موسوعة الفرق

المطلب الثالث: مسمى الإيمان عند الكرامية


في بيان مذهب الكرامية في مسمى الإيمان يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وأما الكرامية، فلهم في الإيمان قول ما سبقهم إليه أحد، قالوا: هو الإقرار باللسان، وإن لم يعتقد بقلبه" ((النبوات))   ( 1/582 ).
وذكر أن القول بأن الإيمان مجرد القول، بلا تصديق، ولا معرفة في القلب، إنما أحدثه ابن كرام، وانفرد به.
وأما سائر ما قاله، فأقوال قيلت قبله، ولهذا لم يذكر الأشعري، ولا غيره ممن يحكي مقالات الناس عنه قولا انفرد به إلا هذا، وأما سائر أقواله، فيحكونها عن ناس قبله ولا يذكرونه انظر: ((الإيمان))   ( ص370 )  ((الفتاوى)) ( 7-387 ).
وفي معرض تصنيفه لأقوال المرجئة قال رحمه الله:
"والقول الثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية" ((الإيمان))   ( ص184 )  ((الفتاوى)) ( 7/195 ) ؛ وانظر منه، ( ص134 )  ((الفتاوى)) ( 7/140 ).
ويقول: "وحدث بعد هؤلاء -  يعني المرجئة الفقهاء والجهمية  -  قول الكرامية: إن الإيمان قول اللسان، دون تصديق القلب" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/509 ) ، ( ص378 )  ط ابن الجوزي؛ وانظر: ((الفتاوى))  ( 20/86 ) ؛ و ((الصارم المسلول))   ( 3/965 ).
ويقول: "وقالت الكرامية هو: القول فقط، فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن إن كان مقرا بقبله كان من أهل الجنة، وإن كان مكذبا بقلبه كان منافقا، مؤمنا، من أهل النار.
وهذا القول هو الذي اختصت به الكرامية وابتدعته، ولم يسبقها أحد إلى هذا القول، وهو آخر ما أحدث من الأقوال في الإيمان" ((الفتاوى)) ( 13/56 ) ؛ وانظر: ((درء التعارض))  (  6/270 ).
ويقول: "والكرامية قولهم في الإيمان قول منكر، لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان: قول اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمنا، لكنه يخلد في النار، فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم" ((التدمرية))  ، ( ص192-193 )  ((الفتاوى)) ( 3-103 ).
ويقول: "وكذلك الكرامية باينوا سائر الطوائف في قولهم إن الإيمان هو باللسان، فمن أقر بلسانه كان مؤمنا، وإن جحد بقلبه.
قالوا: وهو مؤمن مخلد في النار، فإن هذا لم يقله غيرهم" ((منهاج السنة))   ( 3/462 ).
ويقول: "وآخر الأقوال حدوثا في ذلك  -  يعني في الإيمان  -  قول الكرامية: أن الإيمان اسم للقول باللسان، وإن لم يكن معه اعتقاد القلب.
وهذا القول أفسد الأقوال، لكن أصحابه لا يخالفون في الحكم، فإنهم يقولون: إن هذا الإيمان باللسان دون القلب هو إيمان المنافقين، وإنه لا ينفع في الآخرة" ((شرح الأصبهانية))   ( 2/586 ) ، ( ص143 ) ت مخلوف.
وقد نبه شيخ الإسلام على أمرين مهيمن في قول الكرامية:
الأول: أنهم وإن أخرجوا التصديق من مسمى الإيمان، لكنهم يوجبونه.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: "مع أن الكرامية لا تنكر وجوب المعرفة والتصديق، ولكن تقول لا يدخل في اسم الإيمان؛ حذرا من تبعضه وتعدده؛ لأنهم رأوا أنه لا يمكن أن يذهب بعضه ويبقى بعضه، بل ذلك يقتضي أن يجتمع في القلب إيمان وكفر، واعتقدوا الإجماع على نفي ذلك" ((الإيمان))   ( ص376 )  ((الفتاوى)) ( 7/394 ).
والثاني: أنهم مع قولهم بأن المنافق مؤمن، فهذا حكمه في الدنيا فحسب، وأما في الآخرة، فهو مخلد في النار.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "حتى الكرامية الذين يسمون المنافق مؤمنا، ويقولون: الإيمان هو الكلمة، يقولون: إنه لا ينفع في الآخرة إلا الإيمان الباطن.
وقد حكى بعضهم عنهم أنهم يجعلون المنافقين من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، إنما نازعوا في الاسم لا في الحكم؛ بسبب شبهة المرجئة في أن الإيمان لا يتبعض، ولا يتفاضل".
ويقول: "والكرامية توافق المرجئة والجهمية في أن إيمان الناس كلهم سواء، ولا يستثنون في الإيمان، بل يقولون هو مؤمن حقا لمن أظهر الإيمان، وإذا كان منافقا فهو مخلد في النار عندهم، فإنه إنما يدخل الجنة من آمن ظاهرا وباطنا.
ومن حكى عنهم أنه يقولون: المنافق يدخل الجنة، فقد كذب عليهم، بل يقولون: المنافق مؤمن؛ لأن الإيمان هو القول الظاهر، كما يسميه غيرهم مسلما؛ لأن الإسلام هو الاستسلام الظاهر" ((الإيمان))   ( ص135 )  ((الفتاوى)) ( 7/141 ).
وقد اعتنى شيخ الإسلام بهذه الحقيقة، وبين برائتهم مما نسب إليهم من أن المنافق مؤمن في الجنة، ومما قاله في ذلك:
"فالمؤمن المستحق للجنة لابد أن يكون مؤمنا في الباطن باتفاق جميع أهل القبلة، حتى الكرامية الذين يسمون المنافق مؤمنا، ويقولون الإيمان هو الكلمة، يقولون إنه لا ينفع في الآخرة إلا الإيمان الباطن.
وقد حكى بعضهم عنهم أنهم يجعلون المنافقين من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، إنما نازعوا في الاسم لا في الحكم؛ بسبب شبهة المرجئة في أن الإيمان لا يتبعض، ولا يتفاضل" ((الإيمان))   ( ص203-204 )  ((الفتاوى)) ( 7/216 ).
ويقول: "وبعض الناس يحكي عنهم أن من تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون: إنه مؤمن كامل الإيمان، وإنه من أهل النار" ((الفتاوى)) ( 13/56 ).
ويقول: "وقالوا  -  يعني الكرامية  -  المنافق هو مؤمن، ولكنه مخلد في النار.
وبعض الناس يحكي عنهم أن المنافق في الجنة، وهذا غلط علهيم، بل هم يجعلونه مؤمنا، مع كونه مخلدا في النار، فينازعون في الاسم، لا في الحكم" ((النبوات))   ( 1/582 ).
ويقول: "وأما الكافر المنافق في الباطن، فإنه خارج عن المؤمنين المستحقين للثواب باتفاق المسلمين.
ولا يسمون بمؤمنين عند أحد من سلف الأئمة وأئمتها، ولا عند أحد من طوائف المسلمين، إلا عند طائفة من المرجئة، وهم الكرامية الذين قالوا: إن الإيمان هو مجرد التصديق في الظاهر، فإذا فعل ذلك كان مؤمنا، وإن كان مكذبا في الباطن، وسلموا أنه معذب مخلد في الآخرة، فنازعوا في اسمه، لا في حكمه.
ومن الناس من يحكي عنهم أنهم جعلوهم من أهل الجنة، وهو غلط عيهم.
ومع ذلك فتسميتهم له مؤمنا بدعة ابتدعوها، مخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وهذا البدعة الشنعاء هي التي انفرد بها الكرامية دون سائر مقالاتهم" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/475-476 ) ، ( ص308-309 ) ط. ابن الجوزي.
وقال رحمه الله في معرض تقويمه آراء ابن كرام: "وابن كرام منتسب إلى مذهب أهل الرأي، وخالف قول الجماعة، وتكلم في مسألة الإيمان بكلام لم يسبقه إليه أحد من المسلمين، حيث جعل المتكلم بلسانه مؤمنا باطنا وظاهرا، وإن كان منافقا في الباطن، وجعله مع ذلك كافر مخلدا في النار.
وبعض الناس يحكي عنه أنه جعله سعيدا في الآخرة، وهذا غلط عليه، فإنه جعله في النار، فلم يخالف الجماعة في حكمه في الآخرة، وإنما خالفهم في اسمه في الدنيا" ((شرح الإصبهانية))   ( 2/328 ) ؛ وانظر: ((التدمرية))  ، ( ص193 ).
وبعد هذا كله، فإن معالم مسمى الإيمان عند الكرامية يمكن تلخيصها فيما يلي:
1- أن الإيمان مجرد قول اللسان، فمن أتى به فهو مؤمن كامل الإيمان.
2- إخراج تصديق القلب من الإيمان، مع قولهم بوجوبه.
3- إخراج عمل القلب.
4- إخراج عمل الجوارح.
5- أن المنافق مؤمن في الدنيا؛ لأنه أتى بالقول، لكنه منافق مخلد في النار؛ لأنه مكذب بقبله.
6- أن الإيمان لا يتبعض، ولا يتفاضل، والناس فيه سواء، ولا يجتمع في العبد إيمان وكفر.
وهذه هي الشبة التي أوقعتهم في الغلط في مسمى الإيمان، وهي نفسها شبهة من قبلهم من المرجئة، حيث ظنوا أن الإيمان لا يتبعض، إذ يلزم من ذلك ذهابه بذهاب بعضه، وأن يجتمع في العبد إيمان وكفر، وهذا مخالف عندهم للإجماع
وأما مذهبهم في المنافق الذي انفردوا به، حيث سموه مؤمنا، فقد حكى شيخ الإسلام شبهتهم في ذلك، فقال:
"والكرامية يقولون: المنافق مؤمن، وهو مخلد في النار؛ لأنه مؤمن ظاهرا لا باطنا، وإنما يدخل الجنة من آمن ظاهرا وباطنا.
قالوا: والدليل على شمول الإيمان له: أنه يدخل في الأحكام الدنيوية المعلقة باسم الإيمان، كقوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ [النساء: 92]
ويخاطب في الظاهر بالجمعة والطهارة وغير ذلك مما خوطب به الذين آمنوا، وأما من صدق بقلبه ولم يتكلم بلسانه، فإنه لا يعلق به شيء من أحكام الإيمان، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يدخل في خطاب الله لعباده بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ" ((الإيمان))   ( ص134-135 ) ((الفتاوى)) ( 7/140 ) .
هكذا قرروا هذا القول الباطل المبتدع الذي لم يسبقهم إليه أحد، وخالفوا فيه إجماع المسلمين، والله قد نفى الإيمان عن المنافقين في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8] ، وقد ضل من سماه مؤمنا انظر: ((الإيمان))   ( ص135، 136 )  ((الفتاوى)) ( 7/141 ).
وأما الاكتفاء من المنافق بمجرد الإقرار، فذلك لأن "قبول الإسلام الظاهر يجرى على صاحبه أحكام الإسلام الظاهرة، مثل عصمة الدم، والمال، والمناكحة، والموارثة، ونحو ذلك.
وهذا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، وإن لم يعلم ما في باطن الإنسان، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله)) رواه البخاري (25) ومسلم  (36) (22), من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ، وقال: ((إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أن أشق بطونهم)) رواه مسلم (1064) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. .،.
وأما الإيمان الباطن الذي ينجي من عذاب الله في الآخرة، فلا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، بل قد يكون الرجل مع إسلامه الظاهر منافقا، وقد كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منافقون، وقد ذكرهم الله تعالى في القرآن في غير موضع،...، والمنافق عمله حابط لا يتقبله الله" ((درء التعارض))   ( 7/434-436 )  باختصار.
وقد بين شيخ الإسلام ما يلزم الكرامية على هذه المقالة، فقال:
"فيلزمهم أن يكون المؤمن الكامل الإيمان معذبا في النار، بل يكون مخلدا فيها، وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
وإن قال: لا يخلد، وهو منافق.
لزمهم أن يكون المنافقون يخرجون من النار، والمنافقون قد قال الله فيهم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء: 145] ، وقد نهى الله نبيه عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم، وقال له: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ [التوبة: 80] ، وقال: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة: 84] ، وقد أخبر أنهم كفروا بالله ورسوله.
فإن قالوا: هؤلاء قد كانوا يتكلمون بألسنتهم سرا؛ فكفروا بذلك، وإنما يكون مؤمنا إذا تكلم بلسانه ولم يتكلم بما ينقضه، فإذ ذلك ردة عن الإيمان.
قيل لهم: ولو أضمروا النفاق ولم يتكلموا به كانوا منافقين، قال تعالى: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ [التوبة: 64]
وأيضا قد أخبر الله عنهم أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأنهم كاذبون، فقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8] ، وقال تعالى: إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: 1]، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام علانية والإيمان في القلب)) رواه أحمد (12404) (3/134), من حديث أنس رضي الله عنه, قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (1/57): رجاله رجال الصحيح ما خلا علي بن مسعدة وقد وثقه ابن حبان وأبو داود الطيالسي وأبو حاتم وابن معين وضعفه آخرون, وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (2280). ، وقد قال الله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 14]، وفي الصحيحين عن سعد (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى رجالا ولم يعط رجلا، فقلت: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا، وتركت فلانا وهو مؤمن؟ فقال: أو مسلم "مرتين أو ثلاثا")) رواه البخاري (27), ومسلم (150). آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص 221

انظر أيضا: