موسوعة الفرق

ثانيا: التكليف بما لا يطاق


مسألة التكليف بما لا يطاق هي أيضا من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين طوائف المسلمين وذلك تبعا للخلاف الواقع في الاستطاعة والتحسين والتقبيح ، فالجهمية قالوا بجواز تكليف ما لا يطاق مطلقا ومنه تكليف الأعمى البصر والزمن أن يسير إلى مكة ((الفتاوى)) (8/297)، وانظر ((الملل والنحل)) (ص 36).
والمعتزلة قالت بعدم جواز تكليف ما لا يطاق لأنه قبيح والله تعالى منزه عن فعل القبيح فلا يجوز صدوره منه ((شرح الأصول الخمسة)) (ص 133، 396- 409)، نظرية ((التكليف)) (ص 300- 304).
والأشاعرة قالوا بجواز تكليف ما لا يطاق به عقلا وإن لم يقع في الشرع وقد أجازوه عقلا بناء على نفيهم الحسن والقبيح العقليين ((المستصفى)) للغزالي (1/98)، ((شرح المواقف)) (1/160، 161)، ((المطالب العالية)) للرازي (9/267- 271)، ((محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين)) (ص 297، 298).
وأما الماتريدية فقد وافقوا المعتزلة في هذه المسألة فقالوا بعدم جواز تكليف ما لا يطاق لأنه فاسد عقلا ولعدم وجود القدرة التي هي مقتضى التكليف. قال الماتريدي: " الأصل أن تكليف من منع عنه الطاقة فاسد في العقل" ((التوحيد)) (ص 266).
وقال ابن الهمام: " ولا أعلم أحدا منهم (أي الماتريدية) جوز تكليف ما لا يطاق" ((المسايرة)) (ص 156).
وقال صاحب (نظم الفرائد): "ذهبت مشايخ الحنفية إلى أن التكليف بما لا يطاق من الله تعالى لا يجوز.... احتج مشايخ الحنفية بأن التكليف إنما يتصور في أمر لو أتى به يثاب ولو امتنع عنه يعاقب عليه وذلك إنما يكون فيما يمكن إتيانه لا فيما لا يمكن إتيانه وبأن قوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [ البقرة:286]   صريح في أن التكليف به غير واقع" ((نظم الفرائد)) (ص 25، 26)، وانظر ((أصول الدين)) للبزدوي (ص 124)، ((تبصرة الأدلة)) (ل 355 وما بعدها)، ((التمهيد)) (ص 65- 60)، ((النور اللامع)) (ل113، 114)، ((المسايرة)) (ص 127 -130، 156، 168- 171)، ((كشف الأسرار)) لعلاء الدين البخاري (1/191)، ((حاشية العصام)) (ص 174، 175)، ((إشارات المرام)) (ص 248- 252)، ((جامع المتون)) (ص 18)، ((شرح العقائد النسفية)) (حاشية الخيالي) (ص 126، 127) ط الأستانة.
والصواب في المسألة هو التفصيل أما إطلاق القول فيها فهو من البدع المحدثة كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ((الدرء)) (1/65)، ((الفتاوى)) (8/469).
فيقال :" تكليف ما لا يطاق ينقسم إلى قسمين:
 أحدهما: ما لا يطاق للعجز عنه كتكليف الزمن المشي وتكليف الإنسان الطيران ونحو ذلك فهذا غير واقع في الشريعة عند جماهير أهل السنة المثبتين للقدر
والثاني : ما لا يطاق للاشتغال بضده كاشتغال الكافر بالكفر فإنه هو الذي صده عن الإيمان وكالقاعد في حال قعوده فإن اشتغاله بالقعود يمنعه أن يكون قائما والإرادة الجازمة لأحد الضدين تنافي إرادة الضد الآخر وتكليف الكافر الإيمان من هذا الباب.
ومثل هذا ليس بقبيح عقلا عند أحد من العقلاء بل العقلاء متفقون على أمر الإنسان ونهيه بما لا يقدر عليه حال الأمر والنهي لاشتغاله بضده إذا أمكن أن يترك الضد ويفعل الضد المأمور به
و. هذا لا يدخل فيما لا يطاق... فإنه لا يقال للمستطيع المأمور بالحج إذا لم يحج إنه كلف بما لا يطيق ولا يقال لمن أمر بالطهارة والصلاة فترك ذلك كسلا أنه كلف ما لا يطيق " ((منهاج السنة)) (3/104، 105)، وانظر ((الدرء)) (1/64، 65)، ((شرح الطحاوية)) (ص 515- 518)، ((موقف ابن تيمية من الأشاعرة)) (ص 1402- 1404)، ((الحكمة والتعليل في أفعال الله)) ، المدخلي (ص 128- 130). الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي  -  ص 444- 449

انظر أيضا: