موسوعة الفرق

المبحث السابع: نماذج من أعمال القلوب


ونبدأ ذلك ببيان موجز لما تعرض له عمل القلب من إعراض أو إسقاط أو خفاء لدى الأمة الإسلامية في  عصور الانحراف ، فنقول :
1- المتكلمون :
وهؤلاء أهملوا أعمال القلوب بالكلية جاعلين الإيمان قضية عقلية بحتة ، ولم يثبتوا من أعمال القلب سوى التصديق الخبرى الذى هو في  الحقيقة أشبه بالعمل الذهنى الخالص  -  وإن نسبوه للقلب.
وأصل هذا المذهب هو ذلك المبتدع الضال " الجهم بن صفوان " وقد أشار الإمام ابن جرير إلى فرقة أخرى تنكر عمل القلب، وبمراجعة فرق المرجئة فى  ((المقالات))  وجدت أنها الغسانية، انظر : (ص 284). وانظر ((تهذيب الآثار)) (2/199) و ((المقالات)) (1/137) والمؤسف جدا أن أكثرية متكلمى الأمة  -  وهم الأشاعرية والماترية  -  اعتنقوا هذا المذهب مع إطباق أئمة السلف العاصرين لنشأته على تكفير جهم وأصحابة ، واعتبار الجهمية فرقة خارجة عن فرق أهل القبلة الثلاث والسبعين [4455] انظر ((كتاب الايمان)) لأبي عبيد.
  ومن أغرب التناقضات عند هؤلاء أن يكون مت نقله أبو الحسن الأشعرى نفسه في  المقالات عن جهم والصالحى وبشر المريسى اليهودى هو ذات عقيدتهم التى صرح بها الباقلانى والجوينى وسائر أئمتهم إلى الإيجى ومن جاء بعده.
وليس هذا موضع المقارنة بين الجهمية والأشاعرية ، وحسبنا إن ننقل مذهب جهم كما سطره الأشعرى نفسه ، ثم نقارنه بكلام أكبر أئمة الأشاعرة المتقدمين وناشر مذهبهم [4456] انظر   ((تبيين كذب المفتري)).   -  القاضى الباقلانى.
يقول الأشعري في أول حديثه عن فرق المرجئة واختلافهم : " فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط ، وان ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما والخوف منهما "كذا" والعمل بالجوارح فليس بإيمان … قال : وهذا قول يحكى عن الجهم بن صفوان " [4457] ((مقالات الإسلاميين)) (1 / 130)
ويقول الباقلاني  -  في  بيان ما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به  -  " وأن يعلم أن الإيمان بالله عز وجل هو التصديق بالقلب … والدليل هو الإقرار بالقلب والتصديق قوله عز وجل :  وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [ يوسف:17]
وقد أتفق أهل اللغة قبل نزول القران وبعث الرسول عليه السلام على أن الإيمان في  اللغة هو التصديق دون سائر أفعال الجوارح والقلوب " [4458] ((الأنصاف)) ، (ص 22) ، وعن الرد على الأشاعرة فى هذا ، انظر : ((الإيمان)) لابن تيميه مواضع كثيرة منها : (ص 141-143) ، و (ص 178-180).
فهذا اتفاق بينهما على أن أعمال القلب والجوارح غير داخله في  الإيمان.
صحيح أن الجهمية تقول أن الإيمان المعرفة ، والأشاعرية يقولون : الإيمان التصديق ، ولكن ما تمحله الأشاعرة وتكلفوه من التفريق بين المعرفة وبين التصديق المجرد أمر لا يقبله العقلاء ، ولهذا رد عليه شيخ الإسلام ابن تيميه قائلا : " إن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالى عن الانقياد  -  الذى يجعل قول القلب  -  أمر دقيق ، وأكثر العقلاء ينكرونه ، وبتقدير صحته لا يجب على كل أحد معرفة القلب وتصديقه ، ويقولون ، إن ما قاله ابن كلاب والأشعرى من الفرق كلام باطل لا حقيقة له ، وكثير من أصحابه اعترف بعدم الفرق ……."
إلى إن يقول : "والمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه عسر عليه التفريق بين علمه بأن الرسول صادق ، وبين تصديق قلبه تصديقا مجردا عن انقياد وغيره من أعمال القلب بأنه صادق [4459] ((الإيمان)) ، (ص 281- 283) ، وبهذا يظل الفرق الجهمية والأشاعرة هو أن الجهمية يثبتون الإيمان حتى مع إنكار اللسان ، والأشاعرة ينفون الإيمان عمن صرح بالكفر بلسانه ، لأن هذا عندهم دليل على عدم تصديق القلب ، وعلى كل فاللوازم ليست كالأقوال ، والرأى فيها محتمل.
وأيضا فلو أضاف المتكلمون إلى التصديق شيئا أخر  -  من أعمال القلب  -  لا نخرم أصلهم وفسدت قاعدتهم التى هى أن الإيمان شئ واحد لا يتركب ولا يزيد ولا ينقص ، ولهذا ألزمهم الإمام أحمد  -  رحمه الله  -  إلزاما لا محيص لهم عنه حين قال  -  في  رسالته إلى الجوزجانى : " وأما من زعم أن الإيمان : الإقرار ، فما يقول في  المعرفة هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار ؟ وهل يحتاج إلى إن يكون مصدقا بما اقر ؟ قال محمد بن حاتم : وهل يحتاج إن يكون مصدقا بما عرف ؟ - فإن زعم انه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فقد زعم أنه يحتاج إن يكون مقراً ومصدقا بما عرف فهو من ثلاثة أشياء ، فإن جحد وقال : لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق فقد قال "قولا" عظيما ، ولا أحسب أحدا يدفع المعرفة.
قال المروزى : ولا أحسب أحدا يدفع المعرفة والتصديق [4460] الخلال لوحة ( 109 )
  ففى هذه الأسطر الموجزة ألزم الإمام أحمد إلزاما مفحما كل طوائف المرجئة  -  المتكلمين منهم والفقهاء  -  الذين يشتركون جميعا في  أصل وأحد هو عدم إدخال أعمال القلب في  الإيمان ، واعتباره عملا واحدا فقط ، إما الإقرار " الفقهاء " واما التصديق والمعرفة " المتكلمون : الجهمية و الأشاعرية و الماتريدية " وهو ألزم شئ للمتكلمين الأشاعرية والماتريدية الذين يفرقون بين مذهبهم ومذهب جهم بالتفريق بين المعرفة  -  التى هى قول جهم  -  وبين التصديق الذى هو مذهبهم.
فهذا التفريق نفسه يوقعهم في  هذا الإلزام ولا مناص، فإما أن يلتزموا القول بأن الإيمان هو التصديق المجرد عن المعرفة ، وهو ما لا يتصور أن أحدا يقوله ، وأما أن يقولوا إنه المعرفة مع التصديق ، فيبطل أصلهم الثابت وهو أنه شئ واحد لا يتركب ولا يتعدد وحينئذ يلزمهم إدخال سائر أعمال القلب كما أدخلوا المعرفة.
والحاصل أن هؤلاء لو تجردوا من لوثة التقيدات المنطقية والتكلفات النظرية نقلوها عن الفلاسفة ونظروا لآيات الوحى المبين  -  التى عرضنا بعضها  -  لأثبتوا أعمال القلب جميعها أجزاء من الإيمان القلبي الذي هو أهم شطري الإيمان.
2- المتصوفة :
كان ضلال المتصوفة في  أعمال القلب من نوع أخر فالقوم مع اهتمامهم الشديد بها [4461] الذي هو رد فعل لعقلانية المتكلمين وغلو المترفين وجفاف الفقه. وتسميتها أحوالا ومقامات وتفصيل دقائقها  -  أوقعهم الهوى والابتداع ومتابعة أسلافهم من صوفية الوثنيين الهنود واليونان في  تناقضات وتخبطات أخرجت طائفة منهم عن الدين كله.
فمن ذلك ضلالهم في  "الرضا" - الجامع للانقياد والقبول - فقد خرجوا فيه عما كان عليه السلف إلى معنى فلسفى وثنى، هو الرضا المطلق بكل ما في  الوجود لأنه من إرادة الله وقدره ، حتى اعتقدوا وجوب الرضا بالكفر والفسوق والعصيان ووقعوا في  الجبر المحض تحت ستار ما أسموه "شهادة الحقيقة الكونية" !! و "الاستبصار بسر الله في  القدر" !!
وضلوا في  الرجاء والمحبة : حيث افتعلوا بينهما تناقضا ، فاحتقروا الرجاء واعتبروه " أضعف مقامات المريدين " وغلوا في  المحبة حتى أسقطوا ما يقابلها من الخوف ، وجعلوا همهم  -  بزعمهم  -  عبادة الله لذاته لا طمعا في  جنته ولا خوفا من ناره وجعلوا ذروة المحبة : "الفناء" في  المحبوب، ولهذا قال فيهم السلف : "من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق " ، وأفضى بهم هذا إلى احتقار الجنة والنار ، واحتقار مقام الأنبياء ، بل اعتقاد الحلول والوحدة  -  عياذا بالله !!
ومن الناحية العلمية وضعوا قاعدة : "المحبة نار في القلب تحرق ما سوى المحبوب" واتخذوها ذريعة للتنصل من التعبدات التى تشغلهم عن المحبوب  -  بزعمهم  -  كالأشتغال بجهاد أعدائه وتعلم دينه وتعليمه ونشر دعوته بين العالمين.
وضلوا في  التوكل : فجعلوه سلبية مطلقة ، وتواكلا رخيصا ، وتسولا للمعطين ، وتعمدا لإلحاق الضرر بالنفس ، وتركا للأسباب المشروعة ، بل تركا لأعظم التعبدات  -  كالدعاء مثلا  -  فأسقطوا به وبالمحبة من أعمال القلوب الشيء الكثير ، فضلا على أنهم غفلوا عن أعظم درجات التوكل ، وهو التوكل على الله في  إقامة دينه،والجهاد في  سبيله ، ومقاومة الكفر والفساد  -  كما هو توكل الأنبياء.
وضلوا في  الزهد ، فأخرجوه من عمل قلبى إيجابى إلى مظهر سلبى ، حتى إنهم حرموا به طلب العلم ، لأن ذلك كما قالوا يؤدى إلى تقدير الناس للعالم ، وهذا  -  بزعمهم  -  ينافى الزهد ، وعبدوا الأمة للفقر وبه ، وحتى سموا أنفسهم الفقراء ، وسموا الله تعالى "الفقر" !!
وبالجملة فلا تكاد تجد شرطا من شروط لا إله إلا الله ولا عملا من أعمال القلب  -  إلا ولهم فيه ضلال وانحراف ، مما كان له أثره العميق في  انتشار الظاهرة واقعيا ، ولولا أن غرضنا هنا تتبع الظاهرة في  الفكر وأراء الفرق لتوسعنا في  تفصيل ذلك الذى هو أليق بالواقع والحياة.
3- المرجئة الفقهاء:
وهؤلاء يثبتون أعمال القلب في  ذاتها ولا ينكرون أهميتها ، لكنهم يجعلونها شيئا أخر سوى الإيمان ، كما يخرجون منه أعمال الجوارح ، فإذا سئلوا عن علاقتها بالإيمان قالوا هي من لوازمه أو ثمراته.
        وتأتى خطورة مذهبهم  -  لاسيما في العصور الأخيرة  -  من جهة أن الإخلال بشيء من أعمال القلوب  -  التى يعد الإخلال بها كفرا أو معصية في نظر الشارع  -  لا يكون  -  على مذهبهم  -  إخلالا بالإيمان  -  الذي هو الإقرار والتصديق  -  إلا باللازم والتبع ، وحسبك بهذا ذريعة إلى التساهل في  ذلك [4462] انظر ((الإيمان)) (ص 377)   -  ولو بمرور الزمن وتطور الظاهرة  -  ولهذا ألزمهم أهل السنة إلزاما لا محيص لهم عنه كما سبق في  كلام الإمام أحمد.
 وكذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيميه : " والمرجئة الذين قالوا : الإيمان تصديق القلب وقول اللسان والأعمال ليست منه ، وكان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها ولم يكن قولهم مثل قول جهم ، فعرفوا إن الإنسان لا يكون مؤمنا إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه ، وعرفوا أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم (  أي  بخلاف قول الأشاعرة في  هاتين القضيتين [4463] لأن الأشاعرة ينفون التصديق عمن ورد الشرع بتكفيره. ، لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في  الإيمان لزمهم قول جهم ، وإن أدخلوها في  الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا" [4464] ((الإيمان)) (ص 183)
وهنا ينبغي التنبيه على أمر مهم ، وهو أن ما ورد عن كثير من التابعين وتلامذتهم في ذم الإرجاء و أهله ، والتحذير من بدعتهم ، إنما المقصود به هؤلاء المرجئة الفقهاء ، فإن جهما لم يكن قد ظهر بعد ، وحتى بعد ظهوره كان بخراسان، ولم يعلم عن عقيدته بعض من ذم الإرجاء من علماء العراق وغيره الذين كانوا لا يعرفون إلا إرجاء فقهاء الكوفة ومن اتبعهم  ، وحتى إن بعض علماء المغرب كابن عبد البر لم يذكر إرجاء الجهمية بالمرة [4465] آى ضمن كلامه عن الفرق فى الإيمان فى ((التمهيد)) ، (ج9)
ثم حصل في القرن الرابع فصاعدا ما يشبه الاندماج بينهم وبين الأشاعرة ، ولم يبق لهم اليوم من وجود إلا بعض الحنفية ومن هؤلاء من يرى الخلاف بينهم وبين السلف الإسلام لفظيا فقط ، اعتمادا على كلام شارح الطحاوية وبعض مواضع من كلام شيخ الإسلام ابن تيميه ، وقد تقدم بيان الحق في ذلك.
 4- طائفة رابعة ليست كأحد من هذه الفرق البدعية :
ولكن خفى عليها مأخذ السلف ، فظهرت بمظهر العجز عن إثبات عقيدتها ، ونسبت للتقليد المحض ، وأعنى بذلك كثيرا من متأخرى أهل السنة الذين لم يقدموا بعمل كاف لصد تيار الإرجاء العصري ، بسبب عدم إدراكهم لبعض أسس العقيدة ومنطلقاتها ، ومن ذلك موضوع أعمال القلوب ، فقد أعياهم الجواب أمام مطالبة المرجئة بدليل على شروط لا إله الله من انقياد وقبول ويقين وصدق وإخلاص …الخ ، وزعمهم أن هذا من ابتداع ابن تيميه أو محمد بن عبد الوهاب الذى لا اصل له في  كلام السلف [4466] معلوم إن أهل السنة استدلوا عليهم بوجود هذه الشروط فى أكثر الأحاديث مثل " من قال : لا إله إلا الله مستيقنا "مخلصا" ….الخ ولكن التأصيل الكامل لشطر الإيمان القلبى لم يتفطن له فيما أعلم.
وهذا ما يعيدنا إلى قضية أهمية أعمال القلوب وضرورة بحث الحديث عنها وبيان منزلتها من الإيمان فلقد ترتب على إهمالها وإغفالها من الآثار المدمرة في  حياة الأمة الشىء الكثير ، ومن أعظم ذلك انحسار مفهوم العبادة وتضييقه ، وانتقاص توحيد الألوهية ووقوع الأمة في  الشرك الأكبر ، حتى أصبحت المرجئة في  القرون الأخيرة تجاهر بإنكار دخول هذه الإعمال في  العبادة والتأله  فقالوا : إن الرجاء والخوف والمحبة والتعظيم والرضا والتسليم والانقياد والطاعة ونحوها من تعبدات القلب  -  بل الدعاء والاستغاثة بالمخلوقين  -  لا علاقة لها بالشرك ، ولا يسمى فاعلها لغير الله مشركا ما دام يقول : لا إله إلا الله ويعتقد بقلبه صدق الرسول فيما جاء به !!
وإنما الشرك بزعمهم اعتقاد القلب أن هذا المخلوق إله أو رب معبود ، والكفر أن يعتقد بقلبه أن ما يفعله من الأعمال كفر ، أما إذا عمل أعمال الكفر [4467] كالتشريع من دون الله فى عصرنا الحاضر مع اعتقاده أن ذلك لا يخرجه من الملة فليس بكافر!!
وقد اصطدمت هذه الفكرة بالعقيدة السلفية بطبيعة الحال ، وجرى بين المنهجين جولات ومعارك  -  أبرزها المعركة التى دارت أيام شيخ الإسلام ابن تيميه ، ثم الجولة التى دارت بظهور دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ، وما تزال المعركة قائمة على أشدها وما يزال مذهب المرجئة هو الطاغي على اكثر بقاع العالم الإسلامي.
 وهكذا ظلت هذه القضية هى جوهر كل الدعاوى التى أشهرها المؤلفون الإرجائيون على عقيدة السنة والجماعة باسم الرد على ما أسموه " الوهابية ".
كما أنها ظلت كذلك بعد استفحال شرك التشريع ، وظهور الدعاة الذين أعلنوا أن تحكيم غير شرع الله كفر أكبر ينافى شهادة أن لا إله إلا الله.
ومن هنا اقتضى الأمر تفصيل الحديث عن بعض أعمال القلوب ، وهو ما سنشرع فيه بإذن الله.
1- الرضا :
كلمة الرضا تجمع بين شرطين من الشروط إلى ذكرها بعض العلماء لشهادة أن لا إله إلا الله وهما " القبول والانقياد " بل الرضا أعلى منهما وأشمل [4468] الرضا يتضمن الصبر والمحبة تتضمن الرغبة. وقد أثرته لذلك ولكونه لفظا شرعيا ورد في  الكتاب والسنة.
وحسبك في  تعظيمه قوله تعالى :
  الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [ المائدة:3]
فما رضيه الله لنا وهو الغنى الحميد ، فنحن أولى أن نرضى به وأحق.
فالرضا بالدين هو " أساس الإسلام وقاعدة الإيمان ، فيجب على العبد أن يكون راضيا به بلا حرج ، ولا منازعة ، ولا معارضة ، ولا اعتراض ، قال الله تعالى :  فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [ النساء :65]
فأقسم أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله وحتى يرفع الحرج من نفوسهم من حكمه ، وحتى يسلموا لحكمه تسليما وهذه حقيقة الرضا بحكمه [4469] ((مدارج السالكين)) (2 / 192)
وليس هذا الرضا على درجة واحدة ، بل هو  -  كما في  الآية  -  على ثلاث مراتب " فالتحكيم في  مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في  مقام الإيمان ، والتسليم في  مقام الإحسان [4470] ((مدارج السالكين)) (2 / 192) فمن لم يرض بتحكيم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم في  أصول الدين وفروعه الشريعة ويتحاكم إليه ، فهو معترض بنوع من أنواع الاعتراض الآتى تفصيلها فلهذا لا يكون مسلما  -  وإن رغم ذلك ، كما قال تعالى في  الآيات التى قبلها:
  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ [ النساء:60]
        وكيف لا وأول كفر وقع في هذا العالم إنما نشا " من عدم الرضا ، فإبليس لم يرض بحكم الله الذي حكم به كونا  -  من تفضيل آدم وتكريمه ، ولا بحكمه الديني  -  من أمره بالسجود لآدم " [4471] ((المدارج)) (2 / 214) ، مع تصديقه بالله واليوم الآخر ، وان الله هو الإله دون ما سواه.
        ومن رضي بأصل التحكيم لكن لم ينتف الحرج عن نفسه بل ربما زعزعته شبهة أو لحقه شك ، فهذا كالأعراب الذين اسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم.
        ومن انتفي عنه الحرج لكن لم يرق إلى درجة التسليم المطلق للوحي أمرا ونهيا وخبرا ، فهو ناقص عن مرتبة الإحسان التي كان عليها الصحابة رضي الله عنهم ، والتي كان الصديق في ذروتها حتى في اشق المواقف ، كموقف الحديبية [4472] سبق الحديث عنه من (ص 73) فصاعدا.
        وهذا هو الرضا الذي قال عنه ابن القيم : " إن الرضا من أعمال القلوب نظير الجهاد من أعمال الجوارح ، فان كل واحد منهما ذروة سنام الإيمان ، قال أبو الدرداء : ذروة سنام الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر " [4473] ((المدارج)) (2 / 214)
        والرضا يشمل التوحيد كله ، ربوبية وألوهية ، طاعة وتقربا ، ومن هنا قال النبي صلي الله عليه وسلم : " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا " ، وقال: " من قال حين يسمع النداء : رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا ، غفرت له ذنوبه ".
        " وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين واليهما ينتهي ، وقد تضمنا الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته ، والرضا برسوله والانقياد له والرضا بدينه والتسليم له.
        فالرضا بأولوهيته يتضمن الرضا بمحبته وحده ، وخوفه ورجائه ، والإنابة إليه ، والتبتل إليه ، وانجذاب قوي الإرادة والحب كلها إليها ، وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له.
        والرضا بربوبيته : يتضمن الرضا بتدبيره لعبده ، ويتضمن أفراده بالتوكيل عليه والاستعانة به والثقة به والاعتماد عليه ، وان يكون راضيا بكل ما يفعل به.
        فالأول : ( أي رضا الألوهية ) : يتضمن رضاه بما أمر به.
        والثاني : يتضمن رضاه بما يقدر عليه.
        وأما الرضا بنبيه رسولا : فيتضمن كمال الانقياد له والتسليم المطلق إليه  -  بحيث يكون أولى به من نفسه ، فلا يتلقى الهدي إلا من مواقع كلماته ، ولا يحاكم إلا إليه ، ولا يحكم عليه غيره ، ولا يرضي بحكم غيره البتة ، لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله ، ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته ، ولا في شيء من أحكام ظاهرة وباطنة.      
لا يرضي في ذلك بحكم غيره ، ولا يرضي إلا بحكمه ، فان عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة والدم ، واحسن أحواله إن يكون من باب التراب الذي إنما يتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور [4474] يقصد الشيخ اتباع غيره صلي الله عليه وسلم كتقليد أحد الأئمة لمن هو مضطر لذلك لجهل ونحوه.
وأما الرضا بدينه : فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهي رضي كل الرضا ، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه ، وسلم له تسليما  -  ولو كان مخالفا لمراد نفسه أو هواها أو قول مقلده أو شيخه وطائفته " [4475] ثم قال رحمه الله : " وهاهنا يوحشك الناس كلهم إلا الغرباء في العالم فإياك إن تستوحش من الاغتراب والتفرد ، فانه والله عين العزة والصحبة مع الله ورسوله ، وروح الأنس والرضا به ربا وبمحمد رسولا صلي الله عليه وسلم وبالإسلام دينا ((مدارج السالكين)) (2/172 – 173).
        ولهذا جاء هذا الرضا بأنواعه مبينا في سورة الأنعام التي هي سورة التوحيد العظمى ، فقد اشتملت علي ثلاثة أنواع من الرضا هي جماع التوحيد كله :
1-    الرضا بالله ربا لا شريك له في التقرب والتأله والتعبد :
  قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام:164]
2-    الرضا بالله حكما لا شريك له في التشريع والطاعة :
  أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً [ الأنعام:114]  .
3-    الرضا بالله وليا لا شريك له في محبته وموالاته :
  قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [ الأنعام:14]
وقد شرح ذلك الإمام ابن القيم فقال : " الرضا بالله ربا : إلا يتخذ ربا  -  غير الله تعالي  -  يسكن إلى تدبيره وينزل به حوائجه ، قال تعالي : قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام:164] قال ابن عباس رضي الله عنهما : " سيدا والها " ، يعني فكيف أطلب ربا غيره وهو رب كل شيء ؟ وقال في أول السورة : قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام:164] يعني معبودا وناصرا ومعينا وملجأ ، وهو من الموالاة التي تتضمن الحب والطاعة.
وقال في وسطها : أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً [الأنعام:114] ، أي أفغير الله ابتغي من يحكم بيني وبينكم فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه ؟ وهذا كتابه سيد الحكام ، فكيف نتحاكم إلى غير كتابة ؟ وقد أنزله مفصلا مبينا كافيا شافيا ؟!
وأنت إذا تأملت هذه الآيات حق التأمل ، رايتها هي نفس الرضا بالله ربا وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلي الله عليه وسلم رسولا ، ورأيت الحديث يترجم عنها ، ومشتقا منها ، فكثير من الناس يرضي بالله ربا ولا يبغي ربا سواه ، لكنه لا يرضي به وحده وليا وناصرا ، بل يوالي من دونه أولياء ظنا منه انهم يقربونه إلى الله ، وان موالاتهم كموالاة خواص الملك ، وهذا عين الشرك ، بل التوحيد ، إلا يتخذ من دونه أولياء ، والقران مملوء من وصف المشركين بأنهم اتخذوا من دونه أولياء.
وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين فيه ، فان هذا من تمام الإيمان ومن تمام موالاته ، فموالاة أوليائه واتخاذ الولي من دونه لون ، ومن لم يفهم الفرقان بينهما فليطلب التوحيد من أساسه ، فان هذه المسالة اصل التوحيد وأساسه.
وكثير من الناس يبتغي غيره حكما يتحاكم إليه ، ويخاصم إليه ، ويرضي بحكمه ، وهذه المقامات الثلاث هي أركان التوحيد : إلا يتخذ سواه ربا ، ولا إلها ، ولا غيره حكما.
وتفسير الرضا بالله ربا : إن يسخط عبادة ما دونه ، هذا هو الرضا بالله إلها ، وهو تمام الرضا بالله ربا ، فمن اعطى الرضى به ربا حقه سخط عبادة ما دونه قطعا ، لأن الرضاء بتجريد ربوبيته يستلزم تجريد عبادته ، كما إن العلم بتوحيد الربوبية يستلزم العلم بتوحيد الإلهية ……
فالحاصل : إن يكون الله وحده المحبوب المعظم المطاع ، فمن لم يحبه ولم يطعه ولم يعظمه : فهو متكبر عليه ، ومتي احب معه سواه ، وعظم معه سواه ، وأطاع معه سواه : فهو مشرك ، ومتي افرده وحده بالحب والتعظيم والطاعة فهو عبد موحد ، والله سبحانه وتعالى اعلم" [4476] ((المدارج)) (2 / 181 / 183)
        ومنافي الرضا ومقابله هو الاعتراض والكراهية لما انزل الله  -  بعضه أو  كله ، وإذا فسرناه بالقول والانقياد ، فضدهما الرد والاعتراض والإباء.
        وكل هذا مما وقعت فيه الأمة كليا أو جزئيا ، فوقع فيها الاعتراض علي توحيد المعرفة والإثبات ، والاعتراض علي الأمر الشرعي بالتحليل والتحريم ، والاعتراض علي الأمر الكوني ، فاعترض كثير منهم علي صفاته ، وشريعته ، وقضائه وقدره.
        واصل هذه الاعتراضات التلقي عن غير الله ورسوله ، والاستمداد من غير الوحي وتحكيم غيره ، فمنهم من حكم العقل  -  بزعمه  -  فنقل فلسفات الوثنيين وحثالة فكر التائهين ، وهؤلاء هم أصحاب الكلام.
ومنهم من حكم الذوق والوجد والكشف ، وانتكس بالعقل المسلم إلى حضيض الخرافة والوهم ، وهؤلاء هم الصوفية.
و منهم من حكم الأقيسة العقلية ، والأعراف السياسية ، بحجة تحقيق المصلحة الشرعية ، ومراعاة الأصول العقلية  - بزعمهم  -  فاحلوا من الدماء والأموال والفروج وما ورد النص الصريح بتحريمه ، وكان ذلك مع وقوعه في دائرة الاجتهاد الخطأ أو التطبيق المتعسف ممهدا لما وقعت فيه الأمة في العصر الحديث من الشرك الأكبر والاعتراض الأطم بتحكيم القوانين الوضعية وإحلالها محل الشريعة ، بل الكراهية الصريحة لكثير مما أنزل الله ، وبخاصة في الجهاد والحجاب والموالاة والسياسة ، ولندع الإمام ابن القيم يفصل لنا الاعتراض التي وصلت إليها الأمة في عصره ، وحسبك إن تقول بعدها : " كيف لو رأي زماننا هذا ؟!".
        يقول رحمه الله : " الاعتراض : ثلاثة أنواع سارية في الناس ، والمعصوم من عصمه الله منها.
 النوع الأول : الاعتراض علي أسمائه وصفاته بالشبه الباطلة :
        التي يسميها أربابها قواطع عقلية ، وهي في الحقيقة خيالات جهلية ، ومحالات ذهنية ، اعترضوا بها علي أسمائه وصفاته عز وجل وحكموا بها عليه ، ونفوا لأجلها ما أثبته لنفسه ، وأثبته له رسول الله صلي الله عليه وسلم ، واثبتوا ما نفاه ، ووالوا بها أعداءه ، وعادوا بها أولياءه ، وحرفوا بها الكلم عن مواضعه، ونسوا بها نصيبا كثيرا مما ذكروا به ، وتقطعوا لها أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون.
        والعاصم من هذا الاعتراض : التسليم المحض للوحي ، فإذا سلم القلب له ر أي  صحة ما جاء به ، وانه الحق بصريح العقل والفطرة ، فاجتمع له السمع والعقل والفطرة ، وهذا اكمل الإيمان. ليس كمن الحرب قائمة بين سمعه وعقله وفطرته.
 النوع الثاني : الاعتراض علي شرعه وأمره :
        وأهل هذا الاعتراض ثلاثة أنواع :
        الأول : المعترضون عليه بآرائهم وأقيستهم المتضمنة تحليل ما حرم الله سبحانه وتعالى ، وتحريم ما أباحه ، وإسقاط ما أوجبه ، وإيجاب ما أسقطه ، وإبطال ما صححه، وتصحيح ما أبطله، واعتبار ما ألغاه ، وإلغاء ما اعتبره ، وتقييد ما أطلقه ، وإطلاق ما قيده.
وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتفق السلف قاطبة على ذمها ، وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض ، وحذروا منهم ونفروا عنهم.
الثاني : الاعتراض علي حقائق الإيمان والشرع بالأذواق ، والمواجيد ، والخيالات ، والكشوفات الباطلة الشيطانية ، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله ، وإبطال دينه الذي شرعه علي لسان رسوله ، والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان ، وحظوظ النفوس الجاهلة.
والعجب إن أربابها ينكرون على أهل الحظوظ ، وكل ما هم فيه فحظ ، ولكن حظهم متضمن مخالفة مراد الله ، والإعراض عن دينه ، واعتقاد انه قربة إلى الله ، فأين هذا من حظوظ أصحاب الشهوات المعترفين بذمها ، المستغفرين منها ، المقرين بنقصهم وعيبهم ، وأنها منافية للدين ؟!
وهؤلاء في حظوظ اتخذوها دينا ، وقدموها علي شرع الله ودينه ، واغتالوا بها القلوب واقتطعوها عن طريق الله ، فتولد من معقول أولئك ، وآراء الآخرين وأقيستهم الباطلة ، وأذواق هؤلاء خراب العالم ، وفساد الوجود وهدم قواعد الدين ، وتفاقم الأمر وكاد ، لولا إن الله ضمن انه لا يزال يقوم من يحفظه ، ويبين معالمه، ويحميه من كيد من يكيد.
الثالث : الاعتراض علي ذلك بالسياسات الجائرة التي لأرباب الولايات التي قدموها علي حكم الله ورسوله ، وحكموا بها بين عباده ، وعطلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده.
        فقال الأولون : إذا تعارض العقل والنقل ، قدمنا العقل.
        وقال الآخرون : إذا تعارض الأثر والقياس ، قدمنا القياس.
        وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد : إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع ، قدمنا الذوق والوجد والكشف.
        وقال أصحاب السياسة : إذا تعارضت السياسة والشرع ، قدمنا السياسة.
        فجعلت كل طائفة قبالة دين الله وشرعه طاغوتا يتحاكمون إليه.
        فهؤلاء يقولون : لكم النقل ولنا العقل ، والآخرون : انتم أصحاب آثار وأخبار ونحن أصحاب أقيسة وآراء وأفكار ، وأولئك يقولون : انتم أرباب الظاهر ، ونحن أهل الحقائق ، والآخرون يقولون : لكم الشرع ولنا السياسة.
 النوع الثالث [4477] في الأصل : الرابع وهو خطأ. : الاعتراض علي أفعاله وقضائه وقدره :
وهذا اعتراض الجهال ، وهو ما بين جلي وخفي ، وهو أنواع لا تحصي [4478] وذلك مثل اعتراض الكفار علي اختيار الرسول صلي الله عليه وسلم ، واعتراض اليهود علي كونه ليس منهم ، ويلحق به اعتراض الخوارج علي قسمته ، وأشباه ذلك كثير .      
وهو سار في النفوس سريان الحمى في بدن المحموم ، ولو تأمل العبد كلامه وأمنيته وإرادته وأحواله ، لرأي ذلك في قلبه عيانا ، فكل نفس معترضة على قدر الله وقسمه وأفعاله إلا نفسا قد اطمأنت إليه ، وعرفته حق المعرفة التي يمكن وصول البشر إليها فتلك حظها التسليم والانقياد. والرضا كل الرضا " [4479] ((المدارج)) (3 / 69 – 71)
2- المحبة :
المحبة أساس كل عمل من أعمال الدين والإيمان ، كما إن التصديق أساس كل قول من الأقوال [4480] انظر كلام شيخ الإسلام الآتي في نهاية هذا الموضوع. ، وذلك إن كل عمل يعمله الإنسان لابد إن يكون عن إرادة قلبية  -  كما أوضحنا سلفا  -  وهذه الإرادة أما إن تكون حبا أو كرها ، فدافع العمل لا يخرج عن إن يكون رغبة وطواعية أو رهبة وإجبارا.
وأعمال الدين قسمان :
 أولا : التعبدي المحض كالصلاة والصيام والحج.
 والآخر : ما كان تابعا للنية ، كالآكل والنوم بنية الاستعانة علي الطاعة ، والإنفاق علي الأهل بنية القربة ، ونحوه.
فالأول لا يصلح إلا بالنية ، والآخر لا يكون مأجورا عليه ومتقربا به إلا بها فاتضح إن النية أساس في الأعمال كلها.
وهذه النية هي بمعنى الإرادة والغاية ، وهي التي لا تخلو من إن تكون حبا أو كرها ، أما النية الخاصة التي يذكرها الفقهاء في الأحكام فشيء آخر.
        وقد اخبر الله سبحانه وتعالى عن اختلاف حالي المؤمن والمنافق وعاقبتيهما بحسب اختلاف نية كل منهما  -  مع اتفاق عملهما في الصورة والمظهر ، كالإنفاق مثلا ، فقال تعالى  الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى  وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى  إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى [ الليل: 17  -  21 ]
        وقال :  وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ [ التوبة:54] فالمؤمن يعمل الطاعة محبا لها راضيا بها  -  فكان جزاؤه القبول والرضا ، والمنافق يعملها كارها كسلان  -  فكان جزاؤه الرد والإحباط.
والمؤمنون أنفسهم تتفاوت درجات إيمانهم بحسب المحبة والرضا ، فكم بين إسلام أبى ذر الذي تحمل المشاق حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما اسلم أعلن إسلامه بين ظهراني الكفار مستعذبا ضربهم وأذاهم يوما بعد يوم [4481] تقدمت قصة إسلامه. ، وبين إسلام الأعرابي الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ((  اسلم " ، فقال : أجدني كارها ، فقال : " اسلم وان كنت كارها ))  [4482] ((المسند)) (3/19 ، 181) ، ومعني قوله : اجدني كارها : إن نفسه فيها كره للدين ولم ينشرح صدره للإسلام بعد ، فأرشده النبي صلي الله عليه وسلم إلى إرغام النفس وقبول الحق.
        بل كم بين إسلام سلمان  -  الذي قضي السنين الطوال بحثا عن الدين الحق  وانتقل من خدمة راهب إلى آخر حتى وقع في الرق ، وبلغه خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على النخلة ، فكاد يسقط فرحا وشوقا [4483] انظر قصة إسلام سلمان في ((الفتح)).   -  وبين إسلام المؤلفة قلوبهم من جفاه الأعراب الذين دخلوا في الإسلام بذل ذليل.
ومن هنا كانت المحبة أصل أعمال القلوب ، وشرطاً من شروط لا اله إلا الله ، " فان الإسلام هو الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله، فمن لا محبة له لا إسلام له البتة ، بل هي حقيقة شهادة إن لا اله إلا الله ، فان " الإله " هو الذي يألهه العباد حبا وذلا وخوفا ورجاء وتعظيما وطاعة له، بمعنى "مألوه" وهو الذي تألهه القلوب، أي تحبه وتذل له.
        وأصل " التأله " التعبد ، والتعبد آخر مراتب الحب ، يقال : عبده الحب وتيمه إذا ملكه وذلله لمحبوبة.
فالمحبة حقيقة العبودية ، وهل تمكن الإنابة بدون المحبة والرضا والحمد والشكر والخوف والرجاء ؟ وهل الصبر في الحقيقة إلا صبر المحبين ؟ ( وهل التوكل إلا توكل المحبين [4484] زيادة يقتضيها السياق. ، فإنه إنما يتوكل علي المحبوب في حصول محابه ومراضية.
        وكذلك الزهد في الحقيقة هو زهد المحبين فانهم يزهدون فيما سوي محبوبهم لمحبته ، وكذلك الحياء في الحقيقة إنما هو حياء المحبين ، فانه يتولد من بين الحب والتعظيم ، وأما ما لا يكون عن محبة فهو خوف محض " [4485] ((المدارج)) (3 / 26).
        وهكذا في سائر أعمال القلب التي لا يكون العبد شاهدا أن لا اله إلا الله بدونها.
وقد جعل الله تعالى إخلاص المحبة فرقانا بين المؤمنين والكافرين ، فمن أشرك مع الله غيره في المحبة وسواه به فهو المشرك المتخذ من دون الله ندا معبودا ، فضلا عمن خلا قلبه من محبة الله ورسوله ودينه بالمرة وكره ذلك ، فهذا كافر كفر إبليس وفرعون ، مهما كان في قلبه من " تصديق " مجرد.
        يقول الله تعالى :  وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ [ البقرة:165]
        فأخبر إن من احب من دون الله شيئا  -  كما يحب الله تعالى  -  فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا ، فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية ، فان أحدا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية  -  بخلاف ند المحبة ، فان اكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في الحب والتعظيم.
        وهذه هي التسوية المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم وهم في النار يقولون لآلهتهم و أندادهم وهي محضرة معهم في العذاب : تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ  إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [ الشعراء : 97  -  98 ]، ومعلوم انهم لم يسووهم برب العالمين في الخلق والربوبية ، وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم " والطاعة والتشريع ".
        وهذا أيضا هو العدل المذكور في قوله تعالى : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ [الأنعام:1] أي يعدلون به غيره في العبادة التي هي المحبة والتعظيم ….. " [4486] ((المدارج)) (3 / 21)
        وإذا كان تجريد المحبة وإخلاصها هو متعلق الشطر الأول من شطري الشهادة ، وهو " شهادة إن لا اله إلا الله "  -  فان تجريد المتابعة والتحكيم للرسول صلى الله عليه وسلم هو تحقيق المحبة المتعلق بالشطر الآخر " شهادة إن محمدا رسول الله " ، يقول الله تعالى :
          قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [ آل عمران : 31  -  32 ]
فهذه هي آية المحبة وهي آية المحنة ، " قال بعض السلف : ادعي قوم محبة الله، فانزل الله آية المحنة : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ[ آل عمران : 31 ] [4487] ((المدارج)) (ص 22)
        يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله : " هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية ، فانه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأعماله  -  كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال : " من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد "
        قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ [ آل عمران : 32 ]  أي تخالفوا عن أمره فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ[ آل عمران : 32 ]، فدل على إن مخالفته في الطريقة كفر ، والله لا يحب من اتصف بذلك  -  وان ادعى وزعم في نفسه انه محب لله ، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم :  (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون احب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ) [4488] رواه البخاري ومسلم رقم 44
        ونواصل مع ابن القيم رحمه الله حيث يقول : " فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله ، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم  -  فيستحيل إذا ثبوت محبتهم لله وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسوله.
        ودل على إن متابعة الرسول صلي الله عليه وسلم هي حب الله ورسوله ، وطاعة أمره ، ولا يكفي ذلك في العبودية  -  حتى يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما ، فلا يكون عنده شيء احب إليه من الله ورسوله ، ومتى كان عنده شيء احب إليه منهما فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله لصاحبه البتة ، ولا يهديه الله  -  قال الله تعالى :  قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24] فكل من قدم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله ، أو قول أحد منهم على قول الله ورسوله ، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله ، أو خوف أحد منهم ورجاءه والتوكل عليه على خوف الله ورجائه والتوكل عليه ، أو معاملة أحدهم على معاملة الله  -  فهو ممن ليس الله ورسوله احب إليه مما سواهما ، وان قال بلسانه فهو كذب منه ، وإخبار بخلاف ما هو عليه.
        وكذلك من قدم حكم أحد على حكم الله ورسوله ، فذلك المقدم عنده احب إليه من الله ورسوله ، لكن قد يشتبه الأمر على من يقول قول أحد ، أو حكمه ، أو طاعته ، أو مرضاته ، ظنا منه انه لا يأمر ولا يحكم ولا يقول إلا ما قاله الرسول  -  فيطيعه ، ويحاكم إليه ،  ويتلقى أقواله كذلك ، فهذا معذور إذا لم يقدر على غير ذلك.
        وأما إذا قدر على الوصول إلى الرسول ، وعرف إن غير من اتبعه هو أولى به مطلقا ، أو في بعض الأمور، ولم يلتفت إلى الرسول ولا إلى من هو أولى به  -  فهذا الذي يخاف عليه ، وهو داخل تحت الوعيد ، فإن استحل عقوبة من خالفه وأذله ، ولم يوافقه على اتباع شيخه فهو من الظلمة المعتدين ، وقد جعل الله لكل شيء قدرا " [4489] ((مدارج السالكين)) (1 / 99 - 100) ويقول رحمه الله في بيان بعض لوازم محبته صلى الله عليه وسلم وهو الأدب معه :  "رأس الأدب معه : كمال التسليم والانقياد لأمره ، وتلقي خبره بالقبول والتصديق ، دون إن يحمله معارضة خيال باطل يسميه معقولا ، أو يحمله شبهة أو شكا ، أو يقدم عليه آراء الرجال وزبالات أذهانهم.
فيوحده بالتحكيم والتسليم ، والانقياد والإذعان  -  كما وحد المرسل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل.
فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما : توحيد المرسل ، وتوحيد متابعة الرسول ، فلا يحاكم إلى غيره ، ولا يرضى بحكم غيره ، ولا يرضي بحكم غيره ، ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه ، وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه ، فان أذنوا له نفذ وقبل خبره، وإلا فان طلب السلامة اعرض عن أمره وخبره ، وفوضه إليهم ، وإلا حرفه عن مواضعه ، وسمي تحريفه : تأويلا وحملا ، فقال : نؤوله ونحمله فلئن يلقي العبد ربه بكل ذنب على الإطلاق  -  ما خلا الشرك بالله  -  خير له من إن يلقاه بهذه الحال.
ولقد خاطبت يوما بعض أكابر هؤلاء ، فقلت له : سألتك بالله لو قدر إن الرسول صلى الله عليه وسلم حي بين أظهرنا ، وقد واجهنا بكلامه وبخطابه ، أكان فرضا علينا إن نتبعه من غير إن نعرضه على رأي غيره وكلامه ومذهبه ، أم لا نتبعه حتى نعرض ما سمعناه منه على آراء الناس وعقولهم ؟!
فقال : بل كان الفرض المبادرة إلى الامتثال من غير التفات إلى سواه ، فقلت : فما الذي نسخ هذا الفرض عنا وبأي شيء نسخ ؟! فوضع إصبعه علي فيه ، وبقي باهتا متحيرا وما نطق بكلمة.
هذا أدب الخواص معه ، لا مخالفة أمره والشرك به ، ورفع الأصوات ، وإزعاج الأعضاء بالصلاة عليه والتسليم [4490] يقصد الإمام بذلك الرد على المتصوفة وما يفعلونه في الموالد وغيرها. ، وعزل كلامه عن اليقين ، وان يستفاد منه معرفة الله أو يتلقى منه أحكامه ".
ويقول : ((  ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : إن يكون الله ورسوله احب إليه مما سواهما ، وان يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وان يكره إن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره إن يلقى في النار ) [4491] رواه البخاري ومسلم رقم 43
وليست محبة الله ورسوله دعوى يمكن إن تلوكها ألسنة الزنادقة أو المبتدعين ، أو شعارا يرفعه المنافقون ، بل هي تحقيق توحيد الله وطاعته باتباع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، فمحبته صلى الله عليه وسلم التي لا يكون العبد شاهدا إن محمدا رسول الله إلا بها لا تتحقق إلا باتباعه وتعزيره وتوقيره وتعظيم سنته والتخلي عن التقديم بين يدي أمره ونهيه  -  كما جاء في حديث : ((  لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ))  [4492] انظر الكلام عن سنده في ((جامع العلوم والحكم)).
يقول الإمام ابن القيم في بيان هذا الأصل العظيم " اصل العبادة : محبة الله ، وفيه ، كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته وأولياءه ، فمحبتهم من تمام محبته ، وليست محبة معه ، كمحبة من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحبه. 
وإذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرها ، فهي إنما تتحقق باتباع آمره ، واجتناب نهيه ، فعند اتباع الأمر واجتناب النهى تتبين حقيقة العبودية والمحبة ، ولهذا جعل تعالى اتباع رسوله علما عليها ، وشاهدا لمن ادعاها ، فقال تعالى : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ[ آل عمران : 31 ]
فجعل اتباع رسوله مشروطا بمحبتهم لله ، وشرطا لمحبة الله لهم ، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شروطه ، وتحققه بتحققه ، فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة.
بل المعول في  باب معرفة الله : على العقول المتهوكة المتحرية المتناقضة ، وفى الأحكام : على تقليد الرجال وآرائها ، والقران والسنة إنما نقرؤهما تبركا لا أنا نتلقى منها أصول الدين لا فروعه ، ومن طلب ذلك ورامه عاديناه وسعينا في  قطع دابره واستئصال شأفته …" [4493] ((المدارج)) (2 / 387 – 388)
انظر إلى كلام هذا الإمام وهو يتحدث عن واقع عصره حين كان الانحراف في  توحيد الله بالعبادة ، وتوحيد الرسول بالمتابعة - مع دعوى المحبة لله ورسوله - محصورا في  الضلالات الكلامية والبدع السلوكية، كقول الأشاعرة : إن الظواهر النقلية لا بد من عرضها على القواطع ، لأنها يقين ، وظواهر النقل ظنون بزعمهم [4494] انظر الفصل المتعلق بقانون التعارض من أساس التقديس للرازي.
وكقول المتصوفة بعرض النصوص الشرعية على الكشف والذوق والحال وكقول المتفقة بعرض الأحاديث الصحيحة على كلام إمام المذهب ، ونحو ذلك من الانحرافات المغلفة بالتأويلات الفاسدة.
أقول : ذلك الانحراف على خطورته أين منه ما وقع في  العصور الأخيرة ، من تحكيم صريح لقوانين الكفار ومناهجهم وطرق حياتهم ، وتقديم ذلك على الكتاب والسنة ، ومحاربة الداعين إلى التمسك بالدين وتحكيم الشريعة ، واستئصال شأفتهم ؟! ومع هذا يدعى أصحاب هذا الكفر المبين ورجال دينهم محبة الله ورسوله ويعبرون عن هذا الحب المزعوم بالمظاهر والاحتفالات البدعية ، وأعمال " الضرار" الأخرى ويستدرجون بها عقول بعض العلماء الناصحين ، فيتورعون عن الحكم عليهم بما حكم الله عليهم به متذرعين بأنهم غير مستحلين !!
إن الصورة العصرية المناقضة لشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أي لتوحيد العبادة وتوحيد المتابعة  -  تتجرد عن التأويلات والأقيسة ، وتتعرى عن قصد المصلحة والإخلاص ، وتتجلى في  صورة افتئات صارخ على مقام الألوهية ، وتحكم مقنن في حكم الله ورسوله.
هذه الصورة التي من مظاهرها المتكررة الدائمة عرض حكم الله ورسوله وتوقف إقراره على موافقة السلطة التى منحها القانون حق التشريع المطلق.
مثال ذلك : تحريم الخمر ، وهو حكم قطعى ضرورى في  الشريعة الإسلامية ، يتوسل الدعاة والعلماء الطيبون إلى السلطة الحاكمة أن تقره لكى يصبح تشريعا رسميا ملزما ، فإن تكرمت السلطة وقبلت الطلب عرضته على المجلس التشريعى الذي أعطى بحكم الدستور حق التشريع المطلق  -  ليبدي رأيه  بالموافقة أو عدمها!
ثم في المجلس تدور معركة الأصوات بين المؤيدين والمعارضين الذين يعترضون بكل ثقة وبكل جرأة ، لأنهم يمارسون عملهم الطبيعي وسلطتهم المشروعة.
        وفي أحسن الحالات  -  بل على أحسن الافتراضات  -  يحصل القرار على الأغلبية ، وهنا فقط يصبح حكما ملزما ، ويدرج ضمن مواد التشريع الوضعي على انه فقرة من فقراته.
ومع ذلك يظل حق السلطة التشريعية الثابت في إلغاء هذه المادة  -  متى شاءت  -  محفوظا بحكم الدستور.
أي لو فرضنا إن دولة ما طبقت بعض أحكام الشريعة ، كجلد شارب الخمر مثلا ، فهذا الحكم لم يكتسب صفة القانون والإلزام والتنفيذ لصدوره عن الله عز وجل ، بل لصدوره عن السلطة التشريعية الرسمية التي أقرته بعد عرضه عليها !!
فالله جل جلاله  -  عندهم  -  ليس من حقه التشريع لذاته ، ولا هو أهل لان يطاع ، وليس لحكمه صفة الإلزام لذاته ، وإنما ينتقي ويختار من أحكامه بناء على موافقة مصدر السلطات ومالك حق التشريع ، وهم البشر !!
ونحن نسأل هؤلاء المدعين للإسلام السؤال نفسه الذي سأله الإمام ابن القيم أسلافهم ، فنقول : لو قدر إن الرسول صلى الله عليه وسلم حي بين أظهرنا ، وواجهنا بكلامه وبخطابه وتلا علينا حكم الله في أي أمر ، أكان فرضا علينا إن نتبعه ونطيعه رأسا  -  أم نعرض ما يأتينا به على تلك المجالس ؟
فسيقولون : بل لابد من الامتثال والطاعة توا ، فنقول : أغياب شخص النبي صلى الله عليه وسلم ، مع بقاء دينه غضا طريا كما نزل هو السبب إذن في إعراضكم عن شرع الله ، وتطاولكم على مقام الألوهية ، وجلوسكم على عرش الربوبية ؟!
ورحم الله الشيخ محمد بن إبراهيم حين قال في بيان النوع الخامس من أنواع الحكم بغير ما انزل الله التي تخرج صاحبها من الملة وتناقض الشهادتين :
" الخامس : وهو أعظمها واشملها وأظهرها  -  معاندة للشرع ، ومكابرة لأحكامه  ، ومشاقة لله ولرسوله ، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية ، إعدادا ، وإمدادا ، وإرصادا وتأصلا ، وتفريعا ، وتشكيلا ، وتنويعا ، وحكما ، وإلزاما ، ومراجع ومستمدات.
فكما إن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات ، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتي ، وقوانين كثيرة ، كالقانون الفرنسي ، والقانون الأمريكي ، والقانون البريطاني ، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين للشريعة وغير ذلك.
فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب ، والناس إليها أسراب ، يحكم حاكمها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون ، وتلزمهم به وتقرهم عليه وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر ، وأي مناقضة للشهادة بان محمدا رسول الله بعد هذه المناقضة ؟ " [4495] ((تحكيم القوانين)) (ص6)
وإذا كانت حقيقة المحبة هي بهذه المنزلة بالنسبة لأصل التوحيد وشهادة إن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله ، فإنها أيضا من اعظم أعمال القلوب المتعلقة بتحقيق توحيد الألوهية والعبادة ، ومن هنا كان الأنحراف الكبير الذي وقع فيه المتصوفة والكلاميون ونحوهم ، ممن غفل عن حقيقة المحبة ومعناها ولوازمها ومقتضياتها ، فأنكر شيئا من ذلك ، أو صرفه في غير موضعه المشروع.
وتفصيل هذه القضايا مما لا يتسع له المجال هنا ، ولكن لم أر بدا من التعرض لشيء من ذلك  -  لا سيما وقد وجدت كلاما عظيما لشيخ الإسلام ابن تيميه في رسالته : " التحفة العراقية في الأعمال القلبية " ، هذه مقتطفات منه :
يقول رحمه الله : " محبة الله ، بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان ، واكبر أصوله واجل قواعده ، بل هي اصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين ، كما إن التصديق به اصل كل قول من أقوال الإيمان والدين ، فان كل حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة ، أما عن محبة محمودة أو عن محبة مذمومة..
فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة ، واصل المحبة المحمودة هي محبة الله سبحانه وتعالى ، إذ العمل الصادر عن محبة الله ، فان الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه  -  كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((  يقول الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ ، وهو كله للذي أشرك )) .
وثبت في الصحيح حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار " القارئ المرائي ، والمجاهد المرائي ، والمتصدق المرائي ".
بل إخلاص الدين لله هو الذي لا يقبل الله سواه ، وهو الذي بعث به الأولين والآخرين من الرسل ، وانزل به جميع الكتب ، واتفق عليه أئمة أهل الإيمان ، وهذا هو خلاصة الدعوة النبوية وهو قطب القران الذي تدور عليه رحاه … إلى إن يقول :
فإذا كان اصل العمل الديني هو إخلاص الدين لله ، وهو إرادة الله وحده ، فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته ، وهذا كمال المحبة ، لكن اكثر ما جاء به المطلوب مسمى باسم العبادة ، كقوله :  وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات:56]، وقوله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] ، وأمثال هذا.
والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته وكمال الذل ونهايته ، فالمحبوب الذي لا يعظم ولا يذل له لا يكون معبودا ، والمعظم الذي لا يحب لا يكون معبودا  ، ولهذا قال تعالى :
  وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ [ البقرة:165]
فبين سبحانه إن المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادا  -  وان كانوا يحبونهم كما يحبون الله ، فالذين آمنوا اشد حبا لله منهم لله ولأوثانهم ، لان المؤمنين اعلم بالله ، والحب يتبع العلم ، ولان المؤمنين جعلوا جميع حبهم لله وحده وأولئك جعلوا بعض حبهم لغيره وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب ، ومعلوم إن ذلك اكمل  -  قال تعالى :
  ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [ الزمر:29]
واسم المحبة فيه إطلاق وعموم ، فإن المؤمن يحب الله ويحب رسله وأنبياءه وعباده المؤمنين ، وإن كان ذلك من محبة الله ، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره ، ولهذا جاءت محبة الله سبحانه وتعالى مذكورة بما يختص به سبحانه من العبادة ، والإنابة إليه ، والتبتل له ونحو ذلك ، فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله سبحانه وتعالى.
ثم انه كما بين إن محبته اصل الدين ، فقد بين إن كمال الدين بكمالها ، ونقصه بنقصها ، فان النبي صلي الله عليه وسلم قال : ((  رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ))  ، فأخبر أن الجهاد ذروة سنام العمل ، وهو أعلاه وأشرفه ، وقد قال تعالى :  أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ [ التوبة:19] إلى قوله :  أَجْرٌ عَظِيمٌ [ التوبة:22]   والنصوص في فضائل الجهاد وأهله كثيرة.
وقد ثبت انه افضل ما تطوع به العبد ، والجهاد دليل المحبة الكاملة ، قال تعالى قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ [ التوبة:24]   الآية.
وقال تعالى في  صفة المحبين والمحبوبين :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ [المائدة:54]
فوصف المحبوبين المحبين بإنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، وأنهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، فإن المحبة مستلزمة للجهاد لأن المحب يحب ما يحب محبوبه ، ويبغض ما يبغض محبوبه ، ويولى من يواليه ، ويعادى من يعاديه ، ويرضى لرضاه ، ويغضب لغضبه ، ويأمر بما يأمر به ، وينهى عما ينهى عنه ، فهو موافق له في  ذلك ، وهؤلاء هم الذين يرضى الرب لرضاهم ، ويغضب لغضبهم ، إذ إنما يرضون لرضاه ، ويغضبون لما يغضب له " [4496] انظر ((التحفة العراقية)).
أقول : شيخ الإسلام هنا يلتفت للرد على مزاعم الصوفية المدعية للحب الكامل والولاية لله  -  مع تركهم الجهاد والعمل ، والله تعالى أخبر أنه  -  إنما يكره ذلك المنافقون فقال :
  فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ[ التوبة:81]
فالكارهون للجهاد لا يمكن أبدا أن يكونوا محبين لله ورسوله ولا أولياء له ولرسوله.
ثم يقول الشيخ " ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح فيما يرويه عن ربه (( ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشى بها ، فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي يمشى ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له منه …)) .
قال: والمحب التام لا يؤثر فيه لوم اللائم وعذل العاذل ، بل ذلك يغريه بملازمة المحبة  -  كما قد قال الشعراء في  ذلك [4497] كقول القائل : أجد الملامة فى هواك لذيذة   حبا لذكرك فليلمني اللوم   ، وهؤلاء هم أهل الملام المحمود ، وهم الذين لا يخافون من يلومهم على ما يحب الله ويرضاه من جهاد أعدائه ، فإن الملام على ذلك كثير ، وأما الملام على فعل يكرهه الله أو ترك ما أحبه فهو لوم بحق ، وليس من المحمود الصبر على هذا الملام ، بل الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
وبهذا يحصل الفرق بين " الملامية " الذين يفعلون ما يحبه الله ورسوله ولا يخافون لومة لائم في  ذلك ، وبين " الملامية " الذين يفعلون ما يبغضه الله ورسوله ، ويصبرون على الملام في  ذلك " [4498] وهم فرقة من الصوفية ، ألف عنهم أبو عبد الرحمن السلمى كتاب :  ((الملامية))  .
أقول: يطول الحديث في  التفصيل في  هذا العمل القلبي العظيم ، وبيان درجاته، وأدلة كل درجة ، وأثر ذلك في أعمال الإيمان من صلاة وزكاة ونحوها ولكن ضيق المجال والرغبة في الاختصار بتجاوز ما قد سطر ولعل في الحديث عن الأعمال القلبية الأخرى ما يكمل الفائدة مجتمعة ، والله المستعان.
3- اليقين :
لليقين معنيان وإن شئت فقل: هو معنى واحد منظور له من جهتين:
1-    اليقين من حيث هو أصل للإيمان ، إذ لا إيمان مع الشك.
2-    اليقين من حيث هو درجة عليا من درجات الإيمان.
فبالنظر للمعنى الأول يكون كل مؤمن موقنا وإلا لم يستحق أسم الإيمان، وبالنظر للمعنى الآخر  -  ليس كل مؤمن موقنا ، بل الموقنون طائفة خاصة من المؤمنين.
فإما اليقين بالمعنى الأول فهو شرط من شروط شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، أي إن الإيمان المجمل  -  قول القلب واعتقاده  -  لا يتحقق إلا به ، فمن شك في الله أو في رسوله وما جاء به عن الله ، فهو كافر لا شهادة له ولا إيمان.
بذلك أخبر الله تعالى الكفار حين قالوا لرسلهم :
  أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [إبراهيم :9-10]
وأخبر أنهم إذا طلب منهم الإيمان بالبعث قالوا :  مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية :32]
لكن إذا كان يوم القيامة يقولون :
  رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة :12]
ولهذا جاء وصف القرآن أكثر من مرة بأنه لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى
وفى حديث جابر رضى الله عنه يقول : (( أنا من شهد معاذا حين حضرته الوفاة يقول : اكشفوا عني سجف القبة أحدثكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يمنعني إن أحدثكموه إلا أن تتكلموا ، سمعته يقول :((  من شهد أن لا أله إلا الله مخلصا من قلبه أو يقينا لم يدخل النار " أو " دخل الجنة " وقال مرة : " دخل الجنة ولم تمسه النار ))  [4499] ((المسند)) (5/236)، وسنده من أصح الأسانيد واجلها فإن الإمام أحمد رواه عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر – رضى الله عن الجميع.
وروى الإمام مسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه  -  في قصة تبوك  -  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((  أشهد أن لا إله إلا الله ، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة " وفى رواية " فيحجب عن الجنة ))  [4500] (رقم 44)
وعنه في حديث أخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ((  اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة ) [4501] (رقم 52)
وهذا اليقين  -  بهذا المعنى  -  هو حقيقة العلم بأن لا إله إلا الله وأن محمدا 
رسول الله  -  ومن ثم ذكر بعض العلماء ( العلم ) شرطا مستقلا من شروط الشهادتين ، مستدلين بقوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ [ محمد : 19 ]
وقول النبي صلى الله عليه وسلم ((  من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة )) (1)
وعقد الإمام البخاري باباً بعنوان :" باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( أنا أعلمكم بالله ))  وأن المعرفة فعل القلب ، لقوله تعالى لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [ البقرة:225] ثم روى حديثا آخره : (( إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا ))  (2).
لكن لم أر أن أفراده هنا  -   أي  العلم  -  لأن الحديث عن اليقين يشمله ويتضمنه ، ولأن الحديث عن ضده ، وهو الجهل بالتوحيد  -  كليا أو جزئيا  -  يحتاج لتطويل يخرج عن دائرة موضوعنا هنا.
وأما اليقين بالمعنى الأخر -  أي  اليقين الدرجة - فهو لب الإيمان وخلاصته وزبدته، كما قال عبدالله بن مسعود رضى الله عنه " اليقين الإيمان كله " (3)، وفي المسند " أفضل الأعمال عند الله إيمان لا شك فيه، وغزو لا غلول فيه، و حج مبرور" (4) وهو يقابل الإيمان الكامل المفصل كما أن ذاك يقابل الإيمان المجمل، ولهذا جاء في القرآن شرطاً للإمامة في الدين ، فقال تعالى :  وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [ السجدة:24]
ومن ارتباطه بالصبر قوله تعالى :
          فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ [ الروم:60]
وأخبر الله تعالى عن إمام الموحدين ، فقال :
  وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [ الأنعام : 75]
        فقد كان الإيمان متحققا عنده  -  كما أخبر الله تعالى عنه في الآية التي قبلها:
((وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما ء إلهة إني أراك وقومك في ضلل مبين))، فرقاه الله إلى درجة اليقين ، مثلما كان مؤمناً بأن الله يحيى الموتى لكن طلب الرؤية لتحصل الطمأنينة التي هي برد اليقين (1).
        وهذا اليقين هو الذي عبر عنه بعض السلف بقوله : " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا "( 2).
        وقال الآخر : " رأيت الجنة والنار حقيقة ، قيل له : كيف  قال : رأيتهما بعيني رسول الله ورؤيتي لهما بعينيه آثر عندي من رؤيتي لهما بعيني ، فإن بصري قد يطغى ويزيغ ، بخلاف بصره صلى الله عليه وسلم"(3).
        واليقين بهذا المعنى نظير الإحسان الوارد في حديث جبريل ، لكن الإحسان في عمل الجوارح ، واليقين في عمل القلب ، والله أعلم.
        فاليقين في الجملة متعلقة بالاعتقاد ، وذلك أن مجمل الإيمان القلبي هو الإيمان بالغيب فإذا رسخ هذا الإيمان و ارتقى عن الشكوك حتى يصبح كالمعاينة فهو اليقين.
        ولهذا جاء أعظم الغيبيات  -  بعد الإيمان بالله  -  وهو الإيمان بالآخرة مقرونا باليقين أكثر مما سواه ، فقال تعالى :  وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة:4]   في أول البقرة والنمل ولقمان.
        فإن الإيمان بالآخرة  -  مع دلالة الفطرة السوية والعقل السليم عليه  -  ليس في قوة الإيمان الفطري بالله ، كما أن تفصيلاته مصدرها الوحي وحده.
واليقين نوعان :
1- يقين في خبر الله.
2- يقين في أمر الله الشرعي و الكوني.
       
فاليقين بخبر الله هو الإيمان بصدقه وتحققه ووقوعه  -  إن كان مما له الوقوع  -  إيمانا لا شك فيه ، وهذا هو الإيمان بالغيب يقينا ، ومن الأدلة عليه قوله تعالى وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [ البقرة:60] الآية ، فطلب الخليل من ربه مثالا للبعث يزيده إيمانه حتى يصبح يقينا خالصا ، وقريب منه طلب الحواريين المائدة ، فمع إيمانهم بقدرة الله طلبوا ما تطمئن به قلوبهم كذلك.
        وهذا اليقين قد بلغ ذروته النبي صلى الله عليه وسلم  -  ليس فيما أخبر الله به من أمور الدين والإيمان فحسب ، بل في  كل خبر ووعد ، حتى أنه صلى الله عليه وسلم كان موقناً بأن الله سينصره ويظهره على العالمين وهو ما يزال في أقسى مواقف الاضطهاد والتشريد والأذى ، ولم يستبطئ النصر كما استبطأه رسل من قبله فقالوا  مَتَى نَصْرُ اللّهِ [ البقرة:214]   ، ولم يستيئس كما استيأس بعضهم.
        وأما اليقين بأمر الله، فهو امتثاله برضاه وطمأنينة وتسليم  -  إن كان شرعيا ، والرضا به والتسليم  -  إن كان كونيا.
        وذروته ما فعله إمام الموحدين من الامتثال لذبح أبنه الوحيد وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف من أعظمها يوم الحديبية حين قال :" إني عبد الله ، لن أخالف أمره ، ولن يضيعني " أو نحوها(1).
وهذا في حقيقته هو الاستسلام لحكمه استسلاما يرتقى لدرجة الإحسان  -  كما في قوله تعالى :  فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [ النساء:65]
وهو تحقيق دين الإسلام وشهادة أن لا إله إلا الله التي هي العروة الوثقى ، كما قال تعالى :  وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [ لقمان : 22 ]
مع قوله :  وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ [ البقرة : 256 ]
        ولهذا جاءت الآيات المحكمات الدالة على أتباع شريعة الله و التحاكم إليها وحدها مذيلة بوصف اليقين لمن أمتثل ، فدل على شك من خالف وارتيابه ، قال تعالى :  
وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ  وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ  أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ[ المائدة : 48  -  50 ]
        وقال جل ذكره :
        ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ  إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ  هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ [الجاثية : 18  -  20]
فكما سبق بيانه من أن تحكيم شرع الله هو الإسلام ، فإذا بلغ من العبد إلى حد انتفاء الحرج والمعارضة بالرضا الكامل فهو الإحسان ، فكذلك اعتقاد بطلان ما عداه ، وأنه وحده الحق الذي لا أحسن منه ولا أهدى هو درجة الإسلام ، فإذا رسخ هذا حتى لا تزعزعه شبهه ولا يعتريه شك فهو اليقين وقد ضرب الصحابة  -  رضى الله عنهم  -  من اليقين في أمر الله أعظم الأمثال ، مما لا يتسع المقال للتطويل به ، وحسبك أن ينزل الله تحريم الخمر والقوم مدمنون على شربها ، مدخرون لها ، مغالون في أثمانها ، فما يكاد الأمر ينزل حتى تسيل بها أزقة المدينة أنهارا !!
وأن ينزل الله الأمر بالحجاب والقوم مختلطون متعارفون ، فما يكاد ذلك يبلغهم حتى تغدو نساؤهم كأنهن الغربان.
فهاتان عادتان إحداهما نفسية ، والأخرى اجتماعية، وهما من أشد العادات وطئا وأشقها تغييرا ، تذهبان دفعة واحدة، وتستأصلان من أعماق النفوس في  لحظة واحدة ، وما ذلك إلا باليقين الذي ليس وراءه في الأمم يقين.
4- الصدق والإخلاص :
هذان عملان قلبيان من أعظم أعمال القلوب وأهم أصول الإيمان.
فأما الصدق فهو الفرقان بين الإيمان والنفاق ، وأما الإخلاص فهو الفرقان بين التوحيد والشرك  -  في  قول القلب واعتقاده ، أو في  إرادته ونيته.
والأعمال  - التي رأسها وأعظمها " شهادة أن لا إله إلا الله "  -  لا تقبل إلا بتحقيق الصدق والإخلاص.
ومن هنا كان شرطين من شروطها ، وأكذب الله المنافقين في  دعوى الإيمان وقول الشهادة لانتفاء الصدق فقال :  إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1]
وقال : وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت : 3 ]
ثم قال بعد آيات  وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [ العنكبوت:11]
وقال :  لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [ الأحزاب : 24 ]
كما أبطل سبحانه زعم أهل الكتاب والمشركين أن دينهم هو الحق بانتفاء الإخلاص فقال:
  لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة:1]
إلى أن يقول :  وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [ البينة:5]
وقال :  اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [ التوبة : 31 ]
وكرر منافاة الشرك للإخلاص في مواضع كثيرة ، منها ما في سورة الإخلاص الكبرى (1). " الزمر " :
تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ  إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ  أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى[الزمر: 1-3]
ثم قال:  قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ   وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ   قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ   قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي   فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ [الزمر: 11- 15]
ثم قال : قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ   وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ  بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ[الزمر : 64  - 66]
فعلى محك الصدق والإخلاص بطلت أكثر دعاوى العابدين، وهلك أكثر الثقلين ، فالصدق يخرج كل من أدعى الإيمان - أو شيئا من أعماله - وأظهره وهو يبطن خلافه ، والإخلاص يخرج كل من عبد مع الله غيره أو أراد غيره معه في عمل من أعمال العبادة  -  كما في  الحديث الصحيح : ((  قال الله تبارك وتعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ))  (2).
        ومن هنا كانت شهادة أن لا إله إلا الله هى كلمة الصدق (1) ، وكلمة الإخلاص (2)وأقترن الصدق والإخلاص وحل كلا منهما محل الأخر في  الأحاديث ، كأحاديث الشفاعة التي وردات بها روايات كثيرة ، منها : ((أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال : لا إله إلا الله خالصا من قلبه ونفسه )) رواه البخاري (99), من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.    وفي رواية : ((  شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصا يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه )) رواه أحمد (8056) (2/307) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (10/407): رجاله رجال الصحيح غير معاوية بن معتب وهو ثقة‏‏, وقال أحمد شاكر في ((مسند أحمد)) (15/207): إسناده صحيح, وقال الوادعي في ((الشفاعة)) (74): من طريق معاوية بن معتب أو مغيث وهو مستور الحال يصلح حديثه في الشواهد والمتابعات. ، وفي رواية ((  رب من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمد عبده ورسوله مصدقا لسانه قلبه أدخله الجنة )) رواه أحمد (23552) (5/413), من حديث أبي أيوب الأنصار رضي الله عنه, قال أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (1/444): غريب تفرد به أبو قبيل عن عباد, وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (10/378): فيه عباد بن ناشر من بني سريع ولم أعرفه وابن لهيعة ضعفه الجمهور, وقال الوادعي في ((الشفاعة)) (91): عبد الله بن ناشر مستور الحال يصلح في الشواهد والمتابعات وكذا ابن لهيعة يصلح في الشواهد والمتابعات.‏‏
وفي رواية :(( ثم يشفع الأنبياء في كل من كان يشهد أن لا إله الا الله مخلصا فيخرجونهم منها قال ثم يتحنن الله برحمته على من فيها فما يترك فيها عبدا في قلبه مثقال حبة من إيمان الا أخرجه منها) رواه أحمد (3/11) (11096), من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, قال الوادعي في ((الشفاعة)) (159): بهذا السند حسن.
وكحديث مالك بن الدخشم الذي كان متهما بالنفاق ،فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما يخالف ذلك من روايات ، منها : ((ألا تراه قال لا إله إلا الله. يريد بذلك وجه الله قال الله ورسوله أعلم. قال قلنا فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين. فقال فإن الله حرم على النار من شهد بها )) رواه البخاري (5401), من حديث محمود بن الربيع الأنصاري رضي الله عنه.
وفي رواية :(( والذي بعثني بالحق لئن قالها من قلبه لا تأكله النار أبدا)) رواه أحمد (4/44) (16531), ، وهي تقيد الإطلاق الوارد في رواية مسلم : (( أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله )) رواه مسلم (54) (33).
والصدق والإخلاص مع تقاربهما ، ومع ترادفهما أحيانا  -  يعرف التمييز بينهما بضد كلا منهما ، فالصدق ضده انتفاء إرادة الله بالعمل أصلا  -  كمن أمن أو صلى كاذبا ، لم يرد الإيمان والصلاة ، وإنما فعل ذلك لسبب آخر -  كما فعله المنافقون حفظاً لأنفسهم وأموالهم من السيف، وجبنا عن تحمل أعباء المواجهة الصريحة للإيمان.
والإخلاص ضده انتفاء إفراد الله بالإرادة والتوجه ، كما آمن أو صلى صارفا ذلك لأحد من دون الله ، وهذا هو الشرك الذي وقع فيه أكثر العالمين ، ومنهم أهل الكتاب والمشركين الذين اتخذوا من دون الله أولياء ؛ من الأنبياء أو غيرهم ، وعبدوهم زاعمين أنهم يقربونهم إلى الله زلفى.
ومما يميز بينهما أن الصدق لا يختص بالاعتقاد، بل يكون في الأعمال أيضا ،بخلاف الإخلاص فإنه عمل قلبي محض، لكن تظهر أثاره على الجوارح  -  كما سبق فيما أوضحنا في  العلاقة بين عمل القلب وعمل الجوارح ، وهذا يشبه ما سبق من القول في  اليقين والإحسان ، والله أعلم.
وعلى قدر تحقيق العبد لشعب الإيمان وأعماله يكون حظه من الصدق  -  حتى يصل إلى درجة " الصديقين"، يقول الله تعالى :
  لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [ البقرة : 77 ]
  إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [ الحجرات : 15]
وقال : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [الحديد : 19]
كما ان الإخلاص بالنسبة للأعمال  -  كالروح للجسد ، فالفرق بين عمل بإخلاص وعمل لا إخلاص ، فيه كالفرق بين البشر السوي والتمثال الشاخص.
وعلى قدر ما يحقق العبد في الإخلاص لربه يكون ترقية في ( المخلصين ) ، الذين صرف الله عنهم غواية الشيطان واثني عليهم في كل أمة ، وبين نجاتهم حين هلاك أممهم.
قال تعالى حكاية عن إبليس : إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ ص : 83 ]، وقال في سورة الصافات تعقيبا على إهلاك الأمم عامة :   فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [ الصافات :73-74]، وعن قوم إلياس خاصة ، قال فيها :   فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [ الصافات:127- 128]  
وكرر ذلك في مواضع من هذه السورة وغيرها ، كقوله عن يوسف لما عصمه من الفاحشة :  كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف : 24 ]
ولهذا كثر الحديث عن الصدق والإخلاص في كتاب الله ، وجاء الحديث عن الصدق في السور التي تعرضت للنفاق وأهله ، كسورة براءة والأحزاب والمنافقون والقتال (محمد) والحجرات والحشر.
وجاء الحديث عن الإخلاص في السور التي تحدثت عن الشرك والمشركين ، كسورة الأعراف والزمر وغافر والبينة والكافرون ، بل في سورة الأنعام  -  وان  لم يذكر فيها صريحا.
وارتباط عمل الجوارح بالصدق والإخلاص كارتباطه بالرضا والمحبة واليقين  -  أمر محسوس ظاهر ، يدل علي ارتباط أجزاء الحقيقة الإيمانية الواحدة كما أسلفنا.
هذا ما يسر الله به واتسع له المجال من الحديث عن أعمال القلوب ، ولقد تركت أعمالا أخرى قد لا تقل أهمية عن هذه ، كالتوكل ، والصبر ، والتوبة ، والإنابة ، والخوف ، والرجاء ، على أن ما ذكرنا يتضمنها أو يدل عليها ويشير إليها ، بل كثير مما نذكر مما يسميه بعضهم " مقامات " هو كالوسائل لهذه الغايات ، والفروع لهذه الأصول ، إذ كانت هذه المذكورة جميعها متعلقة بشطر   إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة:5] ، وأما التوكل والصبر ونحوها فمتعلقة بشطر  وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة:5] ، ومعلوم أن الاستعانة وسيلة للعبادة وفرع منها.ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي  -  2/553

انظر أيضا: