موسوعة الفرق

المبحث السادس: تناقض الأشاعرة


من أبرز السمات العامة لمنهج شيخ الإسلام في ردوده على الأشاعرة، وقد استخدمه كثيرا وهو يناقش المسائل الكثيرة التي خالفوا فيها مذهب السلف. والسؤال الذي يرد هنا هو: هل كان هذا المذهب يحمل في طياته منذ نشأته مبدأ التناقض؟ وبعبارة أخرى هل المنهج التلفيقي الذي أراد مؤسسوه، أن يبنوا عليه هذا المذهب أدى إلى الوقوع في هذا التناقض؟
إن كلام شيخ الإسلام يدل على أنه يجيب بالإيجاب، فهو يقول عن أبي الحسن الأشعري بعد دفاعه عنه: "لكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة، وخبرته بالسنة خبرة مجملة، فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة، وأعتقد أنه يمكنه الجمع بين تلك الأصول وبين الانتصار للسنة، كما فعل في مسألة الرؤية والكلام والصفات الخبرية وغير ذلك. والمخالفون له من أهل السنة والحديث، ومن المعتزلة والفلاسفة، يقولون: إنه متناقض، وإن ما وافق فيه المعتزلة يناقض ما وافق فيه أهل السنة" ((المسألة المصرية في القرآن، مجموع الفتاوى)) (12/204-205). ، ويقول أيضا عن ابن كلاب والقلانسي والأشعري: "لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية، وما يقول الناس: إنه يلزمهم بسببه التناقض، وأنهم جمعوا بين الضدين، وأنهم قالوا ما لا يعقل، ويجعلونهم مذبذبين، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء فهذا وجه من يجعل في قولهم شيئا من أقوال الجهمية" ((المسألة المصرية في القرآن، مجموع الفتاوى)) (12/206). وهنا جمع شيخ الإسلام بين الأشعري وشيوخه من الكلابية في وقوعهم في التناقض.
ولا شك أن الأشعري أراد أن يجمع بين الإيمان ببعض أصول المعتزلة والجهمية مع اتباع مذهب السلف، ولما كانت خبرته بمذهب السلف قليلة أراد أن يجمع بين تلك الأصول ومذهب السلف الذي حكاه بإجمال، حكى بعضه كما يعتقده، لا كما هو في واقع الأمر. يقول شيخ الإسلام عن الأشعري: "وأقرب الأقوال إليه قول ابن كلاب، فأما ابن كلاب فقوله مشوب بقول الجهمية، وهو مركب من قول أهل السنة وقول الجهمية. وكذلك الأشعري في الصفات. وأما في القدر والإيمان فقوله قول جهم. وأما ما حكاه عن أهل السنة والحديث وقال: "وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول إليه نذهب" ((المقالات للأشعري)) (ص: 297) – ت ريتر 1/325 ط عبدالحميد. ، فهو أقرب ما ذكره، وبعضه ذكره عنهم على وجهه، وبعضه تصرف فيه وخلطه بما هو من أقوال جهم في الصفات والقدر؛ إذ كان هو نفسه يعتقد صحة تلك الأصول. وهو يحب الانتصار لأهل السنة والحديث، وموافقتهم، فأراد أن يجمع بين ما رآه من رأي أولئك، وبين ما نقله عن هؤلاء، ولهذا يقول فيه طائفة: إنه خرج من التصريح على التمويه، كما يقوله طائفة: إنهم الجهمية الأناث، وأولئك الجهمية الذكور" ((مجموع الفتاوى)) (16/308-309).
والتناقض الذي وقع فيه متقدمو الأشعرية، موجود في مذهبهم في الصفات، وكلام الله، والقدر، وغير ذلك من المسائل التي خالفوا فيها أهل السنة.
والشيء الملفت هنا – أن المتأخرين من الأشاعرة، وهم أكثر تناقضا – اتهموا المتقدمين من أئمتهم بالتناقض، يقول شيخ الإسلام عن ابن كلاب والأشعري وبعض الصفاتية: إنهم يقولون: إن الله تعالى فوق العرش، وإنه مع ذلك ليس بجسم ولا متحيز قال شيخ الإسلام: "والمنازعون لهم في كونه فوق العرش كالرازي ومتأخري الأشعرية وكالمعتزلة يدعون أن هذا تناقض مخالف للضرورة العقلية"، ثم يقول في المفاضلة بين الأولين – أي متأخري الأشعرية كالرازي والجويني – وهؤلاء – أي متقدمي الأشعرية-: "تبين أن الأولين أعظم مخالفة للضرورة العقلية، وأعظم تناقضا من هؤلاء، وأن هؤلاء (أي الجويني وابن كلاب) لا يسع أحدهم في نظره ولا مناظرته أن يوافق أولئك على ما سلكوه من النفي فرارا مما ألزموه إياه من التناقض؛ لأنه يكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، فيكون الذي وقع فيه من التناقض ومخالفة الفطرة الضرورية العقلية أعظم مما فر منه، مع ما في ذلك من مخالفة القرآن والسنة وما اتفق عليه سلف الأمة، وإن كان قد يضطر إلى نوع باطل في الأول، فإنه بمنزلة قول الواقف في الرمضاء: أنا أجد حرارتها وألمها، فيقال له: النار التي فررت إليها أعظم حرارة وألما، وإن كنت لا تجدها حين وقوفك على الرمضاء، بل تجدها حين تباشرها – فيكون قد فر من نوع تناقض وخلاف بعض الضرورة، فوقع في أنواع من التناقضات ومخالفة الضرورات، وبقى ما امتاز به الأول في كلامه من الزندقة والإلحاد، ومشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتباع غير سبيل المؤمنين: زيادة على ذلك" ((نقض التأسيس)) المطبوع (2/110-111)، وقد بين فيما بعد تناقض المتقدمين والمتأخرين من الأشعرية وأن كلا منهم اتهم الآخر بالتناقض (ومعلوم اتهام المتقدمين للمتأخرين إنما هو يوافق الحال لا بالمقال)، انظر ((نقض التأسيس)) المخطوط (3/200-202).
وهؤلاء المتأخرون إنما رموا أئمتهم المتقدمين بالتناقض لأنهم كانوا عارفين بالأصول العقلية التي اعتمدها هؤلاء، وأنها تقتضي أن يلتزموا لوازمها وأن لا يهابوا أهل الحديث بل يصرحوا بما تقتضيه هذه الأصول ولوازمها. وهذا هو ما فعله المتأخرون وطبقوه انظر: ((مجموع الفتاوى)) (16/309).
واتهام المتأخرون للمتقدمين بالتناقض يدل عليه ما حوته كتبهم التي صرحوا فيها بمخالفة السلف ومخالفة أئمتهم، وما يذكرونه من الأدلة والمناقشات لعقائدهم – وخاصة في مسائل العلو والاستواء، والصفات الخبرية، والرؤية – تحمل في ثناياها الاتهام لشيوخهم وأئمتهم بالتناقض، وهم قد لا يصرحون بذلك لأن هؤلاء هم أئمة المذهب، وبهم يقتدون في المسائل الأخرى التي وافقوهم فيها.
ومع ذلك فأحيانا يصرحون: ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره أبو المعالي الجويني في مسألة الصفات الخبرية كالوجه واليدين، التي أثبتها متقدمو الأشعرية – الذين ينفون الصفات الاختيارية عن الله تعالى، ولذلك يؤولون الاستواء والنزول والمجيء، إما بتأويلات صريحة كما فعل المتأخرون، وإما بجعلها من صفات الذات لا من صفات الفعل، وأن الاستواء – مثلا – فعل فعله الله في العرش سماه استواء، كما هو قول الأشعري – فالجويني يقول لهؤلاء إذا كنتم أثبتم الصفات الخبرية بظواهر الآيات فيلزمكم أن تثبتوا بقية الصفات كالاستواء والنزول والجنب بظواهر النصوص أيضا، أما إذا سوغتم تأويل هذه فلا يبعد تأويل الصفات الخبرية: يقول الجويني عن الصفات الخبرية، "ومن سلك من أصحابنا سبيل إثبات هذه الصفات بظواهر هذه الآيات ألزمه سوق كلامه أن يجعل الاستواء والمجيء والنزول والجنب من الصفات تمسكا بالظاهر، فإن ساغ تأويلها فيما يتفق عليه، لم يبعد أيضا طريق التأويل فيما ذكرناه" ((الإرشاد)) للجويني (ص: 157-158). فهو يقول: إن تأويل هذه والمنع من تأويل تلك تناقض. فإما إثبات الجميع، أو تأويل الجميع. ويلاحظ أن هذا يقال للجويني أيضا.
والنماذج التي ذكرها شيخ الإسلام لتناقض الأشاعرة كثيرة، ومن أمثلتها:
1- ذكر شيخ الإسلام – في أثناء رده على الجويني – الذي سمى أصحابه أهل الحق وذكر ما يتميزون به عن المعتزلة، وتكلم بكلام عجيب حول أخبار الصفات حتى إن الإمام القرطبي انتقد كلامه في ذلك انظر: كلام الجويني وتعليق القرطبي في ((التسعينية)) (ص: 244-245). – أنواعا كثيرة من التناقضات في المذهب الأشعري، فقال – بعد رده على الجويني من وجوه عديدة-: "الوجه الرابع عشر أن يقال له: هؤلاء الذين سميتهم أهل الحق، وجعلتهم قاموا من تحقيق أصول الدين بما لم يقم به الصحابة، هم متناقضون في الشرعيات والعقليات:
أما الشرعيات: فإنهم تارة يتأولون نصوص الكتاب والسنة، وتارة يبطلون التأويل، فإذا ناظروا الفلاسفة والمعتزلة – الذين يتأولون نصوص الصفات مطلقا، ردوا عليهم، وأثبتوا لله الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر ونحو ذلك من الصفات – وإذا ناظروا من يثبت صفات أخرى دل عليها الكتاب والسنة كالمحبة والرضا والغضب والمقت والفرح والضحك ونحو ذلك تأولوها، وليس لهم فرق مضبوط بين ما يتأول وما لا يتأول، بل منهم من يحيل على العقل، ومنهم من يحيل على الكشف، فأكثر متكلميهم يقولون: ما علم ثبوته بالعقل لا يتأول، وما لم يعلم ثبوته بالعقل يتأول، ومنهم من يقول: ما علم ثبوته بالكشف والنور الإلهي لا يتأول، وما لم يعلم ثبوته بالعقل يتأول، وكلا الطريقين ضلال وخطأ من وجوه.... ((التسعينية)) (ص: 257-258). "، ثم قال: "وأما تناقضهم في العقليات فلا يحصى:
"مثل قولهم: إن الباري لا يقوم به الأعراض، ولكن تقوم به الصفات، والصفات والأعراض في المخلوق سواء عندهم، فالحياة والعلم والقدرة والإرادة والحركة والسكون في المخلوق هو عندهم صفة وهو عندهم عرض، ثم قالوا في الحياة ونحوها هي في حق الخالق صفات وليست بأعراض، إذ العرض هو ما لا يبقى زمانين، والصفة القديمة باقية...".
"وكذلك قولهم: إن الله يرى كما ترى الشمس والقمر من غير مواجهة ولا معاينة وأن كل موجود يرى حتى الطعم واللون".
"وأن المعنى الواحد القائم بذات المتكلم يكون أمرا بكل ما أمر به ونهيا عن كل ما نهى عنه، وخبرا بكل ما أخبر به، وذلك المعنى إن عبر عنه بالعربية فهو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرانية فهو التوراة، وأن عبر عنه بالسريانية فهو الإنجيل، وأن الأمر والنهي والخبر صفات للكلام لا أنواع له وأن هذا المعنى يسمع بالأذن – على قول بعضهم إن السمع عنده متعلق بكل موجود – وعلى قول بعضهم إنه لا يسمع بالأذن، لكن بلطيفة جعلت في قلبه، فجعلوا السمع من جنس الإلهام...".
"ومثل قولهم: إن القديم لا يجوز عليه الحركة والسكون ونحو ذلك لأن هذه لا تقوم إلا بمتحيز، وقالوا: إن القدرة والحياة ونحوهما يقوم بقديم غير متحيز. وجمهور العقلاء يقولون: إن هذا فرق بين المتماثلين.
"وكذلك زعمهم أن قيام الأعراض التي هي الصفات قائمة بالرب ولا تدل على حدوثه" ((التسعينية)) (ص: 259-260).
ثم ذكر شيخ الإسلام نماذج أخرى ((التسعينية)) (ص: 260-261). ، ويلاحظ هنا أن شيخ الإسلام اقتصر على ذكر وجه التناقض، ولم يكن هدفه أن يبين وجه الحق في كل مسألة ذكرها، فمثلا في المسألة الأخيرة التي فرقوا فيها بين الصفات والأعراض فقالوا إن الأعراض إذا قامت بالمحل دلت على حدوثه، وأما الصفات فهي قائمة بالله ولا تدل على حدوثه، بين شيخ الإسلام أن هذا تناقض أن قيام الأعراض إن دلت على الحدوث فالصفات كذلك، وقيام الصفات إن لم تدل على الحدوث فالأعراض  كذلك، والمقصود أن لا يفهم من ظاهر عبارة الشيخ أنه ينكر قولهم: إن الصفات قائمة بالرب ولا تدل على حدوثه، بل هو ينكر ويبين تناقضهم، وإلا فالله تعالى تقوم به الصفات، كما أنه تعالى يتكلم إذا شاء متى شاء، وينزل ويجيء إذا شاء – وهذه وإن سموها أعراضا – فهي لا تدل على حدوث البارئ تعالى.
2- ومن الأمثلة على تناقض الأشاعرة أنهم في مسألة الترجيح بلا مرجح مرة يقولون: إن القادر المختار يرجح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، ومرة يقولون بعكس ذلك وأن القادر لا يرجح أحد طرفي الممكن إلا بمرجح، وسبب التناقض اختلاف الحالة التي يستدلون لها: فإنهم إن كانوا في موقع مناظرة الفلاسفة الدهرية حول حدوث العالم، ردوا عليهم بقولهم "إن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح، وقالوا: إن ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بغير مرجح يصح من القادر المختار ولا يصح من العلة الموجبة" انظر: ((درء التعارض)) (9/166). ، ويلاحظ أن هذا جواب للمعتزلة أيضا يجيبون به الفلاسفة. وإن كانوا في موقع الرد على القدرية المعتزلة في مسألة خلق أفعال العباد وأن الله هو الخالق لها ردوا عليهم بقولهم "إنه لا يتصور ترجيح الممكن، لا من قادر ولا من غيره إلا بمرجح يجب عنده وجود الأثر" ((درء التعارض)) (1/326). ، يقول شيخ الإسلام معلقا على الأشاعرة: "فهؤلاء إذا ناظروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم لم يجيبوهم إلا بجواب المعتزلة، وهم دائما إذا ناظروا المعتزلة في مسائل القدر يحتجون عليهم بهذه الحجة التي احتجت بها الفلاسفة، فإن كانت هذه الحجة صحيحة بطل احتجاجهم على المعتزلة، وإن كانت باطلة بطل جوابهم للفلاسفة. وهذا غالب على المتفلسفة والمتكلمين المخالفين للكتاب والسنة تجدهم دائما يتناقضون، فيحتجون بالحجة التي يزعمون أنها برهان باهر، ثم في موضع آخر يقولون: إن بديهة العقل يعلم بها فساد هذه الحجة" انظر: ((درء التعارض)) (1/326).
وهذا يشبه تناقض الأشاعرة في مسألة أصوات العباد، حيث إنهم حينما يردون على المعتزلة يقولون: إنها ليست فعلا للعباد، فإذا جاءوا إلى مسألة القرآن قالوا أصوات العباد فعل لهم وهذا تناقض انظر: ((الصفدية)) (1/154).
3- وفي موضوع النبوات وما يتعلق بها من المعجزات الدالة على صدق الأنبياء ذكر شيخ الإسلام جوانب كثيرة دالة على تناقضهم:
من ذلك أن بعضهم يقول: إن دلالة المعجزة على التصديق معلومة بالاضطرار، ثم يقولون: عن الله لا يفعل لحكمة، وليست أفعاله تعالى معللة. وهذا تناقض إذ كيف تدل المعجزة – التي هي من أفعال الله ومفعولاته – على صدق النبي، والله لا يفعل لحكمة أبدا؟ يقول شيخ الإسلام: "وأما الطريقة الثانية وهي أجود وهي التي اختارها أبو المعالي وأمثاله، فهو أن دلالة المعجز على التصديق معلوم بالاضطرار، وهذه طريقة صحيحة لمن اعتقد أن الله يفعل لحكمة، وأما إذا قيل: إنه لا يفعل لحكمة انتفى العلم الاضطراري. والأمثلة التي يذكرونها كالملك الذي جعل آية لرسوله خارجا عن عادته، إنما دلت للعلم بأن الملك يفعل شيئا لشيء، فإذا نفوا هذه بطلت الدلالة" ((النبوات)) (ص: 361)، وانظر (ص: 56).
ومثل ذلك من علق صدق النبوة على القدرة، وأن الله قادر على أن يميز بين الصادق والكاذب، إنما صح ذلك مع إثبات الحكمة والتعليل، أما مع نفيها فهو متناقض ((النبوات)) (ص: 361 – 362).
ومن تناقضهم في هذا الباب قولهم عن المعجزات: إن الله لا يمكن أن يخلقها على يد كاذب، ثم يقولون: إن الله لا ينزه عن فعل أي ممكن، وأنه لا يقبح منه فعل، وحينئذ فيقال لهم قولكم متناقض لأنه إذا جاز أن يفعل الله القبيح جاز أن يخلق المعجزة على يد كذاب، يقول شيخ الإسلام معلقا على قولهم إن الله لا يمكن أن يخلق المعجزة على يد كاذب: "لكن المطالب يقول: كيف يستقيم على أصلكم أن يكون ذلك دليل الصدق، وهو أمر حادث مقدور، وكل مقدور يصح عندكم أن يفعله الله، ولو كان فيه من الفساد ما كان، فإنه عندكم لا ينزه عن فعل ممكن، ولا يقبح منه فعل، فحينئذ إذا خلق على يد الكاذب مثل هذه الخوارق لم يكن ممتنعا على أصلكم، وهي لا تدل على الصدق البتة على أصلكم... فأنتم بين أمرين: إن قلتم لا يمكنه خلقها على يد الكاذب وكان ظهورها ممتنعا فقد قلتم: إنه لا يقدر على إحداث حادث قد فعله مثله، وهذا تصريح بعجزه... وإن قلتم: يقدر، لكنه لا يفعل، فهذا حق وهو ينقض أصلكم" ((النبوات)) (ص: 154-155). ومعلوم أن من أكثر ما تخبط فيه الأشاعرة مسألة المعجزات.
4- ومن الأمثلة على تناقضهم قولهم: إن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر ثم يقولون لا واجب إلا بالشرع خلافا للمعتزلة، وهذا تناقض بين انظر ((درء التعارض)) (8/12-16).
والأمثلة على تناقض الأشاعرة كثيرة، وما سبق كاف لإثبات ذلك، وهناك جوانب أخرى من تناقضهم ذكرها شيخ الإسلام انظر مثلا: ((نقض التأسيس)) المخطوط (3/167)، و((درء التعارض)) (1/357، 2/390، 3/206-207، 254-256، 5/238، 343-345) و((مجموع الفتاوى)) (5/209-289)، و((التسعينية)) (ص: 168-169، 221)، و((شرح الأصفهانية)) (ص: 153، 355) – ت العودة، وغيرها.
5- ويذكر شيخ الإسلام – إضافة إلى ما سبق – تناقض بعض أعلامهم:
أ- ومن ذلك تناقض الشهرستاني والرازي والآمدي الذين أثبتوا جواهر معقولة غير متحيزة موافقة للفلاسفة الدهرية: وقالوا: إنه لا دليل على نفيها، يقول شيخ الإسلام مخاطبا هؤلاء حول العلو نفيهم له لالتزامه على زعمهم التحيز: "أنتم إذا ناظرتم الملاحدة المكذبين للرسل فادعوا إثبات جواهر غير متحيزة عجزتم عن دفعهم أو فرطتم فقلتم: لا نعلم دليلا على نفيها أو قلتم بإثباتها. وإذا ناظرتم إخوانكم المسلمين الذين قالوا بمقتضى النصوص الإلهية والطريقة السلفية وفطرة الله التي فطر عباده عليها، والدلائل العقلية السليمة عن المعارض وقالوا: إن الخالق تعالى فوق خلقه، سعيتم في نفي لوازم هذا القول وموجباته وقلتم: لا معنى للجوهر إلا المتحيز بذاته، فإن كان هذا القول حقا فادفعوا به الفلاسفة الملاحدة، وإن كان باطلا فلا تعارضوا به المسلمين، أما كونه يكون حقا إذا دفعتم ما يقوله إخوانكم المسلمين، ويكون باطلا إذا عجزتم عن دفع الملاحدة في الدين فهذا طريق من بخس حظه من العقل والدين وحسن النظر والمناظرة عقلا وشرعا" ((درء التعارض)) (4/163). فهذا التناقض إنما هو لمن قال بالجواهر العقلية، أو قال إنه لا دليل على نفيها، وهؤلاء مع الغزالي لهم تناقضات أخرى في المنطق وما يتعلق به من مسألة تماثل الأجسام أشار شيخ الإسلام إلى جوانب منها انظر: ((درء التعارض)) (4/173-182). وهو من المباحث المهمة في بيان تناقض هؤلاء.
ب- تناقض الرازي. وقد أشار شيخ الإسلام إلى أمثلة عديدة من تناقضه ومن ذلك:
1- تناقضه في مسألة حدوث الأجسام، فمرة يثبته، ومرة يذكر فساد حجج من يثبته انظر: ((درء التعارض)) (4/290).
2- وفي إثبات العلو قال في نفيه بالدليل العقلي: إنه يلزم منه النقص على الله تعالى، وفي نهاية العقول ذكر أن امتناع النقص على الله لم يعلم بالعقل انظر: ((نقض التأسيس)) المطبوع (2/292-297).
3- وسورة الإخلاص قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص: 1-2] قال فيها مرة إنها من المحكمات. وفي موضع آخر جعلها من المتشابهات انظر: ((نقض التأسيس)) المخطوط (2/54-55).
4- والجوهر الفرد وما يتعلق به من كون الحركة لها وجود أو ليس لها وجود، مرة أثبت ذلك ومرة نفاه انظر ((شرح الأصفهانية)) (ص: 306) – ت العودة.
هذه نماذج لتناقض الأشاعرة في مذهبهم، وفي أقوال أئمتهم، ولاشك أن جود التناقض وكثرته يدل على ضعف المذهب، وضعف الأدلة التي بني عليها.موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – 2/881

انظر أيضا: