موسوعة الفرق

المطلب السادس: هل يجب على الله تعالى شيء؟


أن المعتزلة بناء منهم على القول بالحسن والقبح العقليين، أوجبوا على الله تعالى أمورا، كالصلاح واللطف.
وأن الأشاعرة والسلف والماتريدية منعوا أن تكون واجبة عليه.
معنى الوجوب
تستعمل كلمة "وجب" في اللغة بمعنى سقط، والواجب بمعنى الساقط، ومنه قوله تعالى: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا [الحج: 36] أي سقطت على الأرض.
كما تستعمل بمعنى لزم. قال في القاموس:
"وجب يجب وجوبا وجبة لزم، ثم قال: واستوجبه استحقه، والوجيبة الوظيفة، ووجب يجب وجيبة سقط" الفيروزأبادي، ((القاموس المحيط)) (1/ 141).
ويطلق واجب الوجود على الله تعالى. ونلاحظ أن معاني الوجوب المذكورة تدور حول اللزوم، أي أن الواجب هو اللازم؛ لأن الدابة إذا سقطت مذبوحة فإنها تلزم الأرض.
وكذلك الوجيبة بمعنى الوظيفة فيها معنى اللزوم. أما استوجبه بمعنى استحقه فظاهر فيه معنى اللزوم، أي لزم له هذا الحق، وتعين أداؤه له.
إذا فالوجوب بمعنى اللزوم، والواجب هو اللازم.
المراد بالوجوب في حق الله:
فإذا قيل: يجب على الله تعالى شيء فإما أن يراد بالواجب:
أولا: ما يستحق تاركه الذم.
ثانيا: أو ما يكون تركه مخلا بالحكمة؛ فيكون لازما لاقتضاء الحكمة إياه.
ثالثا: أو هو عبارة عما قدر الله تعالى على نفسه أن يفعله ولا يتركه، وإن كان تركه جائزا.
والتعريف: الأول والثاني ينسبان للمعتزلة، والتعريف الثالث اختيار بعض المتكلمين.
هذا ما ذكره الجلال الدواني في معاني الواجب الجلال الدواني: ((شرح العقائد العضدية، المطبوع مع حاشية الكلنبوي)) (ص: 186). أما الآمدي فقد ذكر معاني الواجب، فقال:
"ثم إن الواجب قد يطلق على الساقط...
وقد يطلق على ما يلحق بتاركه ضرر...
وقد يطلق على ما يلزم من فرض عدمه المحال" الآمدي، ((غاية المرام)) (ص: 229).
والمقصود بما يلزم من فرض عدمه المحال: هو ما علم الله وقوعه فيقال وقوعه واجب، بمعنى أنه إن لم يقع يؤدي إلى أن ينقلب العلم جهلا، وذلك محال فيكون معنى وجوبه أن ضده محال الغزالي، ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص: 169).
رأي الأشاعرة في مسألة الوجوب في حق الله:
ذهبت الأشاعرة إلى أن الله تعالى لا يجب عليه شيء؛ لأنه المالك على الإطلاق، وله التصرف في ملكه كيف يشاء. وإليك ما قاله الجلال الدواني في إبطال معاني الوجوب الثلاثة في حقه تعالى:
"والأول باطل؛ لأنه تعالى المالك على الإطلاق، وله التصرف في ملكه كيف يشاء، فلا يتوجه إليه الذم أصلا على ترك فعل من الأفعال، بل هو المحمود في كل أفعاله.
وكذا الثاني؛ لأنا نعلم إجمالا: أن جميع أفعاله تتضمن الحكم والمصالح، ولا يحيط علمنا بحكمته ومصلحته، على أن التزام رعاية الحكمة والمصلحة مما لا يجب عليه تعالى لايسأل عما يفعل وهم يسألون.
وكذا الثالث؛ لأنه إن قيل بامتناع صدور خلافة عنه تعالى، فهو ينافي ما صرح به في تعريفه من جواز الترك، وإن لم يقل به فات معنى الوجوب، وحينئذ يكون محصله أن الله تعالى لا يتركه على طريق جري العادة، وذلك ليس من الوجوب في شيء بل يكون إطلاق الوجوب عليه مجرد اصطلاح" الجلال الدواني، ((شرحه على العقائد العضدية)) (2/186-189).
وبهذا نرى أن الأشاعرة يمنعون وجوب شيء في حقه تعالى عقلا؛ لأنه المالك المتصرف على الإطلاق.
رأي المعتزلة:
أما المعتزلة فقد ذهبوا إلى القول بوجوب بعض الأفعال على الله، وعدوا ذلك من أمور العدل.
ويقول القاضي عبدالجبار في ذلك:
"وأما علوم العدل؛ فهو أن يعلم أن أفعال الله تعالى كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخل بما هو واجب عليه، وأنه لا يكذب في خبره، ولا يجور في حكمه" القاضي عبدالجبار. ((شرح الأصول الخمسة)) (ص: 132).
فهم يرون وجوب ما حكم العقل بحسنه على الله تعالى، بمعنى أن تركه نقص يتنزه الله عنه.
وقال متأخرو المعتزلة: إن معنى الوجوب على الله تعالى: "إنه يفعله البتة ولا يتركه، وإن جاز أن يتركه"، فليس كل من الفعل والترك لازما لذاته بحيث يستحيل الطرف الآخر.
وأجيب عن هذا القول من قبل الأشاعرة:
"بأن الوجوب على هذا مجرد تسمية؛ إذ يكون محصله: أن الله تعالى لا يتركه على سبيل جري العادة، وذلك ليس من الوجوب في شيء، بل إطلاق الوجوب عليه مجرد اصطلاح" عبدالحكيم السيالكوتي، حاشيته على ((شرح النسفية)) (2/ 160).
وقال صاحب المسايرة في بيان مراد المعتزلة بالواجب على الله:
"واعلم أنهم يريدون بالواجب ما يثبت بتركه نقص بسبب ترك مقتضى قيام الداعي، وهو هنا كمال القدرة والغني مع انتفاء الصارف فترك المذكورة – أي ترك رعاية الأصلح للعباد – مع ذلك بخل يجيب تنزيهه عنه فيجب، أي لا يمكن أن يقع غيره لتعاليه عما لا يليق" الكمال بن الهمام، ((المسايرة المطبوع مع الشرح)) (ص: 142، 143).
الرأي الراجح:
لقد سلك كل من المعتزلة والأشاعرة في مسألة الوجوب على الله طريقين كلاهما خطأ، ولم يوفقوا لطريق الحق الذي هو الطريق الوسط، والذي دل عليه الكتاب والسنة، وتوضيح ذلك:
1- أن المعتزلة أفرطوا في تمجيد العقل، حتى أوجبوا بمقتضاه على الله تعالى أمورا وحرموا عليه أمورا أخرى، ووضعوا لله شريعة التعديل والتجوير، فهم بذلك شبهوا الخالق بالمخلوق.
2- أما الأشاعرة فقد أخطأوا في إطلاقهم القول بنفي الوجوب في حقه تعالى؛ فلم ينزهوه عن فعل شيء، بناءً منهم على نفي التحسين والتقبيح العقليين. وقالوا: إن الوجوب لا يتصور في حقه؛ لأنه المالك المتصرف ولا يسأل عما يفعل، ونسوا أنه لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته.
3- وهنا يأتي دور الفريق الوسط، الذين منعوا أن يوجب العقل على الله تعالى شيئا، ولكن لم يمنعوا أن يوجب الله على نفسه بعض الأمور التي يقتضيها كماله، والتي أخبر أنه أوجبها على نفسه، كما قال تعالى: وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: 54]
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الله لما قضى الخلق كتب على نفسه كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش أن رحمتي تغلب غضبي)) رواه البخاري (7404), ومسلم (2751) من حديث أبي هريرة رضي الله.
هذا، ولا يلزم من كونه تعالى أوجب على نفسه بعض الأمور أن يكون فاعلا بالإيجاب، أي لا اختيار له؛ لأنه سبحانه أوجبه على نفسه باختياره، فإذا شاء الحسن واختاره لم يكن ذلك نافيا للاختيار، فاختياره وإرادته اقتضت التعلق بما كان حسنا، على وجه اللزوم، فكيف لا يكون مختارا!
ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – موقف السلف في مسألة الوجوب على الله، حيث يقول:
"وأما الإيجاب عليه سبحانه وتعالى، والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية – أي المعتزلة – وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول. وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئا.
ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب قال: إنه كتب على نفسه الرحمة، وحرم الظلم على نفسه، لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئا كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان والعمل الصالح" ابن تيمية، ((اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم)) (ص409 ،410). الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع المدخلي - ص 106

انظر أيضا: