موسوعة الفرق

المطلب الأول: دراسة نقدية لشخصية واصل بن عطاء


يعتبر واصل بن عطاء الشخصية الأولى التي نسب إليها مذهب الاعتزال، وهو، كغيره من أصحاب المقالات المبتدعة، يحيط بشخصيته قدر كبير من الغموض، ابتداء من هذا الولاء المنسوب لبني ضبة، أو لبني مخزوم، والأهم من هذا ظروف النشأة، وتلقي العلم، والغموض في هذا الجانب يظهر من خلال صلاته الفكرية المتعددة – أيضا –، فهو مرة يظهر من منتابي مجلس الحسن البصري، ومرة يظهر في مجالس الثنوية والمجوس، ومرة يبدو مختلفاً إلى مجموعة من اليهود، الذين اندسوا بين المسلمين في البصرة، ويهمنا أمام هذه الإشكالات محاولة إيضاح الخلفية الفكرية لهذا الرجل، ودوره في فتح باب الابتداع في عقيدة الأمة الإسلامية.
ونبدأ أولاً بالتعريف بشخصيته؛ فمن حيث الميلاد، يجمع المؤرخون على أنه ولد في المدينة المنورة سنة "(80هـ)"، وكنيته أبو حذيفة الغزال، مولى ابن مخزوم، وقيل مولى ابن ضبة الجاحظ، (( البيان والتبيين )) ، ( 1/34 ) ، وابن خلكان، (( وفيات الأعيان )) ، ( 6/7 ) ، والذهبي، (( تاريخ الإسلام )) ، ( 5/551 ). ، فما طبيعة هذا الولاء: هل هو من جهة والديه، أم من جهته هو؟ وهل هذا الولاء يعني العبودية التي ينفيها الدكتور النشار عن واصل، مثلما حاول إلصاق ولائه ببني هاشم، والذي لم يذكره إلا ابن المرتضى ((المنية والأمل )) ، ( ص140). ، مخالفاً بذلك جميع من سبقوه؛ حيث يقول الدكتور النشار: "وبالرغم من أنه كان مولى، فقد ولد حراً، مع أن المصادر ساكتة تماما عن أبويه، فلا تذكر منها شيئاً، غير أننا نلحظ أنه لم يذكر عنه أنه كان عبداً، بل إن المصادر تذكر أنه كان غَزَّالاً" د. النشار، ((نشأة الفكر)) ، ( 1/382 ).
وقول الدكتور النَّشّّار: "ولد حرا"، دعوى لا دليل عليها؛ فالولاء يعني العبودية، ولعله نال حريته مؤخراً، ولا يوجد أي مصدر يتحدث عن هذه العبودية، ومتى انفكت عنه، أما لقبه الغزال، فالمتبادر إلى الذهن – أيضاً – أن يكون غَزَّالاً، ولكن هذه النسبة – أيضاً – نفاها عنه محبوه قديماً، وحديثاً، إلا أن الدكتور النشار يؤيد أن معظم قادة المعتزلة ينتسبون إلى بعض الحرف؛ حيث يقول: "ويلاحظ أن المعتزلة ينتسبون على بعض الصناعات؛ كالغَزّال، والعلاف، والنظام، والفوطي، والإسكافي" (( نشأة الفكر )) ، ( 1/382 ). ، وقد حاول المبرد "ت (285هـ)" أن يأتي لهذا اللقب بالتخريج الآتي؛ فقال: "ولم يكن غزالاً، ولكنه كان يلقب بذلك لأنه كان يلزم الغزالين، ليعرف المتعففات من النساء، فيجعل صدقته لهن" المبرد, (( الكامل في اللغة والأدب )) ، ( 2/143 ) ، الناشر مكتبة المعارف، وانظر الجاحظ، (( البيان والتبيين )) ، ( 1/32 ). ، وقد ردد ابن المرتضى نفس هذا التخريج الذي ذهب إليه المبرد.
ويؤكد الدكتور طريف الخالدي أن معظم مفكري المعتزلة كانوا ذوي مهن؛ فلماذا تنفى مهنة الغزال عن واصل وحده، ويؤتى لها بذلك التخريج؛ حيث يقول الدكتور الخالدي: "بدأت بدراسة (طبقات المعتزلة) لابن المرتضى، وحصرت البحث في ستة وعشرين متكلماً، إخالهم أشهر أصحاب الاعتزال على الإطلاق من القرن التاسع والعاشر للميلاد أي قرون الاعتزال الذهبية، ووجدت أن ستة عشر منهم كانوا من أصحاب الحرف، أو من طبقة أصحاب الحرف، أو من طبقة التجار الصغار، ولم أتوصل إلى معرفة ما تبقى منهم، وإليكم بعض الأمثلة: عمرو بن عبيد "ت (144هـ)"، كان أبوه نساجاً، واصل بن عطاء "ت (131هـ)"، ويلقب بالغزال، العلاف "أبوالهذيل ت (235هـ)"، وكان يلقب بالعلاف؛ لأن داره بالبصرة كانت في العلافين، النظام "مات في خلافة المعتصم"، كان ينظم الخرز في سوق البصرة؛ لأجل ذلك قيل له النظام، بشر بن المعتمر "ت (210هـ)"، كان نحاساً في سوق الرقيق، هشام بن عمرو الفوطي، هذه النسبة إلى الفوطة، وهي نوع من الثياب، الجاحظ "ت (255هـ)"، كان وراقاً، أبو يعقوب يوسف الشحام، هذه النسبة إلى بيع الشحم، أبو عيسى الوراق، كان وراقاً، جعفر بن مبشر القصبي "ت (234هـ)"، كان يبيع القصب، أبو جعفر الإسكافي "ت (240هـ)"، كان الإسكافي خياطاً، أبو الحسين الخياط، كان خياطاً، أبو مسلم النقاش، كان نقاشا" د. طريف الخالدي، (( دراسات في تاريخ الفكر العربي الإسلامي )) ، (ص31، 32 ).
فإذا كانت غالبية متكلمي المعتزلة يحترفون هذه المهن، فلماذا ينفي عن واصل أنه كان غزالاً؟ مع أن الذي يفهم من شعر بشار بن برد في واصل أنه كان غزالاً بالفعل؛ حيث يقول:


ما لي منيت بغزال له عنق




كنقنق الدو إن ولي وإن مثلا


عنق الزرافة ما بالي وبالكم




تكفرون رجالاً كفروا رجلاً الجاحظ، ((البيان والتبيين )) ( 1/23 ).

فلو كانت التسمية لملازمته لسوق الغزالين، لما كان وصفه بالغزال مناسباً، ولكن الشعراء الذين هجوه وصفوه بالغزال، بينما الشعراء المحبون له كانوا ينعتونه بأبي حذيفة، أو يذكرونه باسمه، وقد هجاه الشاعر إسحاق بن سويد العدوي "ت 131 هـ"؛ فقال:


برئت من الخوارج لست منهم




من الغزال منهم وابن باب


ومن قوم إذا ذكروا عليا




يردون السلام على السحاب (( البيان والتبين )) ( 1/23 ) ، و ( ص27 ) ، و ( ص24 ).

وقال معدان الشميطي يهجو الخوارج، والمعتزلة، وغيرهم:


لا حروراء لا النواصب تنجو




لا  ولا صحب واصل الغزالي (( البيان والتبين )) ( 1/23 ) ، و ( ص27 ) ، و ( ص24 ).

وكان مادحوه يذكرونه باسمه فقط، كأسباط بن واصل الشيباني؛ حيث قال:


وأشهد أن الله سماك واصلاً




وأنك محمود النقيبة، والشيم (( البيان والتبين )) ، ( 1/23 ) ، و ( ص27 ) ، و ( ص 24 ).

وكان بشار قد مدحه قبل أن يختلف معه، ولم يذكر لقب الغزالي؛ فقال:


أبا حذيفة قد أوتيت معجبة




في خطبة بدهت من غير تقدير (( البيان والتبين )) ، ( 1/23 ) ، و ( ص27 ) ، و ( ص 24 ).

ومن هنا، فإن لقب الغزال قد يكون موافقا لحرفته التي يعمل بها، ولا عيب في ذلك، ولكن الذي تعاب به المعتزلة – حقا – أن هذه الظاهرة تبين عدم انتظام علماء المعتزلة في حلقات العلم، ولا يعدون من رواة الحديث، وعندما أطلقوا العنان لعقولهم؛ لتخوض في العقيدة كما تشاء، برزت الانحرافات العقدية، التي انشغل بها علماء الأمة؛ للرد، والتصحيح، فلعل مثل هؤلاء الحرفيين كانوا يخوضون في مسائل الدين على هواهم، وهذا ما حدث – فعلاً –، والله أعلم.
وأما صفاته الخلقية، فقد كان طويل العنق جداً؛ بحيث كان يعاب به ابن خلكان، (( وفات الأعيان )) ، ( 6/10 ) ، ت. د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ. ، وقد عابه لطول عنقه صاحبه عمرو بن عبيد، وقال: "أنى هذا، وله عنق لا يأتي معها بخير" ابن المرتضى، (( المنية والأمل )) ، ( ص140 ). ، ومن صفاته الخلقية – أيضا – أنه كان ألثغ في الراء، شديد اللثغة بها؛ حيث يقول المبرد: "وكان واصل بن عطاء أحد الأعاجيب؛ وذلك أنه كان ألثغ، قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلص كلامه من الراء" (( الكامل في اللغة )) ، ( 2/144 ).
ويقول الجاحظ عن هذه اللثغة: ولما علم واصل أنه ألثغ، فاحش اللثغ، وأن مخرج ذلك منه شنيع، وأنه إذا كان داعية مقالة، ورئيس نحلة، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل، وزعماء الملل... رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه، وإخراجها من حروف منطقه" (( البيان والتبيين )) ، ( 1/15 ).
ومهما حاول أتباعه من المعتزلة الاعتذار عن هذا العيب، فإن واصل بن عطاء روى عنه جرأة على كتاب الله – تعالى –؛ بسبب لثغته؛ حيث يذكر الإمام الذهبي: "أنه كان يمتحن بأشياء في الراء، ويتحيل لها حتى قيل له: اقرأ أول سورة براءة، فقال على البديهة: عهد من الله ونبيه إلى الذين عاهدتهم من الفاسقين فسيحوا في البسيطة هلالين وهلالين"، وكان يجيز القراءة بالمعنى، وهذه جرأة على كتاب الله العزيز" الذهبي (( تاريخ الإسلام )) ، ( 5/559 ).
وقال البغدادي: "وأما لثغه في الراء فمن مثالبه؛ لأنها تمنع من كونه مؤذناً، وإماماً للقارئين؛ لعجزه؛ لقوله: أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، وأن يقول: الله أكبر، وكان لا يصح منه قراءة آية فيها الراء، وكفى المعتزلة خزياً أن يكون زعيمها من لا يصح صلاتهم خلفه، وأما خطبته التي لا راء فيها، فعساه كان في تحبيرها أياماً" البغدادي، (( الملل والنحل )) ، ( ص85 ).
طلبه العلم:
سبق لنا القول بأن واصل بن عطاء، ولد سنة "( 80هـ)"، وكانت ولادته في المدينة المنورة، ولا نعثر على أي نص يفيدنا عن طبيعة نشأته الأولى، وتلقيه للعلم، أو مدة إقامته في المدينة، وزمن ذهابه إلى البصرة؛ حيث يظهر في مجلس الحسن البصري، والسؤال المتبادر إلى الذهن: هل عاش واصل في المدينة المنورة فترة من الوقت تؤهله للتلقي عن علمائها الذين كانوا من أشد الناس التزاماً بالسنة، وبعداً عن البدعة، أم أنه غادر المدينة في فترة مبكرة من عمره، ولم تتح له فرصة التلقي عن علمائها؟ وهل كانت مهنته "العمل في الغزل" تحول بينه، وبين تلقي العلم، إذا علمنا أنه لم يرو حديثاً واحداً، ولا عده علماء الرجال، والطبقات، من رواة الحديث، أم أنه كان في المدينة يعاني من العبودية، والولاء، فلما ذهب إلى البصرة لازم مجالس الحسن البصري، فبدأ يطرح إشكالاته الفكرية، التي تنم عن ضحالة في العلم الشرعي، والعقدي.
إن هذه الإشكالات لا نملك عليها  إجابة في كتب العلماء الثقات، التي تبنى عليها الحقائق، ولكن كتاب المعتزلة القدماء، ومن ناصرهم من المعاصرين، تداركوا هذا الجانب، وبدءوا بالبحث عن تلمذة لواصل، فنسبوه إلى البيت الهاشمي، وهذا ما سوف نفصله.
فقد وضع ابن المرتضى محمد بن الحنفية "ت (81هـ)" في الطبقة الثانية من طبقات المعتزلة، ثم قال: "وأما محمد بن الحنفية، فقد مر أن واصلاً أخذ علم الكلام عنه، وصار كالأصل لسنده"، إلى أن قال: "وسئل أبو هاشم عن محمد بن علي؛ عن مبلغ علمه، فقال: إن أردتم معرفة ذلك، فانظروا إلى أثره في واصل بن عطاء، وقال شبيب بن شبة: ما رأيت في غلمان بن الحنفية أكمل من عمرو بن عبيد، فقيل له: متى اختلف عمرو بن عبيد إلى ابن الحنفية، قال: إن عمرا غلام واصل، وواصل غلام محمد" (( المنية والأمل )) (ص131 ).
وقال ابن المرتضى "ت (840هـ)" – أيضا – : الطبقة الثالثة من طبقات المعتزلة "منقسمة؛ فمن العترة الطاهر الحسن بن الحسن "ت (99هـ)"، وابنه عبدالله بن الحسن، وأولاده: النفس الزكية، وغيره، ومن أولاد علي أبو هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية، وهو الذي أخذ عنه واصل، وكان معه في المكتب، فأخذ عنه، وعن أبيه" ابن المرتضى، ((المنية والأمل )) (ص132 ).
وقال نشوان الحميري المعتزلي الشيعي "ت(573هـ)": "وكان واصل بن عطاء من أهل المدينة، رباه محمد بن الحنفية، وعلمه، وكان مع ابنه أبي هاشم في الكتاب، ثم صحبه بعد موت أبيه صحبة طويلة، وحكي عن بعض العلماء أنه قيل له: كيف كان علم محمد بن علي؟ قال: إذا أردت أن تعلم ذلك، فانظر إلى أثره في واصل" الحميري، (( الحور العين )) ( ص260 ) ، ت. كمال مصطفى، ط2، 1985م، دار أزال بيروت.
هذه مزاعم أهل الاعتزال والتشيع، ولكننا لم نجد ما يؤيدهم في هذا الزعم من مصادر أهل السنة المعتبرة، إلا ما ردده "طاش كبرى زاده" نقلاً عن مصادر المعتزلة، والشيعة، وهذا النقل لا يعتد به، إذا تبين لنا بطلان هذه المزاعم، على النحو التالي:
أولاً: سوف نجري مقارنة زمنية بين حياة واصل، ومحمد بن الحنفية؛ لنرى أن هؤلاء الكتاب، وكأنهم يقولون كلاماً يستغفلون فيه أتباعهم، وكأن كتبهم لن تقع في أيدي غير الأتباع؛ فمن الثابت أن محمد بن الحنفية – رحمه الله – توفي سنة "( 81هـ)"، وواصل بن عطاء، ولد سنة "(80هـ)"؛ فكيف تلقى واصل العلم عن ابن الحنفية، وعمره لم يتجاوز سنة واحدة، وبهذا يسقط ادعاء المعتزلة عن التلمذة، ولا نزيد على هذا شيئاً.
ثانياً: يبقى الزعم الثاني بأن واصل بن عطاء قد صحب عبدالله بن محمد بن الحنفية في الكتاب، وهذه من المزاعم الباطلة – أيضاً –، والتي يبررها المستشرق آدم متز؛ فيقول: "إن هذا السند من وضع الشيعة، حملهم على وضعه، ونسبته إلى علي بن أبي طالب، أن عدداً كبيراً منهم دخل في مذهب الاعتزال في القرن الرابع الهجري؛ ولذلك فهو لا يرد مفصلاً إلا في كتاب (أئمة الزيود)، و(الشيعة في اليمن)" آدم متز، (( الحضارة الإسلامية )) ( 1/124 ) ، دار الكتاب العربي، بيروت. ، وهذه – فعلاً – إحدى الحقائق، وسوف نبطل هذا السند على النحو التالي؛ فقد ذكر الإمام الذهبي "أن عبدالله بن محمد بن الحنفية أبا هاشم قد مات "كهلاً" سنة ثمان وتسعين هجرية" الذهبي، (( سير أعلام النبلاء )) ( 2/130 ). ، فكيف لرجل كهل يحب طفلاً في الكتاب، ولكن الواقع الذي يمكن تصوره أن واصلاً قد دخل الكتاب سنة "(87 هـ"، أو "88 هـ)"؛ فهو بذلك طفل صغير بجانب هذا الكهل على ما قاله الذهبي، وعندما توفي عبدالله كان عمر واصل ثمانية عشر عاما، ونحن لا ننكر أن يكون واصلاً قد شاهد عبدالله، أو سمعه، مع أننا نميل إلى أن الظروف السياسية في ذلك الوقت ما كانت تسمح لعلماء آل البيت بإلقاء الدروس العلمية، وتجمع الناس حولهم، ثم ما وجه اهتمام عبدالله بن محمد بطفل صغير ليس من بني هاشم، ولا من مواليهم؟ فهذه إذا محاولة التشيع، والاعتزال الالتصاق بآل البيت، وينكر البغدادي هذه الصلة بالبيت الهاشمي من قبل واصل، فيقول: وقد ادعت المعتزلة لواصل كرامات، كذبوا في بعضها، وقلبوا في بعضها، فزعموا أنه صحب محمد بن الحنفية، وعبدالله ابن علي بن أبي طالب، وأخذ عنهما مقالته، وهذه خرافات أمانيهم في الغرور، وقيل: لو كان على رأي محمد، وعبدالله، لما رد شهادة أبيهما" (( الملل والنحل )) ( ص84 ).
وزيادة في التمويه والتضليل، فقد اخترع المعتزلة تلمذة زيد بن علي بن الحسين – رحمه الله – "ت ( 120هـ)" على واصل بن عطاء، وزعموا أنه كان يدين بمذهب الاعتزال؛ حيث يقول ابن المرتضى: "وروي أن واصلاً دخل المدينة، ونزل على إبراهيم بن يحيى، فتسارع إليه زيد بن علي، وابنه يحيى بن زيد، فقال جعفر بن محمد الصادق "ت(146هـ)" لأصحابه: قوموا بنا إليه، فجاءه، والقوم عنده – أعني زيد بن علي، وأصحابه –، فقال جعفر: أما بعد، فإن الله – تعالى – بعث محمداً بالحق، والبينات، والنذر، والآيات، وأنزل عليه: وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأحزاب: 6] ، فنحن عترة رسول الله، وأقرب الناس إليه، وإنك يا واصل أتيت بأمر يفرق الكلمة، وتطعن به على الأئمة، وأنا أدعوك إلى التوبة". إلى أن قال ابن المرتضى: "فتكلم زيد بن علي، فأغلظ لجعفر؛ أي أنكر عليه ما قال، وقال: ما منعك من "اتباعه" إلا الحسد لنا، فتفرقوا، قلت "أي ابن المرتضى": روى ذلك الحاكم، وغيره، والله أعلم بحصتها" (( المنية والأمل )) ، (ص142 ).
إن رواية هذه الحادثة على هذه الهيئة هو نوع من الوضع، والكذب الذي اعتادته فرق الابتداع؛ وذلك لأن زيد بن علي – رحمه الله – تعالى – يكبر واصل بن عطاء بالعمر سنتين؛ حيث ولد "سنة (78 هـ)" ابن عساكر، (( المختصر )) ( 9/151 ). ، فلا يعقل أن يكون تلميذاً لواصل، وهو الذي تربي في كنف بيت النبوة من علماء آل البيت، وعلماء السلف، إضافة إلى علمه، وقوته، واستقامته على منهج السلف، ورده على القدرية النفاة، الذين يدين واصل بمعتقدهم؛ فقد روى ابن عساكر "أنه جاء رجل إلى زيد، فقال: يا زيد، أنت الذي تزعم أن الله أراد أن يعصى؟ فقال له زيد: أفعصي عنوة"؟ فأقبل يخطر بين يديه "أي يركض"" ابن عساكر، (( المختصر ))  ( 9/153 ).
ثم يوحي النص أن مذهب الاعتزال غنيمة كبرى، وأن جعفر الصادق قد حسد واصلاً على اعتناقه، وأن رئاسة هذا المذهب الضال، على رأي كاتب النص، يجب أن تكون لآل البيت، وهذا من الكذب؛ فهل يخفى على جعفر الصادق أن هذا المذهب هو مذهب مبتدع، لا يشرف المرء الانتساب إليه، يضاف إلى ذلك أن ذلك النص يتهم واصلاً بأنه طعن في الأئمة، ولكن واصلاً ينفي ذلك، وهذه القصة لا شك في وضعها؛ بدليل قول ابن المرتضى نفسه: "والله أعلم بصحتها".
وقد نفى هذه التلمذة الشيخ محمد أبو زهرة – رحمه الله –، ولكن الدكتور النشار يؤكد على هذه التلمذة؛ تبعاً لكتاب المعتزلة، فيقول: "وقد حاول العلامة الكبير، الشيخ محمد أبو زهرة أن يثبت أن الإمام زيدا لم يتتلمذ على واصل بن عطاء، وإنما ذاكره، وزامله فيها، وبخاصة أن واصل بن عطاء إنما أخذ مذهبه عن رجل من أهل البيت، هو أبو هاشم، وسواءً أصحت تلمذة زيد لواصل بن عطاء، أم مذاكرته له في المذهب، فإن آراء المعتزلة كانت هي المرحلة الحاسمة في تفكير الفتى العلوي، ثم يردد الأباطيل؛ فيقول: كما أن اعتناق زيد المذهب القدري أقلق محمداً الباقر" (( نشأة الفكر الفلسفي )) ( 2/122 ).
إن من المؤسف – حقاً – أن يلقي الدكتور هذا الكلام على عواهنه؛ تبعاً للمعتزلة، والمستشرقين، وعلى هذا المدار تجد الدكتور النشار يلقي الشبهات؛ وينسب خيار الأمة إلى المذاهب المبتدعة، والخلاصة التي يجب اعتقادها هي بطلان شبهات المعتزلة، ومن تابعهم؛ فإن زيداً، وهو سليل بيت النبوة، ما كان له أن يتلقى العلم عن أحد المبتدعة، الذين لا نصيب لهم من علم الكتاب، والنبوة، وكما قال الدكتور شريف الخطيب: "وعلى فرض صحة لقاء زيد بواصل، فإنه كان لقاء جدال بين مذهب الحق، وهو ما يعتقده زيد، وبين المذهب الباطل الذي يعتقده واصل" د. شريف الخطيب، (( الإمام زيد بن علي المفترى عليه )) ( ص64 ) ، ( ص1 ) ، 1404هـ، منشورات الفيصلية، مكة المكرمة.
أما تلمذة واصل على الإمام الحسن البصري – رحمه الله – تعالى – "ت (110هـ)"، فهي ثابتة بلا شك، ولكنها تلمذة من أحدث البدعة في هذا المجلس، ورد على شيخه بما لا يليق، ولا نعلم متى قدم واصل إلى البصرة، فإذا قلنا إنه أقام في المدينة إلى سنة "(100هـ)"، فيكون قد جالس الحسن البصري مدة خمس سنوات، وقد بقي أربع سنوات منها صامتاً، لا يتكلم، فسألوا الحسن البصري عن ذلك، فقال: "إما أن يكون أجهل الناس، أو أعلم الناس" القاضي عبدالجبار، (( طبقات المعتزلة )) ( ص235 ) ، ت. فؤاد السيد، الدار التونسية. ، "وكانوا يظنون به الخرس من طول صمته" ابن المرتضى، (( المنية والأمل )) ( ص140 ). ، ونريد أن نتساءل: ماذا يعني هذا الصمت الطويل؟ وما دلالاته؟ هل هو صمت السامع المستزيد؟ أم هو صمت من يهيئ بنفسه مقالة مبتدعة، خالف بها ما يقول هذا الإمام العالم، الذي أجمعت الأمة على إمامته، ورسوخه في الدين، أم أنه كان يقارن بين فكر، ومعتقد سابق لديه، وبين ما يلقيه الحسن البصري، أم أن المجالس التي كان يحضرها بعيداً عن حلقة الحسن البصري هي التي أحدثت عنده هذا الانحراف، والابتداع؟ سوف نلقي فيما يلي بعض الضوء على علاقات واصل الفكرية خارج هذه الحلقة، والتي يرجح أنه كان لها الأثر الأكبر في انحرافه، وعدم اعتباره من المحدثين، أو ممن روى الحديث؛ فقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني "ت (356هـ)": "أنه كان بالبصرة ستة من أصحاب الكلام: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وبشار الأعمى "ت (168هـ)"، وصالح بن عبدالقدوس، وعبدالكريم بن أبي العوجاء، ورجل من الأزد، قال أبو أحمد جرير بن حازم "ت (170هـ)": فكانوا يجتمعون في منزل الأزدي، ويختصمون عنده، فأما عمرو، وواصل، فصارا إلى الاعتزال، وأما عبدالكريم، وصالح، فصححا التوبة، وأما بشار، فبقي متحيراً مخلطاً، وأما الأزدي، فمال إلى قول السمنية؛ وهو مذهب من مذاهب الهند، وبقي ظاهره على ما كان عليه، قال: فكان عبدالكريم يفسد الأحداث، فقال له عمرو بن عبيد: قد بلغني أنك تخلو بالحدث من أحداثنا فتفسده، فتدخله في دينك، فإن خرجت من مصرنا، وإلا قمت فيك مقاماً آتي فيه على نفسك، فلحق بالكوفة، فدل عليه محمد بن سليمان "ت (173هـ)"، فقتله، وصلبه فيها" الأصفهاني، (( الأغاني )) ( 3/146 )، دار صادر، بيروت، وقد نقل هذا النص من (( الأغاني )) ، ابن حجر، في (( لسان الميزان )) ، ( 4/61 ).
ونحن مع عدم ثقتنا بهذا المصدر، ومعلوماته، إلا أنه صدق بقوله عن واصل، وعمرو بن عبيد، وأما الشخصيات الباقية، هي شخصيات منحرفة – أيضاً –؛ فبشار بن برد الشاعر كان يميل إلى دين المجوس، ويفضل النار على التراب، ويصوب رأي إبليس في امتناعه عن السجود لآدم – عليه السلام –، ورمي بالزندقة عند المهدي الخليفة العباسي؛ فأمر به، فضرب سبعين سوطاً، فمات من ذلك، وكان ذلك سنة "( 168هـ)" ابن خلكان، (( وفيات الأعيان )) ، ( 1/273 ).
وأما صالح بن عبدالقدوس، فهو شاعر زنديق، قتله المهدي على زندقته؛ حيث أبلغ عنه أنه عرض بأبيات لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله لأجل ذلك" ابن عساكر( 1/34 ) ، (( وفيات الأعيان )) ، ( 2/492).
وأما عبدالكريم بن أبي العوجاء، فيقول عنه الإمام الذهبي: "خال معن بن زائدة "ت (152هـ)"، زنديق معثر، قال ابن عدي: لما أخذ لتضرب عنقه، قال: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحرم فيها الحلال، وأحلل الحرام، قتله محمد بن سليمان الأمير بالبصرة" الذهبي، (( ميزان الاعتدال )) ، ( 2/644 ) ، و (( لسان الميزان )) ، ( 4/61 ).
أما الرجل الأزدي، فلا ندري من هو؛ لعدم التصريح باسمه، وهذه الشخصيات التي كانت تجتمع مع واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، لابد أنها أثرت في فكره، ومعتقده، وفي بدعته التي ابتدعها، وإذا أضفنا إليها ما ذكره الأستاذ أنور الجندي عن مجموعة من الباحثين، لم يسمهم: "إن جماعة من اليهود الذين أظهروا الإسلام اندسوا بين المسلمين بالبصرة، وقد تعرف إليهم واصل بن عطاء، وجعل يتردد عليهم، ومن قولهم: إن الخير من الله، والشر من أفعال البشر، وإن القرآن مخلوق محدث، ليس بقديم، وإن الله – تعالى – غير مرئي يوم القيامة، وإن المؤمن إذا ارتكب الذنب، فشرب الخمر، وغيره يكون في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمناً، ولا كافراً، وإن إعجاز القرآن في الصرف عنه، لا أنه معجز؛ أي أن الله لو لم يصرف العرب عن معارضة القرآن، لأتوا بما يعارضه" الجندي، (( مقدمات العلوم والمناهج )) ( ص433 ) ، ط1، 1399هـ، دار الأنصار، القاهرة.
ونحن نطرح تساؤلات: هل كان لبدعة واصل بن عطاء أبعاد عميقة من خلال هذه الجمهرة الضالة التي كان يجتمع بها، والتي قد تكون دفعته للخروج على منهاج السلف، وعالمهم الكبير الحسن البصري – رحمه الله – الذي كان يلمح في شخصية واصل أنه كان يبيت في نفسه مثل هذه الفرقة في الأمة؛ من خلال دعوته للاعتزال، والذي يظهر من بعض الروايات أن واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، كانا يحضران إلى الحسن البصري عندما كبرت سنه، وزادت على التسعين؛ مما حدا بعلماء السلف باتهامهم بالكذب على الحسن البصري، وكان عمرو بن عبيد ينسب له ما لم يقله؛ فعن حماد بن سلمة قال: "كان حميد من أكفهم عنه "أي عن عمرو بن عبيد"، قال: فجاء ذات يوم إلى حميد، قال: فحدثنا حميد بحديث، قال: فقال عمرو: كان الحسن يقول...، قال: فقال لي حميد: لا تأخذ عن هذا شيئاً؛ فإن هذا يكذب على الحسن، كان يأتي الحسن بعدما أسن، فيقول: يا أبا سعيد: أليس تقول كذا، وكذا؟ للشيء الذي ليس من قوله، فيقول الشيخ برأسه هكذا" البغدادي، (( تاريخ بغداد )) ( 12/180 )، دار الكتاب العربي، بيروت.
ومن خلال هذا النص، يمكننا أن نفترض الفترة الزمنية التي بدأت فيها هذه البدعة، والتي يرجحها بعض المستشرقين في "دائرة المعارف الإسلامية" أنها بدأت في السنة الخامسة بعد المائة ((دائرة المعارف الإسلامية المختصرة)) ( 2/1091) ، أبحاث مجموعة من المستشرقين ترجمة د. راشد البراوي، "(( الموسوعة الإسلامية الميسرة ))  ( ص1 )، 1985م، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة. ، وهذا الرأي قد يكون قريبا من الصواب، إذا قورن مع التطور الطبيعي لعمر واصل، وعمرو بن عبيد، في ظل ضعف قوى الحسن البصري، وعدم قدرته على الرد على بدعهم؛ لكبر سنه، يضاف إلى ذلك المكر، والدهاء، الذي كان يمتاز بهما واصل، وعمرو، ورغبتهما المبيتة في تأسيس نحلة خاصة بهما، تخالف هذا الجمهور الكبير الذي رباه الحسن البصري على الكتاب، والسنة؛ ليظهر هؤلاء المناوئون لمنهج السلف، ليس في مسألة المنزلة بين المنزلتين فقط، وإنما في مسائل عقدية أخرى، والتي ستمهد الطريق لبروز الجهمية النفاة، وغيرهم من فرق الضلال.
ولكن الحسن البصري – رحمه الله تعالى – لم يكن راضيا عن عمرو بن عبيد، قرين واصل؛ لمعتقده الضال في القدر، ولا يعلم حقيقة إذا كان مسمى الاعتزال قد ظهر في حياة الحسن البصري، بعد حادثة الطرد المشهورة، والمنسوبة لواصل تارة، ولعمرو بن عبيد تارة أخرى، ولم تكن حلقة الحسن البصري، ولا مجالس الثنوية، والمجوس، هي المصادر الفكرية الوحيدة لواصل بن عطاء؛ فهناك من يرى أن هناك علاقة بين واصل، والجهم بن صفوان "ت (128هـ)"، وهذا غير مستبعد؛ وذلك لأن الرجلين عاشا في عصر واحد، وكانت، وفاتهما متقاربة – أيضاً –؛ حيث يقول ابن المرتضى: "إن بعض السمنية قالوا لجهم بن صفوان: هل يخرج المعروف عن المشاعر الخمسة؟ قال: لا، قالوا: فحدثنا عن معبودك: هل عرفته بأيها؟ قال: لا، قالوا: فهو إذا مجهول، فسكت، وكتب إلى واصل، فأجاب، وقال: كان يشترط وجه سادس؛ وهو الدليل، فنقول: لا يخرج عن المشاعر أو الدليل، فاسألهم: هل يفرقون بين الحي والميت، والعاقل والمجنون، فلابد من نعم، وهذا عرف بالدليل، فلما أجابهم جهم بذلك، قالوا: ليس هذا من كلامك، فأخبرهم؛ فخرجوا إلى واصل، وكلموه، وأجابوه إلى الإسلام" ابن المرتضى، (( المنية )) (ص143).
ولا ندري مدى صحة هذا الخبر، ولكن لعل ابن المرتضى يهدف إلى رفع قيمة واصل؛ إذ المشهور أن السمنية الذين تحير الجهم بسببهم، ولم يدر من يعبد لمدة أربعين يوماً، وقدحوا الفتنة في قلبه العليل، ثم ذهبوا، هذه الفتنة التي نالت الجهم في عقيدته، وكانت سبباً في انحرافه، يخشى أن تكون قد تمكنت – أيضاً – من قلب واصل بن عطاء فهل كان للسمنية دور في انحراف معتقد واصل في الصفات، والذي تطور، فيما بعد، على يد المعتزلة عموماً، فهؤلاء السمنية، على هذا الاعتبار، نعتبرهم أحد المؤثرات التي أثرت في فكر واصل بن عطاء، كما أسهمت في انحراف الجهم، وحيرته.
ثم يضيف ابن المرتضى أن واصلاً قد بث دعاته في الآفاق؛ فيقول: "وبلغ من بأسه، وعلمه، أنه أنفذ أصحابه إلى الآفاق، وبث دعاته في البلاد؛ فبعث عبدالله بن الحارث إلى المغرب، فأجابه خلق كثير، وبعث إلى خراسان حفص بن سالم، فدخل ترمذ، ولزم المسجد، حتى اشتهر، ثم ناظر جهماً، فقطعه، فرجع إلى قول أهل الحق، فلما عاد حفص إلى البصرة، رجع إلى قوله الباطل، وبعث القاسم بن المعدي إلى اليمن، وبعث أيوب بن الأوتر إلى الجزيرة، وبعث الحسين بن ذكوان إلى الكوفة، وعثمان الطويل إلى أرمينية، فقال: يا أبا حذيفة، إن رأيت أن ترسل غيري، فأشاطره جميع ما أملك، حتى أعطيه فرد نعلي، فقال: يا طويل، اخرج، فلعل الله أن ينفعك، فخرج للتجارة، فأصاب مئة ألف، وأجابه الخلق" (( المنية والأمل )) ( ص141- 142 ) ، بتصرف، قال الدكتور النشار بعد ذكره لحملة واصل هذه: "وبهذا نرى أنه كان لواصل أكبر الأثر في إرساء قواعد الاعتزال، ويعود هذا لشكيمة الرجل وقوة عارضته وشخصيته الفتانة!!" (( نشأة الفكر )) ( 1/384 ).
ونحن أمام هذا النص نميل لأحد الاحتمالين الآتيين:
الأول: أن نصدق بهذه الحملة الشرسة التي شنها المعتزلة على أرجاء العالم الإسلامي، داعين لنفي القدر، والصفات، ونشر البدع العقدية، وبذر بذور الفرقة، والاختلاف، في الأمة؛ عن طريق محاربة منهج السلف في العقيدة.
الاحتمال الثاني: أنها حملة مزعومة، لا أساس لها من الصحة؛ وذلك لأنني حاولت، بعد جهد طويل، العثور على تراجم هؤلاء المذكورين، فلم أحصل إلا على عثمان الطويل، وما وجدت ما قاله ابن المرتضى عنه في كتب أهل السنة، وهذا – أيضاً – يحتمل أن هذه الشخصيات كانت مغمورة، تدعو لبدعتها في الخفاء، بعيداً عن معرفة علماء السلف بها، حتى تؤسس هذه النحلة المبتدعة، ومما لا شك فيه أن هذه الدعوة البدعية – أيضاً – أحدثت بين المسلمين جدالاً، وإشكالاً واسعاً، لم ينته إلى وقتنا الحاضر، فكانت من أخطر البدع التي ابتليت بها الأمة، وما خلاف المسلمين في مسائل العقائد إلا أنه نابع من أصول المعتزلة، والجهمية، التي تحدث مع معظم الفرق البدعية، وخاصة في مناطق التشيع، وحتى الخوارج استقوا مباحثهم الكلامية، فيما بعد، من مناهج المعتزلة.
وعندما حدثت محنة خلق القرآن، التي كان سببها المعتزلة، فرحت فرق الضلال بالاضطهاد الذي لاقاه علماء السلف؛ وأولهم الإمام أحمد، وأعجبت بما تدعو إليه المعتزلة، فكان التلاقي، والذوبان في مسائل العقيدة بين مختلف الفرق، وخاصة الشيعة؛ ومما عزز اتحاد هذه الفرق مع المعتزلة هزيمة المعتزلة في النهاية، وظهور منهج السلف، وسيادته على الأمة، فعادت هذه الفرقة تبحث في سراديب الظلام عن فتن، ومكائد؛ لضرب هذا المنهج الفطري الذي يدين به جمهور الأمة، فحدثت بعد ذلك انحرافات عقدية، خرج أغلبها من رحم المعتزلة العفن، واليوم تبرز الدعوات من جديد؛ لإحياء هذا الفكر المبتدع، والعقيدة الضالة، ولكن هذه الصحوة المباركة بدأت تتلمس طريقها بالبحث عن منهج السلف، وإحيائه؛ لصد الهجمة الاستشراقية الاعتزالية الجديدة، التي يجب أن يزال الستار عن تخريبها العقدي، وخوضها في ذات الله، وصفاته، وقضائه، وقدره، خوضا باطلاً، لا دليل يسنده إلا اتباع الهوى، والشيطان.
هذه نبذة عن حياة واصل بن عطاء، الذي توفي سنة "إحدى وثلاثين ومئة" ابن الخطيب، (( تاريخ بغداد )) ( 12/187 ) ، وابن خلكان، (( وفيات الأعيان )) ( 3، ص460 ). ، وقد ذكر أن له جملة من التصانيف، ولم يصلنا شيء منها؛ مثل: "أصناف المرجئة، وكتاب التوبة، وكتاب المنزلة بين المنزلتين، وكتاب خطبته التي أخرج منها الراء، وكتاب خطب التوحيد، والعدل" ابن سعد، ((الطبقات )) ( 7/201 ) ، وانظر الرازي، ((الجرح والتعديل)) ( 6/246). ، وسوف ننتقل لنعطي صورة أخرى عن عمرو بن عبيد، الرجل الثاني من رجالات الاعتزال.

انظر أيضا: