موسوعة الفرق

المبحث السادس: رأي المعتزلة في القرآن ومناقشتهم  


حقيقة الكلام عند المعتزلة:
هو الحروف المنظومة، والأصوات المقطعة، شاهداً وغائباً ((شرح الأصول الخمسة)) (ص528)، و((نهاية الإقدام)) (ص 388).
وقد انتقد القاضي عبدالجبار هذا التعريف قائلاً: إن فيه إخراج لما يتألف من حرفين من أن يكون كلاماً، وفيه ضرب من التكرار؛ لأن الأصوات المقطعة هي الحروف المنظومة، ولذلك فقد عرفه بتعريف آخر، فقال: "هو ما انتظم من حرفين فصاعداً، أو ماله نظام من الحروف مخصوص" ((شرح الأصول الخمسة)) (ص529).
ثانياً: خلاف المعتزلة في الكلام، هل هو جسم أم عرض، وهل هو مخلوق؟:
لقد اختلف المعتزلة في الكلام، هل هو جسم أم عرض، على أقوال، أهمها ما يلي:
القول الأول: قول بعضهم؛ أن كلام الله جسم وأنه مخلوق، وأنه لا شيء إلا جسم.
القول الثاني: رأي النظام وأصحابه: وهو أن كلام الخلق عرض؛ وهو حركة، لأنه لا عرض عندهم إلا الحركة، وأن كلام الخالق جسم، وأن ذلك الجسم صوت مقطع مؤلف مسموع، وهو فعل الله وخلقه، وإنما يفعل الإنسان القراءة؛ والقراءة الحركة، وهي غير القرآن.
القول الثالث: رأي أبي الهذيل، وجعفر بن حرب ومعمر، والأسكافي ومن تبعهم؛ وهو أن الكلام عرض مخلوق ((المقالات)) (1 /267، 268، 269)، وانظر ((المعتزلة)) (ص77).
من هذا العرض لخلافهم؛ يتضح أن المعتزلة قد اختلفوا في الكلام هل هو جسم أم لا؟ إلا أنهم اتفقوا على أنه مخلوق.
يقول القاضي عبدالجبار: "والذي يدل على حدوث كلامه الذي ثبت أنه كلام له؛ أن الكلام على ما قدمناه لا يكون إلا حروف منظومة، وأصواتاً مقطعة، وقد ثبت – فيما هذه حاله – أنه محدث؛ لجواز العدم عليه على ما بيناه في حدوث الأعراض" ((المفتي في أبواب العدل والتوحيد)) (7 /84).
وإذا كان كلام الله مخلوقاً؛ فالقرآن – أيضاً – مخلوق، لأنه كلامه.
يقول القاضي عبدالجبار – وهو يتكلم عن مذاهب الناس في القرآن -: "وأما مذهبنا، فهو أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه، وهو مخلوق محدث.... " ((شرح الأصول الخمسة)) (ص528).
ويقول ابن منتويه: "وقد أطلق مشايخنا كلهم في القرآن أنه مخلوق" ((المحيط بالتكليف)) (ص331).
ويقول المقبلي – وهو يعرض اختلاف الناس في الكلام -: "والمتكلمون نظروا في كيفيته فاختلفوا... ورتبت المعتزلة على ذلك إطلاق المخلوق على القرآن" ((العلم الشامخ)) (ص128).
من هذا العرض يتضح لنا عقيدة المعتزلة في القرآن، وهو أنه مخلوق.
وقد تمسكوا في قولهم هذا بشبهات نقلية وعقلية، منها ما يلي:
الشبهة الأولى:
قال تعالى: اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ... [الرعد: 16]
وجه الدلالة:
يقول القاضي – بعد أن أورد هذه الآية-: "الآية تدل بعمومها على حدوث القرآن، وأنه تعالى خلقه... ولا دلالة توجب إخراج القرآن من العموم، فيجب دخوله فيه" ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (7 /94).
المناقشة:
يقال لهم: إن تمسككم بهذه الآية على زعم أن القرآن شيء فيكون داخلاً في عموم كل، فيكون مخلوقاً لمن أعجب العجب!؛ وذلك أن أفعال العباد كلها عندكم غير مخلوق لله تعالى، وإنما يخلقها العباد جميعها لا يخلقها الله، فأخرجتموها من عموم "كل"، وأدخلتم كلام الله في عمومها، مع أنه صفة من صفاته، به تكون الأشياء المخلوقة؛ إذ بأمره تكون المخلوقات. قال تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ.... [الأعراف: 54] ففرق بين الخلق والأمر، فلو كان الأمر مخلوقاً، للزم أن يكون مخلوقاً بأمر آخر، والآخر بآخر، إلى ما لا نهاية له، فيلزم التسلسل؛ وهو باطل. وطرد باطلكم أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة، كالعلم والقدرة، وغيرهما؛ وذلك صريح الكفر، فإن علمه شيء، وقدرته شيء... فيدخل ذلك في عموم "كل"، فيكون مخلوقاً بعد أن لم يكن، تعالى الله عما تقولون علواً كبيراً.
وأيضاً كيف يصح أن يكون الله متكلماً بكلام يقوم بغيره، ولو صح ذلك؛ للزم أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه، وكذلك – أيضا – ما خلقه في الحيوانات؛ وألا يفرق بين نطق وأنطق... بل يلزم أن يكون متكلماً بكل كلام خلقه في غيره زوراً كان أو كذباً – تعالى الله عن ذلك -. ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره؛ لصح أن يقال للبصير أعمى والعكس؛ ولصح أن يوصف تعالى بالصفات التي خلقها في غيره من الألوان غيرها.
أما تمسككم بعموم "كل" فإن عمومها في كل موضع بحسبه، ويعرف ذلك بالقرائن، ألم ترى... قوله تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف: 25] ومساكنهم شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح؟؛ وذلك لأن المراد تدمر كل شيء يقبل التدمير بالريح عادة، وما يستحق التدمير. وكذلك قوله تعالى – حكاية عن بلقيس-: وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ... [النمل: 23] والمراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك، وهذا القيد يفهم من قرائن الكلام.
وعلى ذلك؛ فالمراد من قوله تعالى: اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ... [الرعد: 16] أي: كل شيء مخلوق، وكل موجود سوى الله، فهو مخلوق، فدخل في هذا العموم أفعال العباد حتماً، ولم يدخل في العموم الخالق تعالى وصفاته، لأنه سبحانه وتعالى هو الموصوف بصفات الكمال، وصفاته ملازمة لذاته المقدسة لا يتصور انفصال صفاته عنه ((شرح الطحاوية)) (ص183-186)، وانظر ((فتاوى ابن تيمية)) (5 /54). ..
وبما أن القرآن كلام الله، وكلامه تعالى صفة من صفاته. إذاً القرآن ليس داخلاً في عموم الآية، فهو ليس مخلوقاً؛ وبذلك يبطل استدلالكم بهذه الآية. والله أعلم.
الشبهة الثانية:
قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.... [الزخرف: 3]
وجه الدلالة:
يقول القاضي: "وقوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: 3] يوجب حدوثه، لأن الجعل والفعل سواء في الحقيقة... فدل ذلك على حدوث القرآن" ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (7 /94).
ويقول الزمخشري: "... إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا[الزخرف: 3] أي: خلقناه عربياً غير عجمي إرادة أن تعقله العرب، ولئلا يقولوا لولا فصلت آياته..." ((الكشاف)) للزمخشري (3 /477).
الجواب عن هذه الشبهة: إن استدلال المعتزلة بهذه الآية باطل. من وجوه، منها:-
أولاً: أن "جعل" تكون بمعنى: خلق إذا تعدت إلى مفعول واحد. كقوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ... الآية [الأنعام: 1] وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء: 30]
أما إذا تعدت إلى مفعولين لم تكن بمعنى خلق، قال تعالى: وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً... الآية [النحل: 91] وقال تعالى: وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ.... [البقرة: 224] والآية التي استدلوا بها: "جعل" فيها قد تعدت إلى مفعولين، فهي ليست بمعنى خلق ((شرح الطحاوية)) (ص186)، بتصرف.
ثانياً: أن معنى "جعل" هنا "صرف" فيكون معنى الآية: إنا صرفناه من لغة إلى لغة؛ أي: صرفه الله إلى اللغة العربية؛ وذلك أن كلام الله واحد وهو سبحانه وتعالى محيط بجميع اللغات، فهو إن شاء جعل كلامه عبرياً، وإن شاء جعله عربياً.
يقول الطبري – عند تفسير هذه الآية -: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا[الزخرف: 3] أي: "أنزلناه بلسان عربي" ((مختصر تفسير الطبري)) (2 /223).
فإذا كانت "جعل" ليست بمعنى خلق؛ بل بمعنى صرف، بطل استدلال المعتزلة بهذه الآية. والله أعلم.
الشبهة الثالثة:
يقول القاضي عبد الجبار: "وقوله تعالى: .... نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: 30] يوجب حدوث النداء؛ لأنه جعل الشجرة ابتداء غايته، وهذا يوجب حدوثه فيها" ((متشابه القرآن)) (2 /545).
ويروى الرازي استدلال المعتزلة بهذه الآية، فيقول: "احتجت المعتزلة على قولهم: إن الله تعالى تكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله تعالى: ... مِنَ الشَّجَرَةِ، فإن هذا صريح في أن موسى – عليه السلام – سمع النداء من الشجرة والمتكلم بذلك النداء هو الله – سبحانه وتعالى -، وهو تعالى منزه أن يكون في جسم، فثبت أنه تعالى إنما يتكلم بخلق الكلام في جسم" ((التفسير الكبير)) للرازي (24/244).
الجواب عن هذه الشبهة:
يقال لهم: إن استدلالكم بهذه الآية على أن الكلام خلقه الله تعالى في الشجرة، فسمعه موسى منها باطل؛ ودليل ذلك أول الآية وآخرها. فأما أولها: فقوله تعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ... الآية [القصص: 30] والنداء: هو الكلام من بعد، فسمع موسى – عليه السلام – النداء من حافة الوادي؛ ثم قال: فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَة [القصص: 30] أي: أن النداء كان في البقعة المباركة من عند الشجرة، كما تقول: سمعت كلام زيد من البيت، يكون من البيت ابتداء الغاية، لا أن البيت هو المتكلم، ومثل ذلك قوله تعالى: ... مِنَ الشَّجَرَةِ... الآية لابتداء الغاية؛ لا أن الشجرة هي المتكلمة.
وأما آخر الآية: فقوله تعالى: .... يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: 30] فإنه لو كان الكلام مخلوقاً في الشجرة، لكانت هي القائلة لهذا الكلام، وهو باطل، وما يؤدي إلى الباطل مثله، ولو كان هذا الكلام بدأ من غير الله لكان قول فرعون: ... أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات: 24] صدقاً؛ إذ كل من الكلامين – عندكم – مخلوق قد قاله غير الله!، وقد فرقتم بين الكلامين على أصولكم الفاسدة: فزعمتم أن ذلك كلام خلقه الله في الشجرة، وهذا كلام خلقه فرعون، فحرفتم وبدلتم، واعتقدتم خالقاً غير الله انظر ((شرح الطحاوية)) (ص186- 187)، و((الفتاوى)) (5 /52، 53).
وأيضاً: فإنه لو سمع موسى – عليه السلام – كلام الله تعالى من غير الله، لما كان له – عليه السلام – فضل علينا؛ لأننا نسمع كلام الله – عز وجل – من غيره انظر ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)) لابن حزم (3 /5). ...
وبذلك تبطل هذه الشبهة. والله أعلم.
الشبهة الرابعة:
قال تعالى: مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء: 2]
وجه الدلالة:
يقول القاضي: "الآية تدل على حدوث القرآن، لأنه تعالى نص على أن الذكر محدث، وبين بغير آية أن الذكر هو القرآن، كقوله تعالى: ... إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ [يس: 69] وقوله تعالى: وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ.... الآية [الأنبياء: 50] فإذا صح أنه ذكر وثبت بهذه الآية حدوث الذكر، فقد وجب القول بحدوث القرآن" ((متشابه القرآن)) (2 /496).
ويروي الرازي احتجاج المعتزلة بهذه الآية، فيقول – بعد إيراده الآية -: "احتجت المعتزلة على حدوث القرآن بهذه الآية فقالوا: القرآن ذكر، والذكر محدث؛ فالقرآن محدث... " ((التفسير الكبير)) (22 /140).
الجواب عن هذه الشبهة:
يقال لهم: إن تمسككم بهذه الآية على أن القرآن مخلوق باطل. وذلك أن دلالة الآية على نقيض قولكم أقوى منها على قولكم؛ فإنها تدل على أن بعض الذكر محدث، وبعضه ليس بمحدث، وهو ضد قولكم؛ ثم إن الحدوث في لغة العرب العام ليس هو الحدوث في اصطلاحكم، فإن العرب يسمون ما تجدد حادثاً، وما تقدم على غيره قديماً؛ وإن كان بعد أن لم يكن كقوله تعالى: ... كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: 39] ولما كان الرسول – صلى الله عليه وسلم- لا يعلمه ثم علمه الله إياه كان بالنسبة إليه محدثاً وكذلك من سوى الرسول – صلى الله عليه وسلم – من أمته يعتبر محدثاً إليهم فهو كقول القائل: حدث اليوم عندنا ضيف، ومعلوم أن الضيف كان موجوداً قبل ذلك، فالحدوث في الآية؛ إنما هو إشارة إلى أن القرآن محدث الإتيان، لا محدث العين انظر ((محاسن التأويل)) (11 /4246)، و((منهاج السنة النبوية )) (2 /189).
يقول القرطبي – عن تفسير الآية-: "مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ... الآية [الأنبياء: 2] المراد به في النزول وتلاوة جبريل على النبي – صلى الله عليه وسلم – فإنه كان ينزل سورة بعد سورة، وآية بعد آية، كما كان ينزله الله تعالى في وقت بعد وقت لا أن القرآن مخلوق" ((تفسير القرطبي)) (11 /267). وإذا كان الحدوث في الآية المراد به حدوث الإتيان، بطل استدلالكم بهذه الآية. والله أعلم.
الشبهة الخامسة:
يقول القاضي: "لو كان الله تعالى متكلماً لذاته؛ لكان يجب أن يكون قائلاً فيما لم يزل إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ.... الآية [نوح: 1]؛ وإن لم يكن قد أرسل وأهلك عادا وثمودا وإن لم يكن قد أهلك... " ((شرح الأصول الخمسة)) (ص554).
ويروي الرازي هذه الشبهة فيقول: "والشبهة الثانية: أنه سبحانه وتعالى أخبر بلفظ الماضي في مواضع كثيرة من القرآن، كقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا... [نوح: 1].. فلو كان الإخبار قديما كان هذا الإخبار قديماً أزلياً، لكان قد أخبر في الأزل عن شيء مضى قبله، وهذا يقتضي أن يكون الأزل مسبوقاً بغيره، وأن يكون كلام الله تعالى كذباً، ولما كان كل واحد منهما محاولاً علمنا أن هذا الإخبار يمتنع كونه أزلياً" ((الأربعين)) للرازي (ص183).
الجواب عن هذه الشبهة: يقال لهم:
أولاً: معلوم أنه تعالى كان عالماً في الأزل بأنه سيخلق العالم، ثم لما خلقه صار العلم متعلقاً بأنه قد خلقه في الماضي، ولما لم يقتضي هذا حدوث العلم وتغيره، فكذلك الخبر ((الأربعين)) للرازي (ص184)، بتصرف. وبهذا يتبين: بطلان هذه الشبهة.
ثانيا: على فرض صحة هذه الشبهة، فإنها تلزمنا لو قلنا: أن كلام الله قديم الآحاد، ونحن لا نقول بذلك، بل نقول: كلام الله قديم النوع حادث الآحاد. وبذلك يتبين فساد شبهتكم؛ وعلى فرض صحتها؛ فإنها لا تلزمنا. والله أعلم.
الشبهة السادسة:
يقول القاضي: "إن العدم مستحيل على القديم تعالى، فلو كان الكلام قديماً؛ لما جاز أن يعدم..." ((شرح الأصول الخمسة)) (ص549- 550).
ويقول الرازي – وهو يروي هذه الشبهة -: "إن كلام الله تعالى لو كان قديماً أزلياً لكان باقياً أبدياً، لأن ما ثبت قدمه يمتنع عدمه، فيكون قوله تعالى لزيد صل صلاة الصبح باقياً بعد أن صلى زيد صلاة الصبح وبعد أن مات، وبعد أن قامت القيامة، وهكذا يكون باقياً أبد الآباد... ومعلوم أن ذلك على خلاف المعقول، فإنه تعالى إذا أمر عبده بفعل من الأفعال أتى ذلك العبد بذلك الفعل لم يبق ذلك الأمر متوجهاً إليه، وإذا ثبت أن ذلك الأمر قد زال ثبت أنه كان محدثاً لا قديماً" ((الأربعين في أصول الدين)) (ص183).
الجواب عن هذه الشبهة:
لقد أجاب الرازي على هذه الشبهة فقال: "والجواب عن هذه الشبهة؛ هو أن قدرته تعالى كانت متعلقة من الأزل إلى الأبد بإيجاد العالم، فلما أوجد العالم لم يبق ذلك التعلق، لأن إيجاد الموجود محال، فقد زال هذا التعلق، فلما لم يقتض ذلك حدوث قدرة الله تعالى، فكذلك القول في الكلام" ((الأربعين في أصول الدين)) (ص184).
وبهذا يتبين بطلان هذه الشبهة.المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص 116

انظر أيضا: