موسوعة الفرق

المبحث السابع: انتشار مذهب المعتزلة


انتشر مذهب المعتزلة انتشارا كبيرا، وصار لهم مذهب يعرفون به ويدعون إليه، وأصبحت لهم مدارس متعددة، وتعددت فرقهم حتى وصلت إلى اثنتي عشرة فرقة كما ذكر الشهرستاني في ((الملل والنحل)) (1/46). ، بل أوصلها بعضهم إلى ثماني عشرة أو عشرين فرقة كما ذكر البغدادي في (( الفرق بين الفرق )) ( ص114 ) ، فقد عدد اثنتين وعشرين فرقة من فرقهم، ثم ذكر أن منها فرقتين غلاة، ثم لما أخذ يشرح الفرق العشرين الباقية لم يذكر منها إلا ثماني عشرة فرقة. انظر (( الفرق بين الفرق ))  ما بين  ( 117-184 ) ، تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد.
ولكن مع قيام مذهب المعتزلة وغيره من المذاهب المتعددة، فقد بقي مذهب أهل السنة والجماعة هو مذهب جمهور علماء الإسلام في مختلف الأقطار وعلى مر الزمان، يقوم به العلماء ويتبعهم عامة الناس، فصار مذهب السلف أهل السنة والجماعة هو الغالب على معتقد جماهير الناس، وصار علماء أهل السنة هم المعتبرين، وهم الذين يؤخذ بقولهم، وتعتبر فتاويهم، فألفوا الكتب الكثيرة والمطولة في العقيدة، والتفسير وعلوم القرآن، والحديث وعلومه، والرد على الملحدين والمنحرفين، مؤيدين لمذهب السلف شارحين له.
وإذا تحدثنا عن انتشار مذهب المعتزلة فنحن نقصد مذهبهم في القدر الذي خالفوا فيه أهل السنة والجماعة، وصار أصلا من أصولهم المعتبرة، ولقبا لهم يعرفون به؛ إذ هم – كما أسلفنا – يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد، ونحن أيضا حينما نفصل القول في كيفية انتشار مذهبهم فإننا نقصد من ذلك أخذ صورة واضحة مفصلة عن مذهب المعتزلة الذي ابتلي به المسلمون، وأن هذا المذهب ما كان لينتشر هذا الانتشار الذي وصل إلى حد أنه له مؤيدين كثيرين في عصرنا الحاضر لولا أساليبهم التي مكنتهم من الوصول إلى مركز القيادات في الأمة، ومن خلال ذلك فرضوا مذهبهم على الناس، وأحياناً أرغموهم على اعتناقه بالقوة.
ومن البدهي القول بأن انتشار مذهب المعتزلة في القدر مرتبط بانتشار مذهبهم عموما، وإذا كانت أصولهم الخمسة هي ما أجمعوا عليه في مختلف أعصارهم وطبقاتهم، فإن قولهم بالقدر هو ألصق ما يكون بهم، حتى وصل الأمر إلى أن أصبح لقبا من ألقابهم فهم يسمون "القدرية"، مع ملاحظة أن المعتزلة أنفسهم ينفون عنهم هذا اللقب، ويقولون إنه ينطبق على المجبرة، وأنهم – على زعمهم – أهل السنة، والسبب واضح وهو ورود أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذم القدرية، وأنهم مجوس هذه الأمة، قال ابن قتيبة: "وقد كان فريق منهم يزعمون أن هذا الاسم لا يلزمهم باللغة ولكن يلزم غيرهم، واحتجوا في ذلك أنه يدعي عليهم أنهم يقولون: لا قدر، فكيف ينسبون إلى ما يجحدون، وهذا تمويه من المحتج، وإنما لزمهم لأنهم يضيفون إلى أنفسهم القدر، وغيرهم يجعله لله عز وجل دون نفسه، ومدعي الشيء لنفسه أحرى بأن ينسب إلى ذلك الشيء من جعله لغيره" (( غريب الحديث )) ( 1/255 ), تأليف ابن قتيبة عبدالله بن مسلم  تحقيق الدكتور عبدالله الجبوري ط الأولى 1397 وزارة الأوقاف في العراق. ويقول الخطابي: "إنما جعلناهم مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين، وهما النور والظلمة، يزعمون أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة، فصاروا ثنوية، وكذلك القدرية، يضيفون الخير إلى الله – عز وجل – والشر إلى غيره، والله – سبحانه وتعالى – خالق الخير والشر، لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته" (( معالم السنن ))  للخطابي طبع مع ((سنن أبي داود))  ( 5/66 ) ، إعداد وتعليق: عزت عبيد الدعاس، وعادل السيد، الطبعة الأولى 1394هـ، وانظر في نفس الموضوع كتاب (( الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ))  لإمام الحرمين الجويني ( ص255-256 ) ، تحقيق: د. محمد يوسف موسى، وعلي عبدالمنعم عبدالحميد ط 1369هـ - 1950م، وانظر أيضا (( شرح النووي على مسلم ))  ( 1/154 ) حيث نقل كلام الأئمة في هذا الأمر، وانظر أيضاً للنووي كتاب (( تهذيب الأسماء واللغات )) ، الجزء الثاني في القسم الثاني ( ص81-82 ) 0- ط دار الكتب العلمية – لبنان.
أما بالنسبة لانتشار مذهب المعتزلة فإن المقام لا يتسع هنا لشرح تاريخهم الطويل، وتاريخ علمائهم وأقوالهم، وإنما نعرض لبعض أعمالهم ونشاطاتهم، وبعض الأحداث التي كانت سببا في انتشار مذهبهم وذلك من خلال الأمور التالية:
1- كان المعتزلة يبعثون البعوث لنشر مذهبهم والدعاية له، كما فعل واصل بن عطاء الذي يقول عنه ابن المرتضى: "وبلغ من بأسه وعلمه أنه أنفذ أصحابه إلى الآفاق وبث دعاته في البلاد، قال أبو الهذيل: بعث عبدالله بن الحارث إلى المغرب فأجابه خلق كثير، وبعث إلى خراسان حفص بن سالم فدخل ترمذ ولزم المسجد حتى اشتهر، ثم ناظر جهما فقطعه، ورجع إلى قول أهل الحق، فلما عاد حفص إلى البصرة رجع جهم إلى قول الباطل، وبعث القاسم إلى اليمن، وبعث أيوب إلى الجزيرة، وبعث الحسن بن ذكوان إلى الكوفة، وعثمان الطويل إلى أرمينيا فقال: يا أبا حذيفة إن رأيت ترسل غيري فأشاطره جميع ما أملك حتى أعطيه فرد نعلي، فقال: أخرج فلعل الله أن ينفعك، فخرج للتجارة فأصاب مئة ألف، وأجابه الخلق" (( المنية والأمل )) :ابن المرتضى ( ص19 ) ، وانظر: (( مذاهب الإسلاميين )) : عبدالرحمن بدوي ( 1/81) ، وانظر أيضا: ((ضحى الإسلام)) : أحمد أمين ( 3/90 ) الطبعة العاشرة. ، وهكذا فالمعتزلة نشطوا لنشر مذهبهم، ورحل دعاتهم شرقا وغربا داعين إلى آرائهم، زاعمين أنهم أهل الحق، ولا شك أن هذه الأعمال التي قاموا بها كان لها دور كبير في التعريف بمذهبهم واستجابة فئات من الناس لهم.
2- زعموا أن مذهبهم هو الحق، وأنه مذهب السلف الصالح القائم على الأدلة من الكتاب والسنة، يقول أحد علمائهم: "يجب أن أملي كتابا في أن مذهب المعتزلة هو الذي يقتضيه العقل والكتاب والسنة، وهو الذي مر عليه السلف والخلف" القائل هو عبدالجبار الجشمي، وقد ألف كتابا اسمه (( فضل الاعتزال )) ، انظر  (( موقف المعتزلة من السنة النبوية)) ، أبو لبابة حسين (ص28). ، ويقول أيضا: "ليعرف من قرأ كتابنا أن التمسك بالسنة طريقتنا" القائل هو عبدالجبار الجشمي، وقد ألف كتابا اسمه ((فضل الاعتزال )) ، انظر  (( موقف المعتزلة من السنة النبوية )) ، أبو لبابة حسين ( ص28 ). وهذا ادعاء غير صحيح، فإن العقل مقدم عندهم على النص، وسيأتي شرح هذا في الباب الثالث إن شاء الله.
3- نسبة مذهبهم – بالسند كما يزعمون – إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى كبار الصحابة كالخلفاء الأربعة، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي بن كعب، وغيرهم انظر سندهم في ذلك في (( المنية والأمل )) : ابن المرتضى، باب ذكر المعتزلة ( ص 4-6 ). ، وقد نسبوا مذهبهم أيضا إلى كبار علماء السلف كالحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وطاووس، ومكحول، ومجاهد، وغيرهم.
وغرضهم من نسبة مذهبهم إلى هؤلاء إظهار مذهبهم أنه الحق، وأن هؤلاء الأعلام قالوا به، ومن ثم فهم أهل الإسلام الحقيقيون، ومخالفوهم – وفيهم أهل السنة والجماعة حقا – ليسوا إلا طوائف منحرفة عن خط الإسلام الصحيح – كما يزعمون -، ولا شك أن عامة الناس سينخدعون بمثل هذه الدعاوى فيتمذهبون بمذهبهم حين يدعون إليه، ويدرسون كتبهم ورسائلهم، ويقولون بآرائهم.
ولسنا هنا بصدد الرد على آرائهم هذه – مادام غرضهم منها واضحا – مع عدم وجود أي دليل على ما يقولون، خاصة أن نسبة مذهبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة – رضوان الله عليهم جميعا – هو ما يعرف بطلانه من له أدنى معرفة بعقيدة أهل السنة والجماعة، التي يخالفون فيها المعتزلة تمام المخالفة في قضايا الإيمان بصفات الله تعالى، ورؤيته في الآخرة، والقدر، والحكم على مرتكب الكبيرة، وكون القرآن منزلا غير مخلوق، وتقديم السمع على العقل، وغيرها. ونسبة مذهبهم إلى بعض التابعين من السلف يذكرها المعتزلة في كتبهم، ولا دليل لهم على ذلك، فما عرف من أحوال هؤلاء، وأقوالهم ومواقفهم، يدل على مخالفتهم للمعتزلة.
وليس عند المعتزلة أي دليل على أن التابعين كانوا يوافقونهم إلا ما يزعمون من أن الحسن البصري قد قال بالقدر على مذهبهم، وأنه منهم، فيروون عن داود بن أبي هند أنه قال: سمعت الحسن يقول: "كل شيء بقضاء الله وقدره إلا المعاصي" (( المنية والأمل )) ، لابن المرتضى ( ص12). ويوردون له رسائل أرسلها إلى عبدالملك بن مروان، وفيها قوله بالقدر على مذهب المعتزلة، ويقولون: إن رسائله مشهورة.
والرد على دعواهم في الحسن البصري ليس تفصيله هنا، وأرجو ألا يكون استطرادا إذا لخصت الرد في النقاط التالية:
أ- أن المعتزلة أنفسهم لا يقطعون بنسبة الحسن إليهم، ولذا نرى ابن المرتضى لما ذكر الحسن وقوله في القدر قال: "فإن قلت فقد روى أيوب، أتيت الحسن، فكلمته في القدر فكف عن ذلك، قلت: قد روي أنه خوفه بالسلطان فكف عن الخوض فيه..." (( المنية والأمل )) ( ص15 ). ، وهل يخاف الحسن السلطان وهو الرجل الذي يجهر بالحق دائما؟
ب- أما بالنسبة للرسالة المنسوبة إليه فيقول عنها الشهرستاني: "ورأيت رسالة نسبت إلى الحسن البصري كتبها إلى عبدالملك بن مروان، وقد سأله عن القول بالقدر والجبر فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدرية، واستدل فيها بآيات من القرآن الكريم ودلائل من العقل، ولعلها لواصل بن عطاء, فما كان الحسن ممن يخالف السلف في أن القدر خيره وشره من الله – تعالى–، فإن هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم (( الملل والنحل )) (  1/47 )  - تحقيق محمد سيد كيلاني- ط 1387هـ. ، وهذه الرسالة لم تصح نسبتها إلى الحسن، والمعتزلة ينسبون إلى الحسن أقوالا بروايات منقطعة، فالمرتضى حين ذكر أهل العدل والتوحيد عد منهم الحسن البصري، وترجم له ترجمة طويلة، ولما أراد أن يثبت أنه من أهل العدل قال: "فمن تصريحه بالعدل، ما رواه علي بن الجعد قال: سمعت الحسن يقول: من زعم أن المعاصي من الله عز وجل جاء يوم القيامة مسودا وجهه، وقرأ: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ [الزمر: 60] " (( أمالي المرتضى )) ، القسم الأول ( ص153 ) ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى 1373هـ. ، وعلي بن الجعد الذي يقول سمعت الحسن لم يسمع منه ولم يلقه، فهذه رواية منقطعة.
ج- وابن قتيبة يذكر عن الحسن البصري أنه تكلم في شيء من القدر ثم رجع عنه، ولكنه يذكر بعد ذلك مباشرة أن عطاء بن يسار ومعبدا الجهني كانا يأتيان الحسن، فيسألانه ويقولان: يا أبا سعيد إن الملوك يسفكون دماء المسلمين، ويأخذون الأموال، ويفعلون ويفعلون، ويقولون: إنما تجري أعمالنا على قدر الله، فقال، كذب أعداء الله (( المعارف )) : ابن قتيبة ( ص441 ) تحقيق عكاشة، ط: دار المعارف بمصر. ، قال ابن قتيبة: "فتعلق عليه بمثل هذا وأشباهه" (( المعارف )) : ابن قتيبة ( ص441 ) تحقيق عكاشة، ط: دار المعارف بمصر، وانظر رواية أخرى مشابهة لهذه الرواية عن الحسن ذكرها الطبري في تفسيره "سورة الإسراء" ( 15/62 ). ، ويشبه هذا ما يروى عن الحسن أنه قال – وهو محق في قوله – ولكن المعتزلة يفسرون قوله بما يدل سياق كلامهم له على أنه منهم، وذلك ما أورده عبدالجبار الهمذاني في معرض وصمه لأهل السنة بأنهم قدرية، فقد قال "وروي عن الحسن – رحمه الله – أنه كان يقول – إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العرب وهم قدرية مجبرة يحملون ذنوبهم على الله ويقولون: إن الله سبحانه قد شاء ما نحن فيه، وحملنا عليه وأمرنا به، فقال – عز وجل– : وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف: 28] " (( المغني في أبواب التوحيد والعدل )) ( 8/329 ). ، فهل كلام الحسن – رحمه الله – في الروايتين دل على أنه قدري؟ الجواب: لا يدل.
د- وهناك روايات تنفي هذا الزعم، فقد روى ابن سعد: "قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي قال، حدثنا عبدالرحمن بن أبي الرجال، عن عمر مولى غفرة قال: كان أهل القدر ينتحلون الحسن بن أبي الحسن، وكان قوله مخالفا لهم، كان يقول: "يا ابن آدم لا ترض أحدا بسخط الله ولا تطيعن أحدا في معصية الله، ولا تحمدن أحدا على فضل الله، ولا تلومن أحدا فيما لم يؤتك الله، إن الله خلق الخلق والخلائق، فمضوا على ما خلقهم عليه، فمن كان يظن أنه مزداد بحرصه في رزقه فليزدد بحرصه في عمره، أو يغير لونه، أو يزيد في أركانه أو بنائه" ((الطبقات الكبرى )) ، لابن سعد  ( 7/175) ، طبعة دار صادر، ودار بيروت 1377هـ 1958م.
هـ- ومعلوم أن المعتزلة أجمعوا على أصولهم الخمسة، والحسن البصري يعتبر القول بالمنزلة بين المنزلتين بدعة تخرج صاحبها عن عقيدة الجماعة، ولذلك اعتزل واصل بن عطاء حلقة الحسن لما خالفه في هذا الأصل، فكيف مع هذا يعتبر الحسن من علمائهم، المنتسبين إليهم انظر، ((موقف المعتزلة من السنة النبوية))  (ص 27). ؟
قد يقال: إن الحسن وافقهم في القدر لا في المنزلة بين المنزلتين، ونقول جوابا لهذا: إن هذا أكبر دليل على أن غرضهم هو التشرف بانتسابه إليهم، وإلا فكيف عدوه منهم ولم يقل بأصولهم كلها؟
والمعتزلة ذكروا مع الحسن غيره، بل وعدوا من الطبقة الأولى من طبقاتهم الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة "وواضح أن إدراج هؤلاء ضمن المعتزلة إنما قصد به بيان أن المعتزلة هي أتقى الفرق وأبرها" ((مذاهب الإسلاميين)) : عبدالرحمن بدوي  (1/40).
و- وقد اشتهر عن بعض المعتزلة القدرية أنهم يكذبون على الحسن البصري، فقد ذكر عبدالله ابن أحمد في كتاب السنة عدة روايات تدل على ذلك، فمن ذلك ما رواه عن حميد قال: قدم الحسن مكة، فقال فقهاء مكة، الحسن بن مسلم وعبدالله بن عبيد: لو كلمت الحسن فأخلانا يوما، فكلمت الحسن فقلت: يا أبا سعيد، إخوانك يحبون أن تجلس لهم يوما، قال: نعم ونعمة عين، فواعدهم يوما فجاؤوا فاجتمعوا، وتكلم الحسن وما رأيته قبل ذلك اليوم ولا بعده أبلغ منه ذلك اليوم، فسألوه عن صحيفة طويلة فلم يخطئ فيها شيئاً إلا في مسألة، فقال له رجل: يا أبا سعيد من خلق الشيطان؟ قال: سبحان الله، سبحان الله، وهل من خالق غير الله، ثم قال: إن الله خلق الشيطان وخلق الشر والخير، فقال رجل منهم: قاتلهم الله يكذبون على الشيخ" ((السنة ))  لعبدالله بن الإمام أحمد(2/126) – الطبعة السلفية – الحجاز – 1349هـ. ، وقد قال حميد لمن نقل عن عمرو بن عبيد حديثا رواه عن الحسن: "لا تأخذ عن هذا فإنه يكذب على الحسن" (( السنة ))  لعبدالله بن الإمام أحمد (2/131 ) – الطبعة السلفية – الحجاز – 1349هـ. ، وروي عبدالله بن أحمد عن حماد بن زيد قال قيل لأيوب: إن عمرا "أي عمرو بن عبيد" روي عن الحسن أنه قال: لا يجلد السكران من النبيذ، قال: كذب. أنا سمعت الحسن يقول يجلد السكران من النبيذ (( السنة ))  لعبدالله بن الإمام أحمد(2/133) – الطبعة السلفية – الحجاز – 1349هـ. فهذه الروايات وغيرها انظر ((السنة))  لعبدالله بن الإمام أحمد (2/131-135)– الطبعة السلفية – الحجاز – 1349هـ. . تدل على أن دعوى أن الحسن البصري – رحمه الله – كان قدريا أو كان يقول بقولهم ليست صحيحة.
بعد هذا نكمل النقاط حول انتشار مذهب المعتزلة.
4- تكونت للمعتزلة مدرستان مشهورتان هما: مدرسة البصرة، ومدرسة بغداد، وهما التياران الرئيسان لمذهب المعتزلة، وكانت تجري بينهما خلافات ومناقشات حادة:
أ- فمن أشهر أتباع مدرسة البصرة:
1- واصل بن عطاء "توفي سنة (131هـ)" وهو مؤسسها.
2- عمرو بن عبيد "ت (143 – أو 144هـ)".
3- معمر بن عباد السلمي "ت (220هـ)".
4- أبو هذيل العلاف "ت (227هـ - وقيل 235هـ)".
5- النظام "ت (231هـ)".
6- الجاحظ "ت (256هـ)".
7- أبو علي الجبائي "ت (303 هـ)".
8- أبو هاشم الجبائي، "ت (321هـ)".
وغيرهم.
ب- ومن أشهر أتباع مدرسة بغداد:
1- بشر بن المعتمر "ت (210هـ)" وهو مؤسسها، وكان قبل ذلك من معتزلة البصرة.
2- أحمد بن أبي دؤاد "ت (240هـ)".
3- أبو الحسين الخياط "ت (290هـ)".
4- أبو القاسم البلخي الكلبي "ت (329هـ )" انظر: ((مذاهب الإسلاميين))  : عبدالرحمن بدوي  (1/44-46  ) – ط الأولى 1971هـ.
ثم جاء متأخرو المعتزلة كعبدالجبار الهمذاني "ت (415هـ)" وغيره، ولا شك أن هاتين المدرستين، ومن جاء بعدهما، كل ذلك كان له دور في نشر مذهب المعتزلة، ومنه قولهم في القدر انظر: (( فجر الإسلام )) :أحمد أمين (  299 ) ، وانظر بالتفصيل عن هاتين المدرستين (( ضحى الإسلام )) : أحمد أمين ( 3/96 ) وما بعدها الطبعة العاشرة.
5- جاءت الدولة الأموية فكان موقف الخلفاء من القدرية والمعتزلة هو موقف المخالف، ولذا كانوا يتسترون بأقوالهم وآرائهم، خاصة أن شيوخهم السابقين كمعبد الجهني، وغيلان الدمشقي، قد قتلوا على يد خلفاء بني أمية انظر: (( ضحى الإسلام ))  ( 3/81 ) ، وانظر مناقشة هشام بن عبدالملك لغيلان الدمشقي في (( تاريخ الطبري ))  ( 7/203 ) ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم – ط دار المعارف بمصر. إلا أن بعض خلفاء بني أمية قال بالقدر كيزيد بن الوليد بن عبدالملك بن مروان "ت (126هـ)" الذي نصر المعتزلة بعد أن نصروه، وكان خروج يزيد بن الوليد بدمشق مع شائعة من المعتزلة وغيرهم على الوليد بن يزيد لما ظهر من فسقه، وشمل الناس من جوره يقول الطبري عن يزيد بن الوليد "وقيل: إنه كان قدريا" ( 7/298 ) ، وانظر (( الكامل )) ( 5/308، 310 )  وانظر (( مروج الذهب ))  ( 3/239  ) – تحقيق محمد محي الدين عبدالحميد – ط الرابعة 1384هـ، أما فسق الوليد بن يزيد فهو مشهور انظر  (( تاريخ الطبري ))  (  7/252 ) ، وما بعدها، و (( الكامل )) لابن الأثير  ( 5/289 ) – ط دار بيروت – دار صادر 1385هـ. ، ولهذا تجد المعتزلة يفضلون يزيد بن الوليد على عمر بن عبدالعزيز – رحمه الله – يقول المسعودي: "والمعتزلة تفضل في الديانة يزيد بن الوليد على عمر بن عبدالعزيز لما ذكرناه من الديانة" (( مروج الذهب ))  ( 3/239 ). ، ولعل عدم ميل المعتزلة لعمر بن عبدالعزيز لأنه سار على منهج السلف الصالح، ولأنه ناقش بعض القدرية، وهم بقتل بعضهم انظر: (( ضحى الإسلام ))  ( 3/82 ).
ويروي بعضهم أن يزيد بن الوليد قد دعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه، "قال الشافعي – رضي الله عنه – : ولي يزيد بن الوليد – وكان قدريا – فدعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه، وبايع لأخيه إبراهيم بن الوليد بالعهد، ومن بعده لعبدالعزيز بن الحجاج بن عبدالملك، حمله على ذلك أصحابه القدرية لمرض أصابه" (( سمط النجوم العوالي)) ، تاليف: عبدالملك بن حسين العصامي المالكي ( 3/222 ) – الطبعة السلفية – القاهرة. ، ويقول الطبري عن الوليد: "وقيل إنه كان قدريا" (( تاريخ الطبري ))  ( 7/298 ) – تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم – الطبعة الثانية – دار المعارف بمصر.
6- ثم جاءت الخلافة العباسية، فكان من خلفائهم من لم يرض عنه المعتزلة كأبي جعفر المنصور انظر (( ضحى الإسلام ))  (3/83 ). ، وهارون الرشيد الذي منع الجدل في الدين، وحبس أهل علم الكلام انظر: (( المنية والأمل ))  ( ص31-32 ). ، والذي كان يكره الاعتزال والمعتزلة انظر: (( ضحى الإسلام ))  ( 3/84 ).
ولما تولى المأمون الخلافة سنة (198هـ)  وكان على مثال أبيه الرشيد أو أشد في محبته العلم، وشغفه بالحكمة والحكماء، وصلته الدائمة بالشعراء والأدباء، بل إن المأمون زاد على أبيه كثيرا في ذلك، فطارت شهرته في العلم والفلسفة، وترجمة الكتب اليونانية إلى العربية، وحظي أحمد بن دؤاد – من كبار المعتزلة – بمكانة كبرى عنده، فلم يلبث ابن أبي دؤاد أن أثر على المأمون حتى أشرب رأي المعتزلة، وقال بقولهم، فكانت محنة القول بخلق القرآن المشهورة التي بدأت سنة (212هـ) انظر كتاب (( دول الإسلام )) ، للذهبي ( 1/130 ) ،  تحقيق. فهيم محمد شلتوت، ومحمد مصطفى إبراهيم، ط عام 1974، الهيئة المصرية العامة للكتاب. ، وذلك حين كتب المأمون إلى ولاته في شتى الأقاليم بأمرهم بإلزام الناس – خاصة العلماء والفقهاء منهم – بالقول بخلق القرآن، وعقاب كل من لم يستجب له، ووقعت مناظرات ومناقشات بين أهل السنة والمعتزلة، وقد ادعى المأمون أن ما يقوله ويلزم الناس به هو الحق، وأن ما عليه أهل السنة باطل لا يدل عليه دليل، وذلك من خلال البيان الذي أرسله إلى ولاته انظر: وثائق الرسائل حول محنة خلق القرآن، في كتاب: ((الوثائق السياسية والإدارية العائدة للعصر العباسي الأول)) : محمد ماهر حمادة (ص325) وما بعدها, الطبعة الأولى 1399هـ- وانظر رسائل المأمون المشهورة  أيضا في (( تاريخ الطبري )) ( 8/631) وما بعدها – ط المعارف بمصر. ، ونفذ الولاة طلب المأمون، فصارت ردود وأسئلة ومناقشات طويلة مع مجموعة من علماء الإسلام انظر صورة من هذه المناقشات في ((تاريخ الطبري)) (7/637). ، منهم أحمد بن حنبل – رحمه الله – الذي امتحن طويلاً فأوذي وعذب وسجن، فوقف في وجوههم، وثبت على قوله ثبات الجبال، وأصر على قول الحق، والرد على المبطلين، فأيده الله، ونصره عليهم.
ولاشك أن تسلط ابن أبي دؤاد كان له دور كبير في ذلك، فالمأمون الذي كان يحترم العلم والعلماء ما كان ليفرض رأيه على الناس بالقوة، وبهذه الصورة، ولكن نفوذ قاضيه القوي كان هو السبب، يقول محمد أبو زهرة: "إن المأمون قد استوزر أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي، وجعله كاتبه، وصاحب السلطان في دولته، وكانت له منزلة في نفسه، حتى أوصى أخاه من بعده أن يجعله في منصبه لا يبعده، والكتب التي كتبت واضحة تماما أنها بلغة أحمد بن أبي دؤاد، ففيها إسهاب وطول، ولم يعرف أن الخلفاء إذا كتبوا بأنفسهم يسهبون ذلك الإسهاب، وترى التعبير فيها عن الخليفة بلغة الغائب، ولم يخطئ مرة ويكتبها بلغة المتكلم" (( أحمد بن حنبل )) ، تأليف: محمد أبو زهرة (ص59-60) ، طبع ونشر دار الفكر العربي، وأود أن أشير إلى أن أبا زهرة قد أيد المعتزلة في قولهم بخلق القرآن – وإن كان قد خطأهم في أسلوبهم وعرض آرائهم بالقوة، انظر  (ص 61-62 ). ، "وإننا إذا علمنا أن المأمون قد رأى ذلك الرأي – وهو خلق القرآن – منذ تولي الخلافة، بل قبلها، وكان يناقش فيه، ويدعو إليه في مجلس مناظراته، من غير أن يكشف عن القلوب، ويمتحن عن العقول، وينزل البلايا، فلماذا تحول ذلك التحول في آخر حياته؟ لماذا نقل المسألة إلى الابتلاء؟ لا شك أن أحمد بن أبي دؤاد كاتب هذه الكتب هو المحرض. إن العاقل يرد عليه سؤال يحيره: لماذا لم يتخذ المأمون ما اتخذ وهو في بغداد، والعلماء جميعا حوله، ولم يدع إلى الامتحان إلا وهو غائب عن بغداد بالكتب يرسلها، ثم يكون ذلك قريبا من موته؟ إنه سلطان أحمد بن أبي دؤاد الكامل" (( أحمد بن حنبل )) ، تأليف: محمد أبو زهرة ( ص59-60 ) ،  طبع ونشر دار الفكر العربي. ، ومع هذا فالمأمون لا تسقط عنه التبعة.
ولم أرد من هذا الاستطراد إلا بيان نفوذ المعتزلة ذلك النفوذ الذي يكاد يوصف بأنه قيام دولة المعتزلة، وابن أبي دؤاد هذا يقول عنه الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – : "ما كان له معرفة بشيء، إنما كان يعول على هؤلاء المعتزلة، أهل البصرة، برغوث وأصحابه، فأما هو فلا صاحب علم، ولا كلام، ولا نظر، وقد قال لي يوما في تلك الأيام، في شيء ذكره، فقلت له مجيبا له: فهل معك في هذا كتاب أو سنة؟، فقال: وأنت لا تقول إلا بما في الكتاب والسنة؟ فقلت له: وهل يقوم الإسلام إلا بالكتاب والسنة، اخترعت رأيا وتأولته تدعو إليه الناس، قال: فأمسك" (( ذكر محنة الإمام أحمد)) ، جمع أبي عبدالله حنبل بن إسحاق بن حنبل (ص51 ) ، دراسة وتحقيق: دكتور محمد نغش، الطبعة الأولى 1397هـ - 1977م.
ومات المأمون، وأوصى قبيل وفاته لأخيه المعتصم قائلا: "وأبو عبدالله بن أبي دؤاد فلا يفارقك، وأشركه في المشورة في كل أمرك، فإنه موضع لذلك منك" ((تاريخ الطبري))  ( 8/849) ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم – الطبعة الثانية 1975م دار المعارف بمصر. وانتقلت الخلافة إلى المعتصم، وأبقى ابن أبي دؤاد في منصبه، واستمرت المحنة على أهل السنة، وهكذا الحال في عهد الواثق، وبقيت للمعتزلة في عهود هؤلاء الدولة والسلطة يعبر الشيخ محمد جمال الدين القاسمي في كتابه "((تاريخ الجهمية والمعتزلة )) " عن هذه الحقبة بعنوان: ظهور دولة الجهمية "المعتزلة" في عهد المأمون ( ص62 ) مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى 1399-1979م.
ثم بعد ذلك أفضت الخلافة إلى المتوكل، "فأمر سنة (234هـ) بترك النظر والمباحثة والجدال، وترك ما عليه الناس في أيام المعتصم والواثق من القول بخلق القرآن... وأمر الشيوخ المحدثين بإظهار السنة والجماعة" (( تاريخ الجهمية والمعتزلة )) : القاسمي (ص69)، وانظر: (( منهاج السنة النبوية لابن تيمية )) (  1/344 ) نشر مكتبة الرياض الحديثة.
7- وفي القرن الرابع الهجري أصبح الصاحب بن عباد وزير الآل بويه – استمرت دولتهم من (320 إلى 447هـ) – فدعا إلى مذهب المعتزلة، يقول البغدادي المتوفى سنة (429هـ) عند ذكره لأبي هاشم الجبائي: "وأكثر معتزلة عصرنا على مذهبه لدعوة ابن عباد وزير آل بويه إليه" (( الفرق بين الفرق )) ( ص184-185 ).
والصاحب بن عباد هذا كان متعصبا للمعتزلة، فكان لا يولي القضاء في دولته الشيعية إلا من كان معروفا بالاعتزال، وعبدالجبار الهمذاني لما بدأ يعرف بأنه إمام المعتزلة في عصره، اتصل به الصاحب واستدعاه إلى الري، وولاه رئاسة القضاء فيها وفي قزوين وغيرهما انظر: (( متشابه القرآن )): عبدالجبار الهمذاني، تحقيق: عدنان زرزور، المقدمة ( ص 9). ، وكان ذلك سببا في انتشار كتب عبدالجبار الهمذاني، وبالتالي انتشار مذهب المعتزلة.
هذه لمحة تبين لنا كيف انتشر مذهب المعتزلة في مختلف العصور بشكل لم يعهد لأي فرقة من الفرق إلا فرقة الشيعة انظر في أسباب انتشار مذهب المعتزلة أيضا مقدمة: (( مقالات الإسلاميين للأشعري ))  بقلم محمد محيي الدين عبدالحميد ( 1/21-23 ) ، الطبعة الثانية 1389هـ - 1969م. القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن المحمود - ص 127

انظر أيضا: