موسوعة الفرق

المطلب الأول: رأي العلاف في الصفات ومناقشته


ذكرنا في الكلام  على رأي الجمهور؛ أن جمهور المعتزلة يرون أن الله عالم بذاته، لا يعلم زائد على ذاته، وهكذا في سائر الصفات.
إلا أن أبا الهذيل خالفهم وأتى برأي آخر فقد قال: "إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته، قادر بقدرة، وقدرته ذاته، حي بحياة وحياته ذاته.. " ((الملل والنحل)) (1/53)، ((نهاية الإقدام)) (180).
ويقول في موضع آخر: "الله عالم بعلم هو هو، وقادر بقدرة هي هو، وحي بحياة هي هو، وكذلك في سائر الصفات.. " ((المقالات)) (1/255).
ويقول الخياط: "أن أبا الهذيل ((فرقة الهذلية)) (58) من الرسالة. كان يقول: إن الله هو الله.. " ((الانتصار)) (80).
من هذه الأقوال الثلاثة نستطيع أن نعرف مذهب أبي الهذيل في الصفات؛ وهو أنه أثبت صفات هي بعينها ذات، والفرق بين هذا الرأي ورأي جمهور المعتزلة بينه الشهرستاني في كتاب (الملل والنحل) فقال: "إن الذين قالوا إن الله عالم بذاته لا يعلم قد نفوا الصفة، أما أبو الهذيل فإنه أثبت صفة هي بعينها ذات" ((الملل والنحل)) (1/53)، بتصرف
والذي يظهر أن هذا الفرق إنما هو فرق في الطريقة لإثبات غاية واحدة وهي نفي الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها، وهو ما يتفق فيه أبو الهذيل مع الجمهور ((فلسفة المعتزلة)) (46)، ((المعتزلة)) (69).
إذا فالاختلاف إنما هو في الطريقة لإثبات غاية واحدة. والله أعلم.
مصدر رأي أبي الهذيل:
يقول الأشعري: "إن أبا الهذيل أخذ قوله  في الصفات من أرسطاليس ((الموسوعة العربية الميسرة)) (117). ، وذلك أن أرسطاليس قال في بعض كتبه: "إن الباري علم كله، قدرة كله، حياة كله، سمع كله، بصر كله، فحسن اللفظ من عند نفسه وقال: علمه هو هو وقدرته هي هو" ((المقالات)) (2/158).
ويقول الشهرستاني: "إن أبا الهذيل إنما اقتبس رأيه في الصفات من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بها، بل هي ذاته.. " ((الملل والنحل)) (1/52).
من هذين القولين: يظهر لنا أن أبا الهذيل إنما اقتبس رأيه في الصفات من الفلاسفة وخصوصا أرسطاليس.
المناقشة:
لقد أنكر عباد بن سليمان ((الملل والنحل)) (1/71). – وهو من مشائخ المعتزلة -  على أبي الهذيل قوله هذا في الصفات ((المقالات)) (1/225).
ورد عليه القاضي عبد الجبار – وهو من مشائخ المعتزلة المتأخرين – فقال: إن في قول أبي الهذيل تناقضا كيف يكون تعالى عالما بعلم ثم يكون علم ذاته؟! ((شرح الأصول الخمسة)) (183).
وقد انتصر جلال موسى لأبي الهذيل فقال: "إن أبا الهذيل يساير سائر المعتزلة  في قوله: إن الله عالم بعلم يسايرهم في أن العلم صفة ذاتية، وإذا لم يقل أنه عالم بذاته فقد قال: إن علمه هو ذاته، ولا فرق بين القولين حتى يقول القاضي عبد الجبار: إن في قول أبي الهذيل نوع من التناقض وإنما ينشأ التناقض إذا كانت الصفات شيئا غير الذات" ((نشأة الأشعرية وتطورها)) (133).
ونقول: إن وافق أبو الهذيل جمهور المعتزلة، فقد لزمه ما لزمهم من رد، وقد سبق الرد عليهم عند إبطال شبههم، وإن لم يوافقهم فقد لزمه رد القاضي عبد الجبار، وكذلك رد البغدادي حيث قال – رادا على أبي الهذيل – "إذا كان علم الله هو الله وقدرته هي هو، كان الله علما وقدرة، ولو كان كذلك لاستحال أن يكون عالما قادرا، لأن العلم لا يكون عالما، والقدرة لا تكون قادرة، ثم يلزم أن يكون علم الله هو قدرته وبالعكس، وعند ذلك يكون المعلوم لله تعالى مقدورا له أيضا، وهذا يوجب كون ذاته مقدورا له كما كانت معلوما له، فانقطع أبو الهذيل في هذا الإلزام" ((أصول الدين)) للبغدادي (91)، بتصرف. المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق – ص 91 

انظر أيضا: