موسوعة الفرق

تمهيد


لقد عرضت للمعطلة بما فيهم الماتريدية شبهة - هي أساس كل فساد وضلال- حول صفات الله تعالى، ونصوصها في الكتاب والسنة، وهي أن ظاهر نصوص الصفات تشبيه الله تعالى بخلقه، ولو تركنا هذه النصوص على ظاهرها بدون تفويض أو تأويل، وأثبتنا ما تدل عليها دلالة حقيقة من العلو، والاستواء، والنزول، والوجه، واليدين، والغضب، والرضى، ونحوها، ولم نصرفها إلى المعاني المجازية، يلزم من ذلك تشبيه، وهذا يخالف التنزيه.
وهذه الشبهة هي أصل أصولها الثلاثة الأخرى، وهي:
1-  أن العقل يستحيل ما تدل عليه ظواهر هذه النصوص، وهي ظواهر ظنية في معارضة البراهين العقلية القطعية فنقدم عليها البراهين العقلية.
2-  أما هذه الظواهر الظنية فهي إما أن نفوض معانيها إلى الله تعالى كما فعله السلف في زعمهم الباطل.
3-  وإما أن نؤولها بأنواع من المجازات إلى معانٍ توافق البراهين العقلية، كما سيأتي تفصيل ذلك في الفصول الثلاثة الآتية.
وأنا بمشيئة الله تعالى أتحدث في هذا المبحث عن هذه الشبهة التي هي أم الشبهات، وأذكر تاريخها، ثم أذكر نماذجها عن كتب الماتريدية حيث طبقوها عملياً على صفات الله تعالى، ثم أناقشهم في المبحث الثاني بتوفيق الله عز وجل، فأقول وبه أستعين.
لما كانت قلوب السلف الصالح وفيهم الإمام أبو حنيفة سليمةً وفطرهم مستقيمةً، وأذهانهم صافيةً مطهرةً من أرجاس الفلسفة وأنجاس بيئة الكلام، لم يخطر ببالهم أن نصوص الصفات توهم التشبيه ولا ظنوا أن صفات الله تعالى تشبهُهُ صفاتُ المخلوقين، فكان منهجهم إثباتاً بلا تمثيل وتنزيهاً في بعض الصفات كالقول في بعضها على طريقة واحدة، فلم يكن عندهم شيء من التشبيه والتعطيل ولا عندهم شيء من التفويض والتأويل كما سيأتي.
وتحقيقاً لما قلنا وتمثيلاً لذلك أُقدِّم نصاً للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ليكون قولا فاصلا قاطعا قاضيا على الماتريدية:
"وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه، واليد، والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته، أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، هو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفة بلا كيف، وغضبه، ورضاه صفتان من صفاته تعالى بلا كيف" ((الفقه الأكبر مع شرحه)) للقاري (ص 58-59) و ((مع شرحه)) للمغنيساوي (ص 13).
وقال: "لا ينبغي لأحد أن ينطق في الله تعالى بشيء في ذاته، ولكن نصفه بما وصف سبحانه به نفسه.." رواه الإمام القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد إمام الحنفية في كتابه الاعتقاد عن أبي يوسف عنه. انظر ((جلاء العينين)) لنعمان الآلوسي (ص 368).
وقال: "لا يوصف الله بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه..." ((الفقه الأبسط)) لأبي حنيفة – تحقيق الكوثري (ص56) وسكت عليه.
فهذه عقيدة الإمام أبي حنيفة  -  تمثل عقيدة السلف في الصفات وتقضي على شبهة التشبيه أولاً وعلى التفويض ثانياً والتأويل ثالثاً.
ولكن الحنفية الماتريدية لسبب تأثرهم ببيئة الجهمية تخيلوا من صفات الله تعالى ما يليق بالمخلوقين فكان هذا هو الدافع لهم على التفويض أو التأويل كما كان الجهمية الأولى تزعم أن إثبات الصفات لله تعالى كفر وتشبيه؛  بل القرامطة الباطنية بنوا التعطيل على هذه الشبهة نفسها.
قال الإمام أحمد عن الجهم (128هـ): "... ووجد ثلاث آيات من المتشابه قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ الأنعام:3لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ]الأنعام:103[]
فهي أصل كلامه على هذه الآيات، وتأويل القرآن على غير تأويله، وكذب بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله -صلى الله عليه وسلم- كان كافراً، وكان من المشبهة. فأضل بكلامه بشراً كثيراً، وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية" ((الرد على الجهمية)) (ص104-105)، وانظر ((سنن الترمذي)) (ص3/41-42)، و ((فتح الباري)) (13/407) ((شذرات البلاتين)) تحقيق الفقي: 15.
وقال: "وقالوا: لم يتكلم ولا يتلكم، لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة، والجوارح منفية" ((الرد على الجهمية)) (ص 106)، ((شذرات البلاتين)) (ص 16).
وقال: "وقالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، إنما كون شيئاً فعبر عن الله وخلق صوتاً فأسمع، وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف، ولسان وشفتين" ((الرد على الجهمية)) (ص 130)، و ((ضمن شذرات البلاتين)) (ص 30).
هذه كانت شبهة الجهمية في التعطيل بشهادة الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة. وتبعهم في ذلك الحنفية الماتريدية حذو النعل ورددوا صداهم وطبقوها عملياً فترى كتب الماتريدية مكتظة بهذه الشبهة الجهمية الدافعة لهم على تحريف النصوص وتعطيل الصفات تحريفاً يسمونه تأويلاً، فنراهم كلما يؤولون صفة من صفات الله تعالى يتشبثون بتلك الشبهة الباطلة انظر ((هذه القاعدة في ((المسايرة)) مع المسامرة)) (ص 35، 29)، ((أصول الدين)) لأبي اليسر البزدوي (ص 25)، و ((إشارات المرام)) (ص107، 189)، و ((شرح العقائد النسفية)) للتفتازاني (ص 42)، و ((حاشية الكستلي على شرح العقائد)) (ص 73)، و ((حاشية الخيالي على شرح العقائد)) (ص 57)، و ((حاشية البهشتي على حاشية الخيالي)) (ص 57)،  و ((حاشية العصام على شرح التلفتازاني على العقائد النسفية)) (ص 163، 158) ((شرح المقاصد)) (4/50).
ويزعمون أن حمل هذه النصوص على ظاهرها يستحيله العقل فهي إما أن يفوض في معانيها أو تؤول فهم أولاً وقعوا في التشبيه، وثانياً فروا منه، وثالثاً حرفوا النصوص، ورابعاً عطلوا الصفات، وخامساً وقعوا فيما فروا منه من التشبيه والتمثيل بل أشد منه حيث وصفوا الله بصفات المعدوم بل الممتنع راجع ((رسالة في إثبات الاستواء والفوقية للجويني ضمن مجموعة الرسائل المنيرية)) (ص1/181)، ((درء التعارض)) (4/9)، و ((التدمرية)) (ص 19، 79 – 85)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/48-53، 9)، و ((الحموية)) (ص32-33)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (5/27 – 28، 196، 261)، و ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (ص 245)، و ((جلاء العينين)) لنعمان الآلوسي (ص 391)، ومقدمة أبي الحسن الندوي لكتاب ((العقيدة السنية)) للشاه ولي الله الدهلوي (ص 7). وسيأتي مزيد الشرح في مناقشتنا للماتريدية في تعطيلهم لصفة "العلو". كما سيأتي شرحه إن شاء الله، وسادساً وقعوا في التناقض الواضح والاضطراب الفاضح حيث أثبتوا بعض الصفات وعطلوا بعضها بهذه الشبهة الجائزة مع أن تلك الشبهة موجودة فيما أثبتوه من الصفات أيضاً إذ لا فرق بين ما أثبتوه وبين ما نفوه، ولذلك نرى الجهمية الأولى والمعتزلة ينفون جميع الصفات بتلك الشبهة والغلاة من الجهمية ينفون الأسماء أيضاً انظر ((التدميرة)) (ص 182-183)، و ((ضمن مجموع الفتاوى) (3/99-100)
لأن هؤلاء الماتريدية على عادة المعطلة يتبادر إلى أذهانهم أن صفات الله تعالى من جنس صفات المخلوقين فتخيلوا من صفات الله تعالى ما تخيلوا من صفات المخلوقين من اللوازم كما خيل ذلك إلى الجهمية الأولى فقاسوا لخالق على المخلوق كما حقق ذلك شيخ الإسلام وغيره ((التدمرية)) (ص 81-83)) ((ضمن مجموع الفتاوى)) (3/49-51).
قال الإمام أبو محمد عبدالله بن يوسف الجويني (438هـ) والد إمام الحرمين في صدد بيان انشراح صدره للعقيدة السلفية ورجوعه عن العقيدة الجهمية (أبو إبراهيم بن شيخ الحزاميين الواسطي 711هـ):
"والذي شرح الله صدري في حال هؤلاء والشيوخ الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء والنزول بنزول الأمر، واليدين بالنعمتين، والقدرتين  -  هو علمي بأنهم ما فهموا من صفات الرب تعالى إلا ما يليق بالمخلوقين فما فهموا عن الله استواءً يليق به، ولا نزولاً يليق به، ولا يدين تليق بعظمته بلا تكييف، ولا تشبيه، فلذلك حرفوا الكلم عن مواضعه، وعطلوا ما وصف الله تعالى نفسه به..." ((رسالة في إثبات الاستواء والفوقية للجويني ضمن مجموعة الرسائل المنيرة)) (1/181)، و ((مثله كلام الإمام الخطابي فيما نقله عنه البيهقي في السنن الكبرى)) (3/3)، و ((الأسماء والصفات)) (ص 453)، وانظر ((مختصر الصواعق)) (2/385).
ونقدم إلى القراء الكرام أمثلة واقعة لتطبيق الماتريدية تلك الشبهة الجهمية على صفات الله؛ ليعلم القراء أن أصل بلاء الجهمية جميعاً هي هذه الشبهة الفاسدة راجع ((القصيدة النونية)) (ص 166)، و ((شرحها وتوضيح المقاصد)) (2/295)، و ((شرحها للدكتور محمد خليل هراس)) (2/151) ((توضيح الكافية)) للسعدي (ص 139).
أولاً: صفة علو الله تعالى:
الماتريدية فهموا من نصوص علو الله على عرشه وفوقيته على عباده أنه يلزم من ظاهرها أن الله تعالى في الجهة، وأنه محاط وكل ذلك وصف الخلائق ((كتاب التوحيد للماتريدي)) (ص 70)، و ((البداية)) للصابوني (ص45، 47)، و ((شرح العقائد النسفية)) (ص 40) و ((النبراس)) (ص178-179). ، وأن من كان في جهة لابد أن يكون بينهما مسافة مقدرة، ويتصور أن تكون أزيد من ذلك أو أنقص أو مساوية ((كتاب التوحيد للماتريدي)) (ص 70)، و ((البداية))  للصابوني (ص45، 47)، و ((شرح العقائد النسفية)) (ص 40) و ((النبراس)) (ص178-179). ، ولو كان في جهة لزم قدم المكان والجهة والحيز ولزم كونه جاهزاً، وجسماً، ومركباً أو يكون محلاً للحوادث ((شرح المواقف للجرجاني)) (8/20-22)، و ((شرح العقائد النسفية)) (ص 40)، و ((النبراس)) (ص 178-179). ، وأيضاً: إما أن يساوى الحيز أو ينقص عنه فيكون متناهياً أو يزيد عليه فيكون متحيزاً ((شرح العقائد النسفية)) (ص 40)، و ((النبراس)) (ص 178-179).
قلت: بناءً على هذه الشبهة حرفوا نصوص العلو وعطلوا صفة العلو ووصفوا الله بصفات الممتنعات، فقالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه ((كتاب التوحيد للماتريدي)) (ص 107)، ((تبصرة الأدلة)) (73/أ-ب)، ((الدرة الفاخرة للجامي)) (ص 202) ((شرح العقائد النسفية)) (ص 42)، ((شرح المواقف)) (8/23)، و ((إشارات المرام)) (ص 197)، ((النبراس)) (ص 184)، و ((تبديد الظلام)) (ص35 ،78). وأنه ليس في الجهات الست لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف ((بدء الأمالي مع شرحه ضوء المعالي)) (ص23-25)، و ((الطريقة المحمدية)) (ص 17)، و ((شرح العقائد النسفية)) (ص 40)، و ((شرح المواقف)) (8/19)، و ((حاشية الكستلي)) (ص 72)، و ((النبراس)) (ص 180).
وأنه ليس على العرش ولا على غيره، ولا فوق العرش ((أصول الدين)) لأبي اليسر البزدوي (ص 28)، وانظر ((ضوء المعالي)) للقاري (ص 25). ، فليس الله فوق العالم ((أصول الدين)) لأبي اليسر البزدوي (ص 31). ، ويكفرون من وصف الله تعالى بأنه في السماء أو وصفه بأنه فوق ((البحر الرائق)) (5/120).
وقالوا: من جوز في معبوده الدخول أو الخروج والاستقرار فهو عابد وثن ((تبدين الظلام)) للكوثري (35)، قلت: يريدون نفي كون الله بائناً عن العالم ونفي كونه على العرش. وأن المشبهة  - يعنون من أثبت الاستواء- لاحظ لهم من الإسلام غير أنهم جعلوا صنمهم الأرضي صنماً سماوياً ((تعليقات للكوثري على تبين كذب المفتري)) (ص 28). ، وأن الله تعالى لا على شيء... ومن وصفه أنه على شيء فقد وصفه بأنه محتاج محمول فيكفر ((بحر الكلام)) لأبي المعين النسفي (ص25-26)، و ((الجوهرة المنيفة)) لملا حسين (ص 10).
ويحرفون نصوص الكتاب والسنة في علو الله تعالى على خلقه وفوقيته على عباده إلى فوقية القهر، والاستيلاء وتعاليه عن الأمكنية ((تأويلات أهل السنة)) للماتريدي (1/58)، و ((إشارات المرام)) (ص 98)، و ((تعليقات الكوثري على الأسماء والصفات)) (ص 406). وعلو القهر وعلى القهر والغلبة وعلو المكانة ((شرح الفقه الأكبر)) للقاري (ص 171)، و ((تعليقات الكوثري على الفقه الأبسط)) (ص 51)، و ((مقدمته على الأسماء والصفات: ط وتعليقاته عليها)) (ص 406). ، وفوقية الربوبية والعظمة ((شرح الإحياء للزبيدي)) (2/108). ، وعلو العظمة والعزة ((تعليقات الكوثري على الأسماء والصفات)) (ص 406). ، وعلو الشأن، وفوقية العز، والقهر والتنزيه ((تبدين الظلام)) للكوثري (ص 88). ، وغيرها من التأويلات الباطلة، ويعدّون شبهاتهم في نفي العلو براهين قاطعة مع أنها جهالات وحماقات بحتة.
أما البراهين القاطعة العقلية الصريحة والحجج الفطرية التي احتج بها أبو حنيفة وغيره من السلف  -  فهي عندهم أوهام.
ثانياً: صفة الاستواء:
فهؤلاء كلما سمعوا باستوائه تعالى على عرشه تشبثوا بشبهات الجهمية الأولى قارن بين شبهات الماتريدية في صفة الاستواء بشبهات المعتزلة: انظر ((متشابه القرآن)) (ص 72-73)، و ((شرح أصول الخمسة)) لعبد الجبار المعتزلي الحنفي (ص 226).
وقالوا: هذا يستلزم المكان، والتغير لله تعالى، وهذا ما أمارات الحدوث وفيه تمكين الحاجة، وذلك أثر النقصان ((كتاب التوحيد للماتريدي)) (ص28-29). ، بل يكون الله محدوداً محاطاً، وكل ذلك وصف الخلائق ((كتاب التوحيد للماتريدي)) (ص28-29).
وقالوا: لو قلنا: إنه على العرش لحصل في ذاته التغير والانتقال، والقديم لا يتصور عليه ذلك فهو لا على العرش ولا على غيره، ولأن ذلك من صفات الأجسام ((أصول الدين البزدوي)) (ص 28-29). ، وأن الاستواء يشعر بالتحيز ((حاشية حسن الجلبي على شرح المواقف)) (8/24). وغيرها من اللوازم ((شرح المواقف)) (8/20-22)
ولذلك حرفوا نصوص الاستواء إلى الاستيلاء انظر كتاب ((التوحيد)) للماتريدي (ص 72)، و ((تأويلات أهل السنة له)) (1/85). ، أو إلى التمام ((كتاب التوحيد)) للماتريدي (ص 37)، و ((ضوء المعالي)) للقاري (ص 32).
وقال الجرجاني: إن فسر الاستواء بالاستيلاء فمرجعه إلى صفة القدرة، وإن فسر بالقصد فمرجعه إلى صفة الإرادة، ولا يجوز التعويل على ظاهر النصوص ((شرح المواقف)) (8/110-111).
ثالثاً: صفتي الوجه واليدين ونحوهما:
كلما مرت عليهم آيات من كتاب الله أو أحاديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تنص على صفات الله تعالى من الوجه، واليدين، والعين، والأصابع، واليمين، والساق، والقدم ونحوها يتبادر إلى أذهانهم أنها جوارح انظر ((أصول الدين)) لأبي اليسر البزدوي (ص 28)، و ((إشارات المرام)) (ص 189). ، وأنه لو قلنا بإثبات ذلك له تعالى يلزم كونه متبعضاً، ومنجزياً، ومركباً انظر ((حاشية العصام على شرح العقائد النسفية)) (ص 158). ، ولذلك يركزون بقولهم: "ليس متبعضاً، ولا منجزياً، ولا متركباً" ((العقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني)) (ص 39)، و ((النبراس)) (ص 175).
رابعاً: صفة النزول ونحوها:
إذا تليت عليهم آيات بينات، وأحاديث واضحات تنص على نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا، ومجيئه تعالى يوم القيامة فهموا من ذلك انتقالاً انتقال الأعراض، والأجسام انظر ((التوحيد)) للماتريدي (ص 77)، ((أصول الدين)) لأبي اليسر (البزدوي) (ص 27)، ((حاشية الحسن الشلبي على شرح المواقف)) (8/24).
ويرى الماتريدي إن إثبات هذه الصفات لله تعالى يستلزم التغير والزوال لله تعالى فيكون الله تعالى من الآفلين، وقد قال إبراهيم عليه السلام: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام:76] فيجب صرف ذلك إلى الوجه الذي يحق بالربوبية انظر ((كتاب التوحيد)) للماتريدي (ص 53)، و ((بحر الكلام)) لأبي المعين النسفي (ص 22).
خامساً: صفتي الغضب، ونحوهما:
إذا قرأوا من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما دل على إثبات الغضب والرضا، والفرح، والحياء، والضحك والتعجب، والرحمة ونحوها لله تعالى  -  فهموا أنها كيفيات وعوارض نفسانية انظر ((المسايرة مع المسامرة)) (ص 29). وأنها تغيرات، وانفعالات يجب تنزيه الله تعالى عنها المصدر نفسه و ((إشارات المرام)) (ص 110). وأنها  انفعالات نفسانية ((إشارات المرام)) (ص 189)، ((نشر الطوالع)) (ص 312). ، وأنه تعالى لا يوصف بالأعراض المحسوسة، والكيفيات النفسانية ((حاشية العصام على شرح العقائد النسفية)) (ص 159).
وقالوا: إنما يصار إلى المجاز لاستحالة الحقيقة على الله تعالى، لأنها عبارة عن حالة نفسانية فالكل في حقه تعالى محال ((إشارات المرام)) (ص 187)
سادساً: صفة الكلام:
وإذا تصوروا صفة الكلام يتبادر إلى أذهانهم "الآلة والجارحة" ((حاشية العصام على شرح العقائد النسفية)) (ص 181). أي اللسان، والفم، والشفتان، والأسنان، والحلق كزعم الجهم تماماً كما سبق، وأنه يلزم كون الله تعالى محلاً للحوادث، والأعراض ((شرح العقائد النسفية)) (ص 55)، ((حاشية العصام عليه)) (ص 184-185)، ((المسايرة)) (ص84)، ((حاشية عبدالحكيم على حاشية الخيالي على شرح العقائد النسفية)) (ص 264، 28، 40، 46، 63)، و ((النبراس)) (ص 141).
ولذلك تراهم يعطلون صفة الكلام، ويقولون ببدعة الكلام النفسي وببدعة القول بخلق القرآن، ويصرحون بأنه لا خلاف بينهم وبين المعتزلة في مسألة خلق القرآن غير أن المعتزلة لا يقولون ببدعة الكلام النفسي والماتريدية جمعوا بين بدعتين خطيرتين بدعة القول بخلق القرآن، وبدعة القول بالكلام النفسي، ولذا ينفون سماع كلام الله.
سابعاً: رؤية المؤمنين ربهم بالأبصار في الآخرة:
هكذا تراهم يشترطون شروطاً وقيوداً سلبية في مسألة رؤية الله تعالى؛ لأنه تبادر إلى أذهانهم رؤية الجسم.
يقول أبو منصور الماتريدي: "فإن قيل: كيف يرى؟ قيل: بلا كيف، إذ الكيفية تكون لدى صورة بل يرى بلا وصف قيام وقعود واتكاء وتعلق واتصال وانفصال ومقابلة ومدابرة، وقصير وطويل، ونور، وظلمة وساكن ومتحرك، ومماس ومباين، وخارج وداخل ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك" ((كتاب التوحيد)) للماتريدي (ص 85)، وانظر أيضا ((ضوء المعالي شرح بدء الأمالي)) للقاري (ص 43) وراجع أيضاً إلى ((شرح العقائد النسفية)) (ص 73)، و ((البداية من الكفاية)) (ص 74)، و ((المسايرة مع المسامرة)) (ص 41، 43، 46)، و ((أصول الدين)) لأبي اليسر البزدوي (ص 77)، ((إشارات المرام)) (ص 201-203)، و ((حاشية الكستلي)) (ص 107)، و ((نشر الطوالع))، (ص 265)، و ((الطريقة المحمدية)) (ص 17)، و ((شرح المواقف)) (8/116، 143).
فأنت ترى أيها المسلم أن هذه الشروط السلبية مخالفة للعقل والنقل والفطرة واللغة، فهم في الحقيقة وقعوا في رفع النقيضين كما أنهم وقعوا في نفي علو الله تعالى بل نفي وجود الله، فإن هذه صفات المعدوم كما أنهم وقعوا في نفي الرؤية البصرية أيضاً وإن تظاهروا بإثباتها.
ولذلك جعل عقلاؤهم هذا الخلاف بينهم وبين المعتزلة لفظياً؛ لأن الماتريدية جوزوا رؤية "أعمى" "الصين" "بقَّةً" في الأندلس" انظر ((حاشية الكستلي على شرح العقائد)) (ص 108)، و ((حاشية الخيالي على شرح العقائد النسفية)) (ص 73)، و ((حاشية البهشتي على حاشية الخيالي على شرح العقائد)) (ص 73)، و ((إشارات المرام)) (ص 202)، و ((حاشية أحمد الجندي على شرح العقائد)) (ص 141)، و ((حاشية عبدالحكيم على الخيالي)) (ص 284)، و ((حاشية العصام على شرح العقائد)) (ص 199)، ((أصول الدين لأبي اليسر البزدوي)) (ص 77)، و ((المسايرة مع المسامرة)) (ص 41، 69)، و ((شرح المواقف)) (8/139)، و ((راجع شرح المقاصد)) (4/197).
قلت: هذه ليست رؤية بصرية؛ لأنه لا شك أن رؤية أعمى الصين "بقةً" في الأندلس  - والأعمى يكون في المشرق، والبقة تكون في المغرب- إنما هي رؤية القلب التي هي علم ومعرفة؛ ولذلك حكم عليهم شيخ الإسلام بأنهم جعلوا رؤية الله تعالى مستحيلة ((بيان تلبيس الجهمية)) (ص 72- 78)، و ((المراكشية)) (ص 49)، ((مجموع الفتاوى)) (5/175). ، وصار قولهم هذا ضحكة متناقضاً محالاً سفسطة حتى عند المعتزلة والروافض راجع ((منهاج الكرامة في إثبات الإمامة)) لابن المطهر الحالي 726هـ (ص 18)، وانظر أيضا ((منهاج السنة)) لشيخ الإسلام (2/75)، الطبعة القديمة، و (3/340-341)، الطبعة المحققة، و ((المنتقى)) للذهبي (ص 151).
هذه كانت بعض نماذج لهذه الشبهة قدمناها من كتب الماتريدية. الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات لشمس السلفي الأفغاني 1/470

انظر أيضا: