موسوعة الفرق

المبحث السابع: المرجئة الأولى


المرجئة الأولى علم على الطائفة التي فصلنا الحديث عن نشأتها "أي الاتجاه التوسطي أو التوقفي من الخوارج" ومن وافقها في نظرتها للصحابة خاصة.
وهذه التسمية صحيحة وثابتة، وما حفظه التاريخ عن هذه الطائفة - على قلته - يكفي لإعطاء تصور جيد عنها.
ولن نتبع منهج المؤرخين والباحثين في استقاء فكرتها من قصيدة ثابت قطنة ونحوها، بل نسلك مسلك المحدثين فنأخذ الحديث عنها من مصادره الصحيحة- إن وجدت - ثم نعرج على ما أثر في كتب التاريخ والفرق والأدب.
يقول الإمام الحجة محمد بن جرير الطبري في كتابه "تهذيب الآثار" : "فإن قال لنا قائل: ومن هم المرجئة؟ وما صفتهم؟
قيل: إن المرجئة هم قوم موصوفون بإرجاء أمر مختلف فيما ذلك الأمر؟ فأما إرجاؤه فتأخيره، وهو من قول العرب: أرجأ فلان هذا الأمر فهو يرجئه إرجاء، وهو مرجئه، بهمز. وأرجاه فلان يرجيه أرجا، بغير الهمز فهـو مرجيه، ومن قول الله تعالى ذكره:  وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ [ التوبة:106]
يقرأ بالهمزة و غير الهمز بمعنى مؤخرون لأمر الله، وقوله مخبراً عن الملأ من قوم فرعون:  قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ [ الأعراف:111] بهمز أرجه وبغير الهمز(3).
فأما الأمر الذي بتأخيره سميت المرجئة مرجئة، فإن ابن عيينة كان يقول فيما حدثني عبدالله بن عمير الرازي قال : سمعت إبراهيم بن موسى  -  يعني الفراء الرازي  -  قال : سئل ابن عيينة عن الإرجاء ؟ فقال : الإرجاء على وجهين : قوم أرجوا أمر علي و عثمان ، فقد مضى أولئك. فأما المرجئة اليوم فهم يقولون : الإيمان قول بلا عمل. فلا تجالسوهم و لا تؤاكلوهم و لا تشاربوهم و لاتصلوا معهم و لا تصلوا عليهم ".(4)
ثم قال الطبري - بعد نقل آثار عنهم-: "والصواب من القول في المعنى الذي من أجله سميت مرجئة أن يقال: إن الإرجاء معناه ما بيناه قبل من تأخير الشيء، فمؤخر أمر علي وعثمان رضي الله عنهما وتارك ولايتهما والبراءة منهما مرجئاً أمرهما فهو مرجئ، ومؤخر العمل والطاعة عن الإيمان مرجئهما عنه فهو مرجئ.
غير أن الأغلب من استعمال أهل المعرفة بمذاهب المختلفين في الديانات في دهرنا هذا الاسم فيمن كان من قوله: الإيمان قول بلا عمل، وفيمن كان مذهبه أن الشرائع ليست من الإيمان، وأن الإيمان إنما هو التصديق بالقول دون العمل المصدق بوجوبه" (5)
ففي كلام الإمام ابن عيينة وشرح الطبري له، ما يدل على أن المرجئة الأولى هي طائفة من الناس كانت ترجئ أمر عثمان وعلي إلى الله، فلا تتولاهما ولا تتبرأ منهما، فهي مضادة لمن يكفرهما أو يغلو فيهما- أو أحدهما- وكذا لمن يرى تقديمهما وفضلهما ووجوب موالاتهما.
والغاية أن الإرجاء عندها ليس في مسألة الكفر والإيمان عامة، وإنما هو في الموقف من الصحابة المختـلفين في الفتنة- رضي الله عنهم- خاصة. فهم مناقضون لما عليه عامة الخوارج من تكفيرهما، وما عليه عامة الشيعة من الغلو في علي والحط على عثمان أو تكفيره، وكذلك مخالفون لما عليه الجماعة في أمرهما.
ومن هنا كان طبيعياً أن تتعرض هذه الطائفة لنقد وعيب هذه الطوائف جميعاً، وكل طائفة تعيبها وتخالفها من الزاوية التي تراها مخالفة لها فيها، ومن هنا تشعب القول عن المرجئة الأولى واختلف.
فالجماعة يعدونهم من الخوارج - وهم كذلك لمن تأمله- كما قد سبق إيضاح ذلك وإثباته من واقع فرق الخوارج.
والشيعة تعدهم نواصب، ولهذا أدخلت أهل السنة عامة في مسماهم - كما سنرى- فهم يطلقون على كل من لم يغل في علي مرجئاً، إلا إذا كان يكفره فهو خارجي.
والخوارج يعدونهم مرجئة، لأنهم لم يجزموا بكفر علي وعثمان - في أول الأمر - و بالتالي لم يجزموا بتكفير مرتكب الكبيرة عامة بعد تطور النزاع على النحو الذي سبق.
وهذا ما يفسر السر في تضارب الأقوال عنهم، واختلافهم حتى أعيى الكثير من المصنفين و الباحثين الجمع بينها، في حين أن من اعتمد على المصادر السلفية وحدها لا يجد أي اختلاف, وعلى هذا نسوق الشواهد:
فمن المرجئة الأولى "محارب بن دثار" قاضي الكوفة، المتوفى حوالي سنة 116، يقول عنه ابن سعد: "كان من المرجئة الأولى، الذين كانوا يرجون علياً وعثمان، ولا يشهدون بإيمان ولا كفر"(1)
وينقل الذهبي النص مع زيادة: "قال ابن سعد: كان من المرجئة الأولى، الذين يرجون علياً وعثمان إلى أمر الله، ولا يشهدون عليهما بإيمان ولا كفر".(2)
وإذا كان هذا يعد عند الجماعة بدعة وجرحاً، فإن الشيعة تعده كفراً بالنسبة لعلي، وقد نسب صاحب (الأغاني)، وصاحب كتاب (الزينة)- وكلاهما رافضي- هذه الأبيات إلى محارب:


يـعيب علي أقـوام سـفاها        





 بأن أرجي أبا حسن عليا


 وإرجائي أبا حسن صواب        


 


 عن العمرين براً أو شقيا


فإن قدمت قوماً قال قوم




  أسأت وكنت كذاباً رديا


إذا أيـقـنـت أن الله ربـي




وأرسل أحمداً حقاً نبيا


وأن الرسل قد بعثوا بحق    




وأن الله كان لهم وليا(3)


فليس علي في الإرجاء بأس        




ولا لبس ولست أخاف شيّا

                       
       
وعند الأخير زيادة بيتين :


وعثمان وماج الناس فيه 





 فقالت فرقة قولاً بذيا


 وقال الآخرون إمام صدق


 


وقد قتلوه مظلوماً بريا(4)  

فرد عليه أحد شعراء الشيعة سائراً على منهجهم في الغلو والفحش:


يود محارب لو قد رآها(5)        




وأبصرهم حواليها جثيا


وأن لسانه من ناب أفعى




وما أرجى أبا حسن عليا


وأن عجوزه مصعت بكلب




وكان دماء ساقيها جريا(6)


متى ترجي أبا حسن عليا




فقد أرجيت يا لكع نبيا(7)

       
                ولشاعرهم الحميري الملقب بالسيد، قصيدة في المعنى نفسه قال:


خليلي لا ترجيا واعلما




بأن الهدى غير ما تزعمان


وأن عمى الشك بعد اليقين




وضعف البصيرة بعد العيان


ضلال فلا تلججا فيهما  




فبئست لعمركما الخصلتان


أيرجى علي إمام الهدى  




وعثمان ما اعتدل المرجيان(1)


ويرجى ابن حرب وأشياعه        




وهوج الخوارج بالنهروان(2)


و يرجى الألى نصروا نعثلاً        




بأعلى الخريبة والسامران(3)


يكون أمامهم في المعاد        




خبيث الهوى مؤمن الشيصبان(4)

وهكذا تعرض محارب - ومن كان معه- لهجوم الشيعة في كلا جانبي رأيه وهما: إرجاء علي، إذ كيف يرجى وهو عندهم نبي، كما صرح الأول، أو إمام الهدى الوحيد!!
وإرجاء عثمان، إذ كيف يرجى وهو إمام ضلالة- وكذا معاوية- فالواجب تكفيرهما!!
وعن الشك الذي يظهر في أبيات محارب، وخوفه من لوم الطوائف المعارضة نقول:
إنه لم يسلم من اللوم، بل عرض الحميري ذلك واصفاً له بالضلال، وإن عمى الشك بعد اليقين لضلال حقاً، لكن ليس على ما يرى الحميري.
هذا ولا يصح أن يكون إرجاء محارب هو تأخيره علي إلى الدرجة الرابعة في ترتيب خلافة الراشدين، كما ظن ذلك بعضهم، لأن هذا هو مذهب الجماعة وإجماع الأمة، وإنما إرجاؤه ما سبق، أما مصادر الشيعة فهي تعتبره كذلك، لكن لا عبرة بقولها، فهو فرع عن عقيدتها ودينها.
هذا وقد ذكر صاحب (الأغاني) أيضاً أن أحد الشيعة أشرف على الموت، فأظهرت المرجئة الشماتة به، فقال السيد الحميري قصيدة في مدح الشيعة، وهذا مما يدل على تنافس وعداء(5).
ولعل ما يؤيد معرفة سفيان بن عيينة لهذا الطائفة، أن أحد شيوخه عاصم بن كليب الجرمي هو تلميذ لمحارب بن دثار، وقد كان على الإرجاء نفسه، كما وصفه بذلك شريك بن عبدالله، ومما يدل عليه قوله لأحدهم: "إنك خشبي" ، والخشبية هم الرافضة أو طائفة منهم، فكأنه يدافع عن نفسه بأنه موقفه خير من الغلو في علي(6).
ونجد إماماً فقيهاً آخر هو "ابراهيم النخعي"، وقد كان معاصراً لمحارب وأعدائه يتكلم عن هذه الطائفة.
فقد ذكر ابن سعد بسنده "أن رجلاً كان يأتي إبراهيم النخعي فيتعلم منه، فيسمع قوماً يذكرون أمر علي وعثمان، فقال: أنا أتعلم من هذا الرجل وأرى الناس مختلفين في أمر علي وعثمان؟ فسأل إبراهيم النخعي عن ذلك، فقال: ما أنا بسبئي ولا مرجئي" (7).
أي لست من الشيعة- الذين أسس مذهبهم عبدالله بن سبأ كما هو معلوم- ولا من المرجئة الذين يقابلون غلو الشيعة بالإجحاف وعدم التولي له، يعني فهو من أتباع السلف أهل السنة، وأراد أن يعلم تلميذه أن يجتنب هاتين الفرقتين اللتين كانتا في الكوفة حينئذ.
وفي العصر نفسه نجد إماماً آخر مشهوراً هو "الشعبي" - الذي كان أول أمره خشبياً، ثم ترك ذلك و فضح كثيراً من أصول التشيع، لا سيما علاقته باليهود(8) - ينصح تلميذاً له قائلاً: "أحب صالح المؤمنين وصالح بني هاشم و لا تكن شيعياً، وأرج ما لم تعلم ولا تكن مرجياً، واعلم أن الحسنة من الله والسيئة من نفسك ولا تكن قدرياً، و أحبب من رأيته يعمل الخير وإن كان أخرم سندياً" (9).
فهو يحذره من الطوائف الأربع التي كانت معاصرة حينئذ: وهي الشيعة والمرجئة والقدرية والشعوبية، ويبين له أن الإنسان يكل علم ما لم يعلم إلى الله، لكن أمر عثمان وعلي رضي الله عنهما هو من المعلوم الثابت، وهو الشهادة لهما بالإيمان والجنة، وموالاتهما وعدم البراءة منهما، بخلاف ما تقوله المرجئة فيهما، كما سيأتي في أبيات شاعرهم ثابت قطنة.
وممن نسب إليه الإرجاء على هذا المعنى من رجال الحديث: "خالد بن سلمة الفأفاء"، وهو يروي عن الشعبي و يروي عن سفيان بن عيينة، قيل عنه: "كان مرجئاً يبغض علياً"، وعبارة الذهبي: "كان مرجئاً ينال من علي رضي الله عنه".(1)
ولا شك أن عدم تولي علي هو بغض له.
ولنأت الآن إلى قصيدة ثابت قطنة- شاعر المرجئة المشهور- التي وصفت بأنها الأثر الإرجائي الباقي، الذي يصور عقيدة هذه المرجئة وأفكارها(2) ، وهي:


يا هند إني أظن العيش قد نفدا        





 ولا أرى الأمر إلا مدبراً نكدا


 إني رهينة يوم لست سابقه        


 


 إلا يكن يومنا هذا فقد أفِدا


 بايعت ربي بيعاً إن وفيت به




 جاورت قتلى كراماً جاوروا أحدا


 يا هند فاستمعي لي إن سيرتنا




 أن نعبد الله لا نشرك(3) به أحدا


نرجي الأمور إذا كانت مشبهةً




ونصدق القول فيمن جار أو عندا


المسلمون على الإسلام كلهم




والكافرون استووا(4) في دينهم قددا


ولا أرى أن ذنباً بالغ أحداً




م(5) الناس شركاً إذا ما وحدوا الصمدا


لا نسفك الدم إلا أن يراد بنا  




سفك الدماء طريقاً واحداً جددا


من يتق الله في الدنيا فإن له




أجر الحساب إذا و في الحساب غدا


وما قضى الله من أمر فليس له




رد وما يقضِ من أمر يكن رشدا


كل الخوارج مخطٍ في مقالته




ولو تعبد فيما قال واجتهدا


أما علي وعثمان فإنهما




عبدان لم يشركا بالله مذ عبدا


وكان بينهما شغب وقد شهدا




شق العصا وبعين الله ما شهدا


يجزي علي وعثمان بسعيهما




ولست أدري بحقٍ أيّـةً(6) وردا


الله يعلم ما يحضران به




وكل عبد سيلقى الله منفردا(7)

 
هذه القصيدة التي رواها صاحب (الأغاني) "وجادة"(8)، ذكر معها سببها قال: "كان ثابت قطنة قد جالس قوماً من الشراة وقوماً من المرجئة، كانوا يجتمعون فيتجادلون بخراسان، فمال إلى قول المرجئة وأحبه، فلما اجتمعوا بعد ذلك أنشدهم قصيدة قالها في الإرجاء"(9)
والقصيدة من الناحية الشعرية جيدة وتعبر عن عقيدة صاحبها بوضوح ويمكن تلخيصها في الآتي:
1- إرجاء الأمور المشتبهة والمختلف فيها إلى الله، وهو تمهيد لما سيقرره عن الخليفتين الراشدين.
2- إثبات الإسلام لكل من أظهره (أي ما لم يشرك أو يرتد).
3- أن الذنوب والمعاصي لا تخرج من الملة، فلا يكفر مسلم موحد إلا إذا قارف ذنباً يبلغ به حد الشرك بالله تعالى (وهذا تمهيد لما سيحكم به على الخليفتين، اللذين هما عاصيان فقط في نظره).
4- الأصل الإمساك عن دماء المسلمين، إلا على سبيل الدفاع عن النفس.
5- أن المتقين ينالون جزاءهم كاملاً يوم القيامة.
6- الإيمان بالقضاء والقدر وحكمة الله فيه.
7- تخطئة الخوارج في تكفير المسلمين، (لا سيما عثمان وعلي)، ولا يشفع لهما تـنسكهم واجتهادهم في العبادة، (أي ولو كانوا يظنون أن هذا اجتهاد منهم وعبادة).
8- أن عثمان وعلياً لم يثبت عليهما الشرك منذ أسلما فلا نكفرهما، وإنما كان منهما وبينهما فتنة واختلاف، والله أعلم بسرائرهما، وسيجزيهما بسعيهما، وقد مضيا إلى ربهما، ولا ندري أهما من أهل الجنة أم من أهل النار، فالله يعلم ماذا يأتيان به يوم القيامة حين يحاسب كل إنسان على انفراد.
وأما فهم بعض الباحثين المعاصرين من القصيدة أن المرجئة "يرجئون الحكم على مرتكب الكبيرة، أي يؤخرونه ويجعلونه لله, ويرجئون العمل عن الإيمان، إذ إن الإيمان عندهم ألا يشرك الناس بالله الواحد الصمد, وهو في غنى عن العمل، خلافاً للخوارج الذين يرونهما- يعني العمل والإيمان- شيئاً واحداً لا وزن لأحدهما بدون الآخر، وعلى هذا فإن الخوارج مخطئون في هذا التصور، وعثمان وعلي وغيرهما مؤمنون، ولا يستطيعون الحكم على أحدهم بخطأ وكذلك جميع المسلمين لا يصح التعرض لهم بحكم، إذ يكفي أن يكونوا مسلمين, أما عملهم فذلك موكول إلى ربهم ولو لم يصوموا أو يصلوا أو يحجوا فهم مسلمون ولا يصح أن يطردوا من حظيرة الإسلام"(1).
فهو بلا شك مبالغ فيه، أراد صاحبه أن يدخل عقيدة المرجئة بمفهوم الإرجاء العام، ضمن مفهوم هذه الأبيات، التي قصد بها قائلها الإرجاء الخاص بالصحابة "إرجاء المرجئة الأولى" الذي هو في أصله شعبة من الفكر الخارجي كما أوضحنا، لكن المؤلف في كتابه كله لم يستطع الفصل بين المفهومين.
وأحسب أن من يقرأ القصيدة دون تصور سابق، لا يفهم منها الاستهانة بالعمل والتـفلت من الفرائض، بل العكس هو المنطوق، كيف وقد اعتبر ما وقع من عثمان وعلي من المعاصي- بزعمه- مبرراً لأن يخالف ما هو ثابت مشهور لدى الأمة قاطبة من فضلهما والشهادة لهما بالجنة؟
كما أن سيرة ثابت وحياته التي قضاها على الثغور ومجالدة الأعداء أقرب إلى سير الخوارج منها إلى غيرهم(2).
والواقع أن اللبس حاصل من منطوق الأبيات فهي في الحقيقة متناقضة, وتناقضها هذا يعطينا شاهداً آخر على تطور بدعة الإرجاء - كما سبق أن قررنا في المبحث السابق - وذلك أن الجدل بين غلاة الخوارج ومتساهليهم (واقفتهم) بشأن ما وقع من الصحابة من ذنوب ومعاصي أدى إلى ظهور مرجئة الخوارج، الذين يقولون بإرجاء عثمان وعلي رضي الله عنهما.
وانطلاقاً من القاعدة المتفق عليها عند ا لخوارج عامة وهي أنهما مرتكبي كبيرة، استمر الجدل بشأن مرتكب الكبيرة، مع تناسي الأشخاص تدريجياً، حتى أصبح موضوعه مرتكب الكبيرة عامة، حيث أصر غلاة الخوارج على تكفيره، وأصر هؤلاء على إرجائه, على ما سبق تفصيله.
فانتقل الأخيرون- ربما وهم لا يشعرون- إلى نقطة بعيدة جداً عن نقطة البداية، حيث تحولوا من الفكر الخارجي إلى نقيضه وبعضهم عادى الخوارج معاداة شديدة كالحال دائماً في الفئات المنشقة, مع أن فيه بذرة أو شعبة منه.
و هذا بدقة هو  الحال مع ثابت قطنة فهو يصرح بتخطئة الخوارج، ويقرر أن العاصي الموحد لا يحكم عليه بالكفر، ومع ذلك يصرح بإرجاء علي وعثمان، ويشك في دخولهما الجنة، وهذا عين ما قالته في حقهما مرجئة الخوارج الأولون(3).
وحال ثابت- مع ما سبق قبله- هو الذي يفسر التـناقض المستمر بين أصحاب الإرجاء الأول وبين الشيعة، بخلاف الإرجاء بمفهومه العام المتداول، فبعض الشيعة من الغلاة فيه كما سيأتي، إذ ليس ثمة شك في أن ثابتاً في نظر الشيعة خارجي سافر سواء سموه كذلك أم سموه مرجئاً.
فهو على أيه حال "ناصبي غال" عندهم، كما أنه خارجي واضح في نظر أهل السنة، إذا نظرنا لموقفه من الخليفتين، مجرداً عما قرره من مبدأ في صاحب الكبيرة عامة (البيتين السادس والسابع).
أما إذا نظرنا نظرة متكاملة- وهو الصواب- فلا شك أنه متناقض، وما كان أصحاب البدع إلا كذلك.
وعلى هذا المعنى للإرجاء نستطيع أن نفهم أبيات بشر بن المعتمر- رئيس معتزلة بغداد أيام الرشيد- فقد بلغ الرشيد عنه أنه رافضي، فسجنه فكتب في الحبس قصيدة رجزية طويلة تبلغ كما قيل أربعين ألف بيت, منها قوله:


لسنا من الرافضة الغلاة





 ولا من المرجئة الحفاة(4)


 لا مفرطين بل نرى الصديقا


 


 مقدماً والمرتضى الفاروقا

نبرأ من عمرو ومن معاوية (5)
فالمعتزلة- كما هو معلوم- هم أقرب شيء إلى الخوارج في حكم مرتكب الكبيرة، إذ قالوا: إنه لا مؤمن ولا فاسق من حيث إطلاق الاسم، بل هو في منزلة بين المنزلتين، وأما من حيث العاقبة والمآل، فهم يتـفقون مع الخوارج على أنه مخلد في النار أبداً كالكفار(1)!!
فخلافهم مع المرجئة في هذه المسألة خلاف تضاد، ولا موضع لتهمة المعتزلي بالإرجاء في الإيمان.
أما في مسألة الحكم على الصحابة المختلفين في الفتنة، فبعض المعتزلة الكبار كعمرو بن عبيد تبرأ من الطائفتين وقال: إحدى الطائفتين فاسقة لا بعينها(2)، وهذا قريب من قول الخوارج، بل هو في الأصل قول بعض طوائفهم- كما سبق- لكن بتعديل وتحوير، ومعلوم أنه قول الروافض- أو بعضهم- بالنسبة للشيخين، ولعمرو ومعاوية، و إجمالاً لغير علي وطائفته.
ومن هنا جازت التهمة على بشر بأنه رافضي يتبرأ من الصحابة (أو مرجئي يرجئ أمرهم إلى الله معتبراً إياهم أصحاب كبائر، غير مقر بالشهادة لهم بالجنة), وحبسه الرشيد، ودافع بشر عن نفسه بأنه ليس من الرافضة الغلاة - والغلاة هنا وصف لا مفهوم له- وأيضاً ليس من المرجئة الحفاة, المتنقصين لحق الصحابة، مقابل غلو أولئك منهم، بل هو وسط بزعمه غير مفرط، وفسر هذا التوسط بأن عقيدته ومن اتبعه تقديم الشيخين والإقرار بفضلهما  والبراءة من بني أمية وأهل الشام والمحاربين لعلي وسكت بشر عن رأيه في عثمان وعلي أو لم تبلغنا الأبيات(3).
لكن حصل مراده بنفي تهمة الرفض عنه بما قاله عن الشيخين، وإن كان هذا لا يخرجه عن كونه خارجياً، فالخوارج يقدمون الشيخين ويرضونهما، ثم يبرأون ممن بعدهما.
والمقصود أن مفهوم المرجئة في ذلك الزمن، كان يطلق على المرجئة الأولى إيضاً، أي الإرجاء المتعلق بالصحابة.
على أن هناك إشكالاً بين ما تقرر هنا عامة وما ذكره القاضي المعتزلي عبدالجبار وهو قوله: "إن طائفة يقولون: إن الله تعالى يجوز أن يعفو عن الفاسق، ويجوز أن يعاقب، ولا يعلم حقيقة ذلك، وهو الذي تقوله المرجئة الأولى"(4). فهذا إرجاء عام لا إرجاء المرجئة الأولى.
لكن الإشكال يزول إذا عرفنا أن ما كان يقوله المرجئة الأولى في خصوص الصحابة، قال به المتأخرون- أو بعضهم- في مرتكب الكبيرة عامة، وجعلوهما سواء- كما سبق- فالقاضي نسب القول للأصل، أو أنه الذي عمم ما خصصته المرجئة الأولى، فوضع الفاسق مطلقاً مكان "علي وعثمان" الوارد حكمهما في قصيدة ثابت وهو عدم القطع لهما بالعفو أو العقوبة.
والحاصل أن المرجئة الأولى كانت مقابلة للتشيع من وجه، لا سيما وأهل الشام- كما هو معلوم- لم يكونوا يرون كفر علي، وإنما كانوا- إذا غلوا- يرون البراءة منه وجواز مقاتلته، وهذا في نظر الشيعة يماثل موقف المرجئة منه، ومن هنا أطلقوا عليهم وصف الإرجاء ولا غرابة، فقد أطلقوه على أهل السنة عامة، لمجرد أنهم لا يفضلونه على الشيخين!!
ومن الطبيعي أن تثور الخصومة ويقوم الجدل بين الشيعة وبين حزب بني أمية من أهل الشام وغيرهم، وبهذا يفسر ما يوجد في كتب الأدب، من ذكر وقائع بين الشيعة والمرجئة، مثل كتاب (الأغاني) (5)، وكتاب (البيان والتبيين ) (6)، لا سيما وصاحباهما رافضي ومعتـزلي، والرافضة والمعتزلة اتحدتا منذ القرن الثالث تقريباً.
وعلى ذلك نفهم أيضاً ما أورده الجاحظ من شعـر لأحد الشيعة:


إذا المرجيّ سرك أن تراه





 يموت بدائه من قبل موته


 فجدد عنده ذكرى علي


 


 وصل على النبي و آل بيته(8)

  فالمقصود في هذه كلها هو الإرجاء الخاص.
وإذا رجعنا إلى المصادر الشيعية فسنجد ذلك وأجلى منه. يقول صاحب كتاب (الزينة في شرح معنى الإرجاء و المرجئة): "وأما المرجئة فقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: "المرجئة يهود هذه الأمة"(1)، وروي عن محمد بن علي عليه السلام أنه قال: "المرجئة بدلوا سنة الله، ظاهرها وباطنها، وهم يهود هذه الأمة، وهم أشد لنا عداوة من اليهود والنصارى".
وقد تأول الناس في هذا اللقب تأويلات كثيرة، فكل فريق يتنصل منه ويلزمه غيره, ويتأول فيه تأويلاً ينتفي به عنه.
ثم ذكر قول أهل السنة والجماعة فيهم- نقلاً عن ابن قتيبة- وقول المرجئة الفقهاء وردهما وقال: "والمرجئة هو لقب قد لزم كل من فضّل أبابكر وعمر على علي بن أبي طالب، كما أن التشيع هو لقب لزم كل من فضل علي على أبي بكر وعمر، هذا ما يتعارفه الناس بينهم ظاهراً واتفقت الأمة عليه" (3)
واستدل على ذلك بإطلاق الاسم: "قيل: فلان مرجئي قدري، وفلان شيعي قدري.. ولم نر أحداً يقال له: هذا مرجئي شيعي، أو مرجئي رافضي، هذا محال جداً، كما أنه محال أن يقال: هذا ثوب أبيض أسود، وهذا شيء حلو مر، لا تجتمع صفتان متضادتان في شيء واحد، وهذا حكم بيّن عند الإمامية أن المرجئ لا يكون شيعياً، و الشيعي لا يكون مرجئاً.
فالإرجاء - على ما قلنا - هو نعت قد لزم كل من فضل أبا بكر وعمر على علي، كما أن التشيع قد لزم تفضيل علي على أبي بكر وعمر، وإنما سموا مرجئة، لأنهم أرجأوا علياً، أي أخروه وقدموا أبا بكر عليه، فهذا اللقب لازم لكل من ذهب هذا المذهب، من أي الفرق كان".
ثم ذكر أبيات محارب بن دثار، زاعماً أن إرجاءه هو تأخير علي وتقديم أبي بكر، ثم قال: "ومن ألقاب فرقهم، أنهم أهل السنة والجماعة، وهم على أصلين، يقال لهما: أصحاب الحديث، وأصحاب الرأي"
ثم ذكر من فرقهم- بزعمه- الحشوية والمشبهة والشكاك والمالكية والشافعية والجهمية، في خلط يذكرك بخلط المستشرقين.
وما ذكره هذا الشيعي يصحح ما قلناه، من التفريق بين المرجئة الأولى وبين الإرجاء العام، الذي موضوعه الإيمان والكفر، لكنه لما لم يتضح له الفرق بينهما، جاء بهذا الخلط حتى أنه نفى أن يكون للإرجاء علاقة بقضية الإيمان والعمل، وحصره في تأخير علي عن الشيخين فقط، ولكن من عرف ملته لم يفجأه ذلك منه.
صحيح أنه لا يقال: مرجئي شيعي، أو مرجئي رافضي، ولكن على أي معنى من معاني الإرجاء؟!
أما على معنى إرجاء المرجئة الأولى فحق وهذا ما قررناه، وأما على الإرجاء العام فإنه يقال: شيعي مرجئي، و رافضي مرجئي، ولا مانع عقلاً من أن يكون الرجل غالياً في علي، معادياً للشيخين، وهو مع ذلك لا يرى أن العمل من الإيمان أو أن المعاصي تضر صاحبها. وهذا هو حال بعض فرق الشيعة.
يقول الملطي في كتابه، الذي هو منقول عن الإمام خشيش بن أصرم في باب ذكر الروافض وأجناسهم ومذهبهم: "ومنهم صنف يقال لهم: المغيرية، زعموا أنه من ظلم نفسه من عترة علي، فلا حساب عليه ولا عذاب ولا وقوف عليه ولا سؤال، وإن ترك الفرائض وركب العظائم وأشرك بالله، وزعموا أن أبا طالب في الجنة.."
فهؤلاء لا شك يقال فيهم شيعة مرجئة.
والمؤمن عند الشيعة ليس من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وليس دخول الجنة عندهم مبنياً على فعل الواجبات وترك المحرمات، بل الإيمان عندهم من آمن بعلي إماماً معصوماً، تتلقى منه وحده أحكام الدين و تتبع أقواله وأعماله، وتكفير الخطايا عندهم هو اعتقاد أن علياً هو "باب حطة" تأويلاً لقوله تعالى:  وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ [ البقرة:58]  .
هذه خلاصة ما في كتبهم، التي لا يتسع المجال للتفصيل فيها، وما تزال هذه عقيدتهم حتى في هذا العصر.
يقول أحد المصنفين في الإيمان منهم: ".. إن المؤمن الذي يدخل باب حطة على الكيفية التي أمره الله بها، وإن الذي يمتنع من الدخول، أو يدخل على خلاف ما أمره الله فهو كافر.
إذا عرفت هذا فاستمع لما يقوله النبي، استمع أيها المسلم، المصدق بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم لما يقوله لك نبيك، ويرويه عنه الثقات من العلماء.. " (1)
ثم ذكر حديثاً موضوعاً لفظه: "علي باب حطة، من دخل منه كان مؤمناً، ومن خرج منه كان كافراً"(2) وقال: "أيها المسلم، قد عرفت معنى باب حطة، وسمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد من قوله: أن من اتخذ علياً إماماً بعد النبي، وعمل بأقواله، فهو كالداخل من باب حطة، يعد عند الله وعند الرسول مؤمناً ويغفر الله له ذنوبه، ومن لم يتخذ علياً إماماً، ولم يعمل بأقواله، ولم يتخذ أحكام دينه منه لم يكن من المؤمنين، كما ذكر النبي، فهو عند الله من الكافرين، ولم يغفر له ذنوبه ويعاقبه عليها"(3)
ويقول: "إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليأمر أمته أجمع بالرجوع إلى شخص، ويحثهم على أخذ أحكام دينهم منه، ويحكم بإيمان المتمسك، وكفر المبتعد عنه.. لم يحث على هذا إلا بالنسبة إلى شخص يكون مثله، باتصافه بجميع الأخلاق والصفات الحميدة، وجمعه لجميع العلوم"(4)
ولست في مجال الحديث عن الشيعة، وحقيقة الإيمان عندها، وإنما المقصود أن إطلاقهم وصف المرجئة على أهل السنة عامة- أو على بعضهم- تبع لهذا المبدأ لديهم، فلا بد من معرفة مصطلح كل فرقة، حتى لا يقع المرء فيما وقع فيه من اطلعت على كلامه من المؤرخين والباحثين المعاصرين.
العجب- وكل أمر الشيعة عجب- أن هذا الإرجاء المرفوض في حق علي، الذي يستحق صاحبه عليه الكفر عندهم، هو مشروع محمود في حق الشيخين أبي بكر وعمر، بل هو الدرجة الدنيا من الإيمان عندهم، ويتلوها درجات لا يرتقي إليها إلا من جاز ذلك!!.
وما أصدق ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية عنهم: "إن الذي ابتدع الرفض كان يهودياً أظهر الإسلام نفاقاً، ودس إلى الجهال دسائس يقدح بها في أصل الإيمان(5).
ولهذا كان الرفض أعظم أبواب النفاق والزندقة، فإنه يكون الرجل واقفاً، ثم يصير مفضلاً، ثم يصير سباباً، ثم يصير غالياً، ثم يصير جاحداً معطلاً" (6)
فهذا السلم الزندقي يبتدئ سالكه بالتوقف في حق الشيخين، فلا يشهد لهما بأنهما أحق من علي بالخلافة، ولا أن علياً أحق منهما، بل يكل أمر الجميع إلى الله، فلا تزال به الرافضة حتى يصبح مفضلاً يفضل علياً عليهما، كما هو مذهب الزيدية- أو كان مذهبهم(7) - ثم يرتقي إلى سبهما وشتمهما متعبداً بذلك، ثم يصير غالياً يكفرهما، ويعتقد أنهما الجبت والطاغوت وصنما قريش، ثم يخرج من الإسلام كلية ويدخل في دين ابن نصير أو قرمط أو العبـيـديـين وأمثالهم، فيعتقد إنكار الشرائع جملة، ويدين بالفلسفة التي وضعتها كل فرقة.
هذا وسيأتي الحديث عن الحسن بن محمد بن الحنفية، ما يزيد أمر المرجئة الأولى والعلاقة بينها وبين الشيعة وغيرها إيضاحاً.ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لسفر الحوالي  -  1/319

انظر أيضا: