موسوعة الفرق

ثالثا: مكابرة الماتريدية بداهة العقل الصريح


لقد كابر الماتريدية بداهة العقل الصريح كما ناقضوا النقل الصحيح، وخالفوا إجماع بني آدم في قولهم: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوق العالم ولا تحته.
أما بيان مخالفتهم للنقل الصحيح والإجماع المحقق الثابت فقد تقدم بيانه في المبحثين السابقين.
وأما بيان مكابرتهم لبداهة العقل الصريح فمن وجوه عقلية صريحة متعددة.
ولقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله منها ثلاثين وجهاً انظر ((الصواعق المرسلة)) (4/1279-1340).
وأكتفى بذكر بعضها فأقول وبالله التوفيق:
الوجه الأول:
أننا جميعاً نحن وخصومنا على علم اليقين لا يحتمل النقيض بالاضطرار من دين الإسلام والعقل الصريح والفطرة الصحيحة: أن الله تعالى خلق هذا الكون بعد أن لم يكن.
فنسأل الماتريدية: هل خلق الله تعالى هذا الكون في ذاته المقدسة؟.
فيكون الكون داخلاً في ذات الله تعالى! والعياذ بالله منه!.
أم أن الله تعالى خلق الكون خارجاً عن ذاته المقدسة؟.
فإن اخترتم الصورة الأولى: فقد كفرتم كفراً قبيحاً صريحاً، لأنه حلول فظيع شنيع.
وإن اخترتم الصورة الثانية: فقد اعترفتم بأن الله تعالى خارج عن هذه الأكوان وهذا هو المطلوب. فبطل قولكم: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه.
وإن تقولوا: لا نقول بالصورة الأولى ولا بالثانية  -  فقد كابرتم بداهة العقل الصريح كما عارضتم النقل الصحيح وخرجتم عن إجماع بني آدم وأكرهتم أنفسكم على مخالفة الفطرة المستقيمة راجع ((الرد على الجهمية)) للإمام أحمد (ص 138-139)، و ((مجموع الفتاوى)) (5/267، 320)، و ((الصواعق المرسلة)) (4/1241-1422، 1279 – 1309، 1339)، و ((القصيدة النونية)) (ص 54-55)، و ((شرحها توضيح المقاصد)) (1/385-386). و ((توضيح الكافية الشافية)) (57-58)، و ((شرح النونية)) للدكتور هراس (1/173-176).
الوجه الثاني:
أن نقول لهؤلاء المنكرين لفوقية الله تعالى على خلقه القائلين: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوق ولا تحت:
نسألكم أولاً: هل وجود رب العالمين وجودٌ ذهنٌّ؟.
أم وجودُه وجود خارجيٌّ؟.
فإن قلتم وجوده وجود ذهني  -  فقد صرتم في غاية التعطيل لرب العالمين  -  وأنكرتم وجوده إنكاراً واضحا، وصرتم كفاراً كفراً فاضحاً، وهذا لا تقولون به.
وإن قلتم وجودهُ وجودٌ خارجي، نسأكلم ثانياً:
هل رب العالمين عين هذه الأكوان؟ أم غيرها؟
فإن قلتم: هو عين هذه الأكوان: ارتديتم بالإلحاد الصريح والكفر القبيح وجحدتم الرحمن رب هذه الأكوان، فكفركم حينئذ أقبح من كفر النصارى الحمير البلداء الحمقى عبدة الصلبان.
وإن قلتم: هو غير هذه الأكوان  -  نسألكم ثالثاً:
هل هذه الأكوان في ذات رب العالمين؟ أم ذات الرحمن في هذه الأكوان؟.
فبأيهما قلتم  -  صرتم حلوليين ملحدين، وشراً من النصارى، وحينئذ يرحب بكم النصارى ويقبلون خدودكم.
وإن قلتم: ننفي الأمرين جميعاً  -  نسألكم رابعاً:
هل رب العالمين مستغن عن هذه الأكوان قائمٌ بنفسه؟ أم هو عرضٌ من الأعراض قائم بغيره؟.
فإن قلتم بالثاني: أتيتم بكفرٍ أقبح أشنع، وإلحادٍ أصرح أبشع.
وإن قلتم بالأول: فقد اعترفتم بأن الله تعالى خارجٌ عن هذه الأكوان مستغن عنها وهو المقصود.
فبطل زعمكم: أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت... وإلا فقد كابرتم صريح المعقول كما عارضتم صحيح المنقول.
وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:


وسل المعطل عن مسائل خمسة





 تردى قواعده من الأركان


 قل للمعطل هل تقول: إلهنا الـ


 


 ـمعبودُ حقاً خارج الأذهان


فإذا نفى هذا فذاك معطل




للرب حقاً بالغ الكفران


وإذا أقر به فسله ثانيا




أتراه غير جميع ذي الأكوان؟


فإذا نفى هذا وقال بأنه




هو عينها ما ههنا غيران


فقد ارتدى بالاتحاد مصرحاً




بالكفر جاحدً ربه الرحمن


حاشا النصارى أن يكونوا مثله




وهم الحمير وعابدُوا الصلبان


هم حصصوه بالمسيح وأمه




وأولاء ما صانوه عن حيوان


وإذا أقرّ بأنه غير الورى




عبدٌ ومعبودٌ هما شيئان


فاسأله: هل هذا الورى في ذاته




أم ذاته فيها هنا أمران


وإذا أقرّ بواحد من ذينك الـ




أمرين قَبَّلَ خدَّه النصراني


ويقول: أهلاً بالذي هو مثلنا




خشداشنا وحبيبنا الحقاني


وإذا نفى الأمرين فسأله إذاً




هل ذاته استغنت عن الأكوان؟


فلذلك قام بنفسه أم قام بالـ




أعيان كالأعراض والألوان؟


فإذا أقر وقال: بل هو قائم




بالنفس، فاسأله وقل ذاتان

إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
الوجه الثالث:
ما ساقه أربعة من الشهود العدول من كبار الحنفية وهم الإمام ابن أبي العز (792هـ) والعلامة محمود الآلوسي (1270هـ)، وابنه نعمان الآلوسي (1317هـ) وحفيده شكرى الألوسي (1342هـ) واللفظ للأول.
"من سمع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وكلام السلف  -  وجد منه في إثبات "الفوقية" ما لا ينحصر.
ولا ريب أن الله تعالى لما خلق الخلق لم يخلقهم في ذاته المقدسة  -  تعالى الله عن ذلك -؛ فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، فتعين أنه خلقهم خارجاً عن ذاته.
ولو لم يتصف سبحانه "بفوقية الذات"  -  مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم لكان متصفاً بضد ذلك؛ وضد "الفوقية" ،"السفول" وهو مذموم على الإطلاق؛ لأنه مستقر "إبليس" وأتباعه وجنوده.
فإن قيل: لا نسلم أنه قابل "للفوقية" حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدهاً.
قيل: لو لم يكن قابلاً "للعلو والفوقية"  -  لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها.
فمتى أقررتم أنه ذات قائم بنفسه، غير محاط للعالم، وأنه موجود في الخارج وليس وجوده ذهنياً فقط، بل وجوده خارج الأذهان قطعاً.
وقد علم العقلاء كلهم بالضرورة: أن ما كان وجوده كذلك  -  فهو إما داخل العالم، وإما خارج عنه، وإنكار ذلك إنكار ما هو أجلى وأظهر من الأمور البديهيات بل الضرورية بلا ريب؛ فلا يستدل على ذلك بدليل إلا كان العلم بالمباينة أظهر منه وأوضح وأبين.
وإذا كان "صفةُ العلوِ والفوقية" صفة كمال لا نقص فيه، ولا يستلزم نقصاً ولا يوجب محذوراً ولا يخالف كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً. فنفي حقيقته يكون عين الباطل والمحال الذي لا تأتي به شريعة أصلاً. فكيف إذا كان لا يمكن الإقرار بوجوده، وتصديق رسله والإيمان بكتابه وبما جاء به رسوله  -  صلوات الله عليهم وسلامه  -  إلا بذلك؟.
فكيف إذا انضم إلى ذلك شهادة العقول السليمة، والفطر المستقيمة، والنصوص الواردة المتنوعة على "علو الله" على خلقه، وكونه، فوق عباده التي تقرب من عشرين نوعاً..." ((شرح الطحاوية)) (ص 318-319، 325)، ((روح المعاني)) (7/115)، ((جلاء العينين)) (ص 356، 357، 387، 388)، ((غاية الأماني)) (1/445).
شبهة والجواب عنها:
هذه الوجوه العقلية التي ذكرناها لبيان أن الماتريدية كابروا بداهة العقل الصريح في نفيهم لعلو الله تعالى، وقولهم: "إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا فوقه ولا تحته"، وشُدَّ الخناقُ عليهم  -  فلم يجدوا عنها جواباً، ولا للخروج عنها باباً، وكان الواجب عليهم أن يذعنوا للنقل الصحيح ولا يكابروا العقل الصريح، ولكنهم ازدادوا في المكابرة للعقل الصريح مكابرةً على مكابرةٍ فحكموا على هذه الوجوه العقلية الصريحة البديهية بأنها وهمية.
أما هذيانهم من أن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت فهو من القطعيات العقليات اليقينيات، فقالوا،
"واحتج المخالف - (يعنون سلف هذه الأمة وأئمة السنة)- بالنصوص الظاهرة في الجهة والجسمية والصورة والجوارح  -  يعنون علو الله تعالى ووجهه ويديه سبحانه وتعالى  -  وبأن كل موجودين فرضاً لابد أن يكون أحدهما متصلاً بالآخر مُمَاسّاً له، أو منفصلاً عنه مبايناً في الجهة والله تعالى ليس حالاً ولا محلاً للعالم فيكون مبايناً للعالم.
والجواب: أن ذلك وهم محض..." ((شرح العقائد النسفية)) للتفتازاني (ص 42)، و ((شرح المواقف)) للجرجاني (8/22-23)، و ((حاشية حسن الجلبي "الشلبي" على شرح المواقف)) (8/22)، و ((حاشية الكستلي على شرح التفتازاني للعقائد النسفية)) (ص 74)، و ((حاشية أحمد الجندي عليه أيضاً)) (ص 101)، و ((النبراس)) للفريهاري (ص 184). وانظر من كتب الأشعرية: ((المستصفي)) للغزالي (1/46-47)، و ((المواقف)) للإيجي (ص 272).
قلت: واعجباً لهؤلاء المتكلمين يحكمون على القضايا الصادقة العقلية الصريحة الضرورية البديهية الموافقة للنصوص المحكمة الصحيحة بأنها قضايا وهميةٌ كاذبةٌ: أما حماقاتهم وجهلياتهم وخزعبلاتهم وشبهاتهم الواهية التي أوهى من بيت العنكبوت وهي في نفسها كاذبة بل من قبيل المستحيلات الممتنعات فهي عندهم براهين عقلية قاطعة يقينية حاكمة على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصوص سلف هذه الأمة وأئمة السنة.
كقولهم: "إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا فوقه ولا تحته".
وكقولهم الآخر العميق في الحماقة: "إنه لا خلاء ولا ملاء وراء العالم" انظر ((المستصفى)) للغزالي (1/47)، و ((النبراس)) للفريهاري الماتريدي (ص 184) وراجع لتعريف الخلاء ((تعريفات الجرجاني)) (ص 135).
ولذلك يقول شيخ الإسلام في بيان حماقات المتكلمين ومكابرتهم للعقل الصريح ومناقضتهم للنقل الصحيح وخروجهم على الإجماع المحقق وإكراههم أنفسهم ضد الفطرة:
"... وأن ما عارض أخباره من الأمور التي يحتج بها المعارضون ويسمونها "عقليات" أو "برهانيات"... أو "مشاهدات" أو نحو ذلك من الأمور "الدّهاشات" أو يسمون ذلك "تحقيقاً" أو "توحيداً" أو "عرفاناً" أو "حكمة حقيقية" أو "فلسفة" أو "معارف يقينة" ونحو ذلك من الأسماء التي يسميها أصحابها  -
فنحن نعلم علماً يقينياً لا يحتمل النقيض: أن تلك "جهلياتٌ" و"ضلالاتٌ" و"خيالاتٌ" و"شبهاتٌ مكذوباتٌ" و"حججٌ سوفسطائيةٌ" و "أوهامٌ فاسدةٌ".
وأن تلك الأسماء ليست مطابقة لمسماها، بل هي من جنس تسمية الأوثان "آلهة" وتسمية "مسيلمة الكذابِ" وأمثالهِ "أنبياء"..." ((درء التعارض)) (5/255-256).
والحقيقة أن هؤلاء المتكلمين وإن حكموا بلسانهم أن حجج فوقية الله تعالى وهميةٌ؛ ولكنهم ليسوا مقتنعين مطمئنين بذلك في قلوبهم فقلوبهم تناقض ما يجري على ألسنتهم من الإنكار والعناد والمكابرة، وقلوبهم تشهد على "علو الله".
قال شيخ الإسلام: "وكل هؤلاء يجد نفسه مضطربة في هذا الاعتقاد في نفسه وإنما يَسِكّنُ بعضَ اضطرابه نوع تقليد لمعظم عنده، أو خوفه من مخالفة أصحابه أو زعمه، أن حكم الوهم، والخيال، دون العقل.
وهذا التناقض في إثبات هذا الموجود الذي ليس بخارج عن العالم، ولا هو العالم الذي ترده فطرهم وشهودهم، وعقولهم.
غير ما في الفطرة من الإقرار بصانع فوق العالم؛
فإن هذا إقرار الفطرة بالحق المعروف، وذلك إنكار الفطرة بالباطل المنكر..." ((نقض المنطق)) (ص 51)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (4/60-61).
قلت: ولله رد شيخ الإسلام ما أصدقه وما أنور فراسته، فلقد اعترف الغزالي (505هـ) بهذه الحقيقة التي ذكرها شيخ الإسلام، من حيث لا يشعر.
فقال: "وهذه "القضايا"  -  يعني أدلة السلف في إثبات "علو الله تعالى"  -  مع أنها وهميةٌ فهي في النفس لا تتميز عن الأوليّات القطعية مثل قولك:
لا يكون شخص في مكانين".
بل يشهد به أول الفطرة كما يشهد بالأوليات العقلية.
وليس كل ما تشهد به الفطرة قطعاً هو صادق.
بل الصادق ما يشهد به قوة العقل..." ((المستصفى)) (1/47).
تدبر أيها المسلم من كلام هذا الفيلسوف الذي لقب بـ"حجة الإسلام" إسلام المكابرة لبداهة العقل الصريح ومناقضة محكم النقل الصحيح.
كيف اعترف ببعض الحق؟.
ولكن لما كان كلامه متضمناً للباطل أيضاً.
وقف له العلامة المعلمي بالمرصاد فقال معلقاً على كلامه هذا، ومعقباً عليه، مُجْتَثّاً لأوهامه، مُقْبِلاً مِكَرّاً على هامته:
"قال المثتبون  - (للفوقية)-: أما أن القضية  - (يعني كون الله فوق العالم) بديهية لفطرية فحق لا ريب فيه.
وأما زعمه: أنها وهميةٌ  -  فباطل.
لأن القضايا الوهمية من شأنها أن ينكشف حالها بالنظر انكشافاً واضحاً ومن شأن الشرع إذا كانت  -  تلك الوهمياتُ  -  ماسة بالدين كهذه أن يكشف عنها، وكلا هذين  -  الأمرين  -  منتفٍ.
أما الشرع، فإنما جاء بتقرير هذه القضية، وتثبيتها، وتأكيدها بنصوص صريحة تفوق الحصر، بل أصل بناء الشرائع على نزول الملك من عند الله عز وجل بالوحي على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام" ((التنكيل)) (2/351)، و ((القائد إلى تصحيح العقائد)) (ص 179).
قلتُ: ومما يُكَذِّبُ هؤلاء تكذيباً صريحاً اعترافهم بأن بني آدم كلهم  -  سوى أهل الكلام والفلسفة العريقين الغريقين  -  على الإقرار بأن الله تعالى فوق العالم، واعترفوا أيضاً بأن ملل الأنبياء والكتب السماوية والأحاديث النبوية جاءت على موافقتهم في "أن الله فوق العالم" لكن لمصلحة دعوتهم، لأن ملل الأنبياء والكتب السماوية والأحاديث النبوية لو جاءت صريحة بأن الله تعالى "لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته... لسارع الناس إلى الإنكار وبادروا إلى العناد، ولقالوا: هذا الرب الذي هذا وصفه عدم محض.
قلت: تدبر أيها المسلم في هذا الكلام مع اشتماله على كفر قبيح  -  وهو أن الأنبياء والكتب جاءت على خلاف الحق وجاءت بالكذب لمصلحة دعوة العوام ولكن كلامهم هذا مع هذا الكفر الشنيع والإلحاد الفظيع، صريح في اعترافهم "بأن الله تعالى فوق العالم ليس إلاّ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف تكون فوقية الله تعالى على خلقه مع موافقتها المعقول والمنقول وإجماع بني آدم وفطرهم أمراً وهمياً؟!.
وهذا كله دليل على أن سلف هذه الأئمة وأئمة السنة على حقٍ مبين من إثبات "فوقية الله تعالى" على العالم كله، وأن هذه قضية شرعية نقلية صحيحة، كما هي عقلية بديهية صريحة، وإجماعية فطرية أيضاً، فمن قال خلاف ذلك أو زعم أن الفوقية أمر وهمي فهو "قرمطي" في المنقولات، وسوفسطائي في المعقولات.
ولذلك قال شيخ الإسلام: في هؤلاء الماتريدية والأشعرية وأمثالهم: "ولهذا كان هؤلاء المعرضون عن الكتاب، المعارضون له سوفسطائية منتهاهم السفسطة في العقليات، والقرمطة في السمعيات..." ((درء التعارض)) (5/256، و 1/218، 276، 2/15، 3/34، 8/59)، ((بغية المرتاد "السبعينية")) (ص 183-184)، و ((التدمرية)) (ص 19)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/9) و ((الحموية)) (ص 114-115)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/119)، و ((ضمن مجموعة الرسائل الكبرى)) (ص477-478)، و((رسالة الصفات الاختيارية ضمن جامع الرسائل)) (2/36-37)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (6/243-244).
وقد يقول فيهم: "وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا" انظر ((الحموية)) (ص 38)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/33)، و((شرح حديث النزول)) (ص 163)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (6/240).
وقال: "بل سلطوا الفلاسفة عليهم وعلى الإسلام" انظر ((الحموية)) (ص 38)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/33)، و((شرح حديث النزول)) (ص 163)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (6/240).
وللإمام ابن أبي العز الحنفي (792هـ) رحمه الله كلام مهم ينبغي الاطلاع عليه.
حاصله: لو فرضنا أن العقل إن قبل قولكم: "إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت..." فهو لقولنا: "إن الله فوق العالم"  -  أقبل.
وإن أبطل العقُل قولنا  -  فهو لقولكم أشد إبطالاً، فكيف تدعون أن قول القائل: "إن الله فوق العالم" من حكم الوهم؟.
ثم نقول: إن عامة فطر الناس بل جميع بني آدم في ذلك معنا ولم يخرج عن هذه البداهة العقلية وهذه الفطرة السليمة إلا طائفة قليلة من المتكلمين، وأول من عرف عنه ذلك الجهم، فكيف تقولون "إن قول القائل: "إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق.." هو من حكم العقل.
وقول القائل: "إن الله فوق العالم" من حكم الوهم؟.
ونقول أيضاً: أنتم تحكمون على عقلياتنا بأنها من حكم الوهم، فإن كان حكم فِطَرِ بني آدم مقبولاً ترجحنا عليكم، وإلا نرجع إلى السمع، فإن السمع معنا لا معكم؛ فترجحنا فكيف تدعون علينا بالوهم؟ انظر: ((شرح الطحاوية)) (ص 326-327)، و ((أصل الكلام)) لشيخ الإسلام في الجواب عن شبهة آثارها الرازي، انظر: ((درء التعارض)) (6/112-267).
قلت: الآن ليوازن كل مسلم طالب للحق والإنصاف بين حجج أئمة الإسلام وبين شبهات أساطين الكلام ليتبين من هم أصحاب الوهميات الكاذبات؟.
ومن المكابر لصريح العقل؟ ومن المخالف لصحيح النقل؟ ومن الخارج عن الإجماع والفطرة؟
وهؤلاء كانوا أئمة السنة الأبطال، وتلك سيوفهم الصوارم على أهل الضلال وأذكر ما قيل في هؤلاء الرعيل:


ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم





 بهن فلول من قراع الكتائب

فلينظر المسلم من يخالل؟ فإن المرء مع من أحب، ولا يخف في الله لومة لائم.


وعيرني الواشون أني أحبها





 وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

الوجه الرابع:
أن قول الماتريدية: "إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه، ولا فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا خلف، ولا أمام".
مع مخالفته المنقول الصحيح ومكابرته المعقول الصريح، وخروجه على الفطرة والإجماع مستلزمٌ لكون الله معدوماً بل ممتنعاً، بل صريح في ذلك بأبلغ عبارة؛ لأن الشيء إذا لم يكن داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته ولا يمينه ولا شماله ولا أمامه ولا خلفه فهو معدوم بل ممتنع بلا ريب، والعقل الصريح، والفطرة الصحيحة يشهدان على ذلك.
بل الماتريدية والأشعرية أحسوا أن تصور هذا الشيء الذي هذه صفته صعبٌ، ولذلك قال الإيجي الأشعري (756هـ): والجرجاني الماتريدي (816هـ) الحنفي واللفظ له: "وربما يستعان في تصور موجود لا حيز له أصلاً بالإنسان الكلي المشترك بين أفراده، وعلمنا به، فإنهما موجودان، وليسا بمتحيزين قطعا انظر ((المواقف)) (ص 272)، و ((شرحها)) (8/22).
قلت: انظر أيها المسلم كيف اعترف هؤلاء بالحق وأن هذا الشيء الذي هذه صفته لا يعقل ولكن ربما يستعان في تصوره بالإنسان الكلي؟.
ومع ذلك لا يذعنون للحق.
فاعترافهم هذا أكبر دليل وأقطع حجة على أن قولهم: "إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق، ولا تحت..."
صريح في عدم وجود الله تعالى بل في كونه ممتنعاً.
لأن وجود الإنسان الكلي وجود ذهني، لا خارجي حتى باعتراف الماتريدية عامة والكوثري خاصة انظر ((شرح المواقف)) (8/22)، و((تعريفات الجرجاني)) (ص 239)، و((شرح الفقه الأكبر)) (ص62) و ((تبديد الظلام)) للكوثري ((ص 63)، ((شرح التهذيب)) (ص 59-60).
فوجود الإنسان الكلي في الخارج ممتنع بلا ريب، فإذا كان وجود الله تعالى كوجود الإنسان الكلي- 
فلابد أن يكون وجوده ذهنياً، يمتنع وجوده في الخارج.
فيكون الله على قولهم معدوماً بل ممتنعاً.
قال شيخ الإسلام: "الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وبشرط سلب الأمور الثبوتية أو لا بشرط مما يعلم بصريح العقل انتفاؤه في الخارج، وإنما يوجد في الذهن، وهذا مما قرروه في منطقهم اليوناني.
وبينوا أن المطلق بشرط الإطلاق، كإنسانٍ مطلقٍ بشرط الإطلاق، وحيوان مطلقٍ بشرط الإطلاق، وجسم مطلقٍ بشرط الإطلاق، ووجودٍ مطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان دون الأعيان" ((درء التعارض)) (1/286) وانظر ((شرح التهذيب)) (ص 59-60).
قلتُ: لذا نرى أن استدلالهم على إثبات الصانع في الحقيقة استدلال على نفي الصانع.
قال شيخ الإسلام: "... قولهم: إنا عرفنا حدود العالم بهذه الطريقة وبه أثبتنا الصانع  -
يقال لهم: لا جرم (أنكم) ابتدعتم طريقاً لا يوافق السمع ولا العقل؛
فالعالمون بالشرع معترفون أنكم مبتدعون في الإسلام ما ليس منه، والذين يعقلون ما تقولون يعلمون أن العقل يناقض ما قلتم، وأن ما جعلتموه دليلاً على إثبات الصانع لا يدل على إثباته؛ بل هو استدلال على نفي الصانع، وإثبات الصانع حق،
وهذا الحق يلزم من ثبوته إبطال استدلالكم" ((رسالة في الصفات الاختيارية ضمن جامع الرسائل)) (2/32)، وضمن ((مجموع الفتاوى)) (6/239)، وانظر ((الصواعق المرسلة)) (3/962-988)، و ((مختصر الصواعق)) (1/130)، ط جديدة والصواب: "لا جزم أنكم ابتدعتم".
قلت: لذلك قال أئمة السنة: "المعطل يعبد عدماً، والممثل يعبد صنماً، والمعطل أعمى، والممثل أعشى، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه" ((مجموع الفتاوى)) (5/261، 196)، و ((جلاء العينين)) (ص 391، 388).
ومن هذا يظهر أن المشبهة خيرٌ من المعطلة؛ فإن المعطل شر منه؛ لأنه شبه الله تعالى، بالمعدومات والممتنعات راجع لتحقيق هذا المطلوب: ((الصواعق المرسلة)) (1/263-265، 4/123-1235)، ونظر: ((التدمرية)) (ص 30، 80)، و ((مجموع الفتاوى)) (3/16، 49)، و ((درء التعارض)) (6/136-137، 7/260).
ولأنه جمع بين التشبيه وبين التعطيل انظر ((رد الدارمي على بشر المريسي)) (ص 76)، و ((التدمرية)) (ص 81)، و((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/49) مع أن المشبه معطل أيضاً.
وأن القول بالتشبيه المحض أهون من التعطيل، والتعطيل أعظم ضرراً من التشبيه، حتى باعترافهم انظر: ((إلجام العوام للغزالي الأشعري)) (ص 130)، و ((عقيدة الإسلام)) لأبي الخير الماتريدي (ص 356)، وراجع أيضا ((درء التعارض)) (1/249، 10/306)، و((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (ص 237).
وقد صرح القرامطة الباطنية على لسان ابن سينا وأمثاله.
والأشعرية على لسان الغزالي والرازي وأمثالهما، والماتريدية على لسان التفتازاني والبياضي، وأمثالهم، بأن الكتب السماوية والرسل لو صرحت للجمهور بأن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوق-
ليبادروا إلى الإنكار ولقالوا: إن هذا هو المعدوم.
قلتُ: لا ريب أن هذا الرب الذي يصفه الماتريدية بأنه لا فوقُ ولا تحتُ ولا خارجُ ولا داخلُ شيءٌ ممتنع الوجود فضلاً عن أن يكون واجب الوجود.
ولذلك جاءت الكتب السماوية والرسل على أن الله تعالى فوق العالم فتوافق النقل الصحيح والعقل الصريح والفطرة السليمة، وكل هذا يدل على أن هؤلاء الماتريدية في قولهم هذا مبطلون ومعدمون وجود الله سبحانه وتعالى، بل جعلوه ممتنعاً، من حيث لا يشعرون.
وقد صرح كثير من أئمة السنة والكلام بأن نفي علو الله تعالى مستلزم لكون الله معدوماً بل ممتنعاً.
وسأذكر فيما يلي نماذج من نصوص بعضهم لتكون محجة واضحة وشاهدة لما قلنا وتكون فيها عبرة للماتريدية وتتم الحجة عليهم وتقطع أدبارهم وأعذارهم، وتقلع أوردتهم وأوتنتهم:
1- الإمام محمد بن الحسن الشيباني أحد الأئمة الثلاثة للحنفية رحمهم الله (189هـ) فقد صرح بأن الجهمية وصفوا الله تعالى بصفة لا شيء.
2- إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241هـ).
قال بعد ما ذكر عقيدة الجهمية وسلوبهم: "فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يؤمنون بشيء" ((الرد على الجهمية)) (ص 105-106)، ونقله شيخ الإسلام في ((بيان تلبيس الجهمية)) (1/315-316).
3- الإمام عبد العزيز بن يحيى بن مسلم الكناني المكي (240هـ) صاحب كتاب (الحيد) في صدد رده على الجهمية.
قال: قال - (يعني أحدُ الجهمية)  -  أقول: إن الله في كل مكان لا كالشيء في الشيء، ولا كالشيء على الشيء، ولا كالشيء خارجاً عن الشيء، ولا مبايناً للشيء.
قال: (أي الكناني):
فقد دلت بالقياس والمعقول على أنك لا تعبد شيئاً،
لأنه لو كان شيئاً داخلاً في القياس المعقول  -
لأن يكون داخلاً في الشيء أو خارجاً من الشيء، فوصفت  -  لعمري! ملتبساً لا وجود له وهو دينك، وأصل مقالتك التعطيل" ((درء التعارض)) (9/118-119)، و((مجموع الفتاوى)) (5/317، 295)، و((بيان تلبيس الجهمية)) (ص 91)، عن كتاب ((الرد على الزنادقة والجهمية)) للكناني.
قلت: علق على كلام الكناني هذا شيخُ الإسلام قائلاً:
"فهذا عبدالعزيز يبين أن القياس والمعقول يوجب أن ما لا يكون في الشيء ولا خارجاً منه فإنه لا يكون شيئاً وأن ذلك صفةُ المعدوم...، وعبدالعزيز هذا قبل وجود الحنبلية..." ((درء التعارض)) (9/118-119)، و ((مجموع الفتاوى)) (5/317، 295)، و((بيان تلبيس الجهمية)) (ص 91)، عن كتاب ((الرد على الزنادقة والجهمية)) للكناني.
4- الإمام أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب (بعد 240هـ).
الذي أصل ومهد للماتريدية والأشعرية جميعاً.
والذي يعدُّ الإمام الأول للأشعرية كما هو الإمام للكلابية بل الأشعري نفسه ((درء التعارض)) (6/121). في دوره الكلابي.
والذي قد أثنى عليه ابن فورك (406هـ) ثناء عاطراً وغالى فيه مغالاة فوصفه بألقابٍ فخمةٍ وأوصافٍ ضخمةٍ منها ما يلي:
"شيخ أهل الدين" "إمام المحققين" "المنتصر للحق وأهله" "الذاب عن دين الله".
"السيف المسلول على أهل الأهواء والبدع" "المؤيد بنصرة الهدى والرشد".
"الشيخ الأول" "الإمام السابق" "الممهد لهذه القواعد" "المؤسس لهذه الأصول".
"الفائق لرتق الأباطيل" إلى آخر ذلك الثناء العاطر.. ((درء التعارض)) (6/121).
فقد قال ابن كلاب هذا: "وأخرج من النظر والخبر قول من قال: "لا في العالم ولا خارج منه فنفاه نفياً مستوياً، لأنه لو قيل له: "صفه بالعدم".
ما قدر أن يقول فيه أكثر منه، ورد أخبار الله نصاً، وقال في ذلك ما لا يجوز في خبر ولا معقول، وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص".
والنفي الخالص عندهم هو الإثبات الخالص، وهم عند أنفسهم قياسيون.
فإن قالوا: "نعم ليس فوق".
قيل لهم: "وليس هو تحت"؟
فإن قالوا: "لا فوق ولا تحت".
أعدموه؛ لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم".
قيل لهم: "فهو لا مماس ولا مباين"؟.
فإذا قالوا: "نعم".
قيل لهم: "فهو بصفة المحال من المخلوقين الذي لا يكون ولا يثبت في الوهم.
فإذا قالوا: "نعم".
قيل لهم: فأخبرونا عن معبودكم: مماس هو أم مباين؟
فإذا قالوا: لا يوصف بهما".
قيل لهم: "فصفة إثبات خالقنا كصفة عدم المخلوق.
فلم لا تقولون: "عدم".
كما تقولون للإنسان "عدم" إذا وصفتموه بصفة المعدوم.
وقيل لهم: "إذا كان عدم المخلوق وجوداً له، فإذا كان العدمُ وجوداً كان الجهلُ علماً والعجزُ قوةً" ((درء التعارض)) (6/119-121)، و ((مجموع الفتاوى)) (5/317-319)، و((الصواعق المرسلة)) (4/1241) و ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) (ص 282-283)، عن كتاب ((المجرد)) لابن فورك الذي جمع فيه مقالات ابن كلاب. و((خرج)) أولى.
وقال ابن كلاب أيضاً في الرد على ما يقولون: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته"، وجعلهم كالدهرية: "فلم لا كنتم أولى بالكفر والتشبيه منهم؟ إذ زعمتم مثل زعم الملحدين، وقلتم مثل مقالة الضالين، وخرجتم عن توحيد رب العالمين" ((الصواعق المرسلة)) (4/1240)، عن كتاب ((المجرد)) لمقالات ابن كلاب لابن فورك.
قلت: وفي كلام ابن كلاب هذا عبرة بالغة للماتريدية والأشعرية وقد علق على كلامه هذا شيخ الإسلام قائلاً:
"والمقصود: أن ابن كلاب  -  إمام الأشعري، وأصحابه، ومن قبلهم، كالحارث المحاسبي وأمثاله  -
يبين أن من قال: "لا هو في العالم ولا خارج منه".
فقوله فاسد خارجٌ عن طريق النظر، والخير، وأنه قد رد خبر الله نصاً.
ولو قيل له: "صفة بالعدم".
ما قدر أن يقول أكثر منه...، وأنهم قالوا: "هذا هو التوحيد الخالص".
وهو النفي الخالص، فجعلوا "النفي الخالص" هو "التوحيد الخالص"، وهذا الذي قاله  - ابن كلاب- هو الذي يقوله جميع العقلاء الذين يتكلمون بصريح العقل، بخلاف من تكلم في المعقول بما هو وهم وخيال فاسد" ((درء التعارض)) (6/112).
5- الإمام أبو الحسن الأشعري (324هـ) إمام الأشعرية، والذي جعله كثير من الحنفية، ومنهم الكوثري حنفياً انظر: ((الجواهر المضيئة)) (2/544)، و ((طبقات طاش كبرى زاده)) (ص 55)، و ((تعليقات الكوثري على تبين كذب المفتري)) (ص 117).
فقد قال هذا الإمام في الرد على الجهمية نفاة الصفات ولاسيما صفة "العلو":
"... فلم يثبنوا له وصفهم حقيقةً، ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانيةً، إذ كلّ كلامهم يؤول إلى التعطيل، وجميع أوصافهم تدل على النفي، يريدون بذلك "التنزيه"، ونفي "التشبيه" على زعمهم.
فنعوذ بالله من "تنزيه" يوجب النفي والتعطيل" ((الإبانة)) (2/117)، تحقيق د/ فوقية، و(ص 92)، تحقيق الأرناؤوط، ط/ دار البيان و (ص 126)، ط/ الجامعة الإسلامية.
قلت: في كلام هذا الإمام عبرة للماتريدية والأشعرية جميعاً، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
6- السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي (421هـ) الملك العادل، وفاتح بلاد الهند والسند، وكاسر الأصنام، الملقب بـ"يمين الدولة" و"أمين الملة" فله قصة مع ابن فورك (406هـ) الذي قال فيه ذهبي العصر العلامة المعلمي (1386هـ) ما قال انظر: ((التنكيل)) (1/26، 242، 2/345)، و ((الفائدة إلى تصحيح العقائد)) (ص 173).
فقد نفى ابن فورك - أمام هذا السلطان - "فوقية" الله تعالى، ووافق الجهمية، وخرج من الجماعة وكابر العقل الصريح وناقض النقل الصحيح وعاند الفطرة السليمة، فوصف الله بصفة المعدوم بل الممتنع.
فقال له السلطان:
"فلو أردت أن تصف المعدوم كيف تصفه بأكثر من هذا" ((التدمرية)) (ص 60)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/37)، و ((درء التعارض)) (6/253) و ((الصواعق المرسلة)) (4/1287).
وقال له أيضاً: "فرق لي بين هذا "الرب" الذي تصفه، وبين "المعدوم" ((التدمرية)) (ص 60)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/37)، و ((درء التعارض)) (6/253) و ((الصواعق المرسلة)) (4/1287).
7- وقال الإمام حافظ المغرب ابن عبدالبر (463هـ).
"... وهم  - (أي "المعطلة")... نافون للمعبود "يلاشون أي يقولون: لا شيء" ((زيادة من الصواعق المرسلة)) (4/1289)، ولم أجدها في التمهيد لابن عبدالبر. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهم أئمة الجماعة..." ((التمهيد)) لابن عبدالبر (7/145).
8- شيخ الإسلام (728هـ).
حَصْرُ كلام شيخ الإسلام في بيان أن قول المتكلمين: "إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت...".
صريح في كون الله معدوماً ممتنعاً بشهادة بداهة النظر والفطرة-: صعبٌ.
وله تحقيقات بديعة إلى الغاية تسر الخواطر وتقر النواظر.
وأكتفي بالإحالة إلى بعض مؤلفاته القيمة فليرجع القارئ إليها.


يا منكراً أن الإله مباين





 للخلق يا مفتون بل يا فاتن


 هب قد ضللت فأين أنت؟ فإن تكن


 


 أنت المباينَ فهو أيضاً بائن


أو قلت: لست مبايناً قلنا: إذن




بالاتحاد، أو الحلول تشاحن


أو قلت: ما هو داخل، أو خارج




هذا يدل بأن ما هو كائن


إذ قد جمعت نقائصاً ووصفته




عدما بهاهل أنت عنها ضاعن


فارجع وتب من قال مثلك إنه




لمعطل والكفر فيه كامن

فأجاب شيخ الإسلام بجواب كاف شاف يشفي العليل ويروي الغليل من المرضى بأدواء التحريف والتعطيل.
وحقق بالمنقول الصحيح والمعقول الصريح أن الله فوق العالم، وأن قولهم: "إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت...".
يلزم منه كون الله تعالى معدوماً بل ممتنعاً فأجاد وأفاد شيخ الإسلام، جزاه الله خيراً انظر ((مجموع الفتاوى)) (5/267-320)، وانظر: أيضا ((التدمرية)) (ص 59-62)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/37-39).
9- وقال مؤرخ الإسلام ناقد الرجال الإمام الذهبي (748هـ):
"مقالة السلف، وأئمة السنة، بل الصحابة، والله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون: أن الله عز وجل في السماء وأن الله على العرش، وأن الله فوق سماواته..
ومقالة الجهمية: أنه في جميع الأمكنة.
ومقالة متأخري المتكلمين: أن الله تعالى ليس في السماء، ولا على العرش ولا على السماوات، ولا في الأرض، ولا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا هو بائن عن خلقه، ولا هو متصل بهم...
قال لهم أهل السنة والأثر...:
فإن هذه السلوب نعوت المعدوم، تعالى الله جل جلاله عن العدم؛ بل هو متميز عن خلقه، موصوف بما وصف به نفسه،
من أنه فوق العرش بلا كيف" ((العلو)) (ص 107، 195)، و ((مختصر العلو)) (ص 146-147، 287)، ومثله كلام شيخنا الألباني في ((مختصر العلو)) (ص 54، 122).
10- الإمام ابن القيم رحمه الله (751هـ) له بحوث قيمة في تحقيق أن كلام المتكلمين: "إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت...".
مستلزم لكون الله تعالى معدوماً بل مستحيلاً ممتنعاً.
وأن حاصل قولهم إنكار وجود الصانع، وأنهم سايروا الفلاسفة، والدهرية، والجهمية، والزنادقة، وأنهم لا للإسلام نصروا، ولا لأعدائه كسروا، وأن طريقهم لإثبات الصانع طريق لنفيه، إلى آخر كلامه القيم المهم الفصيح البليغ الذي فيه دواءٌ شافٍ كافٍ للمرضى بداء التحريف والتعطيل انظر: ((الصواعق المرسلة)) (3/962-988)، ((الوجه الستون))، و ((الوجه الحادي والستون)) (4/1233-1235)، ((الوجه)) "137" و ((مختصر الصواعق)) (1/188-201)، الطبعة القديمة، و (1/121-130)، الطبعة الجديدة، ((الوجه الثلاثون))، و ((الحادي والثلاثون).
ومن أقواله الصوارم:


فاحكم على من قال: ليس بخارج





 عنها، ولا فيها، بحكم بيان


 بخلافه الوحيين، والإجماع والـ


 


 ـعقل الصريح، وفطرة الرحمن


فعليه أوقع حدّ معدومٍ وذا




حدُّ المحال بغير ما فرقان


ياللعقول إذا نفيتم مخبراً




ونقيضه! هل ذاك في إمكان


إذ كان نفي دخوله، وخروجه




لا يصدقان معا لذي الإمكان


إلا على عدم صريح نفيه




متحقق ببداهة الإنسان


أيصح في المعقول يا أهل النهى




ذاتان لا بالغير قائمتان


ليست تباين منهما ذات لأخـ




ـرى، أو تحايثها فتجتمعان


إن كان في الدنيا محال فهو ذا




فارجع إلى المعقول، والبرهان

11- وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي (792هـ):
".. بل يقول هؤلاء المتكلمون "لا مباين، ولا مجابن، لا داخل العالم ولا خارجه".
فيصفونه بصفة العدم والممتنع.
تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً.... ((شرح الطحاوية)) (ص 345، 318، 325).
12- وقال الإمام الشوكاني (1250هـ):
"يا هذا.. قد رأيت ما يقوله كثير منهم:
"إن الله سبحانه...، لا داخل العالم، ولا خارجه".
فأنشدك الله! أي عبارة تبلغ مبلغ هذه العبارة في النفي؟.
وأي مبالغةٍ في الدلالة على هذا النفي، تقوم مقام هذه المبالغة؟
فكأن هؤلاء في فرارهم من شبهة "التشبيه" إلى هذا "التعطيل" كما قال القائل":


فكنت كالساعي إلى مثعب





 موائلاً من سبل الراعد


أو كالمستجير من الرمضا بالنار

 

 


والهارب من لسعة الزنبور إلى لدغة الحية، ومن قرصة النحلة إلى قضمة الأسد" ((التحف في مذاهب السلف)) (ص9)، ((ضمن الرسائل السلفية له، وضمن الرسائل المنبرية)) (2/92)، ونقله المولوي برخوردار على الملتاني الحنفي وأقره، انظر ((حاشية على النبراس)) للفريهاري (ص 169).
13-15- وللعلامة محمود الآلوسي الحنفي (1270هـ) وابنه نعمان الآلوسي الحنفي (1317هـ، وحفيده شكري الآلوسي الحنفي (1342هـ) كلام مهم في هذا الصدد وقد تقدم نص كلامهم.
وفي ذلك عبرة للماتريدية أيما عبرة؟
الحاصل: أن هؤلاء الماتريدية وخلطاءهم  من المتكلمين أفنوا أعمارهم وأنهوا قواهم لإثبات وجود الله تعالى وأنه واجب الوجود بطرق استلزمت كون الله تعالى معدوماً؛ بل ممتنع الوجود فضلاً عن كونه ممن الوجود؛
لأنهم وصفوا الله تعالى بصفات المعدومات بل الممتنعات، فأرادوا التنزيه فوقعوا في أقبح التشبيه وأوقحه، وأرادوا نفي التمثيل فوقعوا في أبشع التحريف وأشنع التعطيل.
الوجه الخامس:
أن قول الماتريدية، "إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا فوق ولا تحت..." إلى آخر هذيانهم  - 
رفعٌ للنقيضين.
ورفع النقيضين محال عند العقلاء جميعاً راجع ((التدمرية)) (ص 63-65)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/39-40)، و ((نقض المنطق)) (ص 51)، و ((ضمن مجمع الفتاوى)) (4/60-61)، و ((القصيدة النونية)) (ص55)، و ((توضيح المقاصد)) (1/386-389)، و ((توضيح الكافية الشافية)) (ص 58-59)، و ((شرح النونية)) للهراس (1/176-177).
فإن القاعدة المطردة الكلية في "النقيضين" أنه لا يجوز رفعهما ولا يجوز جمعهما، حتى باعتراف الماتريدية.الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني 2/486

انظر أيضا: