موسوعة الفرق

المبحث العاشر: أبرز ملامح الاعتزال


 1- تأثرهم بالفلسفة اليونانية:
المعتزلة قوم فتنوا بالفلسفة اليونانية، وبالمنطق اليوناني، وبما نقل عن الفلسفة الهندية والأدب الفارسي، وقد كانوا – كلهم أو جمهورهم – ممن ينتمون إلى الأصل الفارسي، فأولوا القرآن، لينسجم مع تلك الفلسفة، وكذبوا الأحاديث التي تتعارض مع هذه العقلية اليونانية الوثنية (( السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي )) : د. مصطفى السباعي – المكتب الإسلامي/ الطبعة الثالثة – بيروت - 1402هـ.
لقد شاعت الفلسفة اليونانية في القرن الخامس الهجري، شيوعاً كاد أن يهز النفوس، وأصبح أذكياء الأمة، يقبلون على الفلسفة ومباحثها، من غير تمييز للنافع عن الضار... وأدى هذا الموقف الانهزامي الذي تردى فيه هؤلاء، إلى أنهم حاولوا إخضاع الدين، إلى نظريات الفلسفة وفرضياتها، تحت شعار التوفيق بين الدين والفلسفة، وكان الأحرى بهم أن يخضعوا الفلسفة للدين (( مفهوم تجديد الدين )) : بسطامي محمد سعيد- دار الدعوة الكويت - 1405هـ.
وقد بين الشيخ محمد أبو زهرة، الأسباب التي أدت إلى وقوع المعتزلة في أحضان الفلسفة فقال:
"وقد دفعهم إلى دراسة الفلسفة أمران:
أحدهما: أنهم وجدوا فيها مراناً عقلياً، جعلهم يلحنون بالحجة في قوة.
وثانيهما: أن الفلاسفة وغيرهم، لما هجموا بعض المبادئ الإسلامية تصدى هؤلاء للرد عليهم، واستخدموا بعض طرقهم في النظر والجدل، وتعلموا كثيراً منها، ليستطيعوا أن ينالوا الفوز عليهم" (( تاريخ المذاهب الإسلامية))، الشيخ محمد أبو زهرة- (ص145). الجزء الأول - دار الفكر العربي، القاهرة - طبعة دار الثقافة.
2- ينبوع المعرفة عند المعتزلة ينظر: ((منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير))، د. فهد بن عبدالرحمن الرومي – مؤسسة الرسالة/ الطبعة الرابعة – 1414هـ. :
يتلخص في تقديم العقل على الأدلة الشرعية، وجعل العقل حاكماً لا محكوماً.
وقد اشتمل هذا المنهج العقلي على خطوتين.
الأولى: قصدوا بها تطهير الفكر، وضرورة تجرده عن الإلف والعادة... وفي هذا هدم لنظرية التقليد.
الثانية: تحكيم العقل تحكيماً مطلقاً، إذ آمن المعتزلة بالعقل ورفعوا شأنه.. وجعلوه الحكم الذي يحكم في كل شيء والنور الذي يجلو كل ظلمة، حكموه في إيمانهم، وفي جميع شؤونهم العامة والخاصة ((الفكر الإسلامي بين الأمس واليوم)): محجوب بن ميلاد (ص114)- الشركة القومية للنشر والتوزيع- تونس.
لقد حكموا العقل أكثر من تحكيمهم للشرع، بل جعلوا الأدلة العقلية مقدمة على الأدلة الشرعية، فكذبوا ما لا يوافق العقل، من الحديث الشريف – وإن صح – وأولوا ما لا يوافقه من الآيات وإن صحت، بل حاولوا إخضاع عبارات القرآن لآرائهم وتفسيرهم لها تفسيراً يتفق مع مبادئهم ((التفسير والمفسرون)): الشيخ محمد حسين الذهبي، (1/ 372-373).
فقد كانوا يطرحون المسألة، ثم يعرضونها على العقل – عقل الواحد منهم بالطبع – فيستجمع لها الأدلة كما تتراءى له، لإثباتها على وجه من الوجوه، وحين يصل إلى نتيجة "ما"، يعمد إلى الأدلة السمعية فيؤول منها ما لا يوافق نتيجته، إن كان من آيات الكتاب، أو يرد الحديث بدعوى تناقضه مع العقل، أو أنه مبني على الظن...
وبسبب أنهم كانوا يتحاكمون إلى عقل الواحد منهم، لذلك اختلفت مناهجهم اختلافاً كبيراً، في كافة جزئيات مذهبهم، وتناطحوا وكفر بعضهم بعضاً ((المعتزلة بين القديم والحديث)): محمد العبدة، طارق عبدالحليم (ص26-28)".
وقد اتخذوا الجدل والمراء وسيلة للبحث في الدين، ذلك أن منهج علم الكلام أصلاً قد بني على "إن قالوا... قلنا" وذلك لازم مذهبهم وعليه بنيت أصولهم، ولا شك أن هذا مخالف للشرع المحمدي الذي جاء بحسم أسلوب الجدل والمراء، وأخبر بهلاك الأمم إذا أوتيت الجدل ((المعتزلة بين القديم والحديث)): محمد العبدة، طارق عبدالحليم "(ص30 )وما بعدها".
عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم تلا مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: 58])) رواه الترمذي (3253) وابن ماجه (48) وقال الترمذي: حسن صحيح إنما نعرفه من حديث حجاج بن دينار وحجاج ثقة مقارب الحديث وحسنه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (45).
وقال الإمام الأوزاعي: "إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل ومنعهم العمل" ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة))، اللالكائي، (1/145).
وقد أدى بهم منهجهم هذا إلى أن شطحوا بعقولهم، ووضعوا الرسل تحت مجهر العقل ناقدين لهم لأنهم بشر.
3- التطاول على أصحاب رسول الله:
رضي الله عنهم، بما تقشعر منهم جلود المؤمنين، وذلك لأنهم بشر، وأن أحاديثهم قد تناقض أصول المعتزلة، فهذا عمرو بن عبيد، أحد كبرائهم يقول: "والله لو أن علياً وعثمان وطلحة والزبير، شهدوا عندي على شراك نعل ما أجزته" وقال عن سمرة بن جندب رضي الله عنه: "ما تصنع بسمرة قبح الله سمرة" ((تاريخ بغداد)): لأبي بكر أحمد بن علي، الخطيب البغدادي (12/176، 178)-المكتبة السلفية بالمدينة المنورة-.
رضي الله عن صحابة رسول الله الذين حفظوا دينه، ونشروا سنة نبيه، رغم أنف ابن عبيد وأمثاله من أهل البدع.
لقد طعن كبراء المعتزلة بالصحابة رضي الله عنهم، وشنعوا عليهم ورموهم بالكذب، ونسبوا إليهم التناقض.
فقد رمى إبراهيم النظام – وهو شيخ المعتزلة المتقدم – أبا بكر رضي الله عنه بالتناقض، وطعن بمثل ذلك في علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.
وشددوا الحملة على الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه انظر ((تأويل مختلف الحديث))، لابن قتيبة/ (ص17 ) وما بعدها.
مما فتح الباب على مصراعيه أمام تشكيك الحاقدين أمثال المستشرقين ومن شايعهم، مما سنذكره في الفصول القادمة:
ومن ثم فقد ولغ بعض ضالي المعتزلة في أعراض الصحابة خلال فتنة الجمل وصفين.
إذ زعم كل من واصل بن عطاء وعمر بن عبيد: "أن إحدى الطائفتين يوم الجمل فاسقة، ولا تقبل شهادتهم" ((الفرق بين الفرق)): للبغدادي (ص120).
رغم اتفاق العلماء على عدالة جميع الصحابة، أما ما شجر بينهم: فإن أهل السنة لا يخوضون فيه، بل يعتقدون أن كلهم مجتهد، مأجور يبتغي ثواب الآخرة.
ويلخص أبو منصور البغدادي موقف المعتزلة من الصحابة بقوله: "المعتزلة ما بين شاك بعدالة الصحابة منذ عهد الفتنة، كواصل بن عطاء، وما بين موقن بفسقهم، كعمرو بن عبيد، وما بين طاعن في أعلامهم، متهم لهم بالكذب والجهل والنفاق كالنظام، وذلك يوجب ردهم للأحاديث التي جاءت عن طريق هؤلاء الصحابة، وأن النظام كان ينكر حجية الإجماع والقياس، وقطعية التواتر" ((السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي)): د. مصطفى السباعي (ص 140- 142).
وقد أدى ذلك إلى أن فتح رؤساء المعتزلة ثغرات في مكانة الصحابة، استطاع أن يلج المتعصبون من المستشرقين حمى أولئك الذادة الميامين من صحابة رسول الله، وأن يتجرءوا على رميهم بالكذب والتلاعب في دين الله، مستندين إلى ما افتراه النظام وأمثاله عليهم، وقد تبع المستشرقين في هذا بعض الكتاب المسلمين، كأحمد أمين، ومحمود أبو رية. وقد ارتكبوا إثماً عظيماً وكبيرة لا نظير لها نتيجة هذا الطعن ينظر: ((منهج المدرسة العقلية في التفسير)): (ص44 – 65). العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب لمحمد حامد الناصر - ص 14
  

انظر أيضا: