موسوعة الفرق

المبحث السادس: التأويل والتفويض


وبعد أن عرفنا أن مصدر تلقى العقيدة عند الماتريدية في العقليات هو العقل فالعقل حاكم وأصل، والنقل تبع له وفرع له؛ فإذا ورد النقل على خلاف العقل لابد من أن يرد أو يحرف بتأويله وصرفه عن ظاهره، وأما في السمعيات فمصدر تلقي العقيدة عندهم هو النقل.
ولما قسموا هذه القسمة الضيزي، وأصلوا هذا الأصل الفاسد، بنوا عليه موقفهم الفاسد من نصوص الكتاب والسنة الصحيحة المحكمة الصريحة الواردة في صفات الله تعالى، بنوعيها من المتواترات، وأخبار الآحاد.
أما المتواترات: كنصوص القرآن الكريم، والسنة المتواترة  - فحكموا عليها بأنها وإن كانت قطعية الثبوت، ولكنها ظنية الدلالة؛ لأنها أدلة لفظية، وظواهر ظنية لا تفيد اليقين، وأنها تخالف البراهين القطعية العقلية، وأن الأدلة العقلية براهين قطعية، وعند التعارض تقدم الأدلة العقلية، لأنها الأصل انظر شرح ((المقاصد)) (2/50)، وشرح ((العقائد السلفية)) (ص 5، 42)، شرح ((المواقف)) (8/24، 110، 111)، ((حاشية عبدالحكيم على حاشية الخيالي على شرح العقائد النسفية)) (ص 184)، و ((حاشية أحمد الجندي على شرح العقائد النسفية)) (ص 110)، ((إشارات المرام)) (ص 189، 199)، ((نشر الطوالع)) (ص 228)، و ((شرح الإحياء)) (2/105-106)، و ((النبراس)) (ص 34، 185، 137)، و ((براءة الأشعريين)) (ص 80).
وأن الأدلة السمعية إما أن يفوض فيها، وإما أن تؤول انظر ((البداية من الكفاية)) (ص 48)، شرح ((العقائد النسفية)) (ص 42)، شرح ((المقاصد)) (2/50)، ((عمدة القاري)) (25/88، 90، 109، 134، 137، 159، 168) و ((المسايرة مع شرح قاسم بن قطلوبغا)) ص(35-36)، ((نشر الطوالع)) (ص 228، 229) ((حاشية أحمد الجندي على شرح العقائد)) (ص 101)، ((شرح الإحياء)) (2/105-106)، ((النبراس)) (ص 185-186) ((تبصرة الأدلة)) (ص 54-55). ، وأما البراهين العقلية فتأويلها محال" ((نشر الطوالع)) (ص 282).
وقد ساق التفتازاني فيلسوف الماتريدية عدة آيات الصفات ثم ذكر قانوناً كلياً في الجواب عن تلك الآيات فقال:
"والجواب أنها ظنيات سمعية في معارضة قطعيات عقلية، فيقطع بأنها ليست على ظاهرها، ويفوض العلم بمعانيها إلى الله مع اعتقاد حقيتها جرياً على الطريق الأسلم...، أو تؤول تأويلات مناسبة موافقة لما عليه الأدلة العقلية على ما ذكر في كتب التفاسير، وشروح الأحاديث، سلوكاً للطريق الأحكم  -  يعني طريقة المتكلمين على زعمه الفاسد -" ((شرح المقاصد)) (2/50)، وانظر ((شرح العقائد النسفية)) (ص 42)، و ((النبراس)) (ص 184-185)، و ((براءة الأشعريين)) (ص 80) ((شرح المقاصد)) (4/50)، تحقيق عميرة.
وقال الجرجاني: "... ولا يجوز التعويل في إثباته  - أي الاستواء- على الظاهر من الآيات والأحاديث مع قيام الاحتمال المذكور، هو أن المراد به الاستيلاء..." ((شرح المواقف)) (8/110-111).
وقال: "والحق أنها أي الدلائل النقلية قد تفيد اليقين في الشرعيات، نعم في إفادتها في العقليات نظر".
ثم قال: (فلا جرم  كانت إفادتها في العقليات محل نظر وتأمل) ((شرح المواقف)) (2/56-57).
ثم قال: "وقد جزم الإمام الرازي بأنه لا يجوز التمسك بالأدلة النقلية في المسائل العقلية، نعم يجوز التمسك بها في المسائل النقلية".
ولقد ساق الزبيدي نصوص صفتي الاستواء والنزول، وسماها "ظواهر"، ثم ذكر قانوناً كلياً معروفاً عند الماتريدية وزملائهم الأشعرية في الجواب عن نصوص الصفات فقال:
"وأجيب عنه بجواب إجمالي هو كالمقدمة للأجوبة التفصيلية:
وهو أن الشرع إنما ثبت هذه الدلالة بالعقل، فلو أتى الشرع بما يكذبه العقل وهو شاهده لبطل الشرع والعقل، معاً.
إذا تقرر هذا، فنقول: كل لفظ يرد في الشرع مما يستند إلى الذات المقدسة بأن يطلق اسماً، أو صفة لها، وهو مخالف للعقل، ويسمى المتشابه، لا يخلو إما أن يتواتر، أو ينقل آحاداً، والآحاد إن كان نصاً لا يحتمل التأويل قطعنا بافتراء ناقله، أو سهوه، أو غلطه، وإن كان ظاهراً فظاهره، غير مراد، وإن كان متواتراً فلا يتصور أن يكون نصاً لا يحتمل التأويل، بل لابد وأن يكون ظاهراً، وحينئذ الاحتمال الذي ينفيه العقل ليس مراداً منه" ((شرح الإحياء)) (2/105-106)، انظر من كتب الأشعرية ((أساس التقديس)) (ص 72-73)، و ((المسامرة شرح المسايرة)) (ص 33).
وهكذا موقفهم من نصوص أخرى في صدور الصغائر عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتوبتهم عنها، فهي أيضاً إما أن تُرد وإما أن تحرف فيذكرون قانونهم الكلي قائلين:
"... فما نقل عن الأنبياء عليهم السلام مما يشعر بكذب أو معصية، فما كان منقولاً بطريق الآحاد فمردود، وما كان بطريق التواتر فمصروف عن ظاهره إن أمكن، وإلا فمحمول على ترك الأولى، أو كونه قبل البعثة" انظر ((شرح العقائد النسفية)) (ص 140)، و ((شرح المواقف)) (8/268)، ((شرح الشفاء)) (2/200)، ((شرح الفقه الأكبر)) (ص 93)، كلاهما للقاري، ((حاشية الكستلي على شرح العقائد)) (ص 171-172)، ((النبراس)) (ص 455-457)، وانظر من كتب الأشعرية ((المواقف)) (ص 361).
قلت: هذا الذي ذكرنا من موقفهم من المتواترات، وأن العقل أصل والنقل فرع فلابد من صرف النقل عن ظاهره، ولا يجوز التمسك بظاهره، هو بعينه موقف الجهمية الأولى والمعتزلة انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص 226)، و ((متشابه القرآن)) (ص 105، 231، 236) كلاهما لعبد الجبار. ، بل القرامطة الباطنية من نصوص الشرع.
وهذه حقيقة اعترف بها الماتريدية انظر: ((شرح المواقف)) (2/51-52). ، ولذلك نرى تأويلات الماتريدية عين تأويلات الجهمية الأولى والمعتزلة انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص 226 – 230)، و ((متشابه القرآن)) (ص 73، 75، 230، 231، 351، 374، 380، 381، 403، 620، 631، 663).
وللماتريدية وزملائهم الأشعرية موقف آخر أضرّ من الأول مأخوذ من القرامطة الباطنية كما صرح به ابن سينا الحنفي المتفلسف الباطني القرمطي (428هـ) وهو أن نصوص الصفات في الكتب السماوية والأحاديث النبوية ليست جادة في بيان الاعتقاد ولا القصد منها اعتقاد ما تدل عليه من صفات الله تعالى بل القصد منها استدراج العوام المشبهة لأن ذلك أنسب لدعوتهم إلى التنزيه لئلا يتبادروا إلى الإنكار والعناد.
وهذا من الأدلة الواضحة على أن مادة الماتريدية هذه مأخوذة عن الجهمية الأولى بل عن القرامطة الباطنية ابن سينا من الملاحدة والزنادقة.
هذا هو بيان موقفهم من النصوص المتواترات. الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني 1/540- 544
فالتأويل والتفويض إذا هما أصل من الأصول المنهجية التي يقوم عليها منهج الماتريدية في تقرير العقيدة وقد صرح الماتريدي بأن النصوص لا تحمل على ظواهرها بل يجب أن تفهم على المعنى الذي يفهمونه ويتصورونه هم من النصوص قال في (التأويلات) : "إن الخطاب قد لا يوجب المراد والفهم على ظاهر المخرج ولكن على مخرج الحكمة والمعنى" ((التأويلات))  (1/ل 977 ) دار الكتب.
كما أن أبا المعين النسفي قد صرح بهذا في (التبصرة) و(التمهيد).
قال في (التبصرة): " إن هذه الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة المروية التي يوهم ظاهرها التشبيه وكون الباري جسما متبعضا متجزيا كانت كلها محتملة لمعان وراء الظاهر والحجج المعقولة...غير محتملة، والعقول من أسباب المعارف وهي حجة الله تعالى وفي حمل هذه الآيات على ظواهرها...إثبات المناقضة بين الكتاب والدلائل المعقولة وهي كلها حجج الله تعالى ومن تناقضت حججه فهو سفيه جاهل... والله تعالى حكيم لا يجوز عليه السفه...فحمل تلك الدلائل السمعية على ظواهرها كان محالا ممتنعا" ((تبصرة الأدلة))  (ل77، 78 ) ، ((التمهيد))  (19 ).
وقال في موضع آخر: "إن حمل الآيات على ظواهرها والامتناع عن صرفها إلى ما يحتمله من التأويل يوجب تناقضا فاحشا في كتاب الله تعالى... فلا يجوز أن يفهم مما أضيف من الألفاظ إلى الله تعالى ما يستحيل عليه ويجب صرفه إلى ما لا يستحيل عليه أو تفويض المراد إليه والإيمان بظاهر التنزيل مع صيانة العقيدة عما يوجب شيئا من أمارات الحدث فيه..." ((تبصرة الأدلة))  (ل110، 111،113،) ((التمهيد))  (19 ).
والماتريدية كغيرهم من المتأولة لا يوجد لديهم قانون مستقيم في التأويل ولا في التفويض فالماتريدي يؤول بعض النصوص ويجزم بتأويله إياها أي أنه يقطع بأن تأويله هو المعنى المراد من اللفظ كتأويله قوله تعالى: اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة:15]   وقوله: يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142]   وقوله: وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ [آل عمران:54] كما أنه يؤول كثيرا من النصوص ولا يجزم ولا يقطع بتأويله لها كما في تأويله لصفة الاستواء والوجه والعينين واليدين ونحوهما من الصفات ويلجأ إلى التفويض في نصوص أخرى كتفويضه لصفة المجيء ((التأويلات))  (1/ل654 ) ، (ل396 ) ، دار الكتب ، وانظر ((الإتقان في علوم القرآن))  للسيوطي (4/192 ) ، ((أبجد العلوم))  لصديق حسن خان (2/141 ). والماتريدية بعد الماتريدي اختلفوا فمنهم من رجح التأويل ومنهم من رجح التفويض ومنهم من أجاز الأمرين ومنهم من أجاز التأويل للحاجة.
فأبو القاسم الحكيم السمرقندي يرى التفويض مطلقا فهو يقول بعد ذكره لبعض النصوص الخبرية: " فينبغي له - أي للعبد - أن يعتقد ويؤمن بها ولا يفسرها لأن تفسيرها يدخل في مذهب التعطيل... وإذا رأيت آية المتشابه فدع ذلك إلى الله تعالى ولا تفسره حتى تنجو لأنه ليس فرضا عليك أن تعرف تفسيره بل الفرض عليك أن تؤمن به " ((السواد الأعظم))  (27 ) ، ((سلام الأحكم))  (153، 154 ).
وذهب أبو المعين النسفي إلى جواز كل من التأويل والتفويض كما أنه ذكر اختلاف مشايخ الماتريدية في ذلك وكذا البياضي وغيره.
قال أبو المعين: " اختلف مشايخنا رحمهم الله منهم من قال في هذه الآيات - أي آيات الصفات الخبرية - إنها متشابهة نعتقد فيها أن لا وجه لإجرائها على ظواهرها... ولا نشتغل بتأويلها ونعتقد أن ما أراد الله تعالى بها حق...
ومنهم من اشتغل ببيان احتمال الآيات معاني مختلفة سوى ظاهرها ويقولون نعلم أن المراد بعض ما يحتمل بها الألفاظ من المعاني التي لا تكون منافية للتوحيد والقدم ولا يقطعون على مراد الله تعالى لانعدام دليل يوجب القطع على المراد وتعيين بعض المعاني..." ((تبصرة الأدلة))  (ل110، 111 ) ، وانظر ((أصول الدين))  للبزدوي (25، 26 ).
ثم قال: " فلا يجوز أن يفهم مما أضيف من الألفاظ إلى الله تعالى ما يستحيل عليه ويجب صرفه إلى ما لا يستحيل عليه أو تفويض المراد إليه والإيمان بظاهر التنزيل مع صيانة العقيدة عما يوجب شيئا من أمارات الحدث... " ((تبصرة الأدلة))  (ل 113 ).
وقال في التمهيد بعد ذكره لآيات الصفات : " فإما أن نؤمن بتنزيلها ولا نشتغل بتأويلها...وإما أن تصرف إلى وجه من التأويل يوافق التوحيد" ((التمهيد))  (19 ) ، وانظر ((إشارات المرام))  (187، 189 ) ، (نظم الفرائد))  (24 ).
وذهب الناصري إلى القول بالتفويض ونسب القول به إلى مشايخ الماتريدية بإطلاق وبدون تفصيل.
قال: ومن أراد أن يعرف الحق فعليه التمسك بالأدلة الموجبة للعلم قطعا... وما اشتبه عليه من متشابهات الكتاب والخبر المتواتر فيؤمن بمراد الله تعالى ومراد رسوله منها وينفي عن الله مشابهة الخلق عملا بالنص المحكم وهو قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] ويصفه بما وصف نفسه في سورة التوحيد والإخلاص ويعتقد أن الله قديم حكيم لم ينزل كتابه متناقضا ولا بعث رسوله بدين متناقض...." ((النور اللامع)) (ل 70 ).
وقال أيضا: "والمذهب عند أصحابنا رحمهم الله أن كل ما ثبت بالكتاب والسنة الواضحة ولا يتعلق به العمل فإنه لا يجب الاشتغال بتأويله بل يجب الاعتقاد بثبوته وحقية المراد بذكره ووروده " ((النور اللامع)) (ل 96 ).
ويرى ابن الهمام التأويل فيما دعت الحاجة إليه وذلك إذا خيف على العوام أن يقع خلل في فهمهم فهو يقول مثلا في الاستواء: "أنه تعالى استوى على العرش مع الحكم بأنه ليس كاستواء الأجسام على الأجسام من التمكن والمماسة والمحاذاة بل بمعنى يليق به هو سبحانه أعلم به وحاصله وجوب الإيمان بأنه استوى على العرش مع نفي التشبيه فأما كون المراد أنه استيلاؤه على العرش فأمر جائز الإرادة إذ لا دليل على إرادته عينا فالواجب عينا ما ذكرنا وإذا خيف على العامة عدم فهم الاستواء إذا لم يكن بمعنى الاستيلاء إلا باتصال ونحوه من لوازم الجسمية وأن لا ينفوه فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستيلاء.... " ((المسايرة))  (30، 32، 33)، و((انظر إشارات المرام)) (189.)
وأما ابن قطلوبغا فيرى أن التفويض أليق بالعوام والتأويل أليق بأهل النظر والاستدلال قال في حاشيته على (المسايرة): "فاللائق بالعوام سلوك طريق التسليم واللائق بأهل النظر طريق التأويل لدفع تمسكات المبتدعة " ((المسايرة)) (33).
فالماتريدية إذا ليس لهم قانون مستقيم في التأويل ولا في التفويض فأقوالهم فيه مختلفة مضطربة....
والتأويل على اصطلاح الماتريدية وغيرها من الفرق الكلامية...قول مبتدع محدث لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة المسلمين ولا عن أحد من أهل اللغة المتقدمين انظر ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/14، 15، 205، 206)، ((الإمام ابن تيمية وموقفه من التأويل)) الجليند 27- 50، ((ظاهرة التأويل وصلتها باللغة)) السيد أحمد عبد الغفار 15- 33.  
والتأويل بهذا الاصطلاح ما هو إلا منهج عقلي ظهر بظهور بدعة نفي الصفات والقدر على يد الجهمية والمعتزلة فقد ورد عن بعض رءوس الجهمية أنه قال : " ليس شيء أنقض لقولنا من القرآن فأقروا به في الظاهر ثم صرفوه بالتأويل ويقال إنه قال إذا احتجوا عليكم بالحديث فغالطوهم بالتأويل" ((الدرء)) (5/217، 218)، ((الصواعق المرسلة)) (4/1433).
والذي يغلب على الظن كما أن القول بنفي الصفات انتقل إلى الجهمية والمعتزلة من طريق اليهود والنصارى فكذا القول بالتأويل، إذ إن التأويل بهذا الاصطلاح كان معروفا عند اليهود والنصارى قبل ظهوره على يد الجهمية والمعتزلة ففي اليهودية ارتبط التأويل باسم (فايلو الإسكندراني) الذي كان ينفي الصفات الخبرية التي وردت في التوراة ويؤكد على وجوب تفسيرها تفسيرا مجازيا وفق قوانين التأويل المجازي التي حددها هو بنفسه.
وسار على نهج فايلو عدد من لاهوتي اليهود في العصور الإسلامية منهم سعدايا الفيومي وموسى بن ميمون الذي أكد في كتابه (دلالة الحائرين) أن السبب الرئيسي الذي أدى إلى ظهور التشبيه هو التمسك بظاهر الصفات الخبرية التي وردت في التوراة وتفسيرها بالحقيقة دون المجاز ((دلالة الحائرين)) (123)، وانظر (81- 87، 107، 108).                
   وفي النصرانية ظهر القول بالتأويل المجازي على يد كلمانت الإسكندري وأوريجين والقديس أوغسطين واشتهر به أيضا يوحنا الدمشقي الذي يعتبر من أكبر آباء الكنيسة الشرقية وقد كان له دور كبير في ظهور الجدل العقلي بين المسلمين بل يعده كثير من الباحثين المسؤول الأول عن ظهور الجدل العقلي في البيئة الإسلامية انظر ((دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية)) عرفان عبد الحميد (216، 217)، ((ابن تيمية وموقفه من قضية التأويل)) الجليند  (202- 206).
ولقد كان التأويل أصل كل بدعة ظهرت بين المسلمين كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله في نونيته :


هذا وأصل بلية الإسلام من    





 تأويل ذي التحريف والبطلان



 وهو الذي قد فرق السبعين بل  


 


 زادت ثلاثا قول ذي البرهان


إلى أن قال رحمه الله :


وجميع ما في الكون من بدع  





وأحداث تخالف موجب القرآن





فأساسها التأويل ذو البطلان لا       


 


تأويل أهل العلم والعرفان      




فجميع ما أحدث في الإسلام من بدع فرقت الأمة شذر مذر أصله وسببه هو التأويل الباطل الذي هو في الحقيقة تحريف وتعطيل لنصوص الكتاب والسنة.
وقول الماتريدية وغيرهم من المتكلمين بالتأويل ظاهر الفساد لكل عاقل ومما يدل على فساده تناقضهم فيه والقول المتناقض بطبيعة الحال قول فاسد لذا كان الطبيب ابن النفيس يقول ليس إلا مذهبان مذهب أهل الحديث أو مذهب الفلاسفة فأما هؤلاء المتكلمون فقولهم ظاهر التناقض والاختلاف ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/203). .. وهو بهذا "يعني أن أهل الحديث أثبتوا كل ما جاء به الرسول وأولئك جعلوا الجميع تخييلا وتوهيما ومعلوم بالأدلة الكثيرة السمعية والعقلية فساد مذهب هؤلاء الملاحدة فتعين أن يكون الحق مذهب السلف أهل الحديث والسنة والجماعة" ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/203).
لهذا لم يكن لهم قانون مستقيم في التأويل فلا يستطيعون أن يفرقوا بين النصوص التي تحتاج إلى تأويل والتي لا تحتاج إليه فهم كما يقول شيخ الإسلام : " يوجبون التأويل في بعض السمعيات دون بعض وليس في المنتسبين إلى القبلة بل ولا في غيرهم من يمكنه تأويل جميع السمعيات.
وإذا كان كذلك قيل لهم ما الفرق بين ما جوزتم تأويله فصرفتموه عن مفهومه الظاهر ومعناه البين وبين ما أقررتموه؟
فهم بين أمرين إما أن يقولوا ما يقوله جمهورهم إن ما عارضه عقلي قاطع تأولناه وما لم يعارضه عقلي قاطع أقررناه.
فيقال لهم: فحينئذ لا يمكنكم نفي التأويل عن شيء فإنه لا يمكنكم نفي جميع المعارضات العقلية...
وأيضا فعدم المعارض العقلي القاطع لا يوجب الجزم بمدلول الدليل السمعي فإنه على قولكم إذا جوزتم على الشارع أن يقول قولا له معنى مفهوم وهو لا يريد ذلك لأن في العقليات الدقيقة التي لا تخطر ببال أكثر الناس أو لا تخطر للخلق في قرون كثيرة ما يخالف ذلك جاز أن يريد بكلامه ما يخالف مقتضاه بدون ذلك لجواز أن يظهر في الآخرة ما يخالف ذلك أو لكون ذلك ليس معلوما بدليل عقلي ونحو ذلك فإنه إذا جاز أن يكون تصديق الناس له فيما أخبر به موقوفا على مثل ذلك الشرط جاز أن يكون موقوفا على أمثاله من الشروط إذ الجميع يشترك في أن يكون الوقف على مثل هذا الشرط يوجب أن لا يستدل بشيء من أخباره على العلم بما أخبر به.
وإن قالوا بتأويل كل شيء إلا ما علم بالاضطرار أنه أراده كان ذلك أبلغ فإنه ما من نص وارد إلا ويكون الدافع له أن يقول ما يعلم بالاضطرار أنه أراد هذا.
فإن كان للمثبت أن يقول أنا أعلم بالاضطرار أنه أراده كان لمن أثبت ما ينازعه فيه هذا المثبت أن يقول أيضا مثل ذلك...
فإنك إذا تأملت كلامهم لم تجد لهم قانونا فيما يتأول وما لا يتأول بل لازم قولهم إمكان تأويل الجميع... فعلم أن قولهم باطل..." ((درء تعارض العقل والنقل)) (5/343- 345).
" فهؤلاء مع تناقضهم لا يجعلون الرسول نفسه نصب في خطابه دليلا يفرق به بين الحق والباطل والهدى والضلال بل يجعلون الفارق هو ما يختلف باختلاف الناس من أذواقهم وعقولهم.
ومعلوم أن هذا نسبة للرسول إلى التلبيس وعدم البيان بل إلى كتمان الحق وإضلال الخلق بل إلى التكلم بكلام لا يعرف حقه من باطله ولهذا كان حقيقة أمرهم الإعراض عن الكتاب والرسول.
فلا يستفيدون من كتاب الله وسنة رسوله شيئا من معرفة صفات الله تعالى بل الرسول معزول عندهم عن الإخبار بصفات الله نفيا وإثباتا وإنما ولايته عندهم في العمليات..." ((درء تعارض العقل والنقل)) (5/240، 241).
ويقال لهم إن الأصل في اللفظ حمله على الحقيقة وحمله على غير حقيقته وظاهره يكون إخراجا له عن أصله وهذا حتى يكون صحيحا مقبولا لابد لمدعيه أن يأتي بأربعة أمور ليس له قدرة على واحد منها وهي :
الأول: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي تأوله في ذلك التركيب الذي وقع فيه وإلا كان كاذبا على اللغة منشئا وضعا من عنده فإن اللفظ قد لا يحتمل ذلك المعنى لغة وإن احتمله فقد لا يحتمله في ذلك التركيب الخاص" ((الصواعق المرسلة)) (1/289)، ((مختصر الصواعق)) (1/43، 44)، ((النونية بشرح هراس)) (1/307).
الثاني: أن " يبين ذلك المعنى...فإنه إذا أخرج عن حقيقته قد يكون له معان فتعين ذلك المعنى يحتاج إلى دليل" ((الصواعق)) (1/292)، ((المختصر)) (1/45)، ((النونية)) (1/307).
الثالث: "إقامة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره فإن دليل المدعي للحقيقة والظاهر قائم فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل صارف يكون أقوى منه" ((الصواعق)) (1/292)، ((المختصر)) (1/46)، ((النونية)) (1/307، 308).  
الرابع: "الجواب عن المعارض فإن مدعي الحقيقة قد أقام الدليل العقلي والسمعي على إرادة الحقيقة
أما السمعي فلا يمكنك المكابرة أنه معه.
وأما العقلي فمن وجهين: عام وخاص. فالعام الدليل الدال على كمال علم المتكلم وكمال بيانه وكمال نصحه والدليل العقلي على ذلك أقوى من الشبه الخيالية التي يستدل بها النفاة بكثير فإن جاز مخالفة هذا الدليل القاطع فمخالفة تلك الشبه الخيالية أولى بالجواز وإن لم تجز مخالفة تلك الشبه فامتناع مخالفة الدليل القاطع أولى. 
وأما الخاص فإن كل صفة وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم فهي صفة كمال قطعا فلا يجوز تعطيل صفات كماله وتأويلها بما يبطل حقائقها فالدليل العقلي الذي دل على ثبوت الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر دل نظيره على ثبوت الحكمة والرحمة والرضا والغضب والفرح والضحك والذي دل على أنه فاعل بمشيئته واختياره دل على قيام أفعاله به وذلك عين الكمال المقدس وكل صفة دل عليها القرآن والسنة فهي صفة كمال والعقل جازم بإثبات صفات الكمال للرب سبحانه ويمتنع أن يصف نفسه أو يصفه رسوله بصفة توهم نقصا وهذا الدليل أيضا أقوى من كل شبهة للنفاة" ((الصواعق)) (1/293)، ((المختصر)) (1/46، 47)، ((النونية)) (1/308، 313).
ثم يقال لهم: إن القول بالتأويل على اصطلاحكم شر من التشبيه والتعطيل فإن التأويل " يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها فإن المعطل والمؤول قد اشتركا في نفي حقائق الأسماء والصفات وامتاز المؤول بتلاعبه بالنصوص وانتهاكه لحرمتها وإساءة الظن بها ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهره الضلال والإضلال فجمعوا بين أربعة محاذير: اعتقادهم أن ظاهر كلام الله ورسوله المحال الباطل ففهموا التشبيه أولا ثم انتقلوا إلى المحذور الثاني وهو التعطيل فعطلوا حقائقها بناء منهم على ذلك الفهم الذي لا يليق بها ولا يليق بالرب جل جلاله. المحذور الثالث نسبة المتكلم الكامل العلم الكامل البيان التام النصح إلى ضد البيان والهدى والإرشاد... ولا ريب عند كل عاقل أن ذلك يتضمن أنهم كانوا أعلم منه أو أفصح أو أنصح للناس.
المحذور الرابع: تلاعبهم بالنصوص وانتهاك حرماتها فلو رأيتها وهم يلوكونها بأفواههم وقد حلت بها المثلات وتلاعبت بها أمواج التأويلات ونادى عليها أهل التأويل في سوق من يزيد فبذل كل واحد في ثمنها من التأويلات ما يريد فلو شاهدتها بينهم وقد...قعد النفاة على صراطها المستقيم بالدفع في صدورها والأعجاز وقالوا لا طريق لك علينا وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز فنحن أهل المعقولات وأصحاب البراهين وأنت أدلة لفظية وظواهر سمعية لا تفيد العلم ولا اليقين فلا إله إلا الله والله أكبر كم هدمت بهذه المعاول من معاقل الإيمان وثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن...." ((الصواعق)) (1/296- 298)، ((المختصر)) (1/48- 50).
ويلزم القائلين بالتأويل لوازم باطلة لا يرضى بواحد منها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان " منها أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهره ويوقعهم في التشبيه والتمثيل ومنها أن يكون قد ترك بيان الحق والصواب ولم يفصح به بل رمز إليه رمزا وألغزه إلغازا لا يفهم منه ذلك إلا بعد الجهد الجهيد ومنها أن يكون قد كلف عباده أن لا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك ومنها أن يكون دائما متكلما في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوعة من الخطاب تارة بأنه استوى على عرشه وتارة بأنه فوق عباده وتارة بأنه العلي الأعلى وتارة بأن الملائكة تعرج إليه... إلى غير ذلك من تنوع الدلالات على ذلك ولا يتكلم فيه بكلمة واحدة يوافق ما يقوله النفاة ولا يقول في مقام واحد فقط ما هو الصواب فيه لا نصا (ظاهرا ولا تنبيها) ومنها أن يكون أفضل الأمة وخير القرون فقد أمسكوا من أولهم إلى آخرهم عن قول الحق في هذا الشأن العظيم الذي هو من أهم أصول الإيمان وذلك إما جهل ينافي العلم وإما كتمان ينافي البيان... ومنها أن ترك الناس من إنزال هذه النصوص كان أنفع لهم وأقرب إلى الصواب فإنهم ما استفادوا بنزولها غير التعرض للضلال ولم يستفيدوا منها يقينا ولا علما بما يجب لله ويمتنع عليه إذ ذاك إنما يستفاد من عقول الرجال وآرائها" ((الصواعق 1/314- 316، المختصر)) (1/50- 53).
فهل يشك أحد بعد هذا في فساد التأويل وبطلانه؟!
وأما القول بالتفويض فهو في الحقيقة من شر أقوال أهل البدع وذلك لمناقضته ومعارضته نصوص التدبر للقرآن واستلزامه تجهيل الأنبياء والمرسلين برب العالمين فمن المعلوم " أن الله تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن وحضنا على عقله وفهمه فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟!
وأيضا فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا وإخراجنا من الظلمات إلى النور إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر ولم يرد منا أن نعرف لا ظاهره ولا باطنه أو أريد منا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك فعلى التقديرين لم نخاطب بما بين فيه الحق ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب باطل وكفر.
وحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا أنه لم يبين الحق ولا أوضحه مع أمره لنا أن نعتقده وأن ما خاطبنا به وأمرنا باتباعه والرد إليه لم يبين به الحق ولا كشفه بل دل ظاهره على الكفر والباطل وأراد منا أن لا نفهم منه شيئا أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه فيه وهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله ورسوله عنه وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد" ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/202).
" فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص ولا الملائكة ولا السابقون الأولون وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه بل يقولون كلاما لا يعقلون معناه...ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبيانا للناس وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين وأن يبين للناس ما نزل إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته... لا يعلم أحد معناه فلا يعقل ولا يتدبر ولا يكون الرسول بيَّن للناس ما نزل إليهم ولا بلغ البلاغ المبين.
وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع الحق في نفس الأمر ما عملته برأيي وعقلي وليس في النصوص ما يناقض ذلك لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة ولا يعلم أحد معناها وما لا يعلم معناه أحد لا يجوز أن يستدل به..." ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/204، 205).
فتبين بهذا أن القول بالتفويض في غاية البطلان والفساد بل هو من شر أقوال أهل البدع كما أن التأويل كذلك. الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي  -  ص 162-176

انظر أيضا: