trial

موسوعة الفرق

المبحث الرابع: آثارها


خلفت الحركة (المهدوية) آثاراً سيئة ظلت شبه القارة الهندية تعاني منها حتى هذه الأيام، وذلك على الدين والمجتمع على السواء.
ويمكن تلخيص تلك الآثار في الأمور الآتية:
أولاً: التشويش والمغالطة في عقيدة المهدي:
استغلال (السيد محمد الجونبوري) عقيدة ظهور المهدي في آخر الزمان شر استغلال للتشويش والمغالطة، وادعى أنه هو المهدي الموعود، واستدل على ذلك – على حد زعمه – بكثير من الآيات القرآنية بعد تحريف معانيها، وحملها على غير محاملها. وهكذا بالأحاديث النبوية وتأويلها تأويلاً بعيداً لا تستسيغها العقول.
مستعيناً في ذلك بقوة شخصيته، وسرعة تأثيره في الناس، وملكته الخطابية، وقدرته على الجدل، وجرأته في الدعوة، وسلوكه سلوك الزاهدين، استغل ذلك كله بقوة في التأثير على الناس، وكسب الدعاة والمريدين، وإرغامهم على الاعتقاد بأنه المهدي الموعود.
ثانياً: تكفير المسلمين:
من أهم آثار هذه الحركة الضالة أيضاً تكفير من لا يؤمن بالمهدي المزعوم... قول المتمهدي ودعاة (المهدوية) أن من لا يؤمن بالمهدي فهو كافر.
وقد نقل عنهم هذا الحكم كبار علماء القرن العاشر الهجري في بلاد القارة الهندية هذا المحدث الشهير (الملا علي القاري) يقول عنهم:
(وقد ظهر في البلاد الهندية جماعة تسمى المهدوية، ولهم رياضات عملية، وكشوفات سفلية، وجهالات ظاهرية، من جملتها: (أنهم يعتقدون أن المهدي الموعود الذي ظهر، ومات ودفن في بلاد (خراسان) وليس يظهر غيره مهدي في الوجود. ومن ضلالتهم أنهم يعتقدون أن من لم يكن على هذه العقيدة فهو كافر) انظر: ((المرقاة شرح المشكاة)) (10/179)، مكتبة إمدادية، ملتان – باكستان. .
وكان من نتيجة هذا التكفير استخدام العنف، والعمل بالاغتيالات ضد من يسمونهم بـ أعداء المهدوية. وكان المهدويون عبر التاريخ إذا غلبت شوكتهم في بلد ما، وزادت قوتهم، لا يتحرجون في قتل مخالفيهم بعد تكفيرهم، كما حدث في إقليم (كجرات) بعد وفاة المتمهدي حيث رحل عدد كبير من الدعاة المهدويين من منطقة (فراه) إلى إقليم (كجرات)، فالتف حولهم المهدويون، فجعلوا ينشرون الدعوة (المهدوية) فقبلها كثير من العوام والجهلة وعسكر السلطان، فقويت شوكتهم، وبدأوا يستعملون القوة في إرغام الناس على قبول (المهدوية)، ومن يرفض ذلك فالموت مصيره، وإذا قتل منهم أحد يعتبرونه (أعظم الشهداء)، وقد ضحى بنفسه من أجل إصلاح الأمة حتى كثرت الاغتيالات، وعمت الفتن، وانتشر الفساد فاضطر السلطان (محمود بن لطيف) أن يطردهم ويحظر على نشاطاتهم، وذلك عام 944هـ. ولكنهم لما توفي (السلطان محمود) وتولى الشيطان مظفر حكم البلاد أعادوا الكرة من جديد انظر: ((تذكرة الشيخ محمد بن طاهر الفتني)) (ص: 60-61). .
وهكذا كان ديدنهم عبر التاريخ إثارة الفتن، وإحداث الفوضى، وإشاعة القلاقل، واستعمال السلاح لفرض آرائهم عن طريق القوة، والقيام بالاغتيالات للتخلص من مخالفيهم بعد تكفيرهم خاصة العلماء منهم، يقول (الشيخ علي المتقي الهندي):
(وكفى دليلاً على بطلان اعتقاد هذه الطائفة قتلهم العلماء، فإن خصلتهم هذه تدل على عدم الدليل على اعتقادهم وعجزهم عن إثبات معتقدهم، فهذه الخصلة وحدها تكفي على البطلان) انظر: ((البرهان في علامات مهدي آخر الزمان)) (ل/2/أ). مخطوط في مكتبة الحرم المكي الشريف تحت رقم: (873). .
ولأجل هذا أجد الباحثين والكتاب يشبهون هذه الطائفة بعصابة (الحسن بن الصباح) الذين اتخذوا القتل والاغتيال وسيلة سياسية ودينية لترسيخ معتقداتهم، ونشر الخوف والذعر في قلوب أعدائهم انظر: ((تذكرة الشيخ محمد بن طاهر الفتني)) (ص: 60). - مقال: مهدويت اور كذري فرقه ((الفرقة المهدوية والذكرية))، الحلقة الثانية، في مجلة (صراط مستقيم). .
وقد ذهب عدد كبير من الحكام والمحكومين وكبار العلماء ضحايا لهذه الاغتيالات. ومنهم: (الشيخ محمد بن طاهر الفتني) و(الشيخ أبو رجاء الشاه جهانبوري).
ثالثاً: استنزاف جهود العلماء:
إن ظهور أية فرقة ضالة في الساحة الإسلامية يستدعي انتباه علمائها فيعكفون على دراسة مبادئها وأفكارها، ويردون عليها سواء كان ذلك عن طريق المناظرات الشفوية، أو عن طريق تأليف الكتب والرسائل بالأدلة الدامغة حتى يتبين الحق من الباطل، والهدى من الضلال. وهكذا شغلت أفكار هذه الفرقة أذهان علماء الأمة في هذه البلاد منذ نشأتها، وجعلتهم يدرسونها، ويزنونها بميزان الكتاب والسنة، ويردون عليها في انحرافاتها وضلالاتها. ومن أبرز من رد علها (الشيخ علي المتقي الهندي)، و(الشيخ محمد بن طاهر الفتني)، و(الشيخ محمد أسعد المكي)، و(أبو رجاء محمد زمان خان الشامجهان بوري) و(الشيخ صديق حسن خان القنوجي) و(الشيخ حبيب الله الرائشوري)، وغيرهم كثير انظر: ((الثقافة الإسلامية في الهند)) (ص: 224). .
أضف إلى ذلك الحروب الطاحنة التي نشبت بين (المهدوية) ومخالفيهم من المسلمين، والتي ذهب ضحيتها عدد كبير من المسلمين، كما كلفت جهوداً وأموالاً طائلة كل ذلك استنزافاً لقوى الأمة وإمكاناتها، كان من الممكن أن توجه إلى ميادين أخرى فيها نفع للإسلام والمسلمين في شبه القارة الهندية، ولكنها ضاعت بسبب هذه الفرقة الضالة.


انظر أيضا: