موسوعة الفرق

المبحث الأول: رأي المعتزلة في الوعد


ذكرنا آنفا حقيقة الوعد عند المعتزلة. والآن لنعرف رأيهم فيه، ولمعرفة رأيهم؛ لابد أن نسوق شيئاً من أقوالهم في ذلك.
يقول القاضي عبدالجبار: "... وأما علوم الوعد والوعيد، فهو: أن الله وعد المطيعين بالثواب... وأنه يفعل ما وعد به لا محالة، ولا يجوز عليه الخلف والكذب..." ((شرح الأصول الخمسة)) (ص136).
ويقول في موضع آخر: "اعلم أن الله تعالى إذا كلفنا الأفعال الشاقة فلابد من أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله... بل لا يكفي هذا القدر حتى يبلغ في الكثرة حداً لا يجوز الابتداء بمثله ولا التفضل به، وإلا كان لا يحسن التكليف لأجله" ((شرح الأصول الخمسة)) (ص614).
من هذين القولين: يظهر أن المعتزلة ترى أن الله يجب أن ينفذ وعده، بل وأن المكلف ينال ما وعد به عن طريق الاستحقاق.
وهذا هو رأي عامة المعتزلة ما عدا الشيخ أبي القاسم ومن معه من البغداديين. فقد خالف في القول بأن الثواب ينال عن طريق الاستحقاق؛ إذ يرى أن ما كلفنا الله به من الأفعال ليس طريقاً لاستحقاق الثواب؛ ويعلل ذلك بقوله: إن القديم تعالى إنما كلفنا هذه الأفعال الشاقة لما له علينا من النعم العظيمة؛ وذلك غير ممتنع.
ثم يضرب مثلاً لذلك فيقول: معلوم أن من أخذ غيره من قارعة الطريق فرباه وأحسن تربيته وخوله... وأنعم عليه بضروب من النعم، جاز له أن يكلفه فعلاً يلحقه بذلك مشقة، نحو أن يقول: ناولني هذا الكوز... ولا يجب أن يغرم في مقابل ذلك شيئاً آخر، كذلك في القديم تعالى فنعمه عندنا لا تحصى... ولما ذهب في ذلك إلى ما ذكرناه قال: إنه إنما يثيب المطيعين لا لأنهم استحقوا ذلك، بل للجود" ((شرح الأصول الخمسة)) (ص618).
وقد رد القاضي عبدالجبار على أبي القاسم قائلاً: "والأصل في الجواب عليه أن يقال: إن القديم تعالى إذا جعل هذه الأفعال الشاقة علينا وكان يمكنه ألا يجعلها كذلك، فلابد من أن يكون في ذلك من الثواب ما ذكرناه" ((شرح الأصول الخمسة))  (ص618). ثم قال: واستشهاد أبي القاسم بالواحد منا إذا أنعم عليه غيره وكلفه بعض الأعمال قياس مع الفارق؛ إذ أن ما كلفنا الله به ليس على وصفه؛ إذ التكليف يتضمن الجود بالنفس والمخاطرة بالروح، فلا يقاس بما أورده" ((شرح الأصول الخمسة))  (ص618).
ثم قال: "ولهذا فلو كلف المنعم – الذي وصفه أبو القاسم – المنعم عليه بما يتضمن المشقة العظيمة، نحو: المواظبة على خدمته، والقيام بين يديه آناء الليل والنهار، وما شاكل ذلك، لم يحسن إليه، بل كان يكون للمنعم عليه أن يقول: كان من حقك ألا تتفضل علي بالأول حتى لا تأخذني بهذه التكاليف من بعد" ((شرح الأصول الخمسة))  (ص618).
ثم رد القاضي على قول أبي القاسم في الثواب، وأنه إنما يجب إيصاله إلى المطيعين من حيث الجود فقال: "أما قوله في الثواب، وأنه إنما يجب إيصاله على المطيعين من حيث الجود، فظاهر التناقض؛ لأن الجود هو التفضل، والتفضل هو: ما يجوز لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله، والواجب هو: ما لا يجوز له أن لا يفعله، فكيف يقال: إن هذا يجب من حيث الجود، وهل هذا إلا بمنزلة أن يقال: يجب أن يفعل ولا يجب أن يفعل، وذلك محال" ((شرح الأصول الخمسة))  (ص618- 619).
من هذا العرض نخلص إلى أن المعتزلة – ما عدا الشيخ أبي القاسم ومن تابعه من البغداديين – يرون: أن الثواب يجب على الله للعبد عن طريق الاستحقاق.المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص 211

  • مطلب: عرض ما تيسر من شبهات المعتزلة التي يؤيدون بها رأيهم في الوعد مع المناقشة.
  • انظر أيضا: