موسوعة الفرق

المطلب الأول: رأي المعتزلة في الإرادة ومناقشتهم


لقد اختلف المعتزلة في موقفهم من الإرادة، وأهم آراءهم في ذلك؛ رأيان:
أحدهما: رأي البصريين ومن تبعهم من المعتزلة، ويتلخص هذا الرأي في أن الله تعالى مريد بإرادة حادثة لا في محل انظر (( شرح الأصول الخمسة ))  (ص440).
ثانيهما: للنظام والكعبي، ومن تبعهما: وهؤلاء ينفون الإرادة عن الله أصلاً.
وسنعرض – إن شاء الله – هذين الرأيين من أقوالهم، أو أقوال من نقل عنهم، ثم نرد عليهم، فنقول وبالله التوفيق:
الرأي الأول: رأي البصريين ومن تبعهم:
يقول القاضي عبدالجبار: "وقال شيخنا أبو علي، وأبو هاشم – رحمهما الله – ومن تبعهما أنه تعالى مريد في الحقيقة، وأنه يحصل مريداً بعد ما لم يكن إذا فعل الإرادة، وأنه يريد بإرادة محدثة، ولا يصح أن يريد لنفسه ولا بإرادة قديمة، وأن إرادته توجد لا في محل" ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (6 /3).
ويقول في موضع آخر: "... واعلم أنه تعالى مريد عندنا بإرادة محدثة موجودة لا في محل" ((شرح الأصول الخمسة)) (ص440).
ويروي البغدادي رأي المعتزلة البصريين في الإرادة، فيقول: "إن البصريين من المعتزلة قالوا: إن إرادة الله تعالى ليست قديمة بل محدثة لا في محل، بها يخصص الله الأشياء بالوجود دون العدم" ((الفرق بين الفرق)) (ص181).
من هذه النقول نستطيع أن نعرف رأي البصريين ومن تبعهم من المعتزلة في الإرادة، وهو أن الله تعالى مريد بإرادة حادثة لا في محل.
المناقشة:
علمنا من عرضنا لرأي البصريين من المعتزلة في الإرادة: أن رأيهم يتلخص في أن الله مريدا بإرادة حادثة لا في محل.
إذاً الرد عليهم سيتضمن – إن شاء الله – الرد على قولهم الله مريد بإرادة حادثة، ثم على قولهم لا في محل.
أ- الرد على قول البصريين "الله مريدا بإرادة حادثة...":
إن قول البصريين بحدوث إرادة الله تعالى باطل؛ وذلك أنه قد ثبت أن إحداث المحدثات موقوف على الإرادة، فلو كانت الإرادة محدثة لافتقر إحداثها إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل، والقول بالتسلسل باطل فما يؤدي إليه مثله من القول بحدوث الإرادة ((الأربعين في أصول الدين)) (ص152، 154)، و((نهاية الإقدام)) (ص245)، بتصرف.
وأيضاً: فإن الإرادة صفة، والصفة قديمة بقدم موصوفها انظر ((منهاج السنة)) (2 /95). ، كما بيناه في مقام سابق عند الرد على رأي جمهور المعتزلة في الصفات عامة.
ب- الرد على قول المعتزلة "الله مريد بإرادة... لا في محل".
إن قول المعتزلة "الله مريد بإرادة... لا في محل" باطل من وجوه منها:
الأول: أن وجود عرض لا في محل بعيد عن العقول، ولو جاز ذلك فلم لا يجوز وجود سواد لا في محل وبياض لا في محل؟، وكذا القول في سائر الأعراض ((الأربعين في أصول الدين)) (ص154)، بتصرف. ..
يقول الشهرستاني – في معرض رده على من قال بهذا القول–: "ويستحيل كون الإرادة لا في محل، فإن الإرادة من جملة الأعراض، واحتياج الأعراض إلى المحل صفة ذاتية لها، ومن المحال ثبوتها دون الوصف الذاتي..." ((نهاية الإقدام)) (ص 243).
وإذا كانت الأعراض تستلزم محلاً تقوم به، فإن الإرادة تستلزم محلاً تقوم به كسائر الأعراض، وعليه فإن القول بأن الله مريد بإرادة لا في محل باطل.
الثاني: أن ذوات الحيوانات تصلح عليها صفة المريدية، فلو جوزت إرادة لا في محل لكانت نسبة تلك الإرادة إلى ذات الله تعالى كنسبتها إلى سائر الذوات فوجب: أن توجب صفة المريدية لكل من يصلح أن يكون مريداً لعدم الاختصاص، فيلزم أن يكون كل ما يريده الله تعالى يريده كل الأحياء وذلك باطل فما يؤدي إليه مثله من القول بحدوث الإرادة لا في محل انظر: ((الأربعين في أصول الدين)) (ص154)، و((غاية المرام في علم الكلام)) (ص59).
الثالث: يلزم على قولكم "الله مريد بإرادة لا في محل "أن يكون الله تعالى مريداً بإرادة قائمة لا في ذاته، ولو جاز أن يكون تعالى مريد بإرادة قائمة لا في ذاته لجاز أن يكون عالماً بعلم قائم لا في ذاته، وقادر بقدرة قائمة لا في ذاته إلى غير ذلك من الصفات، وهذا لا تقولون به، ولجاز أيضاً أن يكون الواحد منا علاماً وقادراً بعلم قائم لا في ذاته وقدرة قائمة لا في ذاته، وهذا مما لا تقولون به أيضاً والتحكم بالفرق من غير دليل مما لا سبيل إليه.
وهذه اللوازم معلوم بطلانها بالضرورة؛ بل أنتم لا توافقون عليها، وإذا كانت هذه اللوازم باطلة بطل ما يؤدي إليها من القول بأن الله مريد بإرادة... لا في محل انظر ((غاية المرام في علم الكلام)) (ص59)، و((شرح العقائد النسفية)) (ص69، 70).
الرابع: يقال لهم من رأيكم أن المتماثلين يجب اشتراكهما في الواجبات والجائزات وما يستحيل، ثم أوجبتم لإرادتنا القيام بالمحال، فلماذا لم تلتزموا ذلك في إرادة الباري تعالى انظر ((الإرشاد)) (ص95). ؟!.
ثم أنه لو لم تكن الإرادة قائمة به تعالى فقول القائل مريد بها هجر من الكلام كقوله: مريد بإرادة قائمة في غيره انظر ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص106). !.
وبما ذكرنا يظهر بطلان قول المعتزلة "الله مريد بإرادة حادثة لا في محل" ويتبين أن إرادته تعالى أزلية قائمة في ذاته تعالى. والله أعلم.
الرأي الثاني: رأي النظام والكعبي ومن تبعهما في الإرادة:
ذكرنا أن البصريين من المعتزلة يرون: أن الله مريد بإرادة حادثة لا في محل، إلا أنه وجد من المعتزلة من ينفي الإرادة عن الله أصلاً، وذلك كالنظام والكعبي اللذين قالا: إن الله تعالى غير مريد على الحقيقة وأنه لا يوصف بها إلا مجازاً، فإذا قلنا أن الله تعالى مريد في الأزل، فمعناه أنه عالم قادر غير مكره على فعله، ولا كاره له، وإذا قلنا: أنه مريد لأفعاله؛ فالمراد أنه خالقها ومنشئها على وفق علمه، وإذا قلنا أنه مريد لأفعال عباده، فالمعنى أنه آمر بها ((الفرق بين الفرق)) (ص182)، و((نهاية الإقدام)) (ص238)، و((أصول الدين)) (ص90)، و((الملل والنحل)) (1 /73) "بتصرف".
يقول القاضي عبدالجبار: "وقال إبراهيم النظام: إن إرادة الله تعالى إنما هي فعله أو أمره أو حكمه" ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (6 /4).
يقول في موضع آخر: "والمحكي عن شيخنا أبي الهذيل – رحمه الله – أن إرادة الله غير المراد، فإرادته لما خلقه هي خلقه له... وإرادته لطاعات العباد؛ هي أمرهم بها" ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (6 /4).
وقال في موضع ثالث: "وقال الجاحظ: إنه تعالى مريد بمعنى أن السهو منه في أفعاله، والجهل بها لا يجوز عليه..." ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (6 /5).
المناقشة:
أولاً: يقال لهم: إذا زعمتم أنه قد كان في سلطان الله – عز وجل – الكفر والعصيان، وهو لا يريدها، وأراد أن يؤمن الخلق أجمعون، فلم يؤمنوا فقد وجب على قولكم أن أكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن، وأكثر ما شاء الله أن لا يكون كان، لأن الكفر الذي كان وهو لا يشاؤه تعالى – عندكم – أكثر من الإيمان الذي كان وهو يشاؤه؛ وعلى هذا فأكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن، وهذا جحد لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله أن يكون كان، وما لم يشأ لا يكون ((الإبانة عن أصول الديانة)) (ص163)، و((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص108)، بتصرف.
ثانياً: يلزم على قولكم بنفي الإرادة أن تكون الأفعال غير اختيارية شبيهة بالأفعال الطبيعية عند أهل الطبائع، وهذا باطل فما يؤدي إليه مثله ((نهاية الإقدام)) (ص245)، بتصرف.
ثالثاً: يلزم من نفي الإرادة عن الله تعالى وصفه بالعجز، وهو صفة نقص تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ووصف الله بالنقص باطل، فما يؤدي إليه مثله.
رابعاً: يلزمكم مع كل ما ذكرنا ما لزم نفاة الصفات من الردود، وقد سبق بيان ذلك عند الرد على المعتزلة في موقفهم من الصفات عامة. والله أعلم، وهو ولي التوفيق.المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص 103

انظر أيضا: