trial

موسوعة الفرق

المبحث الأول: نشأتها وتاريخها


تُعد (ستيه بير) إحدى الفرق التي نشأت بين المسلمين في القرن العاشر الهجري في إقليم (البنغال) من البلاد الهندية. وكلمة (ستيه) تستعمل في اللغة الهندية والبنغالية بمعنى الصادق أو الحق. ولفظ (بير) فارسي معناه (كبير السن) ويقصد به الشيخ أو المرشد الصوفي، أي: شيخ الطريقة. وستيه بير كشخص الشيخ الصادق أو الحق، وكفرقة (الشيخية الصادقة) أو (الحقة).
بدأت (ستيه بير) كفرقة لها عقائدها الخاصة بها، وبمرور الزمن تلاشت كفرقة، ولكن عقائدها بقيت شائعة في جماعة المسلمين في إقليم (البنغال) حتى هذه اللحظة.
وقد كثرت الحكايات والأساطير في نشأة هذه الفرقة، وذلك ناتج عن كثرة الخلاف بين الباحثين والكتاب الذين تصدوا للتاريخ لهذه الفرقة، وفيما يلي ذكر بعض الروايات...
- هناك روايات كثيرة في مؤسس مذهب (ستيه بير) منها رواية للمسلمين، ورواية للهندوس، وقيل - أن مؤسس مذهب (ستيه بير) هو (الملك علاء الدين حسين شاه) ملك (البنغال).
ويذهب بعض الباحثين إلى أن (ستيه بير) عقيدة نشأت نتيجة الظلم والاستعمار والاضطهاد الأجنبي لهذه البلاد، فكثرة الحروب والتقلبات السياسية، وانتشار القنوط واليأس بين أهالي إقليم (البنغال) جعلهم يفكرون بجد في طريق الخلاص من هذا الوضع المؤلم.
ويرى البعض أن (الشيخ عبد القادر الجيلاني) هو المقصود بـ(ستيه بير)؛ لأنه اشتهر في هذه البلاد بلقب (برا بير) أي: الشيخ الكبير، و(بير برحق) أي: الشيخ الحق انظر: مسلم مانش وبنغلا شاهتة ((الفكر الإسلامي والأدب البنغالي))، لأنيس الزمان (ص: 137-138)، جامعة داكا، بنغلاديش. .
هذه هي أشهر الحكايات والأساطير التي يذكرها الباحثون والكتاب عن نشأة (ستيه بير)، وهناك أساطير وروايات أخرى ترجع كلها إلى أصول هندوسية، وهي تطفح بأسماء آلهتها وبطولاتهم، وأفاعيلهم ما لا يدع مجالاً للشك أنها من وضع كتاب الهندوس.
ويتأكد لدى الباحث عند التأمل في هذه الأساطير والروايات، أن الفكر الهندوسي هو العامل المباشر فيها، إذا أن الرواية الأولى التي سماها الباحثون (الرواية لدى الهندوس) لا شك أنها من وضع كتاب الهندوس لتعمية حقائق الدين الحنيف أمام المسلمين في هذه البلاد، ولزعزعة ولائهم للدين الإسلامي باختلاق هذه الأساطير، حتى الرواية الثانية التي نسبت إلى بعض كتاب المسلمين، العنصر الهندوسي بارز فيها، حيث نجد أسماء ورموز الأسطورة كلها هندوسية مما لا يدع مجالاً للشك أنها من وضع كتاب الهندوس، نقل عنهم بعض كتاب المسلمين.
وأما ما ينسب إلى (الملك علاء الدين حسين شاه) من أنه هو الذي قام بتأسيس هذا المذهب، فهذا محل النظر؛ لأنه لم يثبت ذلك بطريقة علمية موثوق بها، والذين نسبوا ذلك إليه ذكروه بصيغة التضعيف والتشكيك، مما يضعف من قيمة صحة النسبة إليه، وشبه بعضهم قصة الغرام التي وضعت حول عشق (الملك علاء الدين حسين شاه) لإحدى بنات جاره أو وزيره بقصص (ألف ليلة وليلة)، ويعني ذلك أنها أسطورة خرافية لا أساس لها من الصحة.
كما ذكر البعض الآخر أن وضع هذه الأساطير، واختلاف هذه الروايات حول (الملك حسين شاه) جاءت نتيجة الرخاء والرفاهية التي كان ينعم بها شعب (البنغال) في عصر الملك المذكور، فعندهم سعة في الرزق، وفراغ في الوقت، فكانوا يشغلون فراغهم بترديد مثل هذه الأساطير في أنديتهم ومجالسهم انظر: سلطان عملي بنغلا شاهته ((الأدب البنغالي في عهد السلطان))، لوكيل أحمد (ص: 87)، بنغلا بازار، داكا. .
وأما الذين قالوا: إن نشأة (ستيه بير) كان سببها واقع سكان (البنغال) من مسلمين وهندوس نتيجة الظلم والاضطهاد والاستعمار الأجنبي، فهذا الرأي يذهب إليه عادة من يقول: إن واقع الشعوب هو مصدر المعتقدات الدينية نتيجة الظروف والأحوال التي يعيشونها، فهؤلاء طبعيون، لا صحة لكلامهم، ثم إن نشأة (ستيه بير) لم تكن نتيجة ظروف البنغال – كما يزعم هؤلاء الباحثون – بل نشأت نتيجة خطة مدبرة وضعها أذكياء الهندوس لصد الزحف الإسلامي في هذه البلاد.
وأما القول بأن (ستيه بير) هو (الشيخ عبد القادر الجيلاني) فهذا محض خيال، لا يدل عليه عين ولا أثر، والأساطير التي وضعت في نشأة (ستيه بير) لا يوجد فيه أي ذكر أو علاقة مع (الشيخ عبد القادر)، فهو احتمال بعيد ذكره بعض الكتاب؛ لما يتمتع به (الشيخ عبد القادر الجيلاني) من الشهرة عند المسلمين في هذه البلاد.
فتبين واضحاً من التأمل في الأساطير والروايات، أن (الفكر الهندوسي) هو العامل الأساسي وراء اختلاق هذه الأساطير، ووضع هذه الروايات، وذلك لهدف زعزعة عقيدة المسلمين من ناحية، ولصد الهندوس عن الدخول في الإسلام من ناحية أخرى، وساعد في انتشار هذه الأساطير في المجتمع الإسلامي، والاعتقاد في (ستيه بير) جهل المسلمين بتعاليم دينهم، وغلوهم الشديد في تعظيم (الـ بيرات) أي: المشائخ الصوفية.


انظر أيضا: