا منهم السجون فكانوا عبئا ثقيلاً على الناس علماء وعامة.
فلما جاء عهد المتوكل وفقه الله إلى إبطال القول بخلق القرآن وذلك سنة 234هـ بعد أن عانى منها المسلمون مدة 15 عاما وكان ذلك بتوفيق من الله له بعدم اقتناعه بهذا القول ثم لما رأى من قوة الرأي العام ضد المعتزلة وكراهية الناس لهم فأعاد الحق إلى نصابه قال السيوطي رحمه الله "فاستقدم المحدثين إلى سامراء وأجزل عطاياهم وأكرمهم وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية... وتوفر دعاء الخلق للمتوكل وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له" ((تاريخ الخلفاء)) للسيوطي (ص 230). وبها أزاح المتوكل رحمه الله هذا العبء الثقيل عن كاهل المسلمين.
وبهذا دالت الدولة إلى المحدثين وانتصروا انتصارا كبيرا وأفل نجم المعتزلة ولم يجرؤ أحد على الجهر باعتزاله ولم يسترد المعتزلة سلطتهم يوما بعد ذلك.
ولم تزل علومهم العقلية المجردة عن النصوص في خمود ونحن لا ننكر قيام جماعة من الفلاسفة كالفارابي وابن سينا وابن رشد والكندي وأمثالهم على أنقاض المعتزلة ولكن الفرق بينهم وبين المعتزلة كبير إذ أن المعتزلة أكثر عملا بين صفوف المسلمين من الفلاسفة فقط كان هم المعتزلة إقامة دولة اعتزالية وبث الأفكار بين مختلف الطبقات وسلكوا لهذا طرقا عدة وكانوا يدسون اعتزالهم في ثنايا قولهم العذب ومنطقهم الفصيح وعبارتهم السائغة لكل الأذواق وقرأ الناس ما كتبوا إن لم يكن لاعتزالهم فلأدبهم وبلاغتهم ((ضحى الإسلام)): أحمد أمين (3/205). وحصل لهم ما أرادوا فقامت لهم دولة لكنهم لم يحسنوا قيادتها فلم تلبث أن انهارات فوق رؤوسهم. أما الفلاسفة هؤلاء فلم يهتموا بما اهتم به المعتزلة فكانت عبارات علمهم وكتبهم عبارات ثقيلة لا يكاد يفهمها إلا من سلك سبيلهم فكأنما وضعوها ليقنع بعضهم بها بعضا وما التفتوا إلى غيرهم.منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص 66

انظر أيضا: