موسوعة الفرق

 رابعا: خروج الماتريدية على الفطرة السليمة المستقيمة


تشهد فطر بني آدم كلهم جميعاً  -  غير الشرذمة القليلة من المتكلمين  -  أن الله تعالى فوق خلقه أجمعين، وقلوبهم تتوجه إليه وترغب وقت نزول الشدائد والكرب، وعلى ذلك جميع بني آدم ذكورهم وإناثهم، وعلمائهم وعوامهم، وعربهم وعجمهم ومسلمهم وكافرهم. وليس إنكار ذلك إلا مكابرة وعناداً وإكراهاً للعقول على قبول ما لا تقبله أبداً وترد فطر بني آدم جميعاً.
وقد استدل كثير من سلف هذه الأمة وأئمة السنة بدليل الفطرة على "علو الله تعالى" وأُقِدّم للقراء بعض النماذج من كلامهم ليعرفوا مدى مكابرة الماتريدية للمعقول والمنقول والفطرة والإجماع في آن واحد.
ونبدأ بذكر نصٍ مهمٍ للإمام أبي حنيفة  -  رحمه الله  -  إتماماً للحجة على الماتريدية وإيضاحاً للمحجة السلفية:
1- قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى (150هـ):
"من قال: لا أعرف الله أفي السماء أم في الأرض فقد كفر، قال الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]
فإن قال: أقول: بهذه الآية، ولكن لا أدري أين العرش؟.
في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر أيضاً.
ونذكره من أعلى لا من أسفل.
لأن الأسفل من الربوبية والألوهية في شيء.
وروى في الحديث أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة سوداء فقال: وجب علي عتق رقبة مؤمنة أفيجزئ أن أعتق هذه؟
فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم-: ((أمؤمنة أنت؟))
قالت: نعم. فقال: ((أين الله))
فأشارت إلى السماء فقال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) الحديث بهذ اللفظ (أمؤمنة أنت) لم يرد، ورواه مسلم (537) بلفظ (..فقال لها أين الله ؟ قالت في السماء قال من أنا ؟ قالت أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة). ((الفقه الأبسط بشرح أبي الليث السمرقندي)) (ص 16-20)، المطبوع خطأ باسم "الفقه الأكبر" والمنسوب خطأ إلى الماتريدي.
والمعتزلة تنكر هذا الخبر".
ولفظ الفقه الأبسط بتحقيق الكوثري: "من قال: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض؟.
فقد كفر؟ وكذا من قال: "إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض؟.
والله يدعى من أعلى لا من أسفل... وعليه ما روى في الحديث..." (ص 49-52)، و ((إشارات المرام)) (ص 197-198).
قلت: هاتان الروايتان متفق عليهما بين الماتريدية ولاسيما الكوثري. وهما صريحتان في إثبات الإمام أبي حنيفة لصفة "علو" الله تعالى، وأنه في السماء وأن من أنكر كون الله في السماء، بل من شك في ذلك بل من شك في كون العرش في السماء فقد كفر.
ونص أبي حنيفة هذا ذكره غير الحنفية أيضاً بهذا اللفظ وكذا بألفاظ متقاربة فقد رواه شيخ الإسلام: أبو إسماعيل الهروي: (481هـ) وذكره غيره.
وفي بعض تلك الألفاظ: "من أنكر الله في السماء فقد كفر".
وفي بعضها: "إذا أنكر أنه في السماء أم في الأرض فقد كفر".
وفي لفظ: "من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر، لأن الله يقول: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] ، وعرشه فوق سبع سموات...".
قلت: "أي أبو مطيع الحكم بن عبدالله البلخي" (199هـ).
فإن قلت: إنه على العرش استوى، ولكنه يقول: "لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال  -  أي الإمام أبي حنيفة  -  هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين...." انظر ((إثبات صفة العلو للموفق الدين المقدسي)) (ص 116-117)، و ((العلو)) للذهبي (ص 101-102) و ((الحموية)) (ص 51-52)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/47-49)، و ((درء التعارض)) (6/263-264)، ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) (ص 138-140)، و ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (ص 322-323)، ((روح المعاني)) (7/115)، و ((جلاء العينين)) (ص 356)، و ((غاية الأماني)) (ص 444-449)، و ((مختصر العلو)) (ص 136-137).
قلت: أيها المسلم طالب الحق والإنصاف تدبر نصوص الإمام أبي حنيفة التي أجمع عليها الماتريدية حتى الكوثرية منهم والتي ذكرها غيرهم من أئمة السنة، فتراها كلها صريحة بأن الله فوق العالم، وأنه في السماء على عرشه، وأن من أنكر ذلك أو شك فيه أو شك في كون العرش في السماء فقد كفر.
كما ترى الإمام أبا حنيفة استدل بعلو الله تعالى بحجج ثلاث:
الأولى: الحجة النقلية فذكر آية من كتاب الله تعالى كما ذكر حديث الجارية وهذا دليل على أنه كان يستدل بخبر الواحد في باب العقيدة، وفي ذلك عبرة للماتريدية.
الثانية: الحجة العقلية: وهي قوله: "لأن الأسفل ليس من الربوبية والألوهية في شيء. وهذا يتضمن الفرق بين توحيد الربوبية وبين توحيد الألوهية أيضاً.
الثالثة: الحجة الفطرية: وهي قوله: "والله يدعى من أعلى لا من أسفل".
وكلام أبي حنيفة في جميع ذلك صريح غاية الصراحة لا يحتمل التأويل بوجه ما.
ومع وضوح نص الإمام أبي حنيفة هذا وصراحته غاية الصراحة بإثبات الفوقية لله تعالى وأنه في السماء وأن من أنكر ذلك أوشك فقد كفر. ترى كثيراً من هؤلاء الماتريدية، ومنهم الكوثرية يحرفون نص هذا الإمام الصريح إلى ضدّ ما يقصده الإمام أبو حنيفة رحمه الله، من إثباته "الفوقية" لله تعالى؛ فيقول هؤلاء المحرفون: إن وجه تكفير الإمام أبي حنيفة لمن قال ذلك  -  هو إيهام كون الله تعالى في مكان، لأن هذا القائل: يوهم أن لله مكاناً، فكان مشركاً انظر ((شرح الفقه الأبسط)) لأبي الليث السمرقندي (ص 17)، المطبوع خطأ باسم أبي منصور الماتريدية، والمطبوع بعنوان "الفقه الأكبر" خطأ أيضاً، و ((تعليقات الكوثري على الفقه الأبسط)) (ص 59) ، ويقولون أيضاً: إن المراد من الفوقية" الكبرياء والفوقية بالاستيلاء ((إشارات المرام)) (ص 198). واستحالوا "الأينية"  -  أي الإشارة إلى الله تعالى بأين؟ في حق الله تعالى وقالوا: "... فلا تتصور الأينية" إلا في الحادث" ((تعليقات الكوثري على الفقه الأبسط)) (ص 199).
وقالوا أيضاً في هذا الحديث: "حديث الجارية" الذي استدل به الإمام أبو حنيفة رحمه الله على فوقية الله تعالى وجواز الإشارة إليه سبحانه وتعالى، وجواز القول "بأين الله"؟ وجواز الجواب "بأنه في السماء":- "أنه مؤول لمخالفة القواطع العقليات والنقليات..." ((إشارات المرام)) (ص 199).
كما حرّفوا الدليل الفطري الذي استدل به الإمام أبو حنيفة رحمه الله، فقالوا: المراد أن السماء قبلةُ للدعاء لا أن الله في السماء.
ثم هؤلاء لم يكتفوا بتحريف قول الإمام أبي حنيفة؛ بل حرفوا هذا الحديث "حديث الجارية" أيضاً فقالوا: المراد من "العلو" وكون الله في السماء المنزلةُ والعلوُّ على العباد على القهر والغلبة ((إشارات المرام)) (ص 198).
ولا غزو في ذلك؛ فإنهم لا تعودوا تحريف نصوص الصفات القرآنية والحديثية  -  هان عليهم التحريف لنصوص الإمام أبي حنيفة؛ لأنه أسهل وأيسر.
ولشيخنا الألباني كلام مهم في كشف الستار عن تحريفهم لكلام الإمام أبي حنيفة انظر ((مختصر العلو)) (ص 136-137).
تعصب الحنفية الماتريدية للإمام أبي حنيفة في الفقهيات ومخالفتهم له في العقائد:
والعجب كل العجب من هؤلاء الحنفية الماتريدية!.
كيف خرجوا على عقيدة الإمام أبي حنيفة؟.
أ- مع أنهم مقلدون له في الفقهيات تقليداً أعمى ومتعصبون له تعصباً مقيتاً، كعادة المقلدة المتعصبة في رفع أئمتهم حتى كأنهم أنبياء مرسلون انظر ((حجة الله البالغة)) (1/155)، و ((الإنصاف)) (ص 100)، وسكت عليه أبو غدة الكوثري.
ب- ووصل الأمر بهم إلى أن جعلوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حنفيةً.
وقد اعترف بهذه الحقيقة الشيخ العلامة المفتي محمد شفيع الديوبندي رحمه الله تعالى رحمه واسعة، فأوصى وصيةً مهمةً حريةً بأن تكتب بماء الذهب على ألواح القلوب حيث قال: "لا بأس بأن تكونوا حنفيةً في مذهبكم الفقهي، ولكن إياكم وأن تتكلفوا بجعل الحديث النبوي حنفياً" انظر ((تكملة فتح الملهم)) للشيخ محمد تقي العثماني (1/7).

انظر أيضا: