موسوعة الفرق

المطلب الأول: ضرر الفرقة على الفرد المفارق


لقد جاء النهي الأكيد والتحذير الشديد من الفرقة، كما أن الله عز وجل توعد الساعي في تفريق الأمة، المفارق لجماعتها بالوعيد الشديد مما يلحق به الضرر البالغ، ومن ذلك:
أولا: الوعيد الشديد من الله تعالى لأهل الفرقة
لقد توعد الله سبحانه المفارق للجماعة المسلمة في نصوص عديدة، يقول الله تعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: 115]
فمن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالف ما اجتمعت عليه الأمة المحمدية انظر ((تفسير ابن كثير)) (1/525). ، وخالف طريق المسلمين انظر ((تفسير القرطبي)) (5/247). فقد عرض نفسه للعقاب الشديد من الله عز وجل في قوله تعالى: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: 115] أي : إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له استدراجا له كما قال تعالى : فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: 5]
وجعل النار مصيره في الآخرة لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا النار يوم القيامة انظر ((تفسير ابن كثير)) (1/526).
وقال الله عز وجل متوعدا المفارقين : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: 13]
فهؤلاء الذين خالفوا الله ورسوله وساروا في شق وتركوا الشرع والإيمان واتباعه في شق، وشقوا العصا وجعلوها فرقتين... فهؤلاء توعدهم بقوله: فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ هو الطالب الغائب لمن خالفه وناوأه، لا يفوته شيء ولا يقوم لغضبه شيء تبارك وتعالى لا إله غيره ولا رب سواه انظر ((تفسير ابن كثير)) (2/281) بتصرف.
ويكفي أهل الفرقة أصحاب البدع وعيدا لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم بريء، وهم منه برءاء. يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [الأنعام: 159]
عن الحسن البصري قال: خرج علينا عثمان بن عفان رضي الله عنه يوما يخطبنا، فقطعوا عليه كلامه، فتراموا بالبطحاء، حتى جعلت ما أبصر أديم السماء، قال: وسمعنا صوتا من بعض حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: هذا صوت أم المؤمنين، قال: فسمعتها وهي تقول : ألا إن نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب، وتلت: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ انظر ((الاعتصام)) للشاطبي (ص43)، وأم المؤمنين هنا هي أم سلمة رضي الله عنها يفسره الأثر الذي بعده.
وعند الطبري أن أم سلمة قالت: ليتق امرؤ أن لا يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء، ثم قرأت: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ انظر ((تفسير الطبري)) (8/78).
ولما كان هؤلاء المفارقون بريئين من محمد صلى الله عليه وسلم، ومحمد منهم بريء توعدهم الله فقال: إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ [الأنعام:159]
أي : أنا الذي إلي أمر هؤلاء المشركين الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا، والمبتدعة من أمتك الذين ضلوا عن سبيلك دونك ودون كل أحد، إما بالعقوبة إن أقاموا على ضلالتهم وفرقتهم دينهم فأهلكهم بها، وإما بالعفو عنهم بالتوبة عليهم والتفضيل مني عليهم, ويوم القيامة يجازي كلا منهم بما فعله في الدنيا، المحسن منهم بالإحسان، والمسيء بالإساءة كما قال: ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ انظر ((تفسير الطبري)) (8/79) بتصرف.
ثانيا – تسويد الوجوه يوم القيامة
إن الفضيحة أن يأتي أهل الفرقة أصحاب البدع يوم القيامة وقد اسودت وجوههم عقابا لهم لما أحدثوه في دين الله وفرقوا به المسلمين، يقول الله تعالى: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [آل عمران: 105 – 106]
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيرها: "يعني يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة – قاله ابن عباس رضي الله عنهما" ((تفسير ابن كثير)) (1/390).
ثالثا – أن شذوذه عن الجماعة شذوذ إلى النار
هذا ما توعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم المفارق للجماعة، فإن مفارقته هذه وشذوذه عن الصراط المستقيم إنما هو شذوذ إلى النار والعياذ بالله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار)) رواه الترمذي (2167) والحاكم (1/201) (397) قال الترمذي غريب من هذا الوجه، وقال الحاكم استقر الخلاف في إسناد هذا الحديث على المعتمر بن سليمان وله أصل وشواهد، وقال ابن حجر ((إتحاف المهرة)) (8/925) ضعيف، وقال الألباني صحيح دون قوله ومن شذ..
بل إن هذا الذي خلع طاعة إمامه، وفارق جماعة المسلمين قد ارتكب إثما عظيما عند الله, ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((فمن خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع)) رواه أبو داود (4758) والترمذي (2863) وأحمد (5/344) (22961) والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي حسن صحيح غريب، وقال ابن الملقن في ((البدر المنير)) (8/527) صحيح، وصححه الألباني.
وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: "والله ما فارق رجل الجماعة شبرا إلا فارق الإسلام". ((المصنف)) لابن أبي شيبة (7/451) و((السنة)) للخلال (1/87)
رابعا – إن المفارق يأتي يوم القيامة ولا حجة له
ولا يسأل عنه لسوء حاله، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له)) رواه مسلم (1851) عن ابن عمر
وقال: ((ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيا، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤونة الدنيا فتبرجت بعده)) رواه أحمد (6/19) (23988)، والحاكم (1/206) (411)، وأبو يعلى (5/184) (6906) وقال الحاكم : " صحيح على شرط الشيخين ، فقد احتجا بجميع رواته ولم يخرجاه ولا أعرف له علة " ، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
خامسا – الحرمان من الشرب من حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما أشد عطش الناس يوم القيامة ؟! ومن أشد الحرمان أن يحرم العبد المسلم من أن يشرب من حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم شربة لا يظمأ بعدها أبدا، ويخشى على المبتدعة المفارقين لجماعة المسلمين أن يكونوا ممن يحال بينهم وبين الشرب من الحوض انظر ((فتح الباري)) (11/385، 463)، ((الاعتصام)) للشاطبي (ص54) ((التذكرة)) للقرطبي (ص306)، ((الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع)) لجلال الدين السيوطي (ص15 – 23)، ((النهاية في الفتن والملاحم)) لابن كثير (1/236).
ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم)) رواه البخاري (6593) ، ومسلم (2293).
وقال صلى الله عليه وسلم : ((أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن إلي رجالا منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب، أصحابي، فيقول : لا تدري ما أحدثوك بعدك)) رواه البخاري (6576) ، ومسلم (2297)
سادسا – الموت ميتة جاهلية
إن هذا المفارق للجماعة لو مات وهذا حاله فميتته ميتة جاهلية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية)) رواه مسلم (1848)
ويقول صلى الله عليه وسلم: ((من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية)) رواه البخاري (7054) ومسلم (1849)
والمراد بالمفارقة : السعي في حل عقد البيعة التي حصلت للأمير ولو بأدنى شيء، فكنى عنها بمقدار الشبر لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير الحق انظر ((فتح الباري)) (13/6-7).
فهذا وعيد شديد لكل من يسعى لقلب الحكم وحل البيعة بسيفه بالإفساد كالتفجير والتهديد والقتل وإخلال الأمن، أو بلسانه بتأليب الناس على الإمام وتحريضهم للخروج عليه، فمن هذا شأنه ومات على ذلك فحال موته كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع، لا أنه يموت كافرا بل يموت عاصيا انظر ((فتح الباري)) (13/7) بتصرف وزيادة.
سابعا – البعد عن التوبة، واستدراجه في معصيته
لقد حجب الله سبحانه التوبة عن صاحب البدعة المفارق للجماعة إن المفارق للجماعة بمعصيته هذه التي تعتبر من البدع هو من ضمن المبتدعة، يقول الشاطبي: "وأما مفارقة الجماعة فبدعتها ظاهرة، لذلك يجازى بالميتة الجاهلية" انظر ((الاعتصام)) (385). الخارج عن الصراط المستقيم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله حجز - أو قال حجب - التوبة عن كل صاحب بدعة)) كتاب ((السنة)) لابن أبي عاصم (ص21) وفال عنه الألباني "حديث صحيح".
وعن يحيى بن أبي عمرو السيباني هو : يحي بن أبي عمرو السيباني أبو زرعة الحمصي، ابن عم الأوزاعي، ذكره ابن حبان في الثقات، توفي سنة 148هـ. انظر التهذيب (11/260). قال : "كان يقال: يأبى الله لصاحب بدعة توبة، وما ينتقل صاحب بدعة إلا إلى شر منه" انظر كتاب ((ما جاء في البدع)) لمحمد بن وضاح القرطبي (ص117 – 118).
وتصديق ذلك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخوارج: ((يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون إليه حتى يرجع السهم إلى فوقه)) انظر كتاب ((ما جاء في البدع)) لمحمد بن وضاح القرطبي (ص117 – 118).
ولعل بيان سبب حجب التوبة عنه وبعدها منه في قوله صلى الله عليه وسلم بعد ذكر الافتراق المشهور وذكره لافتراق أمته قال: ((وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله)) رواه أبو داود (4597) وأحمد (4/102) (16979) والطبراني (19/376) (16554) والحديث سكت عنه أبو داود، والحاكم في المستدرك (443) وصححه، وقال الألباني في ((صحيح الترغيب)) (51) حسن صحيح.
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله شارحا ذلك: "وسبب بعده عن التوبة أن الدخول تحت تكاليف الشريعة صعب على النفس لأنه أمر مخالف للهوى، وصاد عن سبيل الشهوات، فيثقل عليها جدا لأن الحق ثقيل، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها لا بما يخالفه، وكل بدعة فللهوى فيها مدخل، لأنها راجعة إلى نظر مخترعها لا إلى نظر الشارع، فعلى حكم التبع لا بحكم الأصل مع ضميمة أخرى: وهي أن المبتدع لابد له من تعلق بشبهة دليل ينسبها إلى الشارع، ويدعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع، فصار هواه مقصودا بدليل شرعي في زعمه، فكيف يمكنه الخروج عن ذلك؟ وداعي الهوى مستمسك بحسن ما يتمسك به, وهو الدليل الشرعي في الجملة ((الاعتصام)) (ص100).
ثم ما الذي يصده عن الاستمساك بمنهجه، والازدياد من رأيه، وهو يرى أن أعماله أفضل من أعمال غيره، واعتقاداته أوفق وأعلى؟ أفيفيد البرهان مطلبا؟! كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء [المدثر:31] انظر ((الاعتصام)) (ص101) بتصرف.
وينبغي أن نعلم أن هذه النصوص لا تدل على أن لا توبة أصلا للمبتدع المفارق للجماعة، بل قد يتوب ويرجع إلى السنة والجماعة، وقد وقع، فالعموم في الحديث ليس عموما بإطلاق يقتضي الشمول، بل هو عموم عادي يقتضي الأكثرية انظر ((الاعتصام)) (ص526).
وأغلب من تحجب عنهم التوبة، وتكون بعيدة المنال عنه : من قد أشرب قلبه بهذه البدعة، وأعجب برأيه وفعله، وظن أنه يتقرب بذلك إلى الله، فأخذ يدعو إلى بدعته وفعله، ويوالي ويعادي على ذلك، فهذا بحق يتجارى به الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه انظر تفصيل ذلك: ((الاعتصام)) للشاطبي (ص100، 523 -534)، وانظر ما سيأتي (ص246) هامش (3) معنى الكلب.
ولقد توعد الله سبحانه هذا المفارق للجماعة المعجب ببدعته توعده باستدراجه على عمله، قال تعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: 115]
فهذا المفارق للجماعة السالك غير طريق الشريعة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، المخالف سبيل المؤمنين يجازيه الله تعالى بأن نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى أي : نحسن فعله في صدره ونزينه له استدراجا له، وكما قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: 5] انظر ((تفسير ابن كثير)) (1/526)، وانظر كتاب ((الاعتصام)) للشاطبي (ص48).
ثامنا – عدم قبول العمل وإحباطه
إن هذا المفارق للجماعة، المحدث في دين الله، المخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عمله مردود عليه وإن ظن أنه حسن وصواب، أو كانت نيته حسنة فلا ينفعه ذلك ما دام أنه مخالف للسنة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) رواه البخاري (2697) ومسلم (1718) ، فلا يقبل الله منه ما ابتدع وأحدث في دين الله فإنه ضلالة انظر ((الاعتصام)) (ص88).
وقيل: إن صاحب البدعة لا يقبل منه عمل بإطلاق على أي وجه وقع، من وفاق السنة أو خلافها، قال ابن عمر رضي الله عنهما عن القدرية : "إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، فوالذي يحلف به عبد الله بن عمر لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما تقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر" رواه مسلم (8).
وكذلك جاء عن عبادات الخوارج حينما ذكر من صلاتهم وصيامهم وعملهم الصالح قال بعد ذلك صلى الله عليه وسلم : ((يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)) رواه البخاري (3344) ومسلم (1064)
ويؤيد هذا القول ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المدينة حرم من عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل)) رواه البخاري (7300)    
وذلك على رأي من فسر الصرف بالفريضة، والعدل بالنافلة، وهذا شديد جدا على أهل الإحداث في الدين انظر ((الاعتصام)) للشاطبي (ص85) بتصرف، ((فتح الباري)) (4/86).
وقيل: بل يرد عمله ولا يقبل إذا كانت بدعته أصلا يتفرع عليه سائر الأعمال، كما إذا ذهب إلى إنكار العمل بخبر الواحد بإطلاق، أو كانت بدعته تخرجه عن الإسلام، أو كان اعتقاده في الشريعة ضعيفا بأن يدعي أنها مكملة أو تابعة لرأيه وعقله انظر ((الاعتصام)) للشاطبي (ص81-88) باختصار وتصرف.
تاسعا – الحرمان من شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم
ففي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((رجلان ما تنالهما شفاعتي، إمام ظلوم غشوم، وآخر غال في الدين مارق منه)) رواه ابن أبي عاصم ((السنة)) (ص23) ورواه الطبراني (17251 ) بلفظ صنفان، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (5/235) رجاله ثقات، وصححه الألباني.
عاشرا – البعد عن رحمة الله، والوقوع في عذابه تعالى
إن أهل الفرقة بعيدون عن رحمة الله تعالى، إذ الرحمة تكون لأهل الاتفاق والائتلاف من الأمة، قال تعالى: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: 118-119] فأهل الاختلاف المذكورين في الآية مباينون لأهل الرحمة انظر ((الاعتصام)) (ص442). ، معرضون لعذاب الله, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الجماعة رحمة، والفرقة عذاب))، فالفرقة وأهلها بعيدون عن رحمة الله، واقعون في عذاب، معرضون أنفسهم لعقوبته تعالى.
الحادي عشر – جواز قتل المفارق المفرق للجماعة، وهدر دمه
لقد أجاز الشرع الحكيم قتل المفارق لجماعة المسلمين الساعي لتفريقها إذا لم يندفع إلا بذلك، وما ذاك إلا لخطورة فعله على الأمة، بل وجعل دمه هدرا لا دية ولا قصاص فيه انظر ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (12/241).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنه ستكون هنات وهنات الهنات جمع هنه وتطلق على كل شيء، والمراد بها هنا : الفتن والأمور الحادثة. انظر شرح ((صحيح مسلم)) (12/241). ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان)) رواه مسلم (1852) وقال أيضا: ((من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه)) رواه مسلم (1852).
الثاني عشر – تسلط الشيطان عليه وملازمته له
إن شأن كل معرض عن الحق، مقبل على هواه مخلد إلى دنياه, شأنه أن يكون وليا للشيطان، تابعا له، يقول الله عز وجل: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف: 175-176]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد)) رواه الترمذي (2165) وأحمد (1/26) (177) والنسائي في ((الكبرى)) (5/387) وابن حبان (10/436) (4576) والحاكم (1/197) (387)، قال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقال الحاكم صحيح على شرطهما ومثله قال الذهبي، وقال البوصيري في ((إتحاف الخيرة)) (7/120) إسناده صحيح، وصححه الألباني.
وقال أيضا: ((يد الله مع الجماعة، فإذا شذ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الشاة ذئب الغنم)) رواه الطبراني (1/186) (492) وقال الهيثمي في ((المجمع)) (5/218) فيه عبد الأعلى بن أبي المساور وهو ضعيف.
فليحذر المفارق للجماعة، الساعي في تفريق كلمة المسلمين، والعامل على شق عصا الطاعة، فليحذر المفارق للجماعة، والساعي في تفريق كلمة المسلمين، والعامل على شق عصا الطاعة، فليحذر من استزلال الشيطان إياه، وتزيينه له عمله، وليعد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وليلزم الصراط المستقيم، جماعة المسلمين، وليكن وليا من أولياء الرحمن، وليبعد عن حزب الشيطان.
الثالث عشر – إن صاحب البدعة الساعي للفرقة تنزع منه العصمة، ويبعد عن الرحمة، ويوكل إلى نفسه قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: 102 -103]
فأشعر أن الاعتصام بحبل الله هو تقوى الله حقا، وأن ما سوى ذلك تفرقة لقوله: وَلاَ تَفَرَّقُواْ والفرقة من أخس أوصاف المبتدعة لأنه خرج عن حكم الله وباين جماعة أهل الإسلام انظر ((الاعتصام)) للشاطبي (ص89 -90).
الرابع عشر – ما يلقى المفارق للجماعة من الذل في الدنيا والغضب من الله
قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ [الأعراف: 152] فالآية وإن كانت في شأن عباد العجل من بني إسرائيل، ولكن قوله: وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ عموم فيهم وفيمن أشبههم من حيث كانت البدع كلها افتراء على الله.
فكل من ابتدع في دين الله فهو ذليل حقير بسبب بدعته، وإن ظهر لبادي الرأي في عزه وجبروته فهم في أنفسهم أذلاء، وما العز الذي ينالوه إلا بسبب ملازمتهم للسلاطين واللوذ بأهل الدنيا، أما من لم يقدر على ذلك فهو ذليل مستخف ببدعته عن الجمهور انظر ((الاعتصام)) (ص101-102)، وانظر الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي صلى الله عليه وسلم : "بعثت بالسيف بين يدي الساعة لابن رجب الحنبلي (ص89 -90). ومن ذلة أهل البدع والفرقة ما جاء في النهي عن توقيرهم ومجالستهم ومخالطتهم انظر ((الاعتصام)) (ص90).
الخامس عشر – أن هذا المبتدع المفرق لجماعة المسلمين المفارق لصراطه المستقيم عليه إثم من عمل ببدعته
وسار على ضلالته إلى يوم الدين، فياله من إثم عظيم ووزر ثقيل؟! انظر ((الاعتصام)) (ص97).
قال تعالى: لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ [النحل: 25]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء)) رواه مسلم (1017)
السادس عشر – أنه يخشى عليه فتنة وسوء الخاتمة
جاء رجل إلى مالك بن أنس رحمه الله وسأله: يا أبا عبدالله من أين أحرم؟ قال من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل، قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها. قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إني سمعت الله يقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: 63] انظر ((الحلية)) لأبي نعيم (6/326)، ((الاعتصام)) (ص132).
وهذه الفتنة التي ذكرها مالك رحمه الله تفسير الآية هي شأن أهل البدع وقاعدتهم التي يؤسسون عليها بنيانهم، فإنهم يرون أن ما ذكره الله في كتابه، وما سنه نبيه صلى الله عليه وسلم دون ما اهتدوا إليه بعقولهم انظر ((الاعتصام)) (ص107).
لذلك قال عبد الله بن مسعود لمن رآهم في المسجد يذكرون الله بطريقة جماعية قال لهم: "لقد أحدثتم بدعة ظلما أو قد فضلتم أصحاب محمد علما انظر كتاب فيه ((ما جاء في البدع)) لابن وضاح (ص44-45). وفي لفظ آخر: "لقد هديتم لما لم يهتد له نبيكم أو أنكم تمسكون بذنب ضلالة انظر ((الاعتصام)) (ص104).
وأما ما يخاف عليه من سوء الخاتمة لأن صاحب البدعة الساعي في الفرقة مصر على ما نهى الله عنه، ومن مات مصرا على المعصية فيخاف عليه انظر ((الاعتصام)) (ص104).
ويلخص الشاطبي ما تقدم ويزيد فيقول: "فاعلموا أن البدعة لا يقبل معها عبادة من صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا غيرها من القربات، ومجالس صاحبها تنزع منه العصمة، ويوكل إلى نفسه، والماشي إليه وموقره معين على هدم الإسلام، فما الظن بصاحبها، وهو ملعون على لسان الشريعة، ويزداد من الله بعبادته بعدا؟! وهي مظنة إلقاء العداوة والبغضاء، ومانعة من الشفاعة المحمدية، ورافعة للسنن التي تقابلها، وعلى مبتدعها إثم من عمل بها، وليس له من توبة، وتلقى عليه الذلة والغضب من الله، ويبعد عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويخاف عليه أن يكون معدودا في الكفار الخارجين عن الملة، وسوء الخاتمة عند الخروج من الدنيا، ويسود وجهه في الآخرة، يعذب بنار جهنم، وقد تبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ منه المسلمون، ويخاف عليه الفتنة في الدنيا زيادة إلى عذاب الآخرة انظر ((الاعتصام)) (ص83). موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص301-313

انظر أيضا: