موسوعة الفرق

المطلب الثاني: مسمى الإيمان عند الجهمية


تعد المقالة الجهمية في الإيمان واحدة من أشهر مقالات جهم وكفرياته، فإن "جهما اشتهر عنه نوعان من البدعة:
أحدها: نفي الصفات.
والثاني: الغلو في القدر، والإرجاء.
فجعل الإيمان مجرد معرفة القلب، وجعل العباد لا فعل لهم ولا قدرة" ((الفتاوى)) ( 8/229-230 ) ؛ وهو مكرر فيها ( 14/352-353 ) ؛ وانظر (13/357 ) ؛ و  ((التسعينية))   ( 3/ 938).
وهذا القول الجهمي في حقيقة الإيمان، "مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان، فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام المرجئة، وقد كفر السلف، كوكيع بن الجراح، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد، وغيرهم، من يقول بهذا القول ((الإيمان))  ( ص 179) ((الفتاوى)) ( 7/189 ).
وهذا يستوجب فهم حقيقة هذا القول، والحذر منه، خاصة أن كثيرا من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية، لاختلاط كلام هذا بهذا في كلام كثير منهم، ممن هو في باطنه يرى رأي الجهمية والمرجئة في الإيمان، وهو معظم للسلف وأهل الحديث، فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف انظر: ((الإيمان))   ( ص ) 347 ((الفتاوى)) ( 7/364 ).
وفي هذا المبحث  -  بعون الله تعالى  -  تحرير للمعالم التي يقوم عليها مسمى الإيمان عند الجهمية، على النحو التالي:
1- الإيمان عند الجهمية شيء واحد، يتساوى فيه العباد، لا يتبعض، ولا يتفاضل، وهو مجرد تصديق القلب وعلمه.
وهذا التصديق عند الجهم هو المعرفة انظر: ((التسعينية))  (  2/ ) 650؛ و ((تلبيس الجهمية))  (  1/268 ) ؛ و ((مسائل الإيمان))  ، لأبي يعلى، ( ص161 ) ؛ و ((تبصرة الأدلة))  (  2/799، 808 ) ؛ و ((التمهيد لقواعد التوحيد))  ، ( ص133 ) ؛ و ((أصول الدين))  ، للرازي، ( ص  27)؛ و 0 ((المعالم الدينية في العقائد الإلهية))  ، لابن حمزة، تحقيق سيد حشاد، الطبعة الأولى 1408هـ، دار الفكر المعاصر ببيروت، ( ص ) 113، و ((شرح المقاصد))     (5/177- 180). ، ومراده بها معرفة الله بما يلزم ذلك من معرفة ملائكته وكتبه ورسله انظر: ((الرد على المنطقيين))  ، ( ص ) 145؛ وهو في: ((نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان))  ، ضمن: ((الفتاوى))  ( 9/136))   وانظر: ((جامع الرسائل))  (1/16). ، فمن أتى بذلك فهو مؤمن كامل الإيمان، كإيمان النبيين.
يقول شيخ الإسلام: "وعند الجهمية: الإيمان: مجرد تصديق القلب وعلمه.
هذا قول جهم، والصالحي، والأشعري  -  في المشهور عنه -، وأكثر أصحابه" ((منهاج السنة))   ( 5/288 ) ؛ ونحوه في: ((الإيمان))  ( ص178، 370)  ((الفتاوى))  ( 7/188- 386 ) ؛ و ((الجواب الصحيح))  (6/36) ؛ و ((شرح كلمات من فتوح الغيب))  ، ضمن: ((الفتاوى))  (2/94) ؛ وضمن: ((جامع الرسائل))  (2/184-185) ، وانظر: ((الفتاوى))  (20/86 ).
ويقول: "وعند الجهمية إذا كان العلم في قلبه، فهو مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان النبيين" ((الإيمان))  ( ص137) ((الفتاوى))  ( 7/143) ؛ وانظر: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى))  ( 7/583، ص949 ة ) ط. ابن الجوزي؛ و ((منهاج السنة))   (5/284) ؛ و ((الفتاوى)) (20/86).
ويقول رحمه الله: "ومن هنا غلطت الجهمية والمرجئة، فإنهم جعلوا الإيمان من باب القول، إما قول القلب الذي هو علمه، أو معنى غير العلم عند من يقول بذلك كبعض الأشاعرة: انظر: ((التسعينية))  ( 2/650-651 ). ، وهذا قول الجهمية، ومن تبعهم، كأكثر الأشعرية، وبعض متأخري الحنفية" شرح حديث: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) ،(  ص30 ).
وذكر رحمه الله عن الجهم أنه جعل الإيمان مجرد تصديق في القلب، يتساوى فيه العباد، وأنه إما أن يعدم وإما أن يوجد، لا يتبعض انظر: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/582 ) ، ( ص493 )  ط. ابن الجوزي.
2- أعمال القلوب ليست من الإيمان عند الجهمية:
يقول شيخ الإسلام: "والمرجئة ثلاثة أصناف:
الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة"، ثم قال:
"ومنهم من لا يدخلها في الإيمان، كجهم، والصالحي، وهذا الذي نصره هو  -  يعني الأشعري -، وأكثر أصحابه" ((الإيمان))   ( ص184 )  ((الفتاوى)) ( 7/195 ) ؛ ونحوه في: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/543، 550 ) ، ( ص430، 44 ) ط. ابن الجوزي.
ولما ساق شيخ الإسلام ما حكاه الأشعري عن فرق المرجئة في الإيمان، علق على ذلك بتعليقات، منها:
قوله: "فهذه الأقوال التي ذكرها الأشعري عن المرجئة يتضمن أكثرها أنه لابد في الإيمان من بعض أعمال القلوب عندهم، وإنما نازع في ذلك فرقة يسيرة، كجهم، والصالحي" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/548، ص439 ) ط. ابن الجوزي.
فالجهمية تظن "أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط، دون أعمال القلوب" ((الإيمان))   ( ص192 )  ((الفتاوى)) ( 7/204 ) ؛ وانظر منه، ( ص368، 370 )  ((الفتاوى)) ( 7/385-387 ).
3- إخراج قول اللسان من الإيمان:
فعند الجهمية أن "الإيمان مجرد معرفة القلب، وإن لم يقر بلسانه" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/508 ) ، ( ص376-377 ) ط. ابن الجوزي؛ وانظر: ((الصارم المسلول))   ( 3/966 ).
يقول شيخ الإسلام: "وأما جهم فكان يقول: إن الإيمان مجرد تصديق القلب، وإن لم يتكلم به" ((الفتاوى)) ( 13/47 ).
ويقول رحمه الله: "ولهذا كان القول الظاهر من الإيمان الذي لا نجاة للعبد إلا به عند عامة السلف والخلف، من الأولي والآخرين، إلا الجهمية: جهما، ومن وافقه" ((الإيمان))   ( ص207 )  ((الفتاوى)) ( 7/219 ) ؛ ونحوه في: ((شرح الأصبهانية))   ( 2/585 ) ، ( ص143 ) ت مخلوف.
فالجهمية "جعلوا من لا يتكلم بالإيمان قط مع قدرته على ذلك، ولا أطاع الله طاعة ظاهرة، مع وجوب ذلك عليه وقدرته، يكون مؤمنا بالله، تام الإيمان، سعيدا في الدار الآخرة" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/583 ) ، ( ص494 )  ط. ابن الجوزي.
4- إخراج أعمال الجوارح من الإيمان:
يقول شيخ الإسلام: "وأما الجهمية، فهم يجعلونه  -  يعني الإيمان  -  تصديق القلب، فلا تكون الشهادتان، ولا الصلاة، ولا الزكاة، ولا غيرهن من الإيمان" ((الإيمان))  ( ص148 )  ((الفتاوى)) ( 7/154 ).
ويقول: "وزعم جهم ومن وافقه أنه يكون مؤمنا في الباطن، وأن مجرد معرفة القلب وتصديقه يكون إيمانا يوجب الثواب يوم القيامة، بلا قول، ولا عمل ظاهر" ((الفتاوى)) ( 14/121 ).
وهذا لا يعني أنهم لا يوجبون العمل، لكنهم لا يعدونه من الإيمان، وتقدم تقريبا أنهم يرون أن من لم يطع الله طاعة ظاهرة، مع وجوب ذلك عليه وقدرته عليه، أنه مؤمن تام الإيمان.
فهم يوجبون الأعمال الظاهرة، ويعتقدون نفعها، لكن من لم يأت بها فإيمانه تام.
يقول شيخ الإسلام: "وكذلك الجهمية لا تجد في قلوبهم من محبة الله وعبادته ما في قلوب عباده المؤمنين، بل غاية عابدهم أن يعتقد أن العباد من جنس الفعلة الذين يعملون بالكراء، فمنتهى مقصوده هو الكراء الذي يعطاه وهو فارغ من محبة الله.
والفلاسفة تذم هؤلاء  -  يعني الجهمية  -  وتحتقرهم، كما ذكرنا كلامهم في ذلك في غير هذا الموضع.
لكن هؤلاء  -  يعني الجهمية  -  خير منهم في الجملة، فإنهم يوجبون العبادة، ويلتزمونها، ويعتقدون لها منفعة غير مجرد كونها سببا للعلم، بخلاف الفلاسفة والمتصوفة والمتفلسفة" ((الصفدية))   ( 2/235 ) ؛ وانظر: ((الفتاوى)) ( 13/101 ).
ويقول: "والأمة كلها متفقة على وجوب الأعمال التي فرضها الله، لم يقل أحد بأنها ليست من الواجبات، وإن كان طائفة من الناس نازعوا في كون الأعمال من الإيمان، فلم ينازعوا في أن الله فرض الصلوات الخمس وغيرها من شرائع الإسلام، وحرم الفواحش" ((الفتاوى)) ( 17/105 ).
ومع ذلك، فقد لفت شيخ الإسلام النظر إلى مدى مشابهة الجهمية في مقالتهم هذه في الإيمان، بما عليه الفلاسفة، حينما حصروا السعادة بمجرد العلم.
يقول شيخ الإسلام: "قول جهم ومن وافقه إن الإيمان مجرد العلم والتصديق، وهو بذلك وحده يستحق الثواب والسعادة، يشبه قول من قال من الفلاسفة المشائين وأتباعهم إن سعادة الإنسان في مجرد أن يعلم الوجود على ما هو عليه،...، وليس صلاح الإنسان في مجرد أن يعلم الحق دون ألا يحبه ويريده ويتبعه، كما أنه ليس سعادته في أن يكون عالما بالله مقرا بما يستحق دون أن يكون محبا لله، عابدا لله، مطيعا لله، بل أشد الناس عذابا يوم القايمة عالم لم ينفعه الله بعلمه" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/585-586 ) ، ( ص496-497 ) ط. ابن الجوزي، وانظر منه ( 7/596-597 ) ، ( ص518-519 ) ط. ابن الجوزي؛ و ((الصفدية))   ( 2/233-234 ) ؛ و ((الجواب الصحيح))   ( 6/35-36 ).
ويقول في معرض بيان وجوه ضلال الفلاسفة: "وهؤلاء ضالون، بل كافرون من جوه:
منها: أنهم اعتقدوا الكمال من مجرد العلم، كما اعتقد جهم، والصالحي، والأشعري  -  في المشهور من قوليه -، وأكثر أتباعه: أن الإيمان مجرد العلم، لكن الفلاسفة أسوأ حالا من الجهمية، فإن الجهمية يجعلون الإيمان هو العلم بالله، وأولئك يجعلون كمال النفس في أن تعلم الوجود المطلق من حيث هو وجود،...،
وأيضا فإن الجهمية يقرون بالرسل، وربما جاؤوا به، فهم في الجملة يقرون بأن الله خلق السموات والأرض، وغير ذلك مما جاءت به الرسل، بخلاف المتفلسفة.
وبالجملة، فكمال النفس ليس في مجرد العلم، بل لابد من العلم بالله من محبته، وعبادته، والإنابة إليه، فهذا عمل النفس وإرادتها وذاك علمها ومعرفتها" ((الفتاوى)) ( 2/94-95 ) ؛ وانظر: ((درء التعارض))   ( 3/274-275 ).
والمقصود أن الجهمية يرون "أن الأعمال الصالحة الظاهرة ليست لازمة للإيمان الباطن الذي في القلب، بل يوجد إيمان القلب تاما بدونها" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/582 ) ، ( ص493 )  ط. ابن الجوز؛ ومثله في: ((الإيمان))   ( ص347 )  ((الفتاوى)) ( 7/364 ).
ويقول شيخ الإسلام: "والمرجئة، المتكلمون منهم والفقهاء منهم، يقولون: إن الأعمال قد تسمى إيمانا مجازا؛ لأن العمل ثمرة الإيمان، ومقتضاه؛ ولأنها دليل عليه" ((الإيمان))   ( ص184 )  ((الفتاوى)) ( 7/195 ).
وخلاصة مذهب الجهمية في هذا الباب أنهم يعتقدون "أن الإيمان هو مجرد التصديق الذي في القلب، وإن لم يقترن به قول اللسان، ولم يقتض عملا في القلب، ولا في الجوارح" ((الصارم المسلول))   ( 3/960 ).
5- الكفر عندهم لا يكون إلا بزوال التصديق من القلب.
نتيجة لمذهب الجهمية في الإيمان، فإنهم يرون أن الكفر لا يكون إلا بانتفاء التصديق من القلب، ولا يقع بغير ذلك مهما كانت المكفرات.
يقول شيخ الإسلام: "وعند الجهمية إذا كان العلم في قلبه، فهو مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان النبيين، ولو قال وعمل ما عسى أن يقول ويعمل، ولا يتصور عندهم أن ينتفي عنه الإيمان إلا إذا زال ذلك العلم من قلبه" ((الإيمان))   ( ص137 )  ((الفتاوى))  ( 7/143 ) ؛ وانظر: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/535 9 ، 583 ) ، ( ص419، 494 ) ط. ابن الجوزي.
ويقول: "فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة: فهو كافر باتفاق المسلمين.
وهو كافر باطنا وظاهرا عند سلف الأمة وأئمتها، وجماهير علمائها.
وذهبت طائفة من المرجئة، وهم جهمية المرجئة، كجهم، والصالحي، وأتباعهما إلى أنه إذا كان مصدقا بقلبه كان كافرا في الظاهر دون الباطن" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/609 ) ، ( ص552 ) ط ابن الجوزي.
ويقول مبينا فساد قول الجهمية: "وبهذا وغيره يتبين فساد قول جهم، والصالحي، ومن اتبعهما إلى أنه إذا كان مصدقا بقلبه كان كافرا في الظاهر دون الباطن" ((الإيمان))   ( ص137 )  ((الفتاوى)) ( 7/143 ) ؛ وانظر: ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/535، 583 ) ، ( ص419، 494 ) ط. ابن الجوزي.
ويقول مبينا فساد قول الجهمية: "وبهذا وغيره يتبين فساد قول جهم، والصالحي، ومن اتبعهما في الإيمان، كالأشعري في أشهر قوليه، وأكثر أصحابه، وطائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة، كالماتريدي، ونحوه:
حيث جعلوه مجرد تصديق في القلب، يتساوى فيه العباد، وأنه إما أن يعدم وإما أن يوجد، لا يتبعض، وأنه يمكن وجود الإيمان تاما في القلب مع وجود المتكلم بالكفر، والسب لله ورسوله، طوعا من غير إكراه.
وأن ما علم من الأقوال الظاهرة أن صاحبه كافر؛ فلأن ذلك مستلزم عدم ذلك التصديق الذي في القلب" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن ((الفتاوى)) ( 7/582، ط493 ) ط. ابن الجوزي؛ وانظر: ((جامع الرسائل))   ( 1/16 ).
ويقول: "ومن هنا يظهر خطأ جهم بن صفوان، ومن اتبعه:
حيث ظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسب الله ورسوله، ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة.
قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن.
قالوا: وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار؛ لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر؛ ليحكم بالظاهر كما يحكم بالإقرار والشهود، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما أقرب به، وبخلاف ما شهد به الشهود.
فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر، معذب في الآخرة؟
قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه.
فالكفر عندهم شيء واحد وهو الجهل، والإيمان شيء واحد وهو العلم، أو هو تكذيب القلب وتصديقه" ((الإيمان))  (  ص178 )  ((الفتاوى)) ( 7/188 )..
وقال شيخ الإسلام: "ولم يكف الجهمية أن جعلوا كل كافر جاهلا بالحق حتى قالوا: هو لا يعرف أن الله موجود حق، والكفر عندهم ليس هو الجهل بأي حق كان، بل الجهل بهذا الحق المعين" ((الإيمان))   ( ص182 )  ((الفتاوى)) ( 7/193 ).
ويقول: "فهؤلاء القائلون بقول جهم، والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، والتكلم بالتثليث، وكل كلمة من كلام الكفر ليس هو كفرا في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم في الباطن عارفا بالله، موحدا له، مؤمنا به.
فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافر باطنا وظاهرا.
قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب الباطن، وأن الإيمان عدم ذلك" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/557 ) ، ( ص449 ) ط. ابن الجوزي.
فالجهمية وإن قالوا إن الكفر عدم الإيمان، سواء اعتقد نقيضه وتكلم به أو لم يعتقد شيئا ولم يتكلم، وأن من لم يؤمن بعد قيام الحجة عليه بالرسالة، فهو كافر، سواء كان مكذبا، أو مرتابا، أو معرضا، أو مستكبرا، أو مترددا، أو غير ذلك انظر: ((الفتاوى)) ( 20/86-87 ). ، إلا أنهم ردوا ذلك كله إلى زوال التصديق من القلب.
و "جعلوا ما علم أن صاحبه كافر، مثل إبليس، وفرعون، واليهود، وأبي طالب، وغيرهم، أنه إنما كان كافرا؛ لأن ذلك مستلزم لعدم تصديقه في الباطن" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/583 ) ، ( ص493 ) ط. ابن الجوزي.
و "جعلوا ما يوجد من المتكلم بالكفر من سب الله ورسوله، والتثليث، وغير ذلك قد يكون مجامعا للإيمان الذي في القلب، ويكون صاحبه مؤمنا عند الله حقيقة، سعيدا في الدار الآخرة" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن ((الفتاوى)) ( 7/583 ) ، ( ص494 )  ط. ابن الجوزي.
"وقالوا: لو فعل ما فعل من الأفعال الظاهرة لم يكن بذلك كافرا في الباطن، لكن يكون دليلا على الكفر في أحكام الدنيا.
فإذا احتج عليهم بنصوص تقتضي أنه يكون كافرا في الآخرة.
قالوا: فهذه النصوص تدل على أنه في الباطن ليس معه من معرفة الله شيء" ((الإيمان))   ( ص 384-385 )  ((الفتاوى)) ( 7/401-402 ) ؛ وانظر منه، ( ص141، 420 )  ((الفتاوى)) ( 7/146، 440 ).
"وقالوا: حيث حكم الشارع بكفر أحد بعمل أو قول؛ فلكونه دليلا على انتفاء ما في القلب" ((الفتاوى)) ( 7/644 ).
قال شيخ الإسلام: "ولا ريب أن الكفر متعلق بالرسالة، فتكذيب الرسول كفر، وبغضه كفر، وسبه وعداوته مع العلم بصدقه في الباطن كفر، عند الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وأئمة العلم، وسائر الطوائف إلا الجهم، ومن وافقه، كالصالحي، والأشعري، وغيرهم.
فإنهم قالوا: هذا كفر في الظاهر، وأما في الباطن، فلا يكون كفرا إلا إذا استلزم الجهل، بحيث لا يبقى في القلب شيء من التصديق بالرب.
وهذا بناء على أن الإيمان في القلب لا يتفاضل، ولا يكون في القلب بعض من الإيمان" ((منهاج السنة))   ( 5/251-252 ).
وخلاصة قول الجهمية في الإيمان أنهم يحصرونه في مجرد المعرفة، ويخرجون منه عمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح.
وأن من لم يأت بالشهادتين، أو أتى بكل مكفر، من غير إكراه، فهو كافر في الظاهر، مع احتمال كونه مؤمنا في الباطن، إذ لا يتصور ذهاب الإيمان عندهم إلا بذهاب المعرفة من القلب.
وهذا المقالة الجهمية في مسمى الإيمان تقوم على أصلين من الضلال هما انظر: ((الإيمان))   ( ص179-180 )  ((الفتاوى)) ( 7/190-191) ، ونحوه في ( ص192 ) ، 347 )  ((الفتاوى)) ( 7/204 ) ، ( 363-364 ) ؛ وفي ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن ((الفتاوى)) ( 7/554 ) ، ( 583-584 ) ، ( ص446، 493-494 )  ط. ابن الجوزي؛ و ((الرد على المنطقيين))  ، ( ص146 ) ؛ و ((الفتاوى))  ( 9/137 ) ؛ والمقصود هنا ما ترتب على المقالة الجهمية من ضلال في مسمى الإيمان، وأما في مسائل الإيمان الأخرى، فتبيانه والبحث فيه في موضعه من الكتاب بإذن الله تعالى. :
الأول: ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط، ليس معه عمل وحال وحركة وإرادة، ومحبة وخشية في القلب، وبالتالي يكون الإيمان تاما بدون شيء من الأعمال الباطنة والظاهرة.
وهذا الظن مبني على تصور فاسد لحقيقة الإيمان، وسيأتي بعون الله تعالى تحقيق القول بأنه يمتنع غاية الامتناع حصول أحد أجزاء الإيمان مع تخلف بقيتها، وأنه إذا وجد قول القلب فلابد من حصول عمله إذا سلم من المعارض، ووجود قول القلب وعمله يلزم منه ضرورة وجود الظاهر قولا وعملا انظر: نقض الحجة الخامسة من حجج المرجئة.
الثاني: ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كفر مخلد في النار؛ فإنما ذاك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق.
وهذا الظن باطل من وجهين:
الوجه الأول: أنه أمر مخالف للشرع، والعقل، والحسن، وإجماع العقلاء.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله بعد أن ذكر أن من أغلاط الجهمية ظنهم أن من حكم الله بكفرهم؛ فلزوال التصديق من قلوبهم، قال: "وهذا مكابرة للعقل، والحسن" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/583 ) ، ( ص493 ) ط. ابن الجوزي.
وقال: "وهذا أمر خالفوا به الحس، والعقل، والشرع، وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة، وجماهير النظار.
فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره، ومع ذلك يجحد ذلك؛ لحسده إياه، أو لطلب علوه عليه، أو لهوى النفس، ويحمله ذلك الهوى أن يعتدي عليه، ويرد ما يقول بكل طريق، وهو في قلبه يعلم أن الحق معه.
وعامة من كذب الرسل يعلم أن الحق معهم، وأنهم صادقون؛ لكن إما لحسدهم، وإما لإرادتهم العلو والرياسة، وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه، وما يحصل لهم به من الأغراض، كأموال ورياسة وصداقة وغير ذلك، فيرون في أتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم، أو حصول أمور مكروهة إليهم، فيكذبونهم ويعادونهم، فيكونون من أكفر الناس، كإبليس وفرعون، مع علمهم بأنهم على الباطل، والرسل على الحق.
ولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح في صدق الرسل، وإنما يعتمدون على مخالفة أهوائهم، كقولهم لنوح: قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [الشعراء:111] ، ومعلوم أن أتباع الأزلين لا يقدح في صدقه، لكن كرهوا مشاركة أولئك، كما طلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم إبعاد الضعفاء، كسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وخباب بن الأرت وعمار بن يسار وغيرهم، فأنزل الله تبارك وتعالى: وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام: 52-53]
ومثل قول فرعون فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [المؤمنون: 47] ، قال فرعون قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الشعراء: 18-19]
ومثل قول مشركي العرب:إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص: 57] ، قال الله تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا [القصص: 57]
ومثل قول قوم شعيب له: أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء [هود: 87]
ومثل قول عامة المشركين: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ [الزخرف: 23]
ومثل هذه الأمور وأمثالها ليست حججا تقدح في صدق الرسل، بل تبين أنها تخالف إرادتهم وأهواءهم وعاداتهم؛ فلذلك لم يتبعوهم، وهؤلاء كلهم كفار.
بل أبو طالب وغيره كانوا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم، ويحبون علو كلمته، وليس عندهم حسد له، وكانوا يعلمون صدقه، ولكن كانوا يعلمون أن متابعته فراق دين آبائهم، وذم قريش لهم، فما احتملت نفوسهم ترك تلك العادة، واحتمال الذم، فلم يتركوا الإيمان لعدم العلم؛ بل لهوى النفس، فكيف يقال: إن كل كافر إنما كفر لعدم علمه بالله؟".
ثم قال شيخ الإسلام:
"ونحن، والناس كلهم يرون خلقا من الكفار يعرفون في الباطن أن دين الإسلام حق، ويذكرون ما يمنعهم من الإيمان؛ إما معاداة أهلهم، وإما مال يحصل لهم من جهتهم يقطعونه عنهم، وإما خوفهم إذا آمنوا أن لا يكون لهم حرمة عند المسلمين كحرمتهم في دينهم، وأمثال ذلك من أغراضهم التي يبينون أنها المناعة لهم من الإيمان، مع علمهم بأن دين الإسلام حق، ودينهم باطل.
وهذا موجود في جميع الأمور التي هي حق، يوجد من يعرف بقلبه أنه حق، وهو في الظاهر يجحد ذلك، ويعادي أهله؛ لظنه أن ذلك يجلب له منفعة، ويدفع عنه مضرة.
قال تعالى  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ [المائدة: 51-53]
والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام وفي قلبه مرض، خاف أن يغلب أهل الإسلام، فيوالي الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم؛ للخوف الذي في قلوبهم، لا لاعتقاد أن محمدا كاذب واليهود والنصارى صادقون راجع في تفسير الآية الكريمة: ((تفسير الطبري))   ( 6/328-330 ) ؛ و ((الجامع لأحكام القرآن))  ، للقرطبي، الطبعة الأولى 1408هـ، دار الكتب العلمية ببيروت ( 6/140-141 ) ،  و ((زاد المسير))   ( 2/377-378 ) ؛ و ((تفسير ابن كثير))   ( 2/78 ) ؛ و ((الدر المنثور))   ( 3/98-100 ). " ((الإيمان))   ( ص180-183 )  ((الفتاوى)) ( 7/191-193 )  باختصار.
ويقول شيخ الإسلام رحمه الله: "ونصوص القرآن في غير موضع تدل على أن الكفار كانوا في الدنيا مصدقين بالرب، حتى فرعون الذي أظهر التكذيب كان في باطنه مصدقا، قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: 14] ، وكما قال موسى لفرعون: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ [الإسراء: 102] ، ومع هذا لم يكن مؤمنا، بل قال موسى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس: 88] ، قال الله: قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا [يونس: 89] ، ولما قال فرعون: آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ [يونس: 90] ، قال الله: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: 91] ، فوصفه بالمعصية، ولم يصفه بعدم العلم، كما قال: فَعَصَى فِرْعَوْنُ [المزمل: 16]
وكما قال عن إبليس: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ [ص: 73-74] ، فلم يصفه إلا بالإباء والاستكبار ومعارضة الأمر، ولم يصفه بعدم العلم.
وقد أخبر الله عن الكفار في غير موضع أنهم كانوا معترفين بالصانع، في مثل قوله: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: 87]" ((الإيمان))   ( 145-146 )  ((الفتاوى)) ( 150-151 ).
ومن النصوص التي اعتنى شيخ الإسلام ببيان دلالتها على هذه الحقيقة، وهي أن الكفر يقع مع وجود التصديق في القلب قوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ [النحل: 106-109] ، وقوله تعالى: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [التوبة: 64-66]
يقول شيخ الإسلام في بيان دلالتهما على المراد:
"فقد ذكر تعالى من كفر بالله بعد إيمانه، وذكر وعيد الآخرة، ثم قال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ [النحل: 107] ، وبين تعالى أن الوعيد استحقوه بهذا، ومعلوم أن باب التصديق والتكذيب، والعلم والجهل ليس هو من باب الحب والبغض، وهؤلاء يقولون إنما استحقوا الوعيد لزوال التصديق والإيمان من قلوبهم، وإن كان ذلك قد يكون سببه حب الدنيا على الآخرة.
والله سبحانه وتعالى جعل استحباب الدنيا على الآخرة هو الأصل الموجب للخسران، واستحباب الدنيا على الآخرة قد يكون مع العلم والتصديق بأن الكفر يضر في الآخرة، وبأنه ما له في الآخرة من خلاق.
وأيضا فإنه سبحانه استثنى المكره من الكفار، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله لم يستثن المكره؛ لأن الإكراه على ذلك ممتنع، فعلم أن التكلم بالكفر كفر لا في حال الإكراه.
وقوله تعالى: وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل: 106] ، أي: لاستحبابه الدنيا على الآخرة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم، ((يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا، يبيع دينه بعرض من الدنيا)) (2).
والآية نزلت في عمار بن ياسر، وبلال بن رباح وأمثالهما من المؤمنين المستضعفين لما أكرههم المشركون على سب النبي صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك من كلمات الكفر فمنهم من أجاب بلسانه كعمار، ومنهم من صبر على المحنة كبلال انظر: ((تفسير الطبري))   ( 14/216 ) ؛ و ((زاد المسير))   ( 4/495 ) ؛ و ((تفسير ابن كثير))   ( 2/647-648 ) ؛ و ((الدر المنثور))   (5/169-171). ، ولم يكره أحد منهم على خلاف ما في قلبه، بل أكرهوا على التكلم، فمن تكلم بدون الإكراه لم يتكلم إلا وصدره منشرح به" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/560-561 ) ،  ( ص452-454 ) ط. ابن الجوزي؛ وانظر: ((منهاج السنة))  (  4/443 ).
ويقول شيخ الإسلام: "وهذا الآية  -  يعني آية النحل  -  مما تدل على فساد قول جهم، فإنه جعل من تكلم بالكفر من أهل وعيد الكفار، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.
فإن قيل: فقد قال تعالى: وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا[النحل: 106]
قيل: وهذا موافق لأولها، فإنه من كفر من غير إكراه، فقد شر بالكفر صدرا، وإلا تناقض أول الآية وآخرها، ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره، وذلك يكون بلا إكراه، لم يستثن المكره فقط، بل كان يجب أن يستثني المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعا، فقد شرح بها صدرا وهي كفر.
وقد دل على ذلك قوله تعالى: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [التوبة: 64-66]
فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم إنما تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا من شرح صدره بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام" ((الإيمان))   ( ص208 )  ((الفتاوى)) ( 7/220 ) ؛ وانظر: ((الاستقامة))   ( 2/319-320 ).
وقال أيضاً: "وقول من يقول عن مثل هذه الآيات: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم، مع كفرهم أولاً بقلوبهم، لا يصح.
لأن هذا الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يقال: قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ[التوبة: 66] ، فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر.
وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان، فهم لم يظهروا للناس إلا لخواصهم، وهم مع خواصهم مازالوا هكذا، بل لما نافقوا وحذروا أن تنزل سورة تبين ما في قلوبهم من النفاق، وتكلموا بالاستهزاء صاروا كافرين بعد إيمانهم، ولا يدل اللفظ على أنهما مازالوا منافقين"، ثم قال شيخ الإسلام:
"قال تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ[التوبة: 65] : فاعترفوا واعتذروا، ولهذا قيل: لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ[التوبة: 65] ، فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكنهم لم يظنوه كفرا، وكان كفرا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه" ((الإيمان))   ( ص259-260 )  " ((الفتاوى)) ( 7/272-273 ).
وهذا أصل مهم في باب الكفر اعتنى شيخ الإسلام بإيضاحه غاية الإيضاح، وبين أن "من قال بلسانه كلمة الكفر من غير حاجة، عامدا لها، عالما بأنها كلمة كفر، فإنه يكفر بذلك ظاهرا وباطنا.
ولا يجوز أن يقول: إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنا، ومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام" ((الصارم المسلول))   ( 3/975 ).
وقال شيخ الإسلام: "فإنا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعا بغير كره، بل من تكلم بكلمات الكفر طائعا غير مكره، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله، فهو كافر باطنا وظاهرا.
وأن من قال إن مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمنا بالله، وإنما هو كافر في الظاهر، فإنه قال قولا معلوم الفساد بالضرورة من الدين.
وقد ذكر الله كلمات الكفار في القرآن، وحكم بكفرهم، واستحقاقهم الوعيد بها، ولو كانت أقوالهم الكفرية بمنزلة شهادة الشهود عليهم، أو بمنزلة الإقرار الذي يغلط فيه المقر، لم يجعلهم الله من أهل الوعيد بالشهادة التي قد تكون صدقا، وقد تكون كذبا، بل كان ينبغي أن لا يعذبهم إلا بشرط صدق الشهادة.
وهذا كقوله تعالى: لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ [المائدة: 73] ، وقوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة: 72] وأمثال ذلك" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/557-558 ) ، ( ص449 )  ط. ابن الجوزي.
وقال رحمه الله: "فمن قال، أو فعل ما هو كفر، كفر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كفرا، إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله" ((الصارم المسلول))   ( 2/339 ).
وقد علل شيخ الإسلام ذلك بأن "كلمتي الكفر والإيمان إذا قصد الإنسان بهما غير حقيقتهما صح كفره، ولم يصح إيمانه.
فإن المنافق قصد بالإيمان مصالح دنياه من غير حقيقة لمقصود الكلمة، فلم يصح إيمانه، والرجل لو تكلم بكلمة الكفر لمصالح دنياه من غير اعتقاد صح كفره ظاهرا وباطنا، وذلك لأن العبد مأمور بأن يتكلم بكلمة الإيمان معتقدا لحقيقتها، وأن لا يتكلم بكلمة الكفر أو الكذب جادا ولا هازلا، فإن تكلم بكلمة الكفر أو الكذب جادا أو هازلا كان كافرا وكان كاذبا حقيقة؛ لأن الهزل بهذه الكلمات غير مباح، فيكون وصف الهزل مهدرا في نظر الشرع؛ لأنه محرم، فتبقى الكلمة موجبة لمقتضاها" ((بيان الدليل))  ، ( ص166 ).
الوجه الثاني: في بطلان قول الجهمية إن الكافر ليس في قلبه شيء من العلم والتصديق هو أن هذا القول الجهمي متناقض.
وقد شرح شيخ الإسلام وجه تناقضه، فقال:
"حتى آل الأمر بغلاتهم، كجهم وأتباعه، إلى أن قالوا: يمكن أن يصدق بقلبه، ولا يظهر بلسانه إلا كلمة الكفر، مع قدرته على إظهارها، فيكون الذي في القلب إيمانا نافعا له في الآخرة.
وقالوا: حيث حكم الشارع بكفر أحد بعمل أو قول؛ فلكونه دليلا على انتفاء ما في القلب، وقولهم متناقض:
فإنه إذا كان ذلك دليلا مستلزما لانتفاء الإيمان الذي في القلب، امتنع أن يكون الإيمان ثابتا في القلب، مع الدليل المستلزم لنفيه.
وإن لم يكن دليلا، لم يجز الاستدلال به على الكفر الباطن" ((الفتاوى)) ( 7/644-645 ).
وأخيراً، فإن ما تقدم من أجوبة في تناقض المقالة الجهمية "إذا تدبرها المؤمن بعقله تبين له أن مذهب السلف هو المذهب الحق الذي لا عدول عنه، وأن من خالفهم لزمه فساد معلوم بصريح المعقول، وصحيح المنقول، كسائر ما يلزم الأقوال المخالفة لأقوال السلف والأئمة، والله أعلم" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) ( 7/585 ) ، ( ص496 )  ط. ابن الجوزي. آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص 197

انظر أيضا: