موسوعة الفرق

المبحث الثامن: رأي المعتزلة في بعض مسائل التشبيه والتجسيم


رأي المعتزلة في الجسمية بالنسبة لله، ومناقشتهم:
قبل بيان رأي المعتزلة في الجسمية؛ لابد أن نعرف ما هو الجسم عند المعتزلة.
حقيقة الجسم:
عرف القاضي الجسم، فقال: "اعلم أن الجسم هو ما يكون عريضاً عميقاً، ولا يحصل فيه الطول والعرض والعمق؛ إلا إذا تركب من ثمانية أجزاء، بأن يحصل جزءان في قبالة الناظر، ويسمى طولاً وخطاً، ويحصل جزءان آخران عن يمينه ويساره منضمان إليهما، فيحصل العرض، ويسمى سطحاً أو صفحة، ثم يحصل فوقها أربعة أجزاء مثلها، فيحصل العمق، وتسمى الثمانية أجزاء المركبة على هذا الوجه جسماً" ((شرح الأصول الخمسة)) (ص 217).
ويعللون عدم صحة إطلاق لفظ الجسم على الله "أنه تعالى لو كان جسماً، لكان محدثاً، وقد ثبت قدمه، لأن الأجسام كلها يستحيل انفكاكها من الحوادث التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون؛ وما لا ينفك عن المحدث يجب حدوثه لا محالة" ((شرح الأصول الخمسة)) (ص218).
المناقشة:
نقول: يا معشر المعتزلة، ما مقصودكم من نفي الجسم عن الله، هل هو التقيد بكتاب الله، وسنة رسوله، فتنفون الجسم لأن النقل ورد بنفيهما، أم تقصدون تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات؟!.
إن كان الأول؛ فإنه لم يرد في الكتاب والسنة ما يشير إلى لفظ الجسم بنفي أو إثبات؛ وعلى ذلك يجب عليكم السكوت عما سكت عنه النقل. يقول ابن القيم: "واعلم أن لفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتاً، فيكون له الإثبات، ولا نفياً، فيكون له النفي" ((الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة)) (1 /112)، وانظر ((تلبيس الجهمية)) (1 /47).
وإن كان مقصودكم من نفي الجسم تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات، فنحن نوافقكم على أنه يجب تنزيه الله عن مشابهة ما سواه، لكن شريطة التقيد بالكتاب والسنة؛ وبما أنهما لم يردا بنفي الجسم ولا إثباته، فإنه يجب السكوت عما سكتا عنه. والله أعلم.
الفرع الثاني: تأويل المعتزلة للاستواء والمجيء والوجه واليد والعين والساق، ومناقشتهم:
لقد رتب المعتزلة على نفي الجسمية عن الله تعالى نفي كل ما يرونه يتضمنها، وأولوا ما ورد في ذلك من نصوص؛ وذلك كالاستواء والمجيء والوجه واليد والعين والساق. وسنعرض – إن شاء الله – تأويلهم لهم ثم نرد عليهم، فنقول وبالله التوفيق:
أولاً: الاستواء:
ورد في القرآن الكريم آيات تؤكد أن الله تعالى مستو على عرشه، كقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5] وقد رفض المعتزلة هذا المعنى الظاهر الذي تشير إليه الآية؛ لذا أولوا: الاستواء بالاستيلاء والقهر والغلبة.
يقول القاضي – بعد سياقه الآية -: "والاستواء ههنا بمعنى الاستيلاء والقهر والغلبة؛ وذلك مشهور في اللغة. قال الشاعر:


قد استوى بشر على العراق




من غير سيف أو دم مهراق..." ((شرح الأصول الخمسة)) (ص126).

المناقشة:
إن تأويل المعتزلة للاستواء بالاستيلاء باطل من وجوه، منها:
الأول: أن هذا التأويل يوجب أن يكون تعالى لم يكن مستولياً على العرش قبل استوائه عليه؛ وهذا باطل، فما يؤدي إليه مثله.
الثاني: أن هذا التأويل لو كان صحيحاً، لما كان العرش أولى بالاستيلاء من سائر المخلوقات، ولجاز لنا أن نقول: الرحمن على الأرض استوى؛ لأنه تعالى مستول عليها، وعلى كل ما خلق، وهذا لا يقبله أحد؛ فدل على بطلانه ((أصول الدين)) (ص112)، و((الفصل)) لابن حزم (2 /123)، بتصرف.
الثالث: وأما استشهادكم بقول الشاعر: "قد استوى بشر على العراق..".
فنقول: البيت محرف، ولو لم يكن محرفاً، فإنه دليل عليكم لا لكم.
يقول ابن القيم – في جملة رده على من فسر الاستواء بالاستيلاء -: "إن هذا البيت محرف، وإنما هو هكذا: بشر قد استولى على العراق... ثم قال: ولو صح هذا البيت، وصح أنه غير محرف؛ لم يكن فيه حجة؛ بل هو حجة عليهم، وهو على حقيقة الاستواء، فإن بشراً هذا كان أخا عبدالملك بن مروان، وكان أميراً على العراق، فاستوى على سريرها، كما هو عادة الملوك ونوابهم أن يجلسوا فوق سرير الملك مستوين عليه، وهذا هو المطابق لمعنى هذه اللفظة في اللغة، كقوله تعالى: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ... الآية [الزخرف: 13] وقوله تعالى: ... وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود: 44] .." ((مختصر الصواعق المرسلة)) (2 /136، 137).
وأيضاً، فإنه لو كان استوى في البيت بمعنى استولى كان المفروض أن يقال: استوى عبدالملك لا بشر؛ لأنه هو الذي له الملك، وإنما بشر أخوه والٍ عنه انظر ((مختصر الصواعق)) (2 /138). فدل ما ذكرنا على بطلان تأويل المعتزلة للاستواء بالاستيلاء. والله أعلم.
ثانياً: المجيء:
كذلك ورد في القرآن الكريم آيات تدل على المجيء لله تعالى، كقوله تعالى: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22] وقد رفض المعتزلة ما تدل عليه الآية من المجيء، لذا أولوها، فقالوا: "وجاء أمر بك... ".
يقول القاضي: "الآية لا تدل على صحة ما يتعلق به المشبهة في أنه تعالى كالواحد منا... يجيء ويذهب، ولو كان كذلك، لكان محدثاً... والمراد بالآية: وجاء أمر ربك" ((متشابه القرآن)) (2 /689)، و((شرح الأصول الخمسة)) (ص229، 230).
المناقشة:
إن نفي المعتزلة المجيء، وتأويلهم للآية الدالة على ذلك باطل، ويدل بطلان هذا التأويل ما يلي:
أ- إن في سياق الآية ما يبطله، وهو عطف مجيء الملك على مجيء الرب تعالى؛ مما يدل على تغاير المجيئين، وأن مجيئه تعالى حقيقة، كما أن مجيء الملك حقيقة؛ بل إن مجيئه تعالى أولى بأن يكون حقيقة من مجيء الملك.
ب- اطراد نسبة المجيء إليه تعالى دليل على الحقيقة، وقد صرحتم بأن من علامات الحقيقة الاطراد، فكيف كان هذا المطرد مجازاً؟!
ج- إن إضمار ما لا يدل اللفظ عليه أو ادعاء حذف ما لا دليل عليه، يرفع الوثوق بالخطاب، ويفتح الباب لكل مبطل في ادعاء إضمار ما يصحح باطله.
د- إن صحة اللفظ واستقامة التركيب لا تتوقف على هذا المحذوف؛ بل الكلام مستقيم بدونه، فإضماره خلاف الأصل، فلا يجوز ((الصواعق المرسلة)) (ص106- 107) بتصرف.
ثالثاً: مسألة الوجه:
لقد وردت آيات قرآنية تشير إلى أن لله تعالى وجهاً مثل قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 27] وقوله تعالى: ... كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 88] وقد رفض المعتزلة أن يكون لله وجه هو جزء منه؛ لذا أولوا الوجه الوارد في الآيتين، فقالوا: إن المراد بالوجه، هو الذات. يقول القاضي عبدالجبار: "المراد بالوجه في قوله تعالى: ... كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 88] أي: ذاته، والوجه بمعنى الذات مشهور في اللغة، يقال: وجه هذا الثوب جيد، أي: ذاته جيدة..." ((شرح الأصول الخمسة)) (ص227).
وقال بعضهم: إن كلمة "الوجه" في الآية زائدة، والتقدير، ويبقى ربك ((الصواعق المرسلة)) (2 /174).
وذهب البعض الآخر منهم إلى أن: وجه الله تعالى هو قبلته أو ثوابه أو جزاؤه ((المقالات)) (2 /65، 218)، و((الصواعق المرسلة)) (2 /174).
المناقشة: أولاً: يقال لهم: إن تأويلكم الوجه بهذه التأويلات حمل للحقيقة على المجاز، والمجاز لا يمتنع نفيه؛ فعلى هذا لا يمتنع أن يقال: ليس لله وجه، ولا حقيقة لوجهه، وهذا تكذيب صريح لما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله – صلى الله عليه وسلم -، وما يؤدي إلى هذا، فإنه لا شك في بطلانه ((الصواعق)) (2 /175).
ثانيا: يلزم من حملكم وجه الله على المجاز أن يكون سمع الله وبصره وقدرته وحياته وسائر صفاته؛ مجازاً، لا حقيقة؛ وهذا باطل، فما يؤدي إليه مثله ((الصواعق)) (2 /175).
ثالثا: يقال لهم: إن تأويلكم الوجه بمعنى الذات لم يعرف في لغة من لغات الأمم، وغاية ما تمسكتم به أن قلتم: وجه الرب بمعنى ذاته، لأنه اشتهر في اللغة أن الوجه بمعنى الذات، ونقول: أما قولكم أنه اشتهر في اللغة أن الوجه بمعنى الذات، فهذا مردود، فإن الوجه في اللغة هو مستقبل كل شيء وليس ذاته ((المعجم العربي الحديث – لاروس)) (ص1276). ثم هو بحسب المضاف إليه، فإن كان جماداً محسوساً؛ فهو أحد جانبيه، وإن كان معنوياً كالنهار فوجهه أوله.
يقول ابن عباس: "وجه النهار أوله". وإن أضيف إلى من ليس كمثله شيء كان وجهه كذلك انظر ((الصواعق المرسلة)) (2 /175، 176). لا يماثله شيء. فلا يلزمنا تشبيه كما تدعون؛ لأنا لم نقل إن وجهه تعالى يماثل شيئا، ولا يلزمنا تعطيل كما لزمكم عندما أولتم الوجه بمعنى الذات.
رابعاً: أما زعم من زعم أن الوجه صلة والتقدير ويبقى ربك؛ فجوابه: أن يقال هذا كذب على الله، وعلى رسوله – صلى الله عليه وسلم -، وعلى اللغة، فإن هذه الكلمة ليست مما عهد زيادتها، ولو قيل: إنها زائدة؛ لساغ لمعطل آخر أن يدعي الزيادة في قوله: أعوذ بعزة الله وقدرته، ويكون التقدير: أعوذ بالله، ويدعي معطل ثالث: الزيادة في سمع الله وبصره وقدرته وعلمه، وغير ذلك مما يريد نفيه انظر ((الصواعق المرسلة)) (2 /175).
ومعلوم بطلان هذا، فما يؤدي إليه مثله.
خامساً: أما تأويل بعضكم الوجه بمعنى الثواب؛ فإنه من أبطل الباطل؛ إذ أن اللغة لا تحتمل ذلك، ولم يعرف أن الجزاء يسمى وجهاً للمجازي، ثم إن الثواب مخلوق، فقد صح عن النبي – صلى الله عليه وسلم- أنه استعاذ بوجه الله. عن جابر بن عبدالله – رضي الله عنه – قال: ((لما نزلت هذه الآية: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ... الآية [الأنعام: 65] قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: أعوذ بوجهك. فقال: أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ فقال صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك... الحديث)) رواه البخاري (7313). ولا يظن برسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يستعيذ بمخلوق ((الصواعق)) (2 /176، 177).
سادساً: أن الوجه ورد مضافاً إلى الذات في جميع موارده، والمضاف إلى الرب نوعان:
الأول: أعيان قائمة بنفسها كبيت الله.
الثاني: صفات لا تقوم بنفسها كعلم الله وحياته وقدرته وعزته وسائر صفاته، فهذه إذا وردت مضافة إليه تعالى؛ فهي إضافة صفة إلى الموصوف بها.
إذا عرف ذلك؛ فوجهه الكريم إذا أضيف إليه وجب أن تكون إضافته إليه إضافة وصف لا إضافة خلق ((الصواعق)) (2 /179، 180)، بتصرف.
سابعاً: إن تفسير وجه الله بقبلة الله، وإن قاله بعض السلف، فإنما قالوه في موضع واحد، وهو قوله تعالى: وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ... الآية [البقرة: 115] ولو فرض صحته هنا: فإنه لا يصح في سائر المواضع. إضافة على ذلك: أنه لا يتعين حمله على القبلة والجهة في قوله تعالى: .... فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ.....[البقرة: 115] ولا يمتنع حمله على وجه الرب حقيقة. وأيضاً: فإنه لا يعرف في اللغة الوجه بمعنى القبلة؛ بل للقبلة اسم يخصها، للوجه اسم يخصه، فلا يدخل أحدهما في الآخر، ولا يستعار اسمه له.
ثم إنه لو كان المراد بوجه الله قبلة الله، لكان قد أضاف إليه نفسه القبل كلها ((الصواعق المرسلة)) (2 /180، 181، 184). بتصرف. وهو باطل فما يؤدي إليه مثله.
رابعاً: اليد:
ورد في القرآن الكريم آيات تدل على أن لله يداً، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ... الآية [الفتح: 10] وقوله تعالى: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ... [ص: 75] وقوله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ... الآية [المائدة: 64]
وقد رفض المعتزلة ما تدل عليه الآيات من إثبات اليد لله تعالى؛ لذلك أولوها بالقدرة أو القوة أو النعمة انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص 228)، و((المقالات)) (1 /165)، و((التمهيد)) (ص258).
يقول القاضي: "إن اليد في قوله تعالى: .... لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ... [ص: 75] بمعنى القوة؛ وذلك ظاهر في اللغة، يقال: ما لي في هذا الأمر "يد" أي: قوة.... " ((شرح الأصول الخمسة)) (ص228).
ويقول في موضع آخر: "إن اليد في قوله تعالى: ... بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ... [المائدة: 64] بمعنى النعمة..." ((شرح الأصول الخمسة)) (ص228).
المناقشة:
إن تأويل المعتزلة لليد بالنعمة أو القدرة باطل، وبيان ذلك: أن الله تعالى قال: .... بِيَدَيَّ...، وهذا يقتضي إثبات يدين، هما: صفة له، فلو كان المراد القدرة، لوجب أن يكون له تعالى قدرتان، وأنتم تقولون: إن للباري – سبحانه وتعالى – قدرة واحدة، فكيف يجوز أن تثبتوا له تعالى قدرتين؟!.
وأيضاً: فقد أجمع المسلمون على أنه لا يقال: إن لله تعالى قدرتين، فبطل ما قلتم.
وأما تأويلكم لليد بالنعمة، فإنه يؤدي إلى أن يكون الله تعالى خلق آدم بنعمتين، وهذا لا يجوز، لأن نعم الله على آدم وغيره لا تحصى، ولأنه لا يقال في اللغة: رفعت الشيء بيدي، وهو يعني نعمته.
ومما يدل على فساد تأويلكم: أنه لو كانت اليد المراد بها القدرة أو النعمة لما غفل عن ذلك إبليس أن يقول: وأي فضل لآدم علي يقتضي أن أسجد له، وأنا قد خلقتني بيدك: التي هي قدرتك أو نعمتك، ومعلوم أن الله تعالى فضل آدم عليه بخلقه بيديه: فلابد أن تكون اليدان شيئاً غير القدرة أو النعمة، ليكون للتفضيل وجه؛ وذلك يدل على فساد تأويلكم انظر ((التمهيد)) (ص259).
خامساً: العين:
ورد في القرآن الكريم آيات تثبت العين لله تعالى، كقوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي طه: 39.
وقد أولها المعتزلة بالعلم، لأن إثبات العين – في اعتقادهم – يؤدي إلى التجسيم. يقول القاضي عبدالجبار: و"المراد بقوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي أي: لتقع على الصنعة على علمي" ((شرح الأصول الخمسة)) (ص227).
المناقشة:
يقال لهم إن تأويل العين بمعنى العلم باطل لما يلي:
1- أن الأصل في الكلام الحقيقة، وصرفه عن الحقيقة إلى المجاز يحتاج على دليل، ولا دليل لديكم إذا يبقى المعنى الظاهر فيلزم إثباته بلا تكييف، وهو أن لله عيناً على ما يليق بجلاله.
2- إن إثبات العين لله تعالى صفة كمال، ونفيها عنه صفة نقص، ولما كان سبحانه وتعالى هو الأحق بالكمال المنزه عن النقائص، وجب إثبات هذه الصفة كما وردت.
3- ورد في الكتاب والسنة اطراد هذه الصفة، ومن علامات الحقيقة عندكم الإطراد، فيلزم إثباتها انظر ((الصواعق المرسلة)) (2 /107).
4- ورد عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – في الحديث المروي عنه أنه قال: ((... وإن ربكم ليس بأعور... الحديث)) رواه البخاري (7131), ومسلم (2933), من حديث أنس رضي الله عنه. فنفى – صلى الله عليه وسلم – عن ربه صفة العور، وهذا يدل على ثبوت العينين له تعالى حقيقة ((الصواعق المرسلة)) (1 /39).
5- ثم إنه لا يلزمنا من إثبات العين لله تعالى حقيقة: تجسيم، أو تشبيه؛ لأنا لم نقل كعين المخلوق؛ بل نقول إن له تعالى عيناً على ما يليق بجلاله. وأيضاً فإنا وإياكم اتفقنا على أن لله تعالى قدرة ولم يستلزم ذلك تجسيماً، ولا تمثيلاً، فكذلك إثبات صفة العين لله تعالى على ما يليق بجلاله لا يستلزم تجسيماً. وبذلك يظهر بطلان تأويلكم العين لله تعالى بمعنى العلم. والله أعلم.
سادسا: الساق:
ورد في القرآن الكريم آيات تشير إلى أن لله ساقاً كقوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ... الآية [القلم: 42] وقد أول المعتزلة الساق: بالشدة.
يقول القاضي عبدالجبار: "المراد بالساق في قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ... الآية [القلم: 42] الشدة، يبين ذلك أنه تعالى يصف هول يوم القيامة وشدته جرياً على عادة العرب، فهو بمنزلة قولهم: قامت العرب على ساقها" ((شرح الأصول الخمسة)) (ص229).
المناقشة:
إن تأويل المعتزلة للساق بمعنى الشدة باطل، لأن الأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز، وقد قال تعالى يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ... الآية [القلم: 42] فتبين من هذا: أن الله يكشف عن ساقه الكريمة التي لا يشبهها شيء، وهي على ما يليق بجلاله، وليست كساق المخلوقين، فلا يلزمنا التشبيه كما تزعمون، ولا يلزمنا التحريف كما لزمكم انظر ((تفسير ابن سعدي)) (ص 160). المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص 138

انظر أيضا: