موسوعة الفرق

المبحث الثامن: في بيان موقفهم من النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه، والرد عليهم


....القائلون بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وجدوا أن هذه النصوص (النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه) تتعارض مع نتاج فكرهم وما توصلوا إليه بآرائهم فلم يجدوا بداً من تأويلها وصرفها عن ظاهرها الصريح إلى صنوف من التأويلات، وألوان عجيبة من التحريفات، حتى إن قارئ كتبهم والمطلع عليها ليلمس فيهم عند إيرادهم لنصوص الشرع أنهم إنما أوردوها ليشرعوا في ردها وتأويلها شروع من قصد ذلك أصلاً وابتداء وكيفما اتفق له ذلك الرد أو التأويل.
ولا ريب في فساد هذا المنهج وبطلانه وانحرافه وبعده عن الجادة السوية المرضية، بل إن معظم الفساد العقدي والإنحراف الديني الذي منيت به أكثر الفرق الإسلامية إنما كان بسبب ذلك وثمرة من ثمراته.
وما من شك أن هذا الباب لو فتح  -  أعني باب التأويل  -  لولج كل مبطل بباطله، وادعى أن نصوص الوحي تدل عليه، ثم تأول النصوص لتتفق مع هواه وباطله، وليس هذا مجرد تصور، بل إن هذا هو ما حصل فعلاً من عامة أهل العلم.
قال شيخ الإسلام: "وأما أهل البدع من أهل الكلام والفلسفة ونحوهم فهم لم يثبتوا الحق، بل أصلوا أصولاً تناقض الحق. فلم يكفهم أنهم لم يهتدوا ولم يدلوا على الحق حتى أصلوا أصولاً تناقض الحق، ورأوا أنها تناقض ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدموها على ما جاء به الرسول.
ثم تارة يقولون: الرسول جاء بالتخييل، وتارة يقولون: جاء بالتأويل، وتارة يقولون: جاء بالتجهيل" ((الفتاوى))  (16/440) ، وانظر أيضاً ((الفتاوى)) ( 13/142)  و  (17/361).
فهم لا يقبلون من نصوص الوحي ما خالف آرائهم وأصولهم وقواعدهم، بل ينصرفون إلى رده بأي وجه.
خلافاً لمنهج أهل الحق والسلامة والسنة والجماعة رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين فإنهم كلهم متفقون على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة على كل حال، فكلمتهم واحدة من أولهم إلى آخرهم لم يسوموها تأويلاً، ولم يحرفوها عن موضوعها تبديلاً، ولم يبدوا لشيء منها إبطالاً، ولا ضربوا لها أمثالاً، ولم يدعفوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوا القرآن عضين.
فالواجب لزوم منهج أهل السنة والجماعة، والبعد عن هذه المناهج المنحرفة، وأن يكون الرد في موضع النزاع والخلاف إلى الكتاب والسنة، وأن لا يقدم بين يدي الله ورسوله شيئاً من تلك التأويلات الفاسدة والآراء الباطلة، التي هي في الحقيقة زبالات الأذهان ونخالات الأفكار وعصارات الآراء ووساوس الصدور.
ومما يبين لنا فساد هذا المنهج أن نعلم أن كل فساد وخراب حل بالعالم إنما نشأ بسبب ذلك، بسبب تقديم الرأي على الوحي، والهوى على النقل، وما استحكم هذا الأمر في قلب أحد إلا استحكم هلاكه، ولا في أمة إلا وفسد أمرها أتم فساد انظر  ((لوامع الأنوار البهية))  للسفاريني (1/6).
كل ذلك وغيره يقتضي فساد التأويل الذي هو مطية أهل البدع، والذي هو خلاله يتوصلون إلى تحقيق أهوائهم موهمين الأغمار والبسطاء أنهم يحتكمون إلى الكتاب والسنة، وما أبعدهم عنهما، وفيهم أناس مغرر بهم، غرهم بهرجة التأويل وحسن تزويقه، وهم قريبون إن وقفوا على الحق وصلحت النية، وفيهم آخرون دخلوا فيه عن حسن قصد وصلاح نية ولكن ليس كل من أراد الخير أصابه، والموفق من وفقه الله.
وبعد، فإني ذاكر ما وقفت عليه من تأويلات للقائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص للنصوص المخالفة لقولهم، وهي عندهم تعد أجوبة على ما احتج به أهل السنة والجماعة على قولهم إن الإيمان يزيد وينقص، ثم اتبع ذكر ذلك بما يبين فساد تلك التأويلات، وإن كان فسادها معلوماً من خلال ما ذكر آنفاً في بيان فساد التأويل إجمالاً.
1- فمن أجوبتهم عن الآيات الدالة على زيادة الإيمان إدعاؤهم أنها محمولة على أنهم كانوا آمنوا في الجملة، ثم كانت تأتيهم الفروض فرض بعد فرضاً، فكانوا يؤمنون بكل فرض خاص إلى أن تكاملت الفروض وكمل الدين، فكان الإيمان يزيد بزيادة المؤمن به. ثم لما كمل الشرع فلا مجال بعد ذلك لزيادة الإيمان إذ إن هذا لا يتصور في غير عصره صلى الله عليه وسلم انظر  ((شرح العقائد النسفية))  (ص124) ، و ((النبراس شرح العقائد))  ( ص403) ، ((إتحاف السادة المتقين))  (2/261) ،  ((تحفة القاري))  ( ص47).
والجواب عن هذا أن يقال:
لا ريب في أن الإيمان الذي أوجبه الله على عباده وأمرهم به كان يزيد شيئا فشيئاً كما أن القرآن الكريم كان يزيد شيئاً فشيئاً إلى أن أتم الله الدين وأكمله وأنزل في بيان ذلك قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: 3]
والإكمال الذي نص عليه في الآية عائد إلى الإيمان الذي هو أمر الرب سبحانه وتعالى حيث إنه سبحانه أمر عباده بالتوحيد ثم الصلاة ثم الصيام ثم الحج، فلم يكن سبحانه قد أنزل تشريعه على عباده جملة واحدة، وإنما أنزله عليهم شيئاً فشيئاً حتى تكامل التشريع.
وليس عائداً على أفعال المكلفين وقيامهم به إذ إن الآية ليس المراد بها أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر الأمة وأنه فعل ذلك وقام به، وإنما المراد أن الله أكمل التشريع، فالإكمال المشار إليه في الآية عائد إلى المؤمن به.
ولا يلزم من كمال الدين وتمامه من جهة المؤمن به أن يكون الناس متساوين فيما أمروا به من الإيمان، كما فهمه هؤلاء، فإن هذا من أصول غلطهم، فإنهم ظنوا أن الإيمان شيء واحد، وأنه يستوي فيه جميع المكلفين.
وغلطهم في هذا ظاهر، لأن الإيمان الذي أوجبه الله على عباده يتنوع ويتفاضل، وهم يتباينون فيه تبايناً عظيماً، فيجب على الملائكة من الإيمان ما لا يجب على البشر. ويجب على الأنبياء من الإيمان ما لا يجب على غيرهم، ويجب على العلماء من الإيمان ما لا يجب على غيرهم، ويجب على الأمراء ما لا يجب على غيرهم، وليس المراد أنه يجب عليهم من العمل فقط، بل ومن التصديق والإقرار فإن الناس وإن كان يجب عليهم الإقرار المجمل بكل ما جاء به الرسول فأكثرهم لا يعرفون تفصيل كل ما أخبر به، وما لم يعلموه كيف يؤمرون بالإقرار به مفصلاً، وما لم يؤمر به العبد من الأعمال لا يجب عليه معرفته ومعرفة الأمر به، فمن أمر بحج وجب عليه معرفة ما أمر به من أعمال الحج والإيمان بها، فيجب عليه من الإيمان والعمل ما لا يجب على غيره، وكذلك من أمر بالزكاة يجب عليه معرفة ما أمر الله به من الزكاة ومن الإيمان بذلك والعمل به ما لا يجب على غيره، فجيب عليه من العمل والإيمان ما لا يجب على غيره إذا جعل العلم والعمل ليسا من الإيمان، وإن جعل جميع ذلك داخلاً في مسمى الإيمان كان أبلغ فبكل حال قد وجب عليه من الإيمان ما لا يجب على غيره انظر ((الفتاوى)) (13/ 52، 53).
فكيف يقال بعد هذا إن زيادة الإيمان غير متصورة ولا مجال لها بعد عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فه الإيمان المأمور به من وجب عليه الحج لوجود الاستطاعة كالإيمان المأمور به من لم يجب عليه الحج لعدم وجودها؟ وهل الإيمان المأمور به من وجبت عليه الزكاة لاكتمال النصاب، كالإيمان المأمور به من لم يكن عنده مال يبلغ النصاب؟ وهل الإيمان الواجب على من علم بتفاصيل الشريعة ودقائق مسائلها كإيمان من لم يبلغه من الأمر والنهي إلا الشيء اليسير؟ وهل إيمان من آمن بالرسول باطناً وظاهراً ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين كإيمان من عرف الشرائع بتفاصيلها فآمن بها وعمل بها؟
لذا يقول شيخ الإسلام: "فلا يمكن المنازعة أن الإيمان الذي أوجبه الله يتباين  فيه أحوال الناس، ويتفاضلون في إيمانهم ودينهم بحسب ذلك" ((الفتاوى))  (13/54).
ولهذا فإن قولهم إن الزيادة غير ممكنة بعد اكتمال الشرع وغير متصورة بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم متعقب بما تقدم، بل إن الفرهاري شارح العقائد مع أنه من القائلين بعدم زيادة الإيمان ونقصانه قد تعقب هذا القول ونبه على غلطه، حيث قال بعد أن حكاه:
"وفيه نظر لأن الإطلاع على تفاصيل الفرائض ممكن في غير عصر النبي صلى الله عليه وسلم فإن أحدنا لا يطلع على جميع الفرائض دفعة بل يطلع على بعضها فيؤمن به ثم على بعض آخر فيؤمن به، والإيمان يجب إجمالاً وتفصيلاً فيما علم تفصيلاً" ((النبراس شرح العقائد))  (ص403)  وانظر  ((إرشاد الساري))  للقسطلاني (ص122)  ضمن  ((مجموع شروح البخاري)).
2- ومن أجوبتهم قولهم: إن الإيمان له معنيان:
أحدهما: تصديق الجنان بما لابد من تصديقه وهو قوله صلى الله عليه وسلم في جواب جبريل: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته..." الحديث فمن أتى بهذا التصديق صدقاً من قلبه حرمه الله تعالى عن النار الشديدة المؤبدة التي أعدها للكافرين وإن زني وإن سرق وغن وإن أي: إن عمل الكبائر.
والمعنى الثاني: السكينة والطمأنينة التي تحصل للمقربين وهو قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: 4]، وقوله تعالى: أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [ البقرة: 260] وقوله تعالى: لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الحديد: 9]
وخلاصة هذا: أن الإيمان قد يطلق على ما هو الأساس في النجاة وقد يطلق على الكامل المنجي بلا خلاف، فمن قال: لا يزيد ولا ينقص فمراده القدر الذي هو الأصل في النجاة، ومن قال يزيد وينقص أراد به الكامل انظر ((تحفة القاري))  (ص44، 46) ، و ((إتحاف السادة المتقين))  (2/261) ، و ((النبراس شرح العقائد))  ( ص404).
قلت: لقد سأل رجل الحسن البصري رحمه الله عن الإيمان فقال: "الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قول الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: 2] فوالله ما أدري أنا منهم أم لا" رواه البيهقي في ((الاعتقاد))  ( ص120) ، وفي  ((الشعب))  ( 1/218).
فبين رحمه الله أن للإيمان إطلاقين: أحدهما: أصل الإيمان الذي لا نجاة إلا بتحقيقه، والثاني كمال الإيمان الذي يحصل به النجاة المطلقة من نار جنهم والفوز بالدرجات العالية في الجنة.
فتقسيم الإيمان على هذا النحو واضح لا إشكال فيه، لكن لا يلزم منه أن يكون القسم الأول منه غير قابل للزيادة والنقصان؛ لأنه لا ريب عند أهل العلم بالكتاب والسنة أن الناس يتفاوتون في تصديقهم بالله وملائكته وكتبه ورسوله وفي غير ذلك من أمور الإيمان بحسب قوة الأدلة وضعفها وقوة التصديق وضعفه، فليس تصديق النبي صلى الله عليه وسلم بالله وملائكته وكتبه ورسله كتصديق آحاد الأمة، وليس تصديق الملائكة بذلك كتصديق آحاد الناس، بل بينهم من الفرق ما الله به عليم.
ثم إن قيل إن أصل الإيمان الذي لا يتحقق الإيمان إلا به لا يقبل النقص، فما وجه عدم قبوله الزيادة، وكيف يكون قد بلغ الكامل المنجي إلا لكونه زاد، وبهذا يعلم تناقض قول هؤلاء.
ومما يبين تناقضه أيضاً وصفهم للإيمان بالكامل إذ كيف يوصف بالكامل ما لا يقبل الزيادة ولا النقص، ولهذا تحرج بعضهم من إطلاق هذه العبارة لما تتضمنه من دلالة على قول الإيمان للزيادة والنقصان.
يقول الزبيدي في الإتحاف بعد أن حكى القول المتقدم: "قلت: وهو حسن، ولكن ما أعجبني تسمية القسم الأخير بالكامل، فإنه يستدعي أن يكون مقابله ناقصاً، وهو وإن كان صحيحاً في نفس الأمر لكن التعبير غير حسن، والأولى أن يعبر عنه بالإيمان الشرعي" ((إتحاف السادة المتقين))  ( 2/261).
فانظر لشدة التحرج من هذه الأسماء الشرعية "كمال الإيمان"، "نقصان الإيمان" "زيادة الإيمان وأعجب لذلك. فلم يعجبه تسمية الإيمان التام الكامل بـ"الكامل" لمناقضته لأصولهم، وإن كان صحيحاً في نفس الأمر، والله المستعان.
3- ومنها تأويلهم للنصوص الواردة في الزيادة بأن المراد بها الثبات والدوام على الإيمان، أي أنه يزيد بزيادة الأزمان؛ لأن التصديق عرض، والأعراض لا تبقى إلا بتجدد الأمثال.
وحاصل الجواب أنه ليس المراد بالزيادة في الآيات زيادة حقيقة التصديق في نفسه بل زيادة أعداده، وهذا بالاستمرار عليه وعدم الذهول عنه، فإن الاستمرار على التصديق يوجب تجدد الأمثال وحصول أعداد كثيرة من التصديق في كل وقت انظر ((شرح العقائد النسفية))  للتفتازاني (ص125) ، و ((الإرشاد))  للجويني (ص336) ، و ((المسامرة شرح المسايرة))  (ص373) ، و ((البداية من الكفاية))  (ص155).
قلت: قولهم هذا مبني على أن التصديق عرض من الأعراض، والأعراض عندهم لا تقبل الزيادة والنقصان وإنما الذي يقبل الزيادة والنقصان الأجسام دون الأعراض انظر ((الإيمان))  لأبي يعلى (ص399).
والكلام على هذا يكون بعد معرفة حقيقة العرض ما هو:
فالعرض: هو الموجود الذي يحتاج في وجوده على موضع أي محل يقوم به كاللون المحتاج إلى جسم يحله ويقوم هو به انظر  ((التعريفات))  للجرجاني (ص148) .
بهذا عرفوا العرض، فالسواد والبياض وغيرهما من الألوان، والحركة والسكون وغيرهما أعراض لأنها تحتاج في وجودها إلى موضع تقوم به.
ولا ريب أن هذه تقبل الزيادة والنقصان، ومن ذا الذي يستريب في أن هناك سواداً أشد من سواد وحركة أقوى من حركة وسكوناً أهدى من سكون، فقبول هذه الأمور الزيادة والنقصان أمر لا ريب فيه، فإذا كان ذلك كذلك، فالإيمان كذلك يقبل الزيادة والنقصان كسائر الأعراض لا فرق.
قال شيخ الإسلام: "إن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت كما يتفاضل سائر صفات الحي من القدرة والإرادة، والسمع والبصر والكلام، بل سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك.... فما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته وحركاته بل وغير صفات الحي إلا وهي تقبل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره البشر" ((الفتاوى)) (7/564، 565).
أما حملهم النصوص الواردة في الزيادة على الثبات والدوام على الإيمان فتأويل باطل؛ لأن "حقيقة الزيادة لا يعقل منها الثبوت على الشيء، وإنما يعقل منها الزيادة في ذاته" ((الإيمان))  لأبي يعلى (ص403).
فالآيات الواردة المنصوص فيها على زيادة الإيمان المراد بها زيادة الإيمان نفسه علماً واعتقاداً وعملاً، كما في قوله تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة: 124]
أي زادتهم تصديقاً وإقراراً بما فيها ثم عملاً بذلك التصديق.
قال ابن جرير: "فإن قيل: فكيف زادتهم السورة تصديقاً وإقراراً قيل: زادتهم إيماناً حين نزلت؛ لأنهم قبل أن تنزل السورة لم يكن لزمهم فرض الإقرار بها، والعمل بها بعينها إلا في جملة إيمانهم بأن كل ما جاء به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند الله فحق، فلما أنزل الله السورة لزمهم فرض الإقرار بأنها بعينها من عند الله، ووجب عليهم فرض الإيمان بما فيها من أحكام الله وحدوده وفرائضه، فكان ذلك هو الزيادة التي زادهم نزول السورة حين نزلت من الإيمان والتصديق بها، وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل..." ((تفسير ابن جرير))  (7/72).
.....ثم أيضاً قول هؤلاء إن المراد بالزيادة في الإيمان هو الثبات والدوام عليه، يلزم منه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما يفضل غيره بدوام إيمانه وثباته لا غير، وقد قالوا بهذا القول والتزموا هذا اللازم الفاسد.
قال شيخ الإسلام بعد أن أشار إلى قولهم هذا: "فهذا هو الذي يفضل به النبي صلى الله عليه وسلم غيره في الإيمان عندهم، ومعلوم أن هذا في غاية الفساد من وجوه كثيرة كما قد بسط في مواضع أخرى" ((الفتاوى)) (7/153).
4- ومنها حملهم للنصوص الواردة في زيادة الإيمان بأن المراد بها زيادة إشراق نوره في القلب وزيادة ثمراته انظر ((المسامرة شرح المسايرة))  (ص373) ، و ((شرح العقائد النسفية))  للتفتازاني (ص125) ، و ((إتحاف السادة المتقين))  (2/260) ، و ((النبراس شرح العقائد))  (ص404) ، و ((السواد الأعظم))  ( ص38) ، و ((البداية من الكفاية))  (ص155).
قلت: وهذا التأويل من جنس الذي قبله، مفاده صرف النص عن ظاهره الصريح إلى تأويلات بعيدة غير مرادة منه.
وإلا فمن المعلوم أن ثمرات الإيمان أمر خارج عن الإيمان، ولا يقول عاقل إن الجزاء على فعل الطاعة والإثابة عليها هو الطاعة نفسها، بل كان عاقل يعلم أن الثواب على الطاعة غير الطاعة، بل أمر خارج عنها.
ولهذا أجاب القاضي أبو يعلى عن الشبهة بقوله: "وثواب الإيمان ليس بإيمان" ((الإيمان))  لأبي يعلى (ص407).
وقال أيضاً: "والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية نفسه وثوابه، خلافاً للمعتزلة في قولهم لا يزيد ولا ينقص لا ثوابه ولا نفسه، وخلافاً للأشعرية في قولهم يزيد وينقص ثوابه لا نفسه، والدلالة على ما ذكرنا قوله تعالى وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وقوله تعالى وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وقوله تعالى لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: 31]..." ((المعتمد في أصول الدين))  لأبي يعلى (ص189، 190).
وتأويلهم هذا، والتأويل الذي قبله هو من جنس تأويلهم لنصوص الصفات سواء بسواء، فالباب في الجميع واحد، وهو صرف النصوص عن ظواهرها المرادة إلى معاني بعيدة غير مرادة من النصوص.
وقد بين أهل العلم فساد منهج التأويل وقبحه  وضرره على الدين، حتى قال ابن القيم رحمه الله في كتابه الصواعق المرسلة: "والدين إذا أحيل على تأويلات المتأولين انتفضت عراه كلها، ولا تشاء طائفة من طوائف أهل الضلال أن تتأول النصوص على مذاهبها إلا وجدت السبيل إليه" ((الصواعق المرسلة))  ( 1/156). ، وكفى بذلك بياناً لقبح التأويل، ثم إنه رحمه الله قد استوفى الرد على أهل التأويل وبين فساد منهجهم هذا، في كتابه المذكور آنفاً ولا سيما في المجلد الأول منه.
5- ومنها قولهم إن النقصان والزيادة يرجع إلى أحد أمرين: إما أن يكون ذلك راجعاً إلى القول والعمل، دون التصديق؛ لأن ذلك يتصور فيهما مع بقاء الإيمان فأما التصديق فمتى انخرام منه أدنى شيء بطل الإيمان...
والأمر الثاني: في جواز إطلاق الزيادة والنقصان على الإيمان، يتصور أيضاً أن يكون من حيث الحكم لا من حيث الصورة، فيكون ذلك أيضاً في الجميع من التصديق والإقرار والعمل، ويكون المراد بذلك في الزيادة والنقصان راجعاً إلى الجزاء والثواب والمدح والثناء، دون نقص وزيادة في التصديق من حيث الصورة ((الإنصاف))  للباقلاني (ص87، 88)) ، ونقله عنه الكاندهلوي في ((تحفة القاري))  ( ص47).
والجواب عن هذين الأمرين أن يقال: عن الأمر الأول وهو جعلهم الزيادة والنقصان راجعين إلى العمل والقول دون التصديق أن هذا تحكم في النص بلا دليل سوى تصور خاطئ وهو ظنهم أن التصديق متى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان، وقد سبق الجواب عن هذا بما يشفي ويكفي وذلك بالنقل عن أهل العلم المحققين في أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان دون أن يكون قبوله للنقصان يقتضي شكاً أو كفراً كما فهمه هؤلاء، بل إنه يكون تصديقاً دون تصديق وهذا أمر يحسه كل أحد من نفسه فإن تصديق المرء ببعض الأمور يختلف من وقت لآخر قوة وضعفاً بحسب قوة الأدلة والبراهين، فكيف يقال بعد ذلك إن التصديق متى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان؟
أما الجواب عن الأمر الثاني وهو حملهم معنى الزيادة والنقصان على أن ذلك إنما يكون من حيث الحكم لا من حيث الصورة أي أنه يرجع إلى الجزاء والثواب والمدح والثناء. فيقال هذا عين التأويل المتقدم في الشبه التي قبل هذه والجواب المتقدم هناك جواب على هذا.
6- ومنها: قول بعضهم الإيمان الشرعي معاهدة التزام الطاعة وعقد على التسليم والانقياد ظاهراً وباطناً، وهو أمر واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يقبل الزيادة والنقصان، ولكن هذا العهد والعقد ينسحب على العقائد والأخلاق والأعمال كلها فالعقد والأخلاق والأعمال كلها فالعقد واحد والمعقود عليه متعدد فإن أتى بجميع ما التزمه وعقد عليه فعقده وعهده تام وكامل، وإلا فناقص، ومثاله النكاح فإنه عقد على التزام موجب الزوجية، وهو أمر بسيط لكنه يتضمن بجميع حقوق الزوجية، فالنكاح لا يزيد ولا ينقص، وإنما الزيادة والنقصان في وفاء حقوقه، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ [الرعد: 25] ، وقوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ [المائدة: 1] ، فكذلك الإيمان عهد واحد وميثاق بسيط لا زيادة فيه ولا نقصان، وإنما الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق ((تحفة القاري))  ( ص46، 47).
قلت: وهذا الكلام مشتمل على تكلف زائد جهد قائله في إبطال دلالة النصوص على زيادة الإيمان ونقصانه حسبما فهمها السلف، وحملها على هذا المعنى المتوعر الذي لم يفقه قبله غيره.
وكلامه مشتمل على أمور باطلة ودعاوى غير صحيحة أوضحها قوله عن الإيمان أنه أمر واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتقبل الزيادة والنقصان. ومعنى لا يتجزأ أي ليس له أجزاء، ويبطل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة)) الحديث.
ومعنى لا يتبعض أي ليس له أبعاض فإذا ذهب بعضه ذهب كله، ويبطل هذا قوله صلى الله عليه وسلم ((يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان)) رواه الترمذي (2593), من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, وقال حديث حسن صحيح, وصححه الألباني, وقال في ((السلسلة)) (2450): صحيح على شرط الشيخين. الحديث.....
وكذلك قوله: "... فكذلك الإيمان عهد واحد وميثاق بسيط لا زيادة فيه ولا نقصان".
فإن المراد بالبسيط عندهم ضد المركب وهو ما لا أجزاء له ((التعريفات))  للجرجاني (ص45). ، وقد سبق التنبيه على ما في وصف الإيمان بأنه ليس له أجزاء من غلط وما فيه من مخالفة للأحاديث الصريحة الدالة على أن الإيمان له شعب وأجزاء يزيد الإيمان بزيادتها وينقص بنقصها.
وقائل هذا الكلام بني قوله بعدم زيادة الإيمان ونقصانه على مقدمة فاسدة وهي: وصف الإيمان بأنه بسيط أي غير مركب، فإذا علم فساد هذه المقدمة يعلم فساد نتيجتها.
وكذلك قوله في ختام كلامه: "وإنما الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق".
فإن الأمور المنطوية تحت ميثاق الإيمان وهي الأعمال الصالحة بأنواعها كلها داخلة في مسمى الإيمان بدلالة نصوص الكتاب والسنة على ذلك والإيمان يزيد بزيادتها وينقص بنقصها كما في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: 2-4]
فجعل الله سبحانه الصلاة والزكاة والتوكل من أعمال الإيمان الداخلة في مسماه، فإذا قام المسلم بتحقيقها والقيام بها على أكمل وجه زاد إيماناً، وارتقى إلى أن يصبح إيماناً حقاً.
فإذا تبين هذا يعلم أن في قوله: إن الزيادة والنقصان في الأمور المنطوية تحت هذا الميثاق يعد رداً على قوله إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأمور المنطوية تحت الإيمان إيمان بدلالة الكتاب والسنة، وقد ذكر أنها تزيد وتنقص، وبالله التوفيق.
وهذا آخر ما يتعلق بالفصل الثالث، وقد كان الحديث فيه عمن قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وذكر شبههم ومواقفهم من نصوص الشرع المخالفة لقولهم مع الرد عليهم في ذلك.
والذي أريد أن أقوله هنا: هو أن هذه الأفكار الباطلة، والأقوال الخاطئة، والتي منها الإرجاء وعدم القول بزيادة الإيمان ونقصانه لا تزال موروثة إلى يومنا هذا، فالأمر كما قيل: لكل قوم وارث، ولكل أرض حارث.
فليس الأمر كما يزعمه بعض الناس أنها أفكار ماتت بموت أهلها، وانقرضت بانقراضهم، ثم يجعل ذلك مدخلاً له ليتعرض على البحث فيها، وفي تخطئة من قال بها.
فالأمر ليس كما يزعمه هذا الزعم، والمهون بقوله هذا من شأن العقيدة ونشرها، والدفاع عنها، وتنقيتها من الأفكار الدخيلة، فإنه يوجد من المعاصرين من يقول بتلك الأقوال، ويدافع عنها، وينتصر لها، ويسعى على قدم وساق في بثها ونشرها في الأمة.
ولعلي أشير هنا إشارة سريعة إلى بعض من تأثر بهذه الأقوال من أهل عصرنا وانتصر لها، مع التنبيه على من رد عليهم إن وجد.
1- فمن هؤلاء محمد أنور الكشميري الديوبندي المتوفى سنة 1352هـ، صاحب كتاب (فيض الباري على صحيح البخاري)، وليت (صحيح البخاري) سلم من فيض هذا الكشميري، فقد شحن كتابه بالمغالطات المكشوفة، والإفتراءات الواضحة، والتأويلات البغيضة، والسباب لبعض أهل العلم، كل ذلك بعبارات مفككة، وأسلوب غث ضعيف.
ومن مفضوح أكاذيبه وأوضح مغالطاته قوله عن الإمام المصلح، والداعية المجدد الشيخ محمد عبدالوهاب رحمه الله تعالى: "أما محمد بن عبدالوهاب النجدي فإنه كان رجلاً بليداً قليل العلم فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر، ولا ينبغي أن يقتحم في هذا الوادي إلا من يكون متيقظاً متقناً عارفاً بوجوه الكفر وأسبابه" ((فيض الباري))  ( 1/170، 171).
قلت: ولا يقول هذا من يدري ما يقول، بل لا يقوله إلا حانق حاقد مريض القلب بالهوى.
أما من عرف الشيخ وخبر سيرته وطالع مؤلفاته وتجنب الأهواء المضلة والدعايات الكاذبة لا يجد إلا سيرة عالم فذ، وإمام مجدد، ومصلح غيور، ولا تزال دعوته تؤتي أكلها  -  وإن رغمت أنوف  -  بحمد الله تعالى.
وقول الكشميري عن الشيخ إنه يتسارع في التكفير كذب على الشيخ افتراء عليه تبرأ منه الشيخ نفسه، قال رحمه الله: "وأما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة. فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله" (مجموع المؤلفات)  ( 5/25).
ويقول حفيده الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن: "والشيخ محمد رحمه الله من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى إنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها" ((منهاج التأسيس والتقديس))  (ص98، 99).
وقد أطال الكشميري في كتابه المتقدم الكلام على مسألة الإيمان على طريقة المرجئة، وقد قام بنقده والرد عليه الشيخ محمد أمين المصري في كتابه من هدي سورة الأنفال أنظره من (ص104)  وما بعدها. ، والشيخ ابن عبدالحق النورفوري في كتابه إرشاد القارئ في الرد على كتاب فيض الباري، والكتاب لا يزال مخطوطاً، وهو مشتمل على ردود جيدة وتتبعات دقيقة، إلا أن مؤلفة لم يكمله بعد يسر الله له إكماله وطبعه.
2- ومنهم جهمي هذا العصر وحامل لواء التعطيل فيه محمد زاهد الكوثري المتوفى سنة 1371هـ في كتابه تأنيب الخطيب وفي غيره من كتبه، وأكاذيب هذا الرجل لم تعد تخفى على أحد، وسوآته الفكرية تمتلئ بها كتب السنة التي قام بإخراجها وتحقيقها.
وقد شفى وكفى في الرد عليه وبيان كذبه ومغالطاته الشيخ العلامة ذهبي هذا العصر عبدالرحمن المعلمي في كتابه الفذ "التنكيل بما في كتاب الكوثري من الأباطيل" أنظر رد المعلمي عليه فيما يتعلق بمسألة الإيمان في ((التنكيل))  ( 2/362) وما بعدها.
3- ومنهم مريد الكوثري والمتهالك في حبه عبدالفتاح أبو غدة، ودور هذا المريد ظاهر في حرثه لأفكار شيخه والإشادة بها، ووصف كلام شيخه بأنه تحقيق متين، وإطارئه دائماً بالعلامة والمحقق والإمام وغير ذلك.
ولنشر هنا إلى بعض كلام أبي غدة فيما يتعلق بمسألة زيادة الإيمان ونقصانه ورأيه فيه.
فقد نقل كعادته كلام شيخه محتفياً به رغم ما في كلام شيخه من ثلب للسلف بعامة، ولإمام المحدثين وأمير المؤمنين في الحديث أبي عبدالله البخاري بخاصة.
واسمع ماذا نقل عن شيخه في الطعن بالإمام البخاري رحمه الله.
قال  -  أي الكوثري -: "ومن الغريب أن بعض من يعدونه من أمراء المؤمنين في الحديث يتبجح قائلا: إني لم أخرج في كتابي عمن لا يرى أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص مع أنه أخرج عن غلاة الخوارج ونحوهم في كتابه وهو يدري أن الحديث القائل بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص غير ثابت عن النقاد، ولا التفات على المتساهلين ممن لا يفرقون بين الشمال واليمين...".
ومن شدة احتفاء هذا المريد بكلام شيخه المتقدم، رغم ما فيه من إساءات ومغالطات، فقد نقله في موضعين من مؤلفاته انظر هامش ((الرفع والتكميل))  للكنوي (ص30)  وهامش ((قواعد في علوم الحديث))  للتهانوي (ص237)  كلاهما بتحقيق أبي غدة. ثم وصفه بأنه بيان شافي!!
قلت: ولننبه على بعض ما في هذا البيان الشافي من مغالطات:
أولاً: في وصفه للإمام البخاري بأنه "يعدونه من أمراء المؤمنين في الحديث" إشارة إلى أنه ليس معدوداً عندهم كذلك ولا يقول هذا إلا مكابر ممرض، والبخاري رحمه الله أمير المؤمنين في الحديث وإمامهم رغم بغض شانئيه، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم.
ثانياً: وصفه للبخاري رحمه الله بأنه "يتبجح" وقد جاء في تهذيب اللغة للأزهري في مادة "بجح" عن الليث وغيره: فلان يتبجح بفلان ويتمجح إذا كان يهذي به إعجاباً ((تهذيب اللغة))  ( 4/164).
قلت: فاختيار هذه الكلمة دون غيرها في وصف أمير المؤمنين في الحديث وقدوة الموحدين والمقدم على أضرابه وأقرانه يدل على قلة ورع قائله وسوء أدبه وبذائه أسلوبه وسلاطة لسانه مع العلماء وخاصة مع الأكابر منهم، وليس هذا بغريب من الكوثري فله قصب سبق في هذا المضمار، بل هو فارس هذا الميدان وحامل لوائه، وسبابه وشتائمه لأئمة الدين وهداة الإسلام لا تحصى إلا بكلفه، ومن ألقى نظرة عاجلة في بعض مؤلفاته أو تعليقاته علم ذلك.
ثالثاً: اعتراضه على البخاري في قوله بأنه لم يخرج من صحيحه عمن يرى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، مع أنه أخرج فيه عن غلاة الخوارج ونحوهم.
قلت: روى قول البخاري المتقدم عنه وراقه محمد بن أبي حاتم قال سمعته  -  أي البخاري  -  يقول دخلت بلخ، فسألوني أن أملي عليهم لكل من كتبت عنه حديثاً، فأمليت ألف حديث لألف رجل ممن كتبت عنهم.
قال: وسمعته قبل موته بشهر يقول: كتبت عن ألف وثمانين رجلاً ليس فيهم غلا صاحب حديث، كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص ((سير أعلام النبلاء)) (12/395).
قلت: وهذا الذي سماه الكوثري: "تبجحاً" يعد في معيار العدل والإنصاف ميزة ومنقبة لكتاب البخاري الصحيح؛ لأن عدم الرواية عن مثل هؤلاء وإن كانوا حفاظاً فيه إخماد لبدعتهم وإطفاء لنارها.
قال بن دقيق العيد: "إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه إخماداً لبدعته وإطفاءاً لناره، وغن لم يوافقه أحد ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب واشتهاره بالتدين وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء ناره" ((التنكيل))  ( 1/49).
إذن فماذا يضير البخاري رحمه الله إن ترك الرواية عن مثل هؤلاء وتمدح بفعله هذا ليكون في عمله هذا إخماداً لهذه البدعة وعدم نشر لها ولا سيما وأن تخرج البخاري لأي راو في صحيحه مقتض لعدالته عنده، فإن ترك البخاري رحمه الله الرواية عن مثل هؤلاء  -  على بحث عند أهل العلم في جواز الرواية عنهم أو عدم جوازها  -  سائغ لتيسر الرواية عنده عن غيرهم ممن شاركوهم في الرواية لتلك الأحاديث، وفارقوهم في عدم الابتداع، ولما في عمله هذا من مصلحة إخماد البدعة وعدم تقديم أهلها وإبرازهم.
ولأمر آخر وهو أن أهل البدع كما سماهم السلف: "أصحاب أهواء" وأتباعهم لأهوائهم في الجملة ظاهر، فلربما يكذب ويتجرأ على الكذب لينتصر لهواه  -  كما سبق أن مر معنا عن بعض هؤلاء  -  ولهذا المعنى قال علي بن حرب الموصلي: "كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي" قال المعلمي معلقاً عليه "يريد والله أعلم أنهم مظنه ذلك فيحترس من أحدهم حتى يتبين براءته" ((التنكيل))  (1/44).
وأمر آخر أيضاً وهو أن البخاري رحمه الله لم يخرج في صحيحه عمن كان داعية إلى بدعته، وإنما خرج عمن كان مستتراً بها غير مظهر لها، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولهذا لم يخرج أهل الصحيح لمن كان داعية، ولكن رووا هم وسائر أهل العلم عن كثير ممن كان يرى في الباطن رأي القدرية والمرجئة والخوارج والشيعة" ((الفتاوى)) (7/368).
فترك البخاري الرواية عن أهل هذه البدعة لمثل هذه الأسباب المتقدمة يعد منقبة لصحيحه رحمه الله، وميزة له، وحق له أن يذكرها وإن كان في ذكره لها يقصد التأكيد على الحذر من أهل هذه الأهواء ومجانبتهم وعدم التلقي عنهم ليسلم للمرء دينه ومعتقده، فرحم الله البخاري على شدة تحريه وقوة حرصه على سلامة التوحيد والسنة، ولكن هذا كله يعد في ميزان الغوغانية مذمة له والله المستعان.
رابعاً: قوله: "وهو يدري أن الحديث القائل بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص غير ثابت عند النقاد، ولا التفات إلى المتساهلين ممن لا يفرقون بين الشمال واليمين...".
قلت: وصنيع الكوثر هنا خداع عجيب ومكر مفضوح فهو يوهم القارئ أن البخاري رحمه الله إنما اعتمد بقوله في زيادة الإيمان ونقصانه على هذا الحديث الضعيف الذي لا يثبت عند نقاد الحديث لكن البخاري  -  كما يرى هذا الزاعم  -  احتج به على قوله بل ولم يجد له حجة على قوله غيره.
فيقال لهذا الكوثري المخادع: إنما أنت مفتر، فقد قرأت أدلة البخاري في كتابه الصحيح على هذه المسألة، نصوص بينة من كتاب الله، وأحاديث نيرة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ساقها رحمه الله مستدلاً بها على زيادة الإيمان ونقصانه قال رحمه الله:
باب زيادة الإيمان ونقصانه، وقول الله تعالى وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: 13] وقال: وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: 31] وقال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3] فإذا ترك شيئاً من الكمال فهو ناقص.
ثم ساق بسنده حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير  -  الحديث)) رواه الترمذي (2593), من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, وقال حديث حسن صحيح, وصححه الألباني, وقال في ((السلسلة)) (2450): صحيح على شرط الشيخين.   ثم أشار إلى لفظة أخرى للحديث فيها "من إيمان" مكان "من خير".
فهل البخاري رحمه الله احتج على قوله بأن الإيمان يزيد وينقص بذلك الحديث كما يزعمه الكوثري، أو أنه استدل على قوله بهذه الآيات البينات والحديث الواضح.
أقول: لا شك أن الكوثري كان يعلم بماذا احتج البخاري على مذهبه، وبماذا استدل على قوله، ولكن من دأب على المكر والتدليس والتلبيس على الأغمار من شانه أن يتجاهل تلك الاستدلالات، ويتغافل ويتعامى عنها، لينفذ بعد ذلك إلى ما يريد.
وعلى كل فهذه التلبيسات المفضوحة والمغالطات المكشوفة سماها مريده أبو غدة بياناً شافياً، والأمر في الحقيقة لا يعدو كونه حباً مفرطاً في الشيخ وتعلقاً بأقواله وتعظيماً لها، لا أقل ولا أكثر، رغم أن تلك الأقوال لا تحمل علماً يذكر، فضلاً عما فيها من مغالطات وأكاذيب.
4- ومنهم الشيخ حسن أيوب وذلك في كتابه "تبسيط العقائد الإسلامية" فقد سلك فيه طريقة المرجئة في مسائل الإيمان، بالإضافة إلى ما فيه من انحرافات عقدية أخرى.
وقد كتب الشيخ أبو تراب الظاهري في الرد عليه مقالاً نشر في جريدة المدينة ((جريدة المدينة))  ( عدد 6197 الخميس 13/5/1404هـ). بعنوان: "التحذير مما كتب الشيخ حسن أيوب في تبسيط العقائد الإسلامية".
ذكر في أوله أنه اطلع على هذا الكتاب الذي شاع وانتشر بين الناس ثم قال: "فراعني فيه أشياء تمس العقيدة الصحيحة فتنحرف بها عن جادة الصواب والحق، وأشفقت أن يعتنقها الشباب في هذا العصر غضبة عقولهم فترسخ في أذهانهم فيتنكبوا السبيل الأقوم فبادرت إلى كتابه هذا الرد على ما كتبه الشيخ حسن أيوب ليتنبه له قراؤه ويلتزموا المسلك الصحيح وأول المآخذ على كتابه المذكور: أنه قرر مذهب المرجئة والجهمية في الإيمان، وصحح هذا المذهب ونسبه إلى الجمهور..." ثم شرع في نقده والرد عليه.
5- ومنهم محمد إدريس الكاندهلوي كما في كتابه: "تحفة القارئ بحل مشكلات البخاري" وهو في كثير من المواضع فيه ينقل عن شيخه محمد أنور الكشميري، وقد تقدم الكلام على شيخه قريباً.
هذا ولم أشأ الاستطراد بذكر جميع من وقفت على أنه قال بهذا القول من أهل عصرنا ولم أشأ كذلك تسمية المؤسسات العلمية القائمة عليه وإنما أردت فقط الإشارة إلى بعض الأفراد من القائلين بهذا القول، لأدل بهم على غيرهم، ولأنبه بهم على من سواهم، ولأبين كذب دعوى من قال إن هذه الأفكار قد ماتت ولم يبق منها شيء في زماننا.
ثم إن هؤلاء الخالفين الذين أشرت إلى بعضهم لم يأتوا بجديد في مجال الاستدلال غير تكرار شبه من سبقهم، وإعادة ترديدها، وهذا يفيدنا أن الردود التي ذكرت سابقاً في الرد على أسلافهم كافية في الرد عليهم.زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر - ص 397

انظر أيضا: