موسوعة الفرق

أولا: مسمى الإيمان عند مرجئة الفقهاء


 1-  الإيمان عندهم تصديق القلب، وقول اللسان.
قال شيخ الإسلام: "وهؤلاء المعروفون مثل حماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة، وغيرهما من فقهاء الكوفة، كانوا يجعلون قول اللسان، واعتقاد القلب من الإيمان.
وهو قول محمد بن كلاب، وأمثاله، لم يختلف قولهم في ذلك، ولا نقل عنهم أنهم قالوا الإيمان مجرد تصديق القلب" ((الإيمان الأوسط)) ، ضمن: ((الفتاوى)) (7/508) ، (ص375-376) ط. ابن الجوزي؛ وانظر: (شرح الأصبهانية)) (2/585-586) ، (ص143) ت مخلوف.
ويقول: "وابن كلاب نفسه، والحسن بن الفضل البجلي، ونحوهما كانوا يقولون: هو التصديق والقول جميعا، موافقة لمن قاله من فقهاء الكوفيين، كحماد بن أبي سليمان، ومن اتبعه، مثل أبي حنيفة، وغيره" ((الإيمان)) (ص114) ((الفتاوى)) (7/119) ؛ وانظر: ((الإيمان)) (ص183) ((الفتاوى)) (7/194) ؛ و ((الفتاوى)) (18/271).
ونقل شيخ الإسلام عن الحافظ ابن عبدالبر قوله: "أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان.
إلا ما ذكر عن أبي حنيفة، وأصحابه، فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانا.
قالوا: إنما الإيمان: التصديق، والإقرار، ومنهم: من زاد المعرفة" ((الإيمان)) (ص313) ((الفتاوى)) (7/330) ؛ والنقل عن ابن عبدالبر من كتابه: ((التمهيد)) (15/41) ، (90 /238ط). المغرب.
وقال أبو ثور في معرض رده عليهم وقد نبه شيخ الإسلام على أن أبا ثور لا يعرف من مقالات المرجئة إلا هذه المقالة. انظر: ((الإيمان)) (ص370) ((الفتاوى)) (7/3789). : "فلما لم يكن الإقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمنا، ولا بالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمنا، حتى يكون مصدقا بقلبه، مقرا بلسانه، فإذا كان تصديقا بالقلب، وإقرارا باللسان كان عندهم مؤمنا.
وعند بعضهم: لا يكون مؤمنا حتى يكون مع التصديق عمل، فيكون بهذه الأشياء الثلاثة إذا اجتمعت مؤمنا" ((الإيمان)) (ص371) ((الفتاوى)) (7/388) ؛ و ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (4/849-850 برقم 1590).
ولما قيل لعطاء إنهم يقولون: إن الإيمان منطق، ليس معه عمل.
قال عطاء: "أما يقرؤون الآية التي في البقرة   لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة: 177] ، قال: ثم وصف الله على هذا الاسم ما لزمه من العمل، فقال:   وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [البقرة: 177] إلى قوله:   وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177]
فقال: سلهم: هل دخل هذا العمل في هذا الاسم؟، وقال:   وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ [الإسراء: 19] ، فألزم الاسم العمل، والعمل الاسم" ((الإيمان)) (ص171) ((الفتاوى)) (7/180) ؛ و ((الأثر في الإبانة الكبرى)) (2/897 رقم 1251).
2- لابد عندهم في الإيمان أن يتكلم بلسانه:
فالإنسان لا يكون مؤمنا إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه، ونزاعهم مع السلف هو فين قال، ولم يفعل انظر: ((الإيمان)) (ص183) ((الفتاوى)) (7/194) ؛ و ((الفتاوى)) (13/38-39) ؛ و ((منهاج السنة)) (5/284).
3- أعمال القلب عندهم ليست من الإيمان
مما أورده شيخ الإسلام على مرجئة الفقهاء أنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح، فإنها لازمة لها انظر: ((الإيمان)) (ص183) ((الفتاوى)) (7/194).
والذي عليه هؤلاء المرجئة هو إخراج أعمال القلوب من الإيمان، فقد قال شيخ الإسلام: "والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب.
ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة، كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقا كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم.
ومنهم من لا يدخلها، كجهم ومن اتبعه، كالصالحي، وهذا هو الذي نصره هو  -  يعني الأشعري  -  وأكثر أصحابه.
والقول الثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.
والثالث: تصديق القلب، وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم" ((الإيمان)) (ص184) ((الفتاوى)) (7/195).
وهذا التصنيف لهذه الفرق يفيد أن الفقهاء يحصرون الإيمان في التصديق والقول.
ويفيد كذلك أن الذين يدخلون أعمال القلوب في الإيمان هم الفريق الأول من الصنف الأول، وهم أكثر فرق المرجئة الذين يرون الإيمان مجرد ما في القلب، وأن من عداهم  -  ومنهم الفقهاء  -  لا يدخل هذه الأعمال في الإيمان.
ويزيد الأمر وضوحا قول شيخ الإسلام على قوله تعالى:   ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ [محمد: 26]، قال: "ولهذا فسر السلف هؤلاء الذين كرهوا ما نزل الله الذين كانوا سبب نزول هذه الآية بالمنافقين، واليهود انظر: ((جامع البيان)) (26/70) ؛ و ((زاد المسير)) (7/409).
قالت الوعيدية: الله تعالى إنما وصفهم بمجرد كراهة ما نزل الله، والكراهة عمل القلب.
وعند الجهمية: الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، هذا قول جهم، والصالحي، والأشعري في المشهور عنه، وأكثر أصحابه.
وعند فقهاء المرجئة هو: قول اللسان، مع تصديق القلب.
وعلى القولين: أعمال القلوب ليست من الإيمان عندهم، كأعمال الجوارح.
فيمكن أن يكون الرجل مصدقا بلسانه، وقلبه، مع كراهة ما نزل الله، وحينئذ فلا يكون هذا كافرا عندهم، والآية تتناوله، وإذا دلت على كفره دلت على فساد قولهم" ((منهاج السنة)) (5/287-288) ، وانظر: ((الفتاوى)) (7/636-637).
فقول شيخ الإسلام "على القولين" المراد بهما كما هو ظاهر: قول الجهمية ومن وافقهم، وقول فقهاء المرجئة.
وعليه، فالفقهاء وافقوا هؤلاء المرجئة في إخراج عمل القلب، وزادوا عليهم بإدخال قول اللسان.
وكذلك قوله: "دلت على فساد قولهم" يعني في إخراجهم عمل القلب من الإيمان.
وقال شيخ الإسلام أيضا: "ومن هنا غلطت الجهمية، والمرجئة، فإنهم جعلوا الإيمان من باب القول.
إما قول القلب الذي هو علمه، أو معنى غير العلم عند من يقول بذلك، وهذا قول الجهمية، ومن تبعهم، كأكثر الأشعرية، وبعض متأخري الحنفية.
وإما قول القلب واللسان، كالقول المشهور عن المرجئة.
ولم يجعلوا عمل القلب، مثل حب الله ورسوله، ومثل خوف الله من الإيمان، فغلطوا في هذا الأصل" شرح حديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق دغش العجمي، الطبعة الأولى 1422هـ، دار ابن حزم بيروت، ص30، و ((جامع المسائل)) (5/246).
وقول شيخ الإسلام هذا أفاد:
اتفاق المرجئة  -  المتكلمين منهم والفقهاء  -  على حصر الإيمان في باب القول.
ثم اختلافهم بعد هذا الاتفاق في أي القول يدخل في الإيمان، وفقهاء المرجئة جعلوا قول القلب وقول اللسان كله من الإيمان.
وأفاد أيضا اتفاق مرجئة الفقهاء والجهمية ومن تبعهم على إخراج العمل من الإيمان، فأخرجوا عمل القلب وعمل اللسان من الإيمان.
ومع ما تقدم من نقول تفيد إخراج فقهاء المرجئة عمل القلب من الإيمان، فقد جاء التصريح بذلك في كلام شارح العقيدة الطحاوية.
ومعلوم أن صاحب الشرح، وصاحب المتن كلاهما على مذهب أبي حنيفة، والعقيدة الطحاوية مصنفة أساس لتقرير معتقد أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد، كما جاء في مقدمتها، حيث يقول الطحاوي: "هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبدالله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين، ويدينون به رب العالمين" ((العقيدة الطحاوية)) ، للطحاوي، تعليق سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، نشر رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، طبعة سنة 1409هـ، (ص3). ، ثم ذكر معتقدهم، ومنه قوله:
"ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان".
قال ابن أبي العز معلقا على ذلك: "وتسمية حب الصحابة إيمانا مشكل على الشيخ رحمه الله  -  يعني الطحاوي -؛ لأن الحب عمل القلب، وليس هو التصديق، فيكون العمل داخلا في مسمى الإيمان، وقد تقدم في كلامه أن: الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان يقول الطحاوي: "والإيمان هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان". ((العقيدة الطحاوية)) ، (ص19) ، وشرحها (2/459). ، ولم يجعل العمل داخلا في مسمى الإيمان، وهذا هو المعروف من مذهب أبي حنيفة، إلا أن تكون هذه التسمية مجازا" ((شرح العقدية الطحاوية)) (2/698).
وقد بين من قبل رحمه الله أن مرجئة الفقهاء لا ينازعون في القول  -  الذي هو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان -، وإنما ينازعون في شمول اسم الإيمان للعمل انظر: ((شرح الطحاوية)) (2/463). ، ثم ذكر أن العمل قسمان: عمل القلب، وعمل الجوارح انظر: ((شرح الطحاوية)) (2/478) ، وراجع ما تقدم (ص174، 179).
4- إخراج العمل الظاهر  -  عمل الجوارح  -  من الإيمان:
يمكن عندهم حصول الإيمان التام في القلب بدون العمل الظاهر، فقد ذكر شيخ الإسلام أن من الأغلاط التي يقول بها المرجئة جميعا "ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العمل الظاهر" ((الإيمان)) (ص347) ((الفتاوى)) (7/364).
ويقول: "والمرجئة المتكلمون منهم، والفقهاء يقولون: إن الأعمال قد تسمى إيمانا مجازا؛ لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتضاه؛ ولأنها دليل عليه" ((الإيمان)) (ص184) ((الفتاوى)) (7/195).
وهذا لا يعني أنهم لا يقيمون للأعمال وزنا، بل عندهم أن الأعمال المفروضة واجبة، ويرون أن الإيمان بدون العمل المفروض، ومع فعل المحرمات، يكون صاحبه مستحقا للذم والعقاب انظر: ((الإيمان)) (ص281-282) ((الفتاوى)) = (7/297) ؛ و ((الفتاوى)) (13/39).
لكنهم مع ذلك يعدون فعل الواجبات وترك المحرمات ليس من الإيمان.
يقول شيخ الإسلام: "وقابلتهم  -  يعني الخوارج والمعتزلة  -  المرجئة، والجهمية، ومن اتبعهم من الأشعرية، والكرامية، فقالوا: ليس من الإيمان فعل الأعمال الواجبة، ولا ترك المحظورات البدنية.
والإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، بل هو شيء واحد، يستوي فيه جميع المؤمنين من الملائكة، والنبيين، والمقربين، والمقتصدين، والظالمين.
ثم قال فقهاء المرجئة: هو التصديق بالقلب، واللسان.
وقال أكثر متكلميهم: هو التصديق بالقلب.
وقال بعضهم: التصديق باللسان.
قالوا: لأنه لو دخلت فيه الواجبات العملية؛ لخرج منه من لم يأت بها، كما قالت الخوارج" ((الفتاوى)) (12/471).
فمرجئة الفقهاء يرون أنه يكفي الالتزام بالطاعات دون فعلها، ويجعلون الإيمان هو التصديق والالتزام معا، وعندهم أن من قال: أنا أطيع الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أصدق أنه رسول الله أو أصدقه ولا ألتزم طاعته، فإنه لا يكون مسلماً ولا مؤمناً انظر: ((الإيمان)) (ص 380) ((الفتاوى)) (7/397).
يقول الحميدي: "وأخبرت أن ناسا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، أو يصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن، ما لم يكن جاحدا، إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه، إذا كان مقرا بالفرائض واستقبال القبلة.
فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله، وسنة رسوله، وعلماء المسلمين، قال الله تعالى:   وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة: 5]
وقال حنبل: سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على أمره، وعلى الرسول ما جاء به عن الله" ((الإيمان)) (ص197) ((الفتاوى)) (7/209) ، والأثر مروي في: ((السنة)) للخلال (3/586-587) (برقم 1027) ؛ و ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) للالكائي (5/887) (برقم 1594-1595).
ونقل شيخ الإسلام ما ذكره معقل العبسي لنافع أنهم يقولون: نحن نقر بأن الصلاة فرض ولا نصلي، وبأن الخمر حرام ونشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن ننكح؟
قال نافع: من فعل هذا، فهو كافر ((الإيمان)) (ص192-194) ((الفتاوى)) (7/204-207) ؛ وأثر معقل مروي في: ((السنة)) لعبدالله (1/382-384) (رقم 831) ؛ و ((السنة)) للخلال (4/29-32) (رقم 1105، 5/59) (رقم 1608) ؛ و ((الإبانة الكبرى)) (2/811) (رقم 1101) ؛ و ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة)) (5/953-954) (رقم 1732).
ولذلك فهم موافقون لأهل السنة في أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم ((الإيمان)) (ص183) ((الفتاوى)) (7/194).
وهم مع قولهم بالإرجاء يكفرون أنواعا ممن يقول كذا وكذا؛ لما فيه من الاستخفاف، ويجعلونه مرتداً ببعض هذا الأنواع انظر: ((الإيمان)) (ص206) ((الفتاوى)) (7/218) ؛ و  ((بيان الدليل على بطلان التحليل)) ، (ص 189-190).
وهم أيضاً موافقون لأهل السنة في أن من شتم الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو كافر ظاهراً وباطناً ((الإيمان)) (ص385) ((الفتاوى)) (7/402 – 403).
يقول شيخ الإسلام: "ولهذا كان التكلم بالكفر من غير إكراه كفرا في نفس الأمر عند الجماعة، وأئمة الفقهاء، حتى المرجئة، خلافا للجهمية ومن ابتعهم.
ومن هذا الباب سب الرسول وبغضه، وسب القرآن وبغضه، وكذلك سب الله وبغضه، ونحو ذلك مما ليس من باب التصديق والتكذيب، بل من باب الحب والتعظيم والموالاة، أو البغض والمعاداة والاستخفاف" ((شرح الأصبهانية)) (2/584) ، (ص142) ت مخلوف.
ولكن ثمة وقفة مهمة حول موقف مرجئة الفقهاء من الشاتم والساب، فإنهم وإن كفروا الشاتم ظاهرا وباطنا، فإن مأخذهم في ذلك فاسد، إذ هم يرجعون ذلك إلى أن وقوعه في السب والشتم دليل على أنه لم يعتقد أنه حرام، فردوا الكفر إلى الاستحلال.
وهذا مخالف لما عليه سلف الأمة من "أن سب الله، أو رسوله، كفر ظاهرا وباطنا، وسواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء، وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" انظر: ((الصارم المسلول)) (3/955) ، وانظر منه (3/964).
يقول شيخ الإسلام في فسر مأخذ فرق المرجئة في تكفير الساب:
"ومنشأ هذه الشبهة التي أوجبت هذا الوهم من المتكلمين، أو من حذا حذوهم من الفقهاء:
أنهم رأوا الإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر به، ورأوا أن اعتقاد صدقه لا ينافي السب والشتم بالذات، كما أن اعتقاد إيجاب طاعته لا ينافي معصيته، فإن الإنسان قد يهين من يعتقد وجوب إكرامه، كما يترك ما يعتقد وجوب فعله، ويفعل ما يعتقد وجوب تركه.
ثم رأوا أن الأمة قد كفرت الساب، فقالوا: إنما كفر؛ لأن سبه دليل على أنه لم يعتقد أنه حرام، واعتقاد حله: تكذيب للرسول، فكفر بهذا التكذيب لا بتلك الإهانة، وإنما الإهانة دليل على التكذيب.
فإن فرض أنه في نفس الأمر ليس بمكذب، كان في نفس الأمر مؤمنا، وإن كان حكم الظاهر إنما يجري عليه بما أظهره.
فهذا مأخذ المرجئة ومعتضديهم، وهم الذين يقولون: الإيمان هو الاعتقاد، والقول.
وغلاتهم، وهم الكرامية، الذين يقولون: هو مجرد القول، وإن عري عن الاعتقاد.
وأما الجهمية الذين يقولون: هو مجرد المعرفة والتصديق فقط، وإن لم يتكلم بلسانه، فلهم مأخذ آخر، وهو: أنه قد يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فإذا كان في قلبه التعظيم والتوقير للرسول، لم يقدح إظهار خلاف ذلك بلسانه في الباطن، كما لا ينفع المنافق إظهار خلاف ما في قلبه في الباطن" ((الصارم المسلول)) (3/965-966). ، ثم أفاض رحمه الله في الرد على هذه المقالة.
وبعد، فتلك هي معالم مسمى الإيمان عند فقهاء المرجئة، والتي ملخصها أنهم يحصرون الإيمان في القول دون العمل، قول القلب وقول اللسان، دون عمل القلب وعمل الجوارح، وأنهم يحكمون بكفر من لم يتكلم بلسانه مع قدرته عليه، وكفر إبليس وفرعون وغيرهما مع تصديق قلوبهم، وكفر الساب والشاتم.
بل أن المرجئة الفقهاء جاء عنهم ذم الإرجاء، والتحذير منه، إذ ذكر شيخ الإسلام أن أبا حنيفة وأصحابه يذمون المرجئة ((الفتاوى)) (13/41).
ونقل رحمه الله قول أبي يوسف: "دعوا قول أهل الخصومات، وأهل البدع في الأهواء، من المرجئة، والرافضة، والزيدية، والمشبهة، والشيعة، والخوارج، والقدرية، والمعتزلة، والجهمية" ((الفتاوى)) (16/476).
فمن المرجئة التي يحذر منها هؤلاء؟
أجاب شيخ الإسلام عن ذلك، حيث بين أن المرجئة عندهم هم الذين لا يوجبون الفرائض، ولا اجتناب المحارم ((الفتاوى)) (13/14) ؛ وأما القول بأن ترك العمل لا يضر، فكما قال شيخ الإسلام إن هذا كفر صريح، لا يعرف له قائلا، ولعله قول الغالية. انظر: ((الإيمان)) (ص172) ((الفتاوى)) (7/181). آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص 183

انظر أيضا: