trial

موسوعة الفرق

المطلب الثالث: في إبطال التفويض


لقد سبق .... أن بينا الفرق بين التفويض السلفي الحق وبين التفويض الكلامي الخلفي الباطل المتقول على السلف.
ولما كان نسبة هذا التفويض الباطل إلى السلف بالغ التقول اقتضى ذلك أن نذكر وجوهاً تتضمن براهين قاطعة وحججاً ساطعة على إبطال ذلك التفويض وبطلان نسبته إلى السلف الصالح، فأقول وبالله التوفيق:
الوجه الأول:
أن القول بهذا التفويض المطلق  -  التفويض في المعنى والكيف جميعاً -  يستلزم الجهل بالله تعالى، وصفاته العلا.
كما يستلزم الجهل بمذهب السلف، والتقول عليهم.
ويستلزم أيضاً تجهيل السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة هذا الدين  -  بالله تعالى وصفاته الكمالية كما يستلزم استبلادهم، وأنهم كانوا يتلون كتاب الله ويقرؤون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يفهمون معاني ذلك.
ويستلزم تفضيل الخلف أهل الكلام والبدع على خيار هذه الأمة بحجة أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم، وغيرها من اللوازم الفاسدة.
وكل من هذه اللوازم في غاية الفساد والبطلان فالملزوم مثلها وفيها يلي نصوص بعض الأئمة لبيان فساد القول بالتفويض ونسبته إلى السلف:
1- قال شيخ الإسلام: "ولا يجوز أن يكون الخالفون أعلم من السالفين  -  كما يقول بعض الأغبياء ممن لا يعرف قدر السلف، بل ولا عرف الله، ورسوله، والمؤمنين به حقيقة المعرفة: من أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم...
فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم  - على طريقة السلف- إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن؛ إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن؛ والحديث من غير فقه لذلك بمنزلة الأميين...، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات، وغرائب اللغات.
فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالات التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف.
وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، بالشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين.
فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان لابد للنصوص من معنى  -  بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ، وتفويض المعنى  -  وهي التي يسمونها طريقة السلف  -  أو بين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف  -  وهي التي يسمونها طريقة الخلف.
فصار هذا الباطل مركباً من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات، وهي شبهات. والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه.
فلما انبنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين  -  كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين، واستبلادهم، واعتقاد أنهم كانوا قوماً أميين بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي.
وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله.
ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة.
كيف يكون هؤلاء المتأخرون  -  لاسيما والإشارة بالخلف إلى ضرب المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم وغلظ من معرفة الله حجابهم".
ثم ذلك أمثلةً لحيرتهم وشكوكهم واضطرابهم وندامتهم على لسانهم ثم قال:
"كيف يكون هؤلاء المحجوبون المفصولون المسبوقون الحيارى المتهوكون  -  أعلم بالله وأسمائه وصفاته؟؟.
وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين، والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى، ومصابيح الدجى.
الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا.
الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلاً عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم.
وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيى من يطلب المقابلة.
ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة  -  لاسيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته  -  من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟؟.
أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة، وأتباع الهند، واليونان وورثة المجوس، والمشركين، وضلال اليهود، والنصارى، والصابئين وأشكالهم وأشباههم  -  أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟؟!!" ((الحموية)) (ص 13-16)، ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/8-12)، و ((ضمن مجموعة الرسائل الكبرى)) (1/427-429)، مع سقط وقع في النص ونقله ابن القيم في ((الصواعق المرسلة)) (1/161-170)، و ((انظر درء التعارض)) (5/378-379). .
2- وقال شيخ الإسلام أيضاً: "فإن معرفة مراد الرسول، ومراد الصحابة هو أصل العلم، وينبوع الهدى.
وإلا فكثير ممن يذكر مذهب السلف، ويحكيه لايكون له خبرة بشيء من هذا الباب.
كما يظنون أن مذهب السلف في آيات الصفا، وأحاديثها أنه لا يفهم أحد معانيها، لا الرسول، ولا غيره...؛
فيجعلون مضمون مذهب السلف أن الرسول بلغ قرآناً لا يفهم معناه. بل تكلم بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها. وأن جبريل كذلك، وأن الصحابة والتابعين كذلك، وهذا ضلال عظيم، وهو أحد أنواع الضلال، ظن أهل التخييل، وظن أهل التحريف، والتبديل، وظن أهل التجهيل" ((شرح حديث النزول)) (ص 65)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/413-414). .
3- وقال: أما المنحرفون عن طريقهم - (أي السلف) - فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل".
ثم فصل القول في الرد على أهل التخييل والتأويل ثم قال:
"وأما الصنف الثالث - وهم أهل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف، يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات ولا جبريل يعرف معاني الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك، كذلك قولهم من أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله. مع أن الرسول تكلم بها ابتداء، فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه" ((الحموية)) (ص 36-40)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/31-35)، وانظر أيضاً ((الصواعق المرسلة)) (2/418-424) ((النفائس)) (ص 105-108). .
4- وقال أيضاً: "والمقصود هنا التنبيه على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلالة في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن من جعل الرسول غير عالم بمعنى القرآن الذي نزل إليه، ولا جبريل - جعله غير عالم بالسمعيات، ولم يجعل القرآن هدى، ولا بياناً للناس ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول، وأمته في باب معرفة الله عز وجل لا علوماً عقلية ولا سمعية، وهم شاركوا الملاحدة في هذه من وجوه متعددة، وهم مخطئون فيما نسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف، والتأويلات الفاسدة وسائر أصناف الملاحدة ((الحموية)) (ص 43)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/37) ((النفائس)) (ص 110). .
5- وقال الإمام ابن القيم:
"والصنف الثالث: أصحاب التجهيل: الذين قالوا: نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا ندري ما أراد الله ورسوله، منها، ولكن نقرؤها ألفاظاً لا معاني لها، ونعلم أن لها تأويلاً لا يعلمه إلا الله، وهي عندنا بمنزلة   كهيعص [مريم:1] و حم عسق  [الشورى: 1-2].
وظن هؤلاء أن هذه طريقة السلف، وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات..
وبنوا هذا المذهب على أصلين:
أحدهما: أن هذه النصوص من المتشابه.
والثاني: أن للمتشابه تأويلاً لا يعلمه إلا الله.
فنتج من هذين الأصلين استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة، والتابعين لهم بإحسان...؛
ولازم قولهم أن الرسول كان يتكلم بذلك، ولا يعلم معناه.
ثم تناقضوا أقبح التناقض فقالوا: تجرى على ظواهرها، وتأويلها مما يخالف الظواهر باطل، ومع ذلك فلها تأويل لا يعلمها إلا الله...؛
وهؤلاء غلطوا في المتشابه، وفي جعل هذه النصوص من المتشابه، وفي كون المتشابه لا يعلم معناه إلا الله.
فأخطأوا في المقدمات الثلاث، واضطرهم إلى هذا التخلص من تأويلات المبطلين، وتحريفات المعطلين، وسدوا على نفوسهم الباب، وقالوا: لا نرضى بالخطأ، ولا وصول لنا إلى الصواب.
فهؤلاء تركوا التدبر المأمور به والتذكر، والعقل لمعاني النصوص الذي هو أساس الإيمان، وعمود اليقين.
وأعرضوا عنه بقلوبهم، وتعبدوا بالألفاظ المجردة التي أنزلت في ذلك، وظنوا أنها أنزلت للتلاوة، والتعبد بها دون تعقل معانيها وتدبرها، والتفكر فيها ((الصواعق المرسلة)) (2/422-424)، وانظر ((مختصر الصواعق)) (1/54-55). .
6- وللإمام ابن القيم كلام مهم آخر غالبه سبق في كلام شيخ الإسلام ((الصواعق المرسلة)) (1/161-170)، وانظر ((مختصر الصواعق)) (1/7-9). .
7- وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي (792)هـ:
"فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلاماً لا يعلم معناه، جميع الأمة، ولا الرسول، ويكون الراسخون في العلم لاحظ لهم في معرفة معناه سوى قولهم: مَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران:7] وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين في ذلك" ((شرح الطحاوية)) (ص 234) ط المكتب، و (ص 200)، ط دار البيان. .
8- وقال الحافظ ابن حجر عن بعض أهل العلم:
(قول من قال: "طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم" ليس بمستقيم، لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه في ذلك، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات.
فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف، والدعوى في طريقة الخلف، وليس الأمر كما ظن، بل السلف في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع لأمره، والتسليم لمراده، وليس من سلك طريق الخلف واثقاً بأن الذي يتأوله هو المراد، ولا يمنعه القطع بصحة تأويله) ((فتح الباري)) (13/352). .
9- وقال ابن عربي المعروف عند أهل الخرافة بالشيخ الأكبر، وخاتم الأولياء (638هـ) وهو في الحقيقة "الشيخ الأكفر" والكذوب قد يصدق:
"وقسم آخر: قال: نؤمن بهذا اللفظ كما جاء من غير أن نعقل له معنى حتى نكون في هذا الإيمان به في حكم من لم يسمع، ونبقى على ما أعطانا دليل العقل من إحالة مفهوم هذا الظاهر من هذا القول.
فهذا القسم متحكم أيضاً بحسن عبارة، وأنه رد على الله بحسن عبارة، فإنهم جعلوا نفوسهم في حكم نفوس لم تسمع ذلك الخطاب.
وقسم آخر: قالوا: نؤمن بهذا اللفظ على حد علم الله فيه، وعلم رسوله صلى الله عليه وسلم.
فهؤلاء قد قالوا: إن الله خاطبنا عبثاً، لأنه خاطبنا بما لا نفهم، والله يقول: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4] .
وقد جاء بهذا، فقد أبان كما قال الله، لكن أبى هؤلاء أن يكون ذلك بياناً" ((الفتوحات المكية)) (4/7). .
10- قلت: نقله الشعراني، وأقره انظر ((اليواقيت والجواهر)) (ص 95). وهو خرافي فلا يصدق.
وفي كلام هذين الرجلين عبرة للمتكلمة المتصوفة.
11- وصرح العلامة المقبلي أن السلف لم يكونوا مفوضة، والتفويض جهل بالمعنى. وهو أخو التأويل فالمفوض متأول لا مسلِّم ((الأرواح النوافخ)) (ص 395). .
12-13- وقال العلامة المحمود الألوسي مفتي الحنفية ببغداد (1270هـ) وابنه السيد نعمان الألوسي (1317هـ):
"قيل: إن السلف بعد نفي ما يتوهم من التشبيه يقولون: لا ندري ما معنى ذلك؟ والله أعلم بمراده.
واعترض بأن الآيات والأخبار المشتملة على ذلك كثيرة جداً ويبعد غاية البعد أن يخاطب الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم العباد فيما يرجع إلى الاعتقاد بما لا يدرى معناه..." ((روح المعاني)) (16/159)، و ((جلاء العينين)) (ص 372). .
الحاصل: أن القول بالتفويض المطلق  -  أي تفويض المعنى، والكيف جميعاً  -  قول في غاية الفساد والبطلان، وموقف بالغ الضلال والبهتان لاستلزامه ما يلي:
1- الجهل بالله تعالى وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلا.
2-3 الجهل بمذهب السلف، والتقول الفاحش عليهم.
4- تجهيل السلف من الصحابة والتابعين، بل تجهيل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
5- استبلاد السلف وأنهم كانوا يقرؤون نصوص الصفات بدون فهم معناها.
6- تفضيل الخلف الحيارى المتهوكين على السلف الذين هم أعلم الناس بصفات ربهم بعد الأنبياء عليهم السلام.
7-8- أن القرآن لم يكن هدى وشفاء وبياناً، وأن الله خاطب الناس بكلام لا يفهمون معناه، إلا غير ذلك من اللوازم الفاسدة.
الوجه الثاني:
أن القرآن لا يمكن أن يوصف بكونه هدى وشفاء ونوراً إلا إذا كان مفهوم المراد ويكون في غاية من الوضوح والبيان.
ولذلك وصف الله تعالى كتابه بأنه مبين.
ووصفه بأنه بيان، وأنه تبينا، ووصف آياته بأنها بينات، ووصفها بأنها مبينات، ووصف كتابه بأنه على لسان عربي مبين.
وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4] .
وقال: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:44]
وأمر عباده بالتدبر في القرآن وآياته.
فكيف يعقل بعد هذا أن آيات الصفات مع تلك الكثرة الكاثرة والأهمية لا يعلم المراد منها، ولا يعرف معانيها، وأن السلف كانوا يتلونها بدون معرفة المراد؟.
الحاصل: أن الذي يدعي التفويض في المعنى، ويتقوله على السلف  -  فهو في الحقيقة مع جهله وتجهيله للسلف لم يجعل القرآن بياناً ،، ولا هدى وفرقانا ،،
كما صرح به شيخ الإسلام،، وأشار إليه ابن القيم الإمام،،
الوجه الثالث:
أن نقول: مما لا ريب فيه أن السلف تعرضوا لتفسير نصوص الصفات فتفسيرهم لها فرع معرفتهم لمعانيها، لأن تفسير الشيء فرع العلم به فإذا لا يعرف الإنسان شيئاً ما كيف يفسره؟! لأن الحكم على الشيء فرع لتصوره.
فتفسير السلف لنصوص الصفات يبطل التفويض كما يبطل تقوله عليهم وأنهم براء من هذا التفويض الباطل المنقول.
والذي لم يتعرضوا لتفسيره هو كيفية الصفات، أما معانيها فقد فسروها ووضحوا المراد منها، وفيما يلي بعض نصوص السلف:
1-  هذا مجاهد - وهو إمام التفسير بعد الصحابة - قال: في تفسير "استوى": (على العرش) ذكره البخاري تعليقاً مستدلاً به، انظر ((صحيح البخاري)) (6/2698)، ووصله الفرياني في تفسيره، انظر ((تعليق التعليق)) (5/345)، ((فتح الباري)) (13/405)، ((عمدة القاري)) (25/112)، ولم أجده في ((تفسير مجاهد)) المطبوع. .
2- وهذا أبو العالية. قال: في تفسير اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء [البقرة:29] (ارتفع) ذكره البخاري تعليقاً جزماً مستدلاً به، انظر ((صحيح البخاري)) (6/2698)، قال الحافظ والعينين: وصله الطبري: انظر ((تعليق التعليق)) (5/344)، ((فتح الباري)) (13/405)، ((عمدة القاري)) (25/111)، قلت: لم أجده في ((تفسير الطبري)) في طبعاته الثلاث، وذكر السيوطي: أنه أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم، والبيهقي: انظر ((الدر المنثور)) (1/106)، قلت: لم أجده في ((الأسماء والصفات))  للبيهقي، ورواه الحافظ بن حجر بسنده إلى أبي العالية، انظر ((تعليق التعليق)) (5/344). .
3- وهكذا فسر الربيع بن أنس قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء [البقرة:29] ((رواه ابن جرير في تفسيره)) (1/191)، بسند فيه انقطاع. .
4- وقال أبو عبيدة معمر بن المثني (210هـ) في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [يونس:3] : ظهر على العرش وعلا عليه" ((مجاز القرآن)) (1/273، 2/15، 57). .
5- والإمام البخاري استدل بقول مجاهد، وأبي العالية في تفسير لفظ "استوى" على أن المراد: علا وارتفع انظر ((صحيح البخاري)) (6/2698)، و ((فتح الباري)) (13/405)، و ((عمدة القاري)) (25/112). .
6- وبهذا فسره ابن قتيبة أديب أهل السنة (276هـ) انظر ((تفسير غريب القرآن)) (ص 277). .
7- وقال ابن جرير إمام مفسري أهل السنة: "وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: "ثم استوى إلى السماء فسواهن" علا عليهن وارتفع.." ((جامع البيان)) (1/192). .
8- ومشى على هذا حافظ المغرب ابن عبدالبر (463هـ) ((التمهيد)) (7/131-132). .
9- وقال البغوي (516هـ) "قال ابن عباس، وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء.." ((معالم التنزيل)) (1-59، 2/195). .
10- قال شيخ الإسلام:
"ويبين ذلك أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال: هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآنِ آياتٍ لا يعلم معناها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك من بعض الناس، وهذا لا ريب فيه" ((الإكليل)) (ص 20-21، 32-34)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (13/285)، (294-295)، و ((ضمن دقائق التفسير)) (1/129، 134-135)، و ((ضمن مجموع الرسائل الكبرى)) (2/15، 21-22). .
11- وقال: "وأيضاً فالسلف من الصحابة والتابعين، وسائر الأمة قد تكلموا في جميع النصوص  -  آيات الصفات، وغيرها- وفسروها بما يوافق دلالتها ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرةً توافق القرآن والحديث، وأئمة الصحابة في هذا أعظم من غيرهم، مثل عبدالله ابن مسعود  -  الذي كان يقول: "لو أَعْلَمُ أَعْلَمَ بكتاب الله مني تبلغه آباط الإبل أتيته"  - وعبدالله بن عباس- الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حبر الأمة، وترجمان القرآن-.
كانا هما وأصحابهما من أعظم الصحابة والتابعين إثباتاً للصفات، ورواية لها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن له خبرة بالحديث والتفسير يعرف هذا.
وما في التابعين أجل من أصحاب هذين السيدين...؛
ولو كان معنى هذه الآيات منفياً، ومسكوتاً عنه لم يكن ربانيو الصحابة أهل العلم بالكتاب والسنة أكثر كلاماً فيه،
ثم إن الصحابة نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة.
ولم يذكر أحد منهم أنه امتنع من تفسير آية.
قال أبو عبدالرحمن السلمي: "حدثنا الذين كانوا يقرؤننا  -  عثمان ابن عفان، وعبدالله بن مسعود وغيرهما - أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل".
وكذلك الأئمة كانوا إذا سئلوا شيئاً من ذلك لم ينفوا معناه، بل يثبتون المعنى وينفون الكيف".
ثم ذكر مقالة الإمامين ربيعة ومالك، المعروف وشرحها شرحاً وافياً ثم قال:
"ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة، قال بعضهم: "ارتفع على العرش: علا على العرش"، وقال بعضهم عبارات أخرى، وهذه ثابتة عن السلف، قد ذكر البخاري في "صحيحه" في آخر كتاب الرد على الجهمية" ((الإكليل)) (ص 48-52)؛ و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (13/307-310)، و ((ضمن دقائق التفسير)) (1/142-143)، و ((ضمن مجموعة الرسائل الكبرى)) (2/31-34). .
12-14 وقال العلامة محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (1270هـ) وابنه نعمان الآلوسي (1317هـ): وحفيده شكري:
"... وأيضاً قد ورد في الأخبار ما يدل على فهم المخاطب المنى...، ... وقد صح عن بعض السلف أنهم فسروا ففي صحيح البخاري: قال مجاهد: "استوى على العرش" "علا على العرش"، وقال أبو العالية: "استوى على العرش" "ارتفع" ((روح المعاني)) (16/159)، و ((جلاء العينين)) (ص 272)، وانظر ((انظر غاية الأماني)) (1/452). .
قلت: الحاصل: أن السلف كانوا يعرفون معاني صفات الله تعالى والمراد من نصوصها، ولذلك فسروها كتفسيرهم لبقية النصوص غير أنهم كانوا يفوضون علم كيفيتها إلى الله تعالى.
وهذا دليل قاطع على إبطال التفويض المتقول على السلف، وأنهم لم يكونوا مفوضة، بل كانوا مثبتين للصفات بلا تكييف ولا تمثيل ومنزهين لله تعالى عن كل عيب ونقص بلا تحريف ولا تعطيل. ويزيده إيضاحاً وتحقيقاً ما في الوجه الآتي.
الوجه الرابع:
أن السلف كانوا يميزون بين صفة وصفة وكانوا يصرحون بأن هذه الصفة غير تلك الصفة، وليست عينها، ولا يجوزون تفسير أحداها، بالأخرى.
فلو كانوا لا يعرفون معانيها كيف يميزون بين صفة وأخرى؟؟
فهذا من الحجج الدامغة على أنهم كانوا على حظ عظيمٍ وافر من العلم بها مع تفويضهم علم كيفيتها إلى الله تعالى.
وأذكر لذلك مثالين على لسان الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى لتكون فيهما عبرة للحنفية الماتريدية الذين ادعوا التفويض ونسبوه إلى السلف.
الأول: ما قاله الإمام أبو حنيفة: "... ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف.." ((الفقه الأكبر بشرح القاري)) (ص 59). .
الثاني: ما قال: "وغضبه، ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه، ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه" ((الفقه الأبسط)) (56)، وسكت عليه الكوثري. .
قلت: هذان مثلان واضحان ونصان صريحان في عدم جواز تفسير صفة بأخرى، وأن ذلك مذهب المعتزلة، وليس من مذهب أهل السنة في شيء وأنه يجب وصف الله بما وصف به نفسه بلا كيف، وكما أن معنى "القدرة" معروف كذلك معنى "اليد" معروف وهكذا معنى "الغضب" ومعنى "الرضا" معروفان وهما من صفات الله بلا كيف. وهو قول أهل السنة، فبطل التفويض المفتعل المتقول على السلف.
قال شيخ الإسلام: "والله سبحانه وتعالى أخبرنا: أنه عليم قدير، سميع، بصير، غفور، رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته.
فنحن نفهم معنى ذلك ونميز بين العلم، والقدرة، وبين الرحمة، والسمع، والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله مع تنوع معانيها.
فهي متفقة متواطئة من حيث الذات متباينة من جهة الصفات".
ثم أورد أمثلة متعددة لإيضاح هذا المطلب، كأسماء النبي صلى الله عليه وسلم، وأسماء القرآن والسيف،، وحقق أن هذه الأسماء مع تعددها تدل على ذات واحدة من اختلاف معانيها ((التدميرية)) (ص 100-102)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/59). .
وقال: "... فإنا نفهم من قوله: إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:75] معنى ونفهم من قوله: إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:65] معنى ليس هو الأول، ونفهم من قوله: إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [إبراهيم:47] معنى، وصبيان المسلمين بل وكل عاقل يفهم هذا" ((الإكليل)) (ص 36)، و ((ضمن دقائق التفسير)) (1/136)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (13/297). .
الوجه الخامس:
أنه من الواقع المحسوس أن الناس إذا سمعوا كلاماً ولا يفهمون معناه، يبادرون إلى السؤال عن معناه ومراد المتكلم ليفهموا معناه ويعرفوا المراد منه، والنفوس تحرص على هذا والقلوب تتطلع إلى المعرفة والإطلاع إلى العلوم، ولاسيما إذا كان الكلام بين الأستاذ وتلامذته، ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة رضي الله عنهم أحرص الناس على حصول الخير والإطلاع على العلوم النافعة التي تتصل بصميم دينهم.
وباب الأسماء الحسنى والصفات العلا من أعظم المعارف الإسلامية وكان الصحابة أحرص الناس على الاستفادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يسألونه في أمور جليلها ودقيقها  -  وكانا خير تلامذة وأصحاب لخير معلم ومرشد  -  إذا أشكل عليهم شيء في أمر الدين أو صعب عليهم فهم نص من نصوص الوحي.
ومع ذلك لم يثبت عنهم أنهم شكُّوا في صفات الله تعالى أو سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لفهم معناها.
بل كانوا يتلقون كتاب الله تعالى وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فيهما نصوص الصفات مع تلك الكثرة الكاثرة.
فهل يَتَصوَّرُ من له أدنى مسكةٍ من عقلٍ صحيحٍ أنهم يتلونها ويرددونها بدون فهم معانيها ومعرفة المراد منها  -  طيلة حياتهم  -  ولم يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟؟.
فهذا من البراهين الواضحة على أنهم لم يكونوا مفوضة بالمعنى الذي يعنيه الماتريدية، ولم يكونوا جاهلين بالله وبصفاته تعالى إلى الحد الذي زعمه أهل الكلام عليهم وقولهم التفويض الذي هم منه براء.
بل نقول جزماً لا يحتمل النقيض: أنهم لو لم يفهموا معانيها لبادروا إلى السؤال عنها، ولسابقوا إلى الإطلاع على المراد منها.
نعم قد ورد أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رؤية الله تعالى، فعن أبي هريرة: ((أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة...)) الحديث.
وعن أبي سعيد الخدري مثله.
فمثل هذين الحديثين يدلنا دلالة قاطعة على أنهم كانوا يعرفون معاني صفات الله تعالى، ويفهمون المراد من نصوصها، وإلا لبادروا إلى السؤال عنها ليعرفوا المراد كما فعلوا في مسألة الرؤية.
الحاصل: أن سؤال الصحابة وعدم سؤالهم في باب الصفات كلاهما دليل قاطع على أنهم كانوا يعرفون معانيها ويفهمون المراد منها.
وهكذا نرى الصحابة اختلفوا في باب الأحكام ولم يختلفوا قطعاً في باب الصفات قط.
ويزيد هذا المطلب إيضاحاً كلام الإمام المقريزي حيث يقول:
"اعلم أن الله تعالى لما بعث العرب نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى الناس جميعاً وصف لهم ربهم سبحانه وتعالى بما وصف به نفسه الكريم في كتابه العزيز الذي نزل به على قلبه صلى الله عليه وسلم الروح الأمين وبما أوحى إليه ربه تعالى.
فلم يسأله صلى الله عليه وسلم أحد من العرب بأسرهم قرويهم وبدويهم عن معنى شيء من ذلك كما كانوا يسألونه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك مما لله فيه سبحانه أمر ونهي، وكما سألوه صلى الله عليه وسلم، عن أحوال القيامة والجنة والنار إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات لنقل كما نقلت الأحاديث الواردة عنه صلى الله عليه وسلم في أحكام الحلال والحرام وفي الترغيب والترهيب وأحوال القيامة.
والملاحم والفتن ونحو ذلك مما تضمنته كتب الحديث، معاجمها ومسانيدها وجوامعها.
ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية علم أنه لم يرد قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات نعم ولا فرق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعز والعظمة، وساقوا الكلام سوقاً واحداً وهكذا أثبتوا رضي الله عنهم ما أطلقه الله سبحانه على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك مع نفي مماثلة المخلوقين فأثبتوا رضي الله عنهم بلا تشبيه ونزهوا من غير تعطيل ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت.
ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى وعلى إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم سوى كتاب الله ولا عرف أحد منهم شيئاً من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة فمضى عصر الصحابة رضي الله عنهم على هذا..." ((الخطط)) للمقريزي (2/356)، وذكر معناه شيخنا عبدالله بن محمد الغنيمان في ((شرح كتاب التوحيد)) للبخاري (ص 17-18)، و ((ثبات العقيدة الإسلامية أمام التحديات)) (ص 7-10) .
قلت: للإمام ابن القيم أيضاً كلام قيم في هذا الصدد فراجعه ((إعلام الموقعين)) (1/49)، و ((بدائع الفوائد)) (2/4-5)، ((الصواعق المرسلة)) (1/208-211)، و ((مختصر الصواعق)) (1/15-16)، وانظر أيضاً ((روح المعاني) (16/159)، و ((جلاء العينين)) (ص 372)، وراجع أيضاً ((درء التعارض)) (ص 44-71)، ففيه مبحث في غاية الدقة والإتقان يقطع دابر الجهمية المعطلة وأفراخهم الماتريدية وزملاءهم الأشعرية. .
ولنعلم ما قيل:


وهذا الحق بس به خفاء




فدعنى من بُنّيَّاتِ الطريق

قلت: هذه حقيقة واقعة اعترف بها تقي الدين على بن عبدالكافي السبكي (756هـ) حيث قال:
"... وقد فهمها الصحابة، ولذلك لم يسألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها كانت معقولة عنهم بوضع اللسان، وقرائن الأحوال، وسياق الكلام، وسبب النزول.
ومضت الأعصار الثلاثة التي هي خيار القرون على ذلك.
حتى حدثت البدع والأهواء..." ((السيف الصقيل مع تعليقات الكوثري عليها المسماة بتبديد الظلام)) (ص 148). .
قلت: السبكي من أئمة الكوثري في المباحث الكلامية وعداء  شيخ الإسلام وابن القيم ولذلك نرى الكوثري يبجله غاية التبجيل ((انظر تبديد الظلام)) (ص 10، 56، 57، 60، 99، 182). .
وقد سكت الكوثري على قوله هذا، فيكون حجة عليه في باب التفويض.
وهذا الذي ذكرنا من عدم سؤال الصحابة وعدم استشكالهم في باب الصفات. من ناحية؛
ومن ناحية أخرى.
أن الكفار بأصنافهم كانوا ألد أعداء الإسلام، وكانوا يترصدون الفرصة - بين حين وآخر - للطعن في القرآن والإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
وقد عارضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من المواطن طعناً في القرآن والإسلام ((راجع درء التعارض)) (7/55-71)، وانظر ((تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة)) (ص 99). .
فلو كانت نصوص الصفات لا تعلم معانيها، ولا يعرف المراد منها، ولا كانوا يعرفوها، لبادروا إلى الطعن في القرآن، ولكان ذلك فرصة سعيدة لأعداء الإسلام، كما سيأتي في الوجه السابع.
الوجه السادس:
أن دعوى التفويض المطلق وتقوله على السلف الصالح دعوى باطلة يكذبها واقع نصوص السلف.
فإن نصوص السلف قد تواترت في إثبات الصفات بلا تكييف ولا تمثيل مع تنزيه الله تعالى بلا تحريف ولا تعطيل؛ وكلامهم في ذلك إما نص وإما ظاهر، وهذه كتب  أئمة السنة تفوح بأقوال السلف وحصر أقوالهم خارج عن نطاق طاقة البشر.
ولكن أكتفي بأمثلة عديدة من أقوالهم تبين أن مذهبهم إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل، وأنهم كانوا يعرفون معاني الصفات ويفهمون المراد من نصوصها وتفويضهم في الكيف أما نسبة التفويض المطلق إليهم  -  فافتراء قيبح،، وبهت صريح،، وكذب شنيع،، وتقول فظيع،، عليهم:
1- قال الإمام ربيعة بن أبي عبدالرحمن المعروف بربيعة الرأي (136هـ) شيخ الإمام مالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول..".
2- ومثله كلام الإمام مالكٍ رحمهما الله تعالى.
وقال مالك (179هـ) أيضاً: "الله في السماء وعلمه في كل مكان...".
قلت: هذه المقالة الرَّبَعية والمالكية  -  التي سارت مسيرة الأمثال، وسارت بها الركبان  -  هي منهج كل مسلم سني سلفي، وهي تمثل مذهب السلف قديماً وحديثاً، وبهذا المهيع المستقيم السوي الوسط نجاة من ديجور التعطيل وفجور التمثيل.
وهي رد صريح على مزاعم أهل الجهل والتجهيل والتفويض، والتأويل؛ فإنهما قد صرحا بأن الاستواء معلوم، وإنما المجهول هو كيفيته.
3- قال شيخ الإسلام: "... وكذلك الأئمة كانوا إذا سئلوا شيئاً من ذلك لم ينفوا معناه، بل يثبتون المعنى وينفون الكيف.
كقول مالك... "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"... وكذلك ربيعة قبله.
وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول، فليس أحد من أهل السنة ينكره، وقد بين: أن الاستواء معلوم، كما أن سائر ما أخبر به معلوم، ولكن الكيفية لا تعلم، ولا يجوز السؤال عنها، لا يقال: كيف استوى...؛
فإن قيل: معنى قوله: "الاستواء معلوم" أن ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم...؛
قيل: هذا ضعيف، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، فإن السائل قد علم أن هذا موجود في القرآن، وقد تلا الآية.
وأيضاً فلم يقل ذكر الاستواء في القرآن، ولا إخبار الله بالاستواء،
وإنما قال: "الاستواء معلوم فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم، ولم يخبر عن الجملة.
وأيضاً فإنه قال: "والكيف مجهول" ولو أراد ذلك يقال: معنى الاستواء مجهول، أو تفسير الاستواء مجهول، أو بيان الاستواء غير معلوم، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء، لا العلم بنفس الاستواء.
وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه.
لو قال في قوله: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] : كيف يسمع، وكيف يرى؟.
لقلنا: السمع، والرؤيا معلوم، والكيف مجهول.
ولو قال: كيف كلم موسى تكليماً؟ لقلنا: التكليم معلوم، والكيف غير معلوم" ((الإكليل)) (ص 50-51)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (13/308-310)، و ((ضمن مجموعة الرسائل الكبرى)) (2/32-33)، و ((ضمن دقائق التفسير)) (1/142-143). .
قلت: هذا الذي حققه شيخ الإسلام في تفسير المقالة الرَّبَعِيَّة والمالكية حقيقة واقعة، وقد اعترف بها أبو بكر بن العربي (543هـ) فقال:
4- "ومذهب مالك رحمه الله: أن كل حديث منها معلوم المعنى، ولذلك قال للذي سأله: "الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة..." ((عارضة الأحوذي)) (3/166). .
وابن العربي هذا من أئمة الكوثري في المباحث الكلامية ولذا  -  يثني عليه ثناء عاطراً انظر ((تبديد الظلام)) (ص 48، 51، 109، 111، 112، 114، 173). فكلامه حجة عليه خاصة وعلى الماتريدية عامة.
والعجب من العلامة ملا علي القاري حيث حمل كلام الإمام مالك هذا على التفويض المطلق الباطل فقال: مذهب السلف عدم التأويل، وتفويض الأمر إلى الله وعلمه في المراد به، كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول، واختاره إمامنا الأعظم ((ضوء المعالي)) (ص31)، و ((شرح الفقه الأكبر)) (ص 172). .
مع أن كلام الإمام مالك صريح في كون المعنى معلوماً، وإنما المجهول هو الكيف فهو يفوض في الكيف دون المعنى فبطل زعم الماتريدية.
5- وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: "من قال: لا أعرف الله أفي السماء أم في الأرض  -  فقد كفر، قال الله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] .
فإن قال: أقول بهذه الآية ولكن لا أدرى أين العرش؟ في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر أيضاً.
ونذكره من أعلى لا من أسفل، لأن الأسفل ليس من الربوبية والألوهية في شيء..." ((الفقه الأبسط بشرح أبي الليث السمرقندي)) (ص 17، 20)، و ((الفقه الأبسط بتحقيق الكوثري)) (ص 49-52). .
ثم ذكر حديث الجارية مستدلاً به على علو الله تعالى.
قلت: أي عقل يحمل هذا النص الواضح على التفويض المفتعل الباطل مع أن الإمام أبا حنيفة يكفر من قال: لا أعرف الله هل في السماء أم في الأرض؟
بل يكفر من قال: لا أدري أين العرش مع اعتقاده أن الله على العرش.
ثم ذكر الإمام أبو حنيفة ثلاثة دلائل على إثبات علو الله تعالى:
الأول: الدليل الفطري:
وهو أن الله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل فالقلوب مفطورة بالتضرع إليه تعالى وأنه فوق العالم، وترفع الأيدي إليه على أنه فوق عباده.
والثاني: الدليل العقلي:
وهو أن الأسفل ليس وصف الربوبية والألوهية فمقتضى كونه تعالى رباً وإلهاً أنه فوق خلقه أجمعين.
والثالث: الدليل النقلي:
وهو قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، وحديث الجارية، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أين الله)) وجواب الجارية: ((في السماء)) رواه مسلم (537) .
ومع ذلك كله نرى الماتريدية ينسبون التفويض المفتعل المتقول الباطل إلى الإمام أبي حنيفة رحمة الله تعالى انظر ((ضوء المعالي)) (ص 31)، و ((شرح الفقه الأكبر)) (ص 172). .
مع أنه من أهل الإثبات، وكلامه صريح في هذا غاية الصراحة وحمله على التفويض المطلق الباطل تحريف محض.
نعم أبو حنيفة الإمام كبقية أئمة الإسلام يفوض في الكيف انظر ((الفقه الأكبر بشرح القاري)) (ص 59)، و ((الفقه الأبسط بتحقيق الكوثري)) (ص 56). .
فاكتفاء الإمام بالتفويض في الكيف دليل قاطع على أنه لم يفوض في المعنى وهذا برهان قاطع على أن الماتريدية لم يعرفوا مذهب إمامهم؛ وثبت أن مذهبه إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، وتفويض الكيف.
6- كلام الإمام عبدالله بن المبارك (181 هـ) الذي عده الحنفية ومنهم الكوثري في زمرة كبار أئمة الحنفية انظر ((الجوهرة المضية)) (2/324-326)، و ((فقه أهل العراق)) (ص 61). فرية بلا مرية.
قال علي بن الحسن بن شقيق (215هـ).
"سألت عبدالله بن المبارك: كيف ينبغي أن نعرف ربنا عز وجل؟
قال: "على السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه ها هنا في الأرض".
قلت: ليتدبر كل عاقل طالب الحق رباني القلب في نص هذا الإمام العظيم، هل هو يثبت علو الله على عرشه، وفوقيته على خلقه؟.
أم يفوض في معنى العلو وكيفيته؟
بلى احتج هذا الإمام العظيم بعلو الله تعالى على عرشه على معرفته تعالى فهل يكون هذا من المفوضة؟ فاعتبروا يا أولى الأبصار.
7- وقال الإمام عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي (157 هـ) وهو يحكي إجماع السلف على إثبات فوقية الله تعالى على خلقه وعلوه على عرشه  -  خاصة وجميع الصفات عامة-:
"كنا  -  والتابعون متوافرون  -  نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت السنة بما من صفاته جل وعلا".
الحاصل: أن نصوص أئمة السنة دالة  -  إما نصاً وإما ظاهراً  -  على أنهم كانوا يعرفون معاني الصفات ويفهمون المراد من نصوصها غير أنهم كانوا يفوضون في الكيف فقط دون المعنى؛
فنسبة التفويض المطلق الباطل إليهم تقول قبيح وكذب صريح، وبهت شنيع، وافتراء فظيع وضلال وإضلال.
وفي ذلك عبرة للماتريدية ،، ولاسيما الفنجفيرية ،،
الذين ينسبون التفويض إلى السلف كذباً وزوراً انظر ((تنشيط الأذهان)) للشيخ عبدالسلام الفنجفيري (ص 346، 347، 348). .
الوجه السابع:
أنه من المعلوم علماً اضطرارياً أن المشركين واليهود والنصارى وغيرهم من الكفرة كانوا ألد أعداء الإسلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم وعامة المسلمين.
وكانوا يترصدون الفرص للقدح في الإسلام بكل وسيلة ممكنة لهم.
ومن المعلوم بلا ارتياب أنهم لم يقدحوا في نصوص الصفات، ولا قالوا: إن هذا الرجل  -  رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأتباعه  -  الصحابة رضي الله عنهم  -  يتكلمون بكلام لا يفهم معناه.
فلو كانت نصوص الصفات لا يعلم المراد منها، وأن الصفات لا تُعرف معانيها، وأن الصحابة لا يعرفون لك - لبادر هؤلاء الكفار إلى الطعن في الإسلام وسارعوا إلى القدح في القرآن والمسلمين من هذا الباب فدل ذلك دلالة قاطعة على أن هؤلاء الكفار لم يكونوا مفوضين على الإطلاق فضلاً عن المسلمين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن المعلوم أيضاً أن المسلمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقدون الكفار وآلهتهم بأنها لا تتصف بصفات الألوهية الكمالية، من السمع والبصر، والقدرة، والعلم، والكلام، ونحوها، والتكليم، بل هي متصفة بصفات النقص فلا تستحق الألوهية بخلاف رب العالمين إله الحق سبحانه وتعالى فإنه متصف بصفات الكمال فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
ولم يكن المشركون يعارضون المسلمين في هذا قط؛ كما عارضوهم في مسائل أخرى لشيخ الإسلام مبحث عظيم الفائدة يجب الإطلاع عليه. انظر ((درء التعارض)) (5/55-71) ففيه عبرة للماتريدية عامة ،، وللفنجفيرية خاصة. :
فلم ينفوا عن الله تعالى صفاته الكمالية، وكانوا معترفين بذلك، اللهم إلا من عاند منهم وأكره نفسه على مخالفة الفطرة وما هو مركوز في القلوب.
فهذا يدل دلالة قاطعة على أنهم لم يكونوا مفوضةً، فضلاً عن أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم مفوضةً جاهلين بالله وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلا.
ولهذا قال الله تعالى: لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل:60]
قال شيخ الإسلام: "وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص في الكتب الإلهية، أكثر وأعظم من نصوص المعاد.
ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول صلى الله عليه وسلم، وناظروه عليه، بخلاف الصفات، فإنه لم يكن العرب تنكر.
فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد.
فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وأن ما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟" ((الحموية)) (ص 38)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/33) ((النفائس)) (ص 107). .
وقال الإمام السهيلي (581هـ): "فإن قيل: وكيف خوطبوا بما لا يفهمون ولا يستعملون، إذ اليد بمعنى الصفة لا يفهم معناه.
قلنا: ليس الأمر كذلك بل كان معناها مفهوماً عند القوم الذين نزل القرآن بلغتهم.
ولذلك لم يستفت واحد من المؤمنين عن معناها، ولا خاف على نفسه وتوهم التشبيه، ولا احتاج إلى شرح وتنبيه؛
وكذلك الكفار لو كانت عندهم لا تعقل إلا في الجارحة لتعلقوا بها في دعوى التناقض، واحتجوا بها على الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولقالوا له: زعمت: أن الله ليس كمثله شيء، ثم تخبر أن له يداً كأيدينا وعيناً كأعيننا.
ولم ينقل ذلك عن مؤمن، ولا كافر علم أن الأمر كان فيها عندهم جلياً لا خفياً.." ((بدائع الفوائد)) (2/4-5) لابن القيم عنه. .
ولشيخ الإسلام كلام مهم في هذا الصدد أيضاً فراجعه ((درء التعارض)) (7/128، 55-71)، وانظر ((تأويل مشكل القرآن)) لابن قتيبة (ص 99). .
تنبيه: لقد جمع العلامة عبدالسلام أحد كبراء الفنجفيرية عدة نصوص لبيان مذهب السلف؛
فاختلط عليه الحابل بالنابل، وخلط علماً صالحاً وآخر سيئاً؛ عيسى الله أن يتوب علينا وعليه؛
حيث ذكر عن السيوطي: أن مذهب السلف تفويض معناها المراد إلى الله مع تنزيهه عن حقيقتها انظر ((تنشيط الأذهان)) (ص 347-348). .
قلت: كلامه متناقض لأنه ذكر نصوصاً قبله وبعده تناقضه؛ وباطل أيضاً بهذه الوجوه السابقة واللاحقة.
وهذا برهان إنَّيٌّ على أنه لم يعرف التوحيد ومذهب السلف ،، فلذا وقع في طامات الماتريدية الخلف ،،
وهذا الجهل المطبق برهان لِمِّىٌّ على وقوعه في التفويض الواضح ،، والتناقص الفاضح ،،
الوجه الثامن:
أن التفويض المطلق المفتعل المصنوع على السلف أخو التأويل الذي يتضمن تعطيل الصفات وتحريف نصوصها كما سيأتي تحقيقه.
فكذلك التفويض يتضمن التعطيل غير أن التأويل يتضمن التحريف أيضاً.
فالتفويض والتأويل مشتركان في تضمنهما للتعطيل، لأن المفوض لا يثبت لله الصفات بل ينفيها؛
لأنه يقول: ظاهر نصوص الصفات غير مراد فهو ينفي العلو، والاستواء والنزول واليدين، والغضب والرضا ونحوها من صفات الله؛
ويقول: إن النصوص لا تدل على هذه، وهي غير مرادة منها، وأن المراد غير معلوم فقد وقع المفوض في التعطيل من هذه الجهة من حيث لا يشعر كما وقع في الجهل بصفات الله وتجهيل السلف.
قال العلامة المقبلي: "المذهب الثالث: من يقول ليس المراد هو ظاهر العبارة بحسب ما يفهم من اللغة لكنا جهلنا المعنى المراد، فنمسك عن الفحص عنه كما أمسك السلف.
وهذا المذهب في الحقيقة هو الأول  -  (أي التأويل) - وإن كان أسلم من الذي قبله باعتبار أنه سهل، فهو ليس بمذهب ثالث، لأن صاحبه إنما سكت عن التعيين، وقد حكم بالتأويل في الجملة فهو متأول لا مسلم" ((الأرواح النوافخ ذيل العلم الشامخ)) (ص 395). يعني أن المفوض نافٍ للصفات.
وقال الدكتور محمد خليل هراس رحمه الله: "فالفرق بين التحريف والتعطيل: أن التعطيل نفي المعنى الحق الذي دل عليه الكتاب السنة،
وأما التحريف: فهو تفسير النصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدل عليها.
والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق.
فإن التعطيل أعم مطلقاً من التحريف، بمعنى أنه كلما وجد التحريف وجد التعطيل دون العكس.
وبذلك يوجدان معاً فيمن أثبت المعنى الباطل ونفى المعنى الحق.
ويوجد التعطيل بدون التحريف فيمن نفى الصفات الواردة في الكتاب والسنة، وزعم أن ظاهرها غير مراد، ولكنه لم يعين لها معنى آخر، وهو ما يسمونه بالتفويض..." ((شرح العقيدة الواسطية)) (ص 21)، وانظر ((الكواشف الجلية)) (ص 89-90). .
الحاصل: أن التفويض المطلق الباطل يتضمن التعطيل فهو أخو التأويل.
فثبت أن السلف لم يكونوا مفوضة كما لم يكونوا مؤولة معطلة..
بل كانوا مثبتين للصفات بلا تمثيل ومنزهين لله تعالى بلا تعطيل.
وبهذا تبين بطلان القول بالتفويض، ونسبته إلى السلف، وبالله التوفيق.
تنبيه: لقد تبين بهذا التحقيق الفرق بين التفويضين اللغوي، والكلامي، فالتفويض اللغوي عدم الحكم على الشيء لا نفيا ولا إثباتاً وهو التفويض السلفي بعينه، أما التفويض الكلامي فهو نفي الصفات ثم رد معانيها وكيفيتها إلى الله.
الوجه التاسع:
أن القول بالتفويض، ونسبته إلى السلف  - 
قول متناقض مضطرب تناقضاً واضحاً، واضطراباً فاضحاً.
فإن من أثبت شيئاً من الصفات، وادعى في بقيتها إما التفويض، وإما التأويل  -
لزمه التفويض أو التأويل فيما أثبته؛
لأنه لو طولب بالفرق بين ما أثبته وبين ما فوض فيه أو أول لم يجد جواباً صحيحاً وفرقاً.
فالماتريدية قد أثبتوا لله حياة، وعلماً، وإرادة وسمعاً، وبصراً، فلم يجعلوها متشابهاتٍ، ولم يفوضوا فيها ولم يؤولوها.
فهلا جعلوها متشابهاتٍ لا يعلم معناها إلا الله كما جعلوا غيرها متشابهات؟
وهلا فوضوا فيها كما فوضوا في غيرها؟ أو لم لا يؤولونها كما أولوا غيرها؟
وهلا نسبوا التفويض فيها إلى السلف كما نسبوا في غيرها إليهم؟.
ولهذا لا يوجد لهؤلاء ولأمثالهم قانونٌ مستقيمٌ.
الحاصل: أنه تبين للقراء الكرام بهذه الوجوه التسعة إبطال القول بالتفويض المطلق المختلق ونسبته إلى سلف هذه الأمة بحمد الله تعالى.
الجواب عن شبهاتهم التي تعلقوا بها:
للماتريدية شبهات في إثبات بدعة التفويض ونسبته إلى السلف أقواها شبهتان:
أ- أن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله.
واستدلوا بقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ [آل عمران:7] على قراءة الوقف على لفظ الجلالة انظر ((شرح المقاصد)) (2/50)، و ((ضوء المعالي)) (ص 32)، و ((النبراس)) (ص 186)، و ((نظم الفرائد)) (ص 23). .
ب- أن كثيراً من السلف قد صرحوا بأن هذه النصوص لا تفسر، بل تفسيرها تلاوتها، وقالوا: نمرها كما جاءت.
وهذا صريح في أنهم كانوا يفوضون في المعنى والكيف جميعاً ((تبديد الظلام)) (ص 136، 171، 53). .
أما الشبهة الأولى:
فعنها عدة أجوبة نذكر منها ما يلي:
الجواب الأول:
أن قياس نصوص الصفات على الحروف المقطعة في أوائل السور باطل، لأن نصوص الصفات من الكلام العربي المبين أسلوباً وتركيباً، ومركبة من جمل تنحل إلى المفردات العربية المعروفة في لغة العرب الواضحة معانيها لكل عربي مدني وقروي وحضري كوضوح ألفاظها، بخلاف تلك الحروف المقطعة في أوائل السور فإنها رموز، حتى صرح الإمام ابن أبي العز بأنها ليست آيات عند جمهور العادّين ((شرح الطحاوية)) (ص 235). .
ولأن المتشابه نوعان:
1- متشابه في نفسه وأصله الذي استأثر الله بعلم تأويلها كالحروف المقطعة في أوائل السور.
2- ومتشابه في وصفه وهو متشابه إضافي الذي يعرفه الراسخون انظر ((شرح الطحاوية)) (ص 234)، وانظر ((شرحي المنار: كشف الأسرار، ونور الأنوار)) (1/223-225). .
فقياس الثاني على الأول قياس مع الفارق، والقياس مع الفارق باطل انظر ((المنار مع شرحه كشف الأسرار، ونور الأنوار)) (2/236، 248). .
الجواب الثاني:
أننا لا نسلم أن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا تُعْلَمُ معانيها، بل هي آيات محكمات واضحات، والقول بأنها متشابهات لا تعلم معانيها  -  قول مبتدع لا سلف لقائله.
وليست مما يندرج تحت قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ [آل عمران:7] ، لأنه لم يقل أحد من السلف أن معاني نصوص الصفات لا يعلمها أحد إلا الله، لا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا صحابته رضي الله عنهم.
فلا يصح استدلالهم بهذه الآية قطعاً، وفيما يلي بعض أقوال الأئمة:
1- قال الإمام ابن قتيبة (276هـ) أديب أهل السنة:
"ولسنا ممن يزعم: أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم وهذا غلط من متأوليه على اللغة، والمعنى.
ولم ينزل الله شيئاً من القرآن إلا ينفع به عباده، ويدل على معنى أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره لزمنا للطاعن مقال، وتعلق علينا بعلة.
وهل يجوز لأحد أن يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف المتشابه؟!".
ثم ذكر نصوصاً دالة على أن الصحابة رضي الله عنهم أيضاً يعلمون معاني المتشابهات، ثم قال:
"ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ في المتشابه إلا أن يقولوا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران:7] -  لم يكن للراسخين فضل على المتعلمين، بل على جهلة المسلمين لأنهم جميعاً يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا.
وبعدُ: فإنا لم نر المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن، فقالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أمروه كله على التفسير حتى فسروا "الحروف المقطعة في أوائل السور..." ((تأويل مشكل القرآن)) (ص 98-100). .
2- ومثله كلام للإمام القرطبي (671هـ) ((الجامع لأحكام القرآن)) (4/18). .
3- ومثله كلام الإمام ابن أبي العز الحنفي (792هـ) ((شرح الطحاوية)) (ص 234-235). .
4- والعلامة محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (1270هـ) ((روح المعاني)) (3/84). .
5- وقال شيخ الإسلام:
"من قال: إن هذا من المتشابه، وأنه لا يفهم معناه. فنقول له: أما الدليل على بطلان ذلك: فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل، ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه.
وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا: إن الله ينزل كلاماً لا يفهم أحد معناه..
فهذا اتفاق من الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه وأنه لا يُسكَتُ عن بيانهِ، وتفسيره، بل يُبَيَّنُ باتفاق الأئمة من غير تحريف له عن مواضعه، أو إلحاد في أسماء الله وآياته" ((الإكليل)) (ص 32-34، 20-21)، و ((ضمن دقائق التفسير)) (1/134-135، 129)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (13/294-295، 285)، و ((ضمن مجموعة الرسائل الكبرى)) (2/21-22، 15)، ونقله القاسمي وأقره، انظر ((محاسن التأويل)) (4/24-25)، وانظر ((الصواعق المرسلة)) (1/213). .
الجواب الثالث:
أن القول بأن نصوص الصفات متشابهات لا تُعلم معانيها -  قولٌ يكذبه الواقع بل هي محكمات واضحات وليست متشابهات  -  نعلم ذلك بالاضطرار.
قال شيخ الإسلام:
"والدليل على أن هذا ليس بمتشابه لا يعلم معناه أن نقول: لا ريب أن الله سمى نفسه في القرآن بأسماء مثل الرحمن، والودود، والعزيز، والجبار، والعليم، والقدير، ونحو ذلك.
ووصف نفسه بصفات، مثل سورة الإخلاص، وآية الكرسي، وأول الحديد وآخر الحشر، وقوله: إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:2] .. فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:55]، ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ [محمد:28]، وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ [التوبة:46] ، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] ، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10] ، إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] ، مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] ، بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء [المائدة:64] ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:27]، أوَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] إلى أمثال ذلك...؛
ثم يقال لهذا المعاند: فهل هذه الأسماء دالة على الإله المعبود وعلى الحق الموجود أم لا؟
فإن قال: لا  -  كان معطلاً محضاً، وما أعلم مسلماً يقول هذا.
وإن قال: نعم  -  قيل له: فهمت منها دلالتها على نفس الرب ولم تفهم دلالتها على ما فيها من المعاني من الرحمة، والعلم وكلاهما في الدلالة سواء... ((الإكليل)) (ص 35-36)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (13/296-298)، و ((ضمن مجموعة الرسائل الكبرى)) (2/23-24)، و ((ضمن دقائق التفسير)) (1/135-136)، ونقله القاسمي وأقره في ((محاسن التأويل)) (4/25-28). "؟!
الجواب الرابع:
أن هؤلاء الماتريدية عاكسوا السلف في جعل نصوص الصفات الإلهية الكمالية  -  متشابهات.
وجعل المتشابهات  -  عند السلف  -  محكماتٍ انظر ((مدارك التنزيل)) (1/197)، تبعاً للجهمية الأولى والمعتزلة. انظر ((كشاف الزمخشري الحنفي المعتزلي)) (1/412). .
كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] .
ونحوهما من المتشابهات  -  بمعنى أنها مجملات فيها نفي مجمل تشتبه على من لا يفهمها. ((درء التعارض)) (5/175).
فردوا بها نصوص العلو، والاستواء، والنزول، والوجه، واليدين، وغيرها من نصوص الصفات التي هي في غاية الصراحة والبيان والإيضاح والإحكام والتفصيل كما سيأتي تفصيله.
فالماتريدية في هذه المعاكسة تبع للجهمية الأولى بشهادة إمام أهل السنة:
قال الإمام أحمد في الجهم وطريقته الباطلة:
"... ووجد ثلاث آيات من المتشابه:
قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:3] و لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103] .
فبنى كلامه  -  أي تعطيل الصفات، وتحريف نصوصها  -  على هذه الآيات وتأويل القرآن على غير تأويله؛ وكذب بأحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه، أو حدث عنه رسوله - كان كافراً وكان من المشبهة.
فأضل بكلامه بشراً كثيراً، وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة، ووضع دين الجهمية ((الرد على الجهمية والزنادقة)) (ص 104-105))، وانظر أيضاً ((درء التعارض)) (1/18، 221، 5/165، 167، 168). وذكر الإمام ابن القيم ثمانية عشر مثالاً لرد المحكمات بالمتشبهات، انظر ((أعلام الموقعين)) (2/294-307) وفي ذلك عبرة للماتريدية عامة ،، وللفنجفيرية خاصة. .
الجواب الخامس:
أن عاجل نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلم معناه مضطربٌ في فعله هذا ومتناقض في قوله حيث لا يسعه أن يطرد قوله إلا أن يكون معطلاً غالياً.
فقد ذكر شيخ الإسلام عدة أمثلة من آيات الصفات التي سبق ذكرها في الجواب الثالث.
ثم قال: "فيقال لمن ادعى في هذا أنه متشابه لا يعلم معناه: أتقول هذا في جميع ما سمى الله ووصف به نفسه أم في البعض؟.
فإن قلت: هذا في الجميع  -
كان هذا عناداً ظاهراً، وجحداً لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، بل كفر صريح...".
ثم ذكر شيخ الإسلام، أن هذا المدعي إن اعترف بأن بعضه متشابه دون البعض طولب بالفرق، ولا يستطيع إلى ذلك سبيلاً لا عقلاً ولا سمعاً، إلى آخر كلامه المتين الرصين ((الإكليل)) (ص 36-38)، و ((ضمن دقائق التفسير)) (1/136-137)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (13/297-299)، و ((ضمن مجموعة الرسائل الكبرى)) (2/23-25). .
فلابد من وقوعه في التناقض الشنيع والاضطراب الفظيع إلا أن يرجع إلى المنهج السلفي ويقول: إن نصوص الصفات ليست من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ويستقر على إثبات  بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل.
ولابن رشد الحفيد (595هـ) كلام في بيان تناقض من يدعي أن نصوص الصفات متشابهاتٌ فراجعه ((مناهج الأدلة)) (ص 176)، وذكر شيخ الإسلام في ((درء التعارض)) (6/213، 10/265). .
الجواب السادس:
أنه لو سلم أن نصوص الصفات من المتشابهات فلا نسلم أن تأويلها غير معلوم.
لأن المراد من "التأويل" في قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران:7] الآية  -  بمعنى التفسير وبيان المعنى المفهوم من اللفظ العربي -، ويكون الوقف على قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ويكون قوله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ عطف على قوله: اللّهُ، ويكون قوله يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا في محل نصب حال من الراسخين فيكون التقدير: وما يعلم تفسيره ومعناه إلا الله والراسخون في العلم  -  قائلين: كل من عند ربنا انظر ((تأويل مشكل القرآن)) لابن قتيبة (ص 100-101)، و ((جامع البيان)) (3/183-184)، ((أحكام القرآن للجصاص الحنفي)) (2/283-284)، ((معالم التنزيل)) (1/280)، ((تفسير ابن كثير)) (1/348)، ((مدارك التنزيل)) (1/198)، و ((إرشاد العقل السليم)) (2/8)، ((روح المعاني)) (3/83). .
وذلك لأن التأويل يطلق في اصطلاح السلف ولغة القرآن على معنيين:
أحدهما: التفسير وبيان المعنى، فيكون التأويل، والتفسير وبيان معنى اللفظ واحداً  وتكون هذه الكلمات من الألفاظ المترادفة.
ويكون هذا المعنى "للتأويل" هو المراد في هذه الآية على هذا التقدير، فيكون الراسخون في العلم يعلمون معاني تلك النصوص ويعرفون المراد منها، فبطل تشبث المدعين للتفويض بهذه الآية كما بطل زعمهم أن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله.
لأن الآية الكريمة  -  على هذا التقدير  -  تدل على خلاف مطلوبهم.
قال شيخ الإسلام:
"قال مجاهد: "عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره مرات، أقف عند كل آية، وأسأله عنها".
فهذا ابن عباس  -  حبر الأمة  -  وهو أحد من كان يقول، "لا يعلم تأويله إلا الله  -  يجيب مجاهداً عن كل آية من القرآن.
وهذا هو الذي حمل مجاهداً، ومن وافقه كابن قتيبه على أن جعلوا الوقف عند قوله:   وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [ آل عمران:7] .
فجعلوا الراسخين في العلم يعلمون التأويل.
لأن مجاهداً تعلم من ابن عباس تفسير القرآن كله، ومجاهد إمام التفسير، قال الثوري: "إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك..." ((الإكليل)) (ص 19-25)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (13/284-289)، و ((ضمن دقائق التفسير)) (1/128-130)، و ((ضمن مجموعة الرسائل الكبرى)) (2/14-18)، ونقله القاسمي وأقره. انظر ((محاسن التأويل)) (4/16-19). .
ثم ذكر شيخ الإسلام معاني التأويل فقال:
"وأما التأويل في لفظ السلف فله معنيان:
أحدهما تفسير الكلام، وبيان معناه...، فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربين أو مترادفين، وهذا  -  والله أعلم  -  هو الذي عناه مجاهد: أن العلماء يعلمون تأويله..." ((الإكليل)) (ص 19-25)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (13/284-289)، و ((ضمن دقائق التفسير)) (1/128-130)، و ((ضمن مجموعة الرسائل الكبرى)) (2/14-18)، ونقله القاسمي وأقره. انظر ((محاسن التأويل)) (4/16-19). .
وقال أيضاً في بيان كون "التأويل" بمعنى "التفسير":
"وهذا هو معنى التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم.
وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم.
وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[آل عمران:7]
كما نقل ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن جعفر بن الزبير ومحمد ابن إسحاق، وابن قتيبة، وغيرهم..." ((الحموية)) (ص 40-41)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/35-36). وانظر أيضاً: ((التدمرية)) (ص 90-91)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/54-56)، و ((درء التعارض)) (5/234-235، 381-382، 7/328). .
الحاصل: أنه لو سلمنا أن نصوص الصفات من المتشابهات وأنها تندرج تحت آية آل عمران.
فلا نسلم أن معناها غير معلوم لما مر في توجيه لهذه الآية، وفي كتب أئمة السنة والتفسير نصوص كثيرة عن الصحابة والتابعين على أن الراسخين كانوا يعلمون معاني تلك المتشابهات انظر على سبيل المثال ((تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة)) (ص 99-100)، و ((جامع البيان)) (3/183-184)، و ((زاد المسير)) (1/354)، و ((معالم التنزيل)) (1/280)، و ((مفاتيح الغيب)) (7/190)، و ((الجامع لأحكام القرآن)) (4/18)، ((البحر المحيط)) (2/384)، ((تفسير ابن كثير)) (1/347-348)، و ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز الحنفي (ص 234)، و ((الدر المنثور)) (2/152)، و ((فتح القدير)) (1/316)، و ((روح المعاني)) (3/84)، ((محاسن التأويل)) (3/16-17). .
وثانيهما: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.
الجواب السابع:
أن نقول: لو سلمنا أن نصوص الصفات من المتشابهات التي لا يَعلمُ تأويلها إلا الله، بناءً على أن يكون الوقف على لفظ الجلالة في قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّه.
كما هو قراءة الأكثرين، وأن الراسخين لا يعلمون تأويلها على عَدَِ قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آل عمران:7] جملة مستأنفة، فيكون الراسخون لا يعلمون تأويلها  -
فلا نسلم أن المراد بلفظ "التأويل" في هذه الآية ما يرادف فهم المعنى من اللفظ العربي، وتفسيره، بل المراد من "التأويل" في هذه الآية: هو حقيقة ما يؤول إليه الكلام وهو أحد معنى "التأويل" في لغة القرآن واصطلاح السلف كما سيأتي تحقيقه.
فيكون المراد بـ"التأويل" كيفية الصفات فهي لا يعلمها إلا الله، فلا يعلمها الراسخون، ولا غيرهم.
وأما معنى الصفات فإنه معلوم يعلمه الراسخون بلا شك.
فهذا يؤيد قاعدة السلف في الصفات: "الاستواء معلوم والكيف مجهول".
إذن لا يصح تمسك المدعين للتفويض بهذه الآية أصلاً على أن معاني الصفات غير معلومة كما أن كيفيتها غير معلومة.
لأن المنفي في الآية على هذا التقدير إنما هو "الحقيقة التي يؤول الكلام إليها وهي الكيف"، لا المعنى المفهوم من اللفظ العربي.
ولشيخ الإسلام تحقيق دقيق لتقرير هذا المطلوب فراجعه انظر ((درء التعارض)) (5/234-235، 382، 7/328)، و ((التدمرية)) (ص 89-96)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/54-58)، ((الحموية)) (ص 4142)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/36-37)، ((الإكليل)) (ص 8-19)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (13/275-283)، و ((ضمن مجموعة الرسائل الكبرى)) (2/8-14)، و ((ضمن دقائق التفسير)) (1/122-128)، ونقله القاسمي وأقره في ((محاسن التأويل)) (4/9-16)، و ((شرح الطحاوية)) (ص 232-235). .
الحاصل: أن قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [ آل عمران:7] فيه قراءتان منقولتان عن السلف والكل قراءة توجيه وجيه.
أما القراءة الأولى:
فهي الوقف على لفظ الجلالة.
وكون قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ جملة مستأنفة.
وتوجيه هذه القراءة: أن لفظ "التأويل" على هذه القراءة بمعنى حقيقة ما يؤول غليه الكلام في نفس الأمر وهو الكيفية.
فيكون الراسخون في العلم لا يعلمونها، لأن ذلك مما استأثر الله بعلمه.
وأما القراءة الثانية:
فهي الوقف على قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وجعل قوله: وَالرَّاسِخُونَ عطفاً على لفظ الجلالة.
وتوجيه هذه القراءة، أن لفظ "التأويل" على هذه بمعنى التفسير وبيان المعنى المفهوم من اللفظ العربي.
فيكون الراسخون يعلمون معاني تلك النصوص مع تفويضهم في الكيف.
قال شيخ الإسلام وغيره من أئمة الإسلام واللفظ له: "وكلا القولين حق باعتبار كما بسطناه، في موضع آخر، ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا وكلاهما حق" ((الحموية)) (ص 41)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/36)، و ((التدمرية)) (ص 91)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/55)، وانظر ((الجامع لأحكام القرآن)) (4/18)، ((الدر المصون للسمين)) (3/39)، ((تفسير ابن كثير)) (1/348)، ((شرح الطحاوية)) (ص 234)، و ((إرشاد العقل السليم)) (2/8)، ((فتح القدير للشوكاني)) (1/316)، ((روح المعاني)) (3/85). .
وقال: "وقد روى عن ابن عباس ما ذكره عبدالرزاق وغيره في تفسيرهم عنه أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه:
1- تفسير تعرفه العرب من كلامها.
2- وتفسير لا يعذر أحد بجهالته.
3- وتفسير يعلمه العلماء.
4- وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل.
فمن ادعى علمه فهو كاذب..." ((الحموية)) (ص 41-42)، و ((ضمن مجمع الفتاوى)) (5/37)، و ((التدمرية)) (ص90)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/55)، وانظر ((مفاتيح الغيب للرازي)) (7/192). .
فأصل اللفظ - وهو المعنى المفهوم منه لغة - معلوم دون شك،، وإنما المجهول وصف ذلك المعنى  -  وهو الكيف  -
فلو سلمنا أن نصوص الصفات من المتشابهات -
نقول: إن المتشابه نوعان: متشابه بأصله كالحروف المقطعات ومتشابه بوصفه وكيفيته كآيات الصفات.
فعلى هذا التقدير: هي معلومة.. الأصل - أي المعنى -
لكنها مجهولة الوصف  -  أي الكيف، فالتأويل المنفي في الآية هو الكيف لا المعنى.
وهذه حقيقة اعترف بها كبار أئمة الحنفية والماتريدية. أمثال فخر الإسلام البزدوي (482هـ) وشمس الأئمة السرخسي (483هـ) وحافظ الدين النسفي (710هـ) وعبدالعزيز بن أحمد البخاري (730هـ) وأبو المنتهى المغنيساوي (كان حيا 939هـ) والملا علي القاري (1014هـ) وشيخ زاده عبدالرحمن بن محمد (1078هـ) والقاضي كمال الدين البياضي (1098هـ).
فقالوا في التمثيل للمتشابه  -  واللفظ للأول:
"ومثاله: إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار.. فصار بوصفه متشابهاً، فوجب تسليم المتشابه على اعتقاد الحقيقة فيه.
وكذلك إثبات اليد، والوجه حق عندنا، معلوم بأصله متشابه بوصفه ولن يجوز إبطال الأصل بالعجز عن درك الوصف.
وإنما ضلت المعتزلة من هذا الوجه فإنهم ردوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة".
وزاد شمس الأئمة السرخسي، وحافظ الدين النسفي، والقاري؛ واللفظ له:
"وأهل السنة، والجماعة أثبتوا ما هو الأصل المعلوم بالنص، أي بالآيات القطعية، والدلالات اليقينية، والدلالات اليقينية، وتوقفوا فيما هو المتشابه، وهو الكيفية، ولم يجوزوا الاشتغال بطلب ذلك كما وصف الله به الراسخين في العلم فقال: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران:7] ((أصول البزدوي مع شرحها كشف الأسرار للبخاري)) (1/59-61)، و ((أصول السرخسي)) (1/170) و ((كشف الأسرار المنار للنسفي)) (1/224)، ((شرح الفقه الأكبر للمغنيساوي)) (ص 14)، و ((شرحه للقاري)) (ص 60)، و ((نظم الفرائد)) (ص 23)، و ((إشارات المرام)) (ص 192). .
الخلاصة: أنه لا دليل في هذه الآية أصلاً للمدعين للتفويض ونسبته إلى السلف والحمد لله.
وبعد ما قضينا على هذه الشبهة ننتقل إلى الرد على الشبهة الثانية.
وأما الشبهة الثانية:
فما أفسدها، وأظهر بطلانها!!:
لأنه ليس المرادُ التفويض في المعنى من قول السلف: "نمرها كما جاءت" أو "أمروها كما جاءت" أو "أنها لا تفسر" أو "أن تفسيرها تلاوتها" أو نؤمن بها ولا كيف ولا معنى" أو "على ما أراد الله"، ونحوها من الأقوال التي تنقل عن سلف الأمة وأئمة السنة. ليس قصدهم بذلك أنهم جاهلون بمعاني نصوص الصفات ومرادها، وأنهم كانوا يتلونها تلاوة مجردة كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب بدون فهم المعنى والمراد.
 فمن فسر أقوال السلف بهذا التفسير فقد كذب عليهم وافترى أشنع الكذب وأبشع الافتراء.
بل كان قصدهم بهذه الأقوال هو الردَّ على تفسيرات الجهمية وتأويلاتهم التي كانت عين التحريفات".
فقالوا: "أمروها" أي أثبتوها وأقروها وآمنوا بها، و"لا تُفَسَّرُ" تفسيرَ الجهمية، ولا تُحَرَّفُ كما حرفوها "بل تفسيرها تلاوتها" فإنها واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار يفهمها التالي والسامع بمجرد تلاوتها.
كما قصدوا بقولهم: "بلا  كيف" الردَّ على الممثلة.
فكلام السلف يتضمن إحقاق الحق وإبطال الباطل وانتصار مذهب أهل السنة والقضاء على مذهب أهل التعطيل، والتمثيل في آن واحد، وهو إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل.
ويشهد لما قلنا نصوص السلف، وفيما يلي بعض الشواهد من نصوصهم:
أ- نصُّ الإمام محمد بن الحسن الشيباني (189هـ) صاحب أبي حنيفة رحمهما الله وهو أحد الأئمة الثلاثة للحنفية على الإطلاق:
"اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل، من غير تفسير، ولا وصف، ولا تشبيه؛
فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وفارق الجماعة؛
فإنهم لم يصفوا، ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا؛
فمن قال يقول الجهم، فقد فارق الجماعة لأنه وصفه بصفة لا شيء".
فيا ترى هل قوله: "على الإيمان بالقرآن..." يدل على إيمان الإثبات أم إيمان التفويض؟.
وهل يقول عاقل: إن الإيمان بالقرآن إيمانُ تفويضٍ؟.
أليس قوله: "فمن قال بقول جهم...، لأنه وصفه بصفة لا شيء" صريحاً في أنه يقصد الردَّ على تفسير الجهمية وتحريفهم؟.
فالماتريدية في نفيهم لصفة علو الله تعالى على خلقه وفوقيته على عباده  -  تابعوا الجهم، فوصفوا الله تعالى بصفة لا شيء.
بل زادوا على مقالة الجهم، وقالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوق، ولا تحت، إلى آخر ذلك الهذيان الذي لا يقر عقل ولا نقل ولا فطرة ولا إجماع في آن واحد.
فوصفوه بصفة الممتنع في بداهة العقول، وبتصريح كبار أئمة السنة والكلام.
وقوله: "فإنهم لم يصفوا، ولم يسفروا" معناه: أن أهل السنة لم يصفوا الله بصفة لا شيء ولم يؤولوا صفات الله تعالى كما يصنع الجهم وأذياله.
وقوله: "ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا" معناه: أنهم أفتوا بإثبات ما في الكتاب والسنة من صفات الله تعالى ثم سكتوا عن تأويلها وبيان كيفيتها.
وقوله: "في صفة الرب عز وجل" عام لجميع الصفات ومطلق، فهل الماتريدية يفوضون في جميع الصفات؟.
ب-هـ- "الأئمة" الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وليث بن سعد.
روى الإمام ابن عبدالبر حافظ المغرب (463هـ) عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وليث بن سعد، غير مرة عن الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية فقال: "أمروها كيف جاءت بلا كيف" ((التمهيد)) (7/158). .
فيا ترى هل هؤلاء الأئمة كانوا مفوضين في معنى "الرؤية" وكيفيتها جميعاًً؟ أم قصدهم الرد على تحريفات منكري "الرؤية" والمشبهة؟.
وهل الماتريدية يفوضون في معنى "الرؤية" أيضاً؟.
و- الإمام أبو عبيد قاسم بن سلام (224هـ) وهو من كبار أئمة الحنفية ومن أجل أصحاب الإمام محمد بن الحسن الشيباني  -  عند الكوثري والكوثرية ((فقه أهل العراق)) (ص 64). .
فقد قال هذا الإمام في أحاديث الرؤية، والكرسي، وصفة الضحك ووضع القدم في جهنم وأشباه هذه الأحاديث:
"هذه الأحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث، والفقهاء بعضهم على بعض وهي عندنا حق لا شك فيها، ولكن إذا قيل: "كيف وضع قدمه"؟ وكيف ضحك"؟.
قلنا: لا يُفَسَّر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره" رواه الدارقطني في كتاب ((الصفات)) (ص 68-98)، بإسناد كالجبل الراسي الشامخ والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص 355). وقال شيخ الإسلام "إسناده صحيح" ((الحموية)) (ص 54)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/15)، و ((ضمن مجموعة الرسائل الكبرى)) (1/447). ومع ذلك كله ترى الكوثري يقدح فيه انظر تعليقاته على ((الأسماء والصفات)) (ص 355). .
انظر أيها المسلم طالب الحق والإنصاف إلى نص هذا الإمام، وصراحته بأن أحاديث الرؤية وغيرها من الصفات يجب الإيمان بها وأنها حق، فمن قال: "كيف؟" قلنا: لا يفسر كيفيتها ولم يفسر أحد من السلف كيفيتها وأن التفويض إنما هو في الكيف لا المعنى؛
فهذا النص متضمن لإحقاق الحق وهو الإثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل وإبطال الباطل وهو الرد على أهل التعطيل، وأهل التمثيل.
وفي ذلك عبرة للماتريدية ولاسيما الكوثرية منهم.
ز- الإمام أحمد إمام أهل السنة:
لقد صرح الكوثري بأن الإمام سئل عن أحاديث النزول والرؤية ووضع القدم، ونحوها، فقال: "نؤمن بها، ولا كيف، ولا معنى" وقال: "قال الخلال في السنة بسنده إلى حنبل عن الإمام أحمد..." ((تبديد الظلام)) (ص53). .
فترى أن قول الإمام أحمد هنا: "... ولا كيف ولا معنى" في جميع الصفات حتى في "رؤية" الله تعالى، فهل ترى أنه يفوض في "رؤية" الله تعالى أيضاً؟ معنى وكيفاً؟.
وهل يصح عند من له أدنى مسكة من عقل أن الإمام أحمد يقول: إن أحاديث "الرؤية" لا كيف لها ولا معنى لها"؟.
وهل الماتريدية، وعلى رأسهم الكوثري - الذي استدل بقول الإمام أحمد هذا على التفويض المفتعل المنقول  -  يفوضون في "الرؤية" أيضاً؟ سبحان قاسم العقول!.
فهذا دليل صريح على أن الإمام أحمد يقصد بقوله: "لا كيف ولا معنى" الرد على المشبهة والمعطلة، والمراد من المعنى المنفي في كلامه هو تفسيرات الجهمية وتأويلاتهم وتحريفاتهم؛ لا المعنى المفهوم من النص.
ح- نص آخر للإمام أحمد مثل قوله: "تُمَرُّ كما جاءت" في غير أحاديث الصفات.
قال شيخ الإسلام: "وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفاتِ: "تُمَرُّ كما جاءت" في أحاديث الوعيد، مثل قوله: "من غش فليس منا".
وأحاديث الفضائل.
ومقصوده بذلك: أن الحديث لا يُحَرَّفُ كلمه عن مواضعه كما يفعله من يحرفه، ويسمى تحريفه تأويلاً بالعرف المتأخر.
فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل" ((الإكليل)) (ص 32)، و ((ضمن مجموعة الرسائل الكبرى)) (2/22)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (13/295)، و ((ضمن دقائق التفسير)) (1/134). .
قلت: فهل يعقل أن السلف - ومنهم الإمام أحمد - يفوضون في معاني نصوص الوعيد، والفضائل أيضاً؟ وهل الماتريدية  -  ومنهم الكوثري والكوثرية  -  يفوضون فيها تفويضاً باطلاً عاطلاً؟.
ط-ل- روى الإمام الترمذي حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة تربو في كف الرحمن...)) رواه الترمذي (661) وقال: حديث حسن صحيح. وصححه الألباني . .
وفي رواية: ((إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه...)) رواه الترمذي (662) وقال: حديث حسن صحيح. وقال الألباني: منكر بزيادة: وتصديق ذلك.... . الحديث.
ثم قال الترمذي: (وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا.
قالوا: "تثبت الروايات في هذا، ويؤمن بها، ولا يتوهم، ولا يقال: كيف".
هكذا روى عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبدالله بن المبارك: أنهم قالوا في هذه الأحاديث: "أمروها بلا كيف".
وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة.
وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: "هذا تشبيه".
وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه: "اليد" و"السمع" و"البصر"؛
فتأولت الجهمية هذه الآيات، ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: "إن الله لم يخلق آدم بيده" وقالوا: "إن معنى اليد هنا القوة..".
قلت: تدبر أيها المسلم في نص هذا الإمام وفيما نقله عن أئمة الإسلام.
فقوله: "ففسروها على غير ما فسر أهل العلم" صريح بأن أئمة الإسلام قد فسروا نصوص الصفات على وجهها، وأن تفسير الجهمية تحريف لها فكلام هؤلاء الأئمة موافق لقولهم: "أمروها بلا كيف" وقولهم: "يؤمن بها ولا يقال: كيف".
فأئمة الإسلام على إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، وكلام هؤلاء الأئمة في جميع الصفات، في السمع والبصر، وغيرها بنص الإمام الترمذي.
فهل يظن الماتريدية  -  بما فيهم الكوثرية  -  أن أئمة الإسلام كانوا يفوضون في صفتي "السمع" و"البصر" أيضاً؟!.
وهل الماتريدية يفوضون في هاتين الصفتين؟ هكذا يحصد الزوبعة من زرع الريح.
فنصوص هؤلاء الأئمة دليل قاطع على أنهم يريدون بنفي "التفسير"، وبنفي "المعنى"، وبقولهم: أمروها، كما جاءت، ونحوه من العبارات  -  تفسيرات الجهمية وتحريفاتهم ولا يقصدون نفي معنى النص.
وقد ظهر من نص الإمام الترمذي ومما نقله عن أئمة الإسلام: أن الماتريدية تابعوا الجهمية في نفي الصفة "اليد"، وتأويلها بالقوة، والقدرة كما سيأتي.
واحتجوا بشبهة الجهمية من أن إثباتها تشبيه ما تقدم.
فهم في هذا خارجون على أهل السنة وليسوا منهم.
بل زاد الماتريدية بدعة أخرى على بدعة التعطيل، وهي بدعة التفويض وافترائه على أئمة الإسلام شاعرين أم غير شاعرين.
م- الإمام الطحاوي (321هـ) وهو من كبار أئمة الحنفية، وعقيدته هي عقيدة الأئمة الثلاثة: "أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد" رحمهم الله باعتراف الماتريدية والكوثري".
يقول الإمام الطحاوي: "والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة، ولا كيفية..، كما نطق به كتاب ربنا...؛ وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو كما قال: ومعناه على ما أراد.
لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا.." ((العقيدة الطحاوية بشرح ابن أبي العز)) (ص 203-204)، و ((بشرح الغنيمي الميداني الحنفي)) (ص 68-71)، و ((بحواشي ابن مانع)) (ص 9)، و ((بتعليقات الألباني)) (ص 26-27). .
قلت: فهل كان الإمام الطحاوي وأئمة الحنفية الثلاثة مفوضين في "الرؤية"؟ وهل الماتريدية يفوضون فيها معنى وكيفية؟.
الحاصل: أن هذه الآثار التي نقلت عن السلف لا حجة للمفوضة فيها، بل هي على عكس مطلوبهم، لأن قصدهم نفي تفسيرات الجهمية وتحريفاتهم، وليس قصدهم أنها مجرد ألفاظ تتلى بدون فهم المعاني.
قال شيخ الإسلام:
(فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب"  -  موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف.
فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا علم حقيقة الصفة؛
ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم معناه، على ما يليق بالله لما قالوا: "أمروها كما جاءت بلا كيف".
فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم، وأيضاً فإنه لا يحتاج إلى نفي الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى،
وإنما يحتاج إلى نفي الكيفية إذا أثبت الصفات.
وأيضا فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقاً لا يحتاج إلى أن يقول: "بلا كيف".
فمن قال: "إن الله ليس على العرش" لا يحتاج أن يقول: "بلا كيف" فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: "بلا كيف".
وأيضاً فقولهم: "أمروها كما جاءت" يقتضى إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت بألفاظ دالة على معان؛
فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: "أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد"، أو "أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله تعالى لا يوصف بما دلت عليه حقيقة"، وحينئذ تكون قد أمرت كما جاءت.
ولا يقال حينئذ: "بلا كيف" لأن نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول" ((الحموية)) (ص 46)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/41-42). .
وقال: (فقولهم رضي الله عنهم: "أمروها كما جاءت" ردٌ على المعطلة، وقولهم: "بلا كيف" ردٌ على الممثلة) ((الحموية)) (ص 44)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/39)، و ((ضمن مجموعة الرسائل الكبرى)) (1/442). .
قلت: لقد تبين من خلال نصوص أئمة السنة أنهم كانوا يقصدون بنفي التفسير نفي تفسيرِ الجهمية وتحريفهم وتعطيلهم للصفات ونصوصها، ولم يكن قصدهم أنها لا تعلم معانيها ولا يعرف المراد منها.
فحمل كلام الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام السلف على الاصطلاحات المبتدعة تحريفٌ محضٌ ويكون من قبيل توجيه قول القائل بما لا يرضى به قائله: فمن حمل كلام السلف على التفويض المفتعل المختلق المصنوع الموضوع المبتدع فقد حَرَّفَ كلامهم لأنه بمثابة شهادة الزور، لأنه تأويل كلام متكلم بما لا يطابق مراده.
قال الإمام ابن القيم: "فإذا قيل معنى اللفظ كذا  -  كان إخباراً بالذي عناه، المتكلم، فإن لم يكن هذا الخبر مطابقاً كان كذباً على المتكلم" ((الصواعق المرسلة)) (1/202). .
قلت: هذه حقيقة واقعة حتى اعترف بها الكوثري حيث قال:
وأين التجليات التي اصطلح عليها الاتحادية من تخاطب العرب ومن تفاهم السلف والخلف بهذا اللسان العربي المبين؟.
حتى يكون حمل النصوص، والآثار على التجليات المصطلح عليها فيما بعد عهد التنزيل بدهور  -  استعمالاً لها في حقائقها؟.
ومن زعم ذلك فقد زاغ عن منهج الكتاب والسنة، وتنكب سبيل السلف الصالح ومسلك أئمة أصول الدين، ونابذ لغة التخاطب، وهجر طريقة أهل النقد في الجرح، والتعديل، والتقويم، والتعليل..." ((تعليقات الكوثري على الأسماء والصفات للبيهقي)) (ص 455). .
قلت: هذا الكلام في غاية الدقة والإتقان، ولكن ليت الكوثري والكوثرية والماتريدية يطبقونه مطرداً ويستقيمون على منهج السلف الصالح، ولكنهم خالفوه في مواضع لا تحصى، فقد ادعوا على السلف التفويض وحملوا نصوصهم عليه فحرفوها تحريفاً معنوياً وشهدوا عليهم زورا؛
وهكذا ترى الكوثري  -  حامل راية الخلف، والطاعن في السلف  -  يحمل نصوص الإمام أبي حنيفة والإمام أبي يوسف على الكلام النفسي انظر ((تعليقات الكوثري على الأسماء والصفات للبيهقي)) (ص 251). .
وهكذا يتلاعب بنصوص الإمام أحمد فيحملها على الكلام النفسي ((تبديد الظلام)) (ص 173). نضالاً عن بدعته الكلامية الجهمية الماتريدية.
مع أن القول ببدعة الكلام النفسي قول مفتعل موضوع مصنوع متقول على الله ورسوله، وسلف هذه الأمة من أئمة السنة.
وأول من أحدثه هو ابن كلاب.
فكيف تحمل نصوص السلف على شيء لم يكن موجوداً في عهدهم؟! فحمل نصوص الوحي وكلام السلف على التفويض ونحوه تحريف؛
فلنا أن نقلب على الكوثري كلامه فنقول:
إن القول بالكلام النفسي، ونسبته إلى السلف وحمل نصوصهم عليه، وكذا القول بالتفويض ونسبته إلى السلف وحمل نصوصهم عليه بعيد من تخاطب العرب، وتفاهم السلف بهذا اللسان العربي المبين، فكيف يصح حمل النصوص والآثار على هذه المصطلحات المبتدعة الكلامية المحدثة بعد عهد التنزيل بدهور؟.
فمن زعم ذلك فقد زاغ عن منهج الكتاب والسنة، وتنكب سبيل السلف الصالح، ونابذ لغة التخاطب، وهجر طريقة أهل النقد في الجرح والتعديل، والتقويم والتعليل.
وفي هذا كفاية لمن عنده طلب الحق والإنصاف والدراية، وأما من تعود: أن يقول: "عنزة وإن طارت" فلا دواء لدائه.الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني 2/133- 168


انظر أيضا: